Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١ _
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
من مدينة السلام في مجلس علي بن محمد الدامغاني قاضي القضاة ،
فأخبرني به بعض أصحابنا ، وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها
بعضهم يوما ، وذكر هذا الطعن في أبي هريرة فسقط من السقف حية
عظيمة في وسط المسجد فأخذت في سمت المتكلم بالطعن ، ونفر الناس
وارتفعوا ، وأخذت الحية تحت السواري ، فلم يدر أين ذهبت ، فارْعَوَى
من بعد ذلك من الترسل في هذا القدح . انتهى . اهـ تحفة الأحوذي
جـ١/ ص٣٢، ٣٣.
شرع الحديث
((عن أبي هريرة)): عبد الله بن عمرو على الأصح، أو عبد الرحمن
ابن صخر على المشهور ، رضي الله تعالى عنه .
((أن النبي ﴾ قال: إذا استيقظ)) : أي انتبه وليست السين والتاء
للطلب بل هو بمعنى التيقظ لازم .
((أحدكم من نومه)): قال الفيومي رحمه الله : النوم غَشْية ثقيلة
تهجُمُ على القلب، فتقطعه عن المعرفة بالأشياء ، ولهذا قيل : هوآفة ،
لأن النوم أخو الموت ، وقيل : النوم مُزيل للقوة ، والعقل ، وأما السنة
ففي الرأس ، والنعاسُ في العين ، وقيل : السنة ريح النوم تبدو في
الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعس الإنسان فينام . اهـ المصباح
جـ٢/ ص٦٣١.
وإذا شرطية جوابها جملة قوله : (( فلا (١) يغمس)) : بالتخفيف من
باب ضرب أي لايُدخل ، ويحتمل أن يكون بالتشديد من باب التفعيل ،
قاله السندي . قلت: الظاهر هو الأول . وقال السندي في قوله : إذا
استيقظ : الخ : الظاهر أن المقصود إذا شك أحدكم في يديه مطلقا سواء
(١) رواية الغمس أبين فى المراد من رواية الإدخال ، لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن
أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء ، قاله في الفتح
جـ١/ ص٣١٧٫ .

- ٢٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
كان لأجل الاستيقاظ من النوم أو لأمر آخر ، الا أنه فرض الكلام في
جزئي واقع بينهم على كثرة ليكون بيان الحكم فيه بيانا في الكلي بدلالة
العقل ، ففيه إحالة للأحكام إلى الاستنباط ، ونَوْطُهُ بالعلل ، فقالوا في
بيان سبب الحديث إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم
حارّة فإذا نام أحدهم عَرقَ فلا يأمن حالة النوم أن تطوف يده على ذلك
الموضع النجس فنهاهم عن إدخال يده في الماء . اهـ كلام السندي رحمه
الله ج١/ص٧.
قال الجامع عفا الله عنه : وسيجيء تحقيق الكلام في هذا في المسائل
الآتية إن شاء الله تعالى.
((يده)) اليد : مؤنثة ، وهي من المنكب الى أطراف الأصابع ، ولامها
محذوفة ، وهي ياء، والأصل يدي ، قيل : بفتح الدال ، وقيل
بسكنوها ، قاله في المصباح ، وقد تقدم زيادة البحث عن هذا في شرح
الآية ، فارجع إليه تزدد علما . ((في وضوئه)) بفتح الواو أي الاناء الذي
أعد للوضوء ، قاله الحافظ . وقال السيوطي : والأحسن أن يفسر بالماء
لأن الوضوء بفتح الواو اسم للماء ، وبالضم اسم للفعل.اهـ زهر
ج١/ ص٧.
قال الجامع : بل الأحسن : مافسر به الحافظ ، لأنه يشهد له رواية في
الإناء ، فتنبه .
قال الحافظ : وفي رواية الكُشْمَيْهَني في الإناء ، وهي رواية مسلم
من طريق أخرى ، ولابن خزيمة في إنائه ، أو وضوئه على الشك . اهـ
فتح ج١ / ص٣١٧.
فتفسير الوضوء بالإناء هو الواضح ، غايته أنه من إطلاق الحالّ على
المَحَلّ .

٢٠٣ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
وقال الحافظ أيضا : والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء ، ويلحق
به إناء الغسل لأنه وضوء وزيادة ، وكذا باقي الآنية قياسا ، لكن في
الاستحباب من غير كراهة لعدم ورود النهي فيها ، وخرج بذكر الإناء
البركُ والحياضُ التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها
فلايتناولها النهي . والله أعلم. اهـ فتح جـ١ / ص٣١٧-٣١٨.
قال الجامع عفا الله عنه : وسيجيء تحقيق الخلاف بين العلماء في هذا
النهي ، هل هو للتحريم أم للتأديب؟ في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
«حتی یغسلها» أي يده « ثلاثا» أي ثلاث مرات من الغسل ، قال
الشافعي رحمه الله : في البوطي : فإن لم يغسلها إلا مرة أو مرتين أو لم
يغسلها أصلا حين أدخلها في وضوئه فقد أساء. ((فإن أحدكم » الفاء
للتعليل (( لا يدري)) أي لا يعلم )) ((أين باتت يده )) كلمة أین سؤال عن
مكان الشيء ، أي في أيّ محل من جسده ، أفي محل نجس ، أم في
محل طاهر ؟
قال البيضاوي : فيه أي في قوله : ((فإن أحدكم» إيماء إلى أن الباعث
على النهي عن ذلك احتمال النجاسة لأن الشارع إذا ذكر حكما وعقبه
بعلة دل على أن ثبوت الحكم لأجلها ، ومثله قوله في حديث المحرم
الذي سقط فمات ((فإنه يبعث ملبيا)» بعد نهيهم عن تطييبه فنبه على علة
النهي ، وهي كونه محرما . اهـ عمدة ، ١٨/٢ .
قال البدر العيني : وقال النووي : قال الشافعي : معني لايدري أين
باتت يده أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة فإذا نام
أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو
على بثرة أو قملة أو قذر ، وغير ذلك .
وقال الباجي : ماقال يستلزم بغسل ثوب النائم جواز ذلك عليه ،

- ٢٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأجيب عنه بأنه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل . قال
العيني : فيه نظر لأن اليد إذا عرقت فالمحل بطريق الأولى على مالا
یخفی فلا وجه حينئذ لاختصاص الیدبه . ا هـعمدة جـ٢ / ص١٨ .
قال الجامع : وأحسن من هذا ماذكره الحافظ بعد ذكر الجواب
المذكور، ونصه : أو أن المستيقظ لا یرید غمس ثوبه في الماء حتى يؤمر
بغسله ، بخلاف اليد فإنه محتاج إلى غمسها وهذا أقوى الجوابين .
والدليل على أنه لا اختصاص لذلك بمحل الاستجمار مارواه ابن
خزيمة وغيره من طريق محمد بن الوليد عن محمد بن جعفر ، عن شعبة،
عن خالد الحذاء ، عن عبد الله بن شقيق ، عن أبي هريرة في هذا الحديث
قال في آخره « أين باتت يده منه )) وأصله في مسلم دون قوله « منه » قال
الدار قطني : تفرد بها شعبة ، وقال البيهقي : تفرد بها محمد بن الوليد .
قال الحافظ : إن أراد عن محمد بن جعفر فمسلم ، وإن أراد مطلقا فلا ،
فقد قال الدار قطني : تابعه عبد الصمد عن شعبة . وأخرجه ابن منده من
طريقه . اهـ فتح جـ١/ص٣١٨.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
(((المسألة الأولى)) في درجته : هذا الحديث متفق عليه .
((المسألة الثانية)) في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه المصنف هنا
في المجتبى والكبرى ١/١ عن قتيبة عن سفيان عن الزهري عن أبي سلمة
عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي المجتبى ٧٢/ ٩٠ عن محمد بن
زنبور، عن ابن أبي حازم، عن یزید بن عبد الله،عن محمد بن إبراهيم،
عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة ، وفي ١١٦/ ١٦١ عن إسماعيل بن
مسعود وحمید بن مسعدة، كلاهما عن یزید بن زريع ، عن معمر ، عن
الزهري ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه .

٢٠٥ -
تأويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
((المسألة الثالثة)) فيمن أخرجه من أصحاب الأصول ، وغيرهم :
أخرجه مسلم بهذا السياق في الطهارة ٢٦/ ٣ عن أبي بكر بن أبي
شيبة ، وعمرو الناقد ، وزهير بن حرب ، ثلاثتهم عن سفيان ، عن
الزهري الخ . أفاده المزي ، تحفة ، جـ١١ / ص٢٧ وقال الحافظ العراقي
رحمه الله في طرح التثريب : حديث أبي هريرة أخرجه الستة ،
الشيخان من رواية الأعرج ، ومسلم من رواية همام ، وعبد الله بن
شقيق ، وأبي رزين ، وأبي صالح ، وأبي سلمة ، وسعيد بن المسيب ،
وجابر بن عبد الله، ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن بن يعقوب ،
وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، وأبو داود من رواية أبي رزين ، وأبي
صالح ، وأبي مريم ، والترمذي ، وابن ماجه : من رواية ابن المسيب ،
وأبي سلمة . والنسائي: من رواية أبي سلمة ، كلهم عن أبي هريرة ،
وهم اثنا عشر رجلاً. اهـ طرح جـ٢/ ص٤٢. وأخرجه أحمد، ومالك،
والحميدي، والطيالسي ، وابن خزيمة ، وابن الجارود ، وأبو عوانة،
والطحاوي ، والبيهقي ، والشافعي (١)
((المسألة الرابعة)) في بيان اختلاف ألفاظه :
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى : ماحاصله : وقع في رواية أبي
داود إذا قام أحدكم من الليل ، وكذا قال ابن ماجه : ((إذا استيقظ أحدكم
من الليل))، ولمسلم، وأصحاب السنن ((في الإناء)) موضع قوله: ((في
وضوئه))، وفي رواية مسلم («في إنائه)) ، وفي رواية له ((حتي يغسلها
ثلاثا)) ، وفي رواية له ((ثلاث مرات))، وكذا قال أبو داود ، والنسائي ،
قال مسلم : ولم يقل واحد منهم ثلاثا إلا ما قدمناه من رواية جابر ،
وابن المسيب ، وأبي سلمة ، وعبد الله بن شقيق ، وأبي صالح، وأبي
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٠، ٢٤١، ومالك في الموطأ ٢١/١، والحميدي في المسند
٤٢٢/٢ -٤٢٣، والطيالسي رقم ١٧٠ منحة، وابن خزيمة في صحيحه١/ ٥٢ وابن الجارود
في المنتقى ص ٢٤ وأبو عوانة في صحيحه والدار قطني ٤٩/١، والبيهقي في سننه ٤٦/١،
٢٤٤/١-٢٤٥، والشافعي في مسنده .

- ٢٠٦ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رزين ، قلت : وكذا قال أبو مريم عند أبي داود ، وقال أبوداود في رواية
له، والترمذي ، وابن ماجه : ((مرتين ، أو ثلاثا))، ولمسلم في رواية له ،
وابن ماجه ((فیم باتت يده)) وفي رواية لأبي داود: (( أين باتت ، أو أين
تطوف يده»، وفي رواية للبيهقي: ((أين باتت يده منه))، وقال تفرد بقوله
((منه)) محمد بن الوليد السّريّ ، وهو ثقة .
قال الجامع : قد عرفت فيما سبق اعتراض الحافظ على هذا الكلام ،
فتنبه .
ولابن ماجه من حديث جابر: ((أين باتت يده ولا على ماوضعها»،
وللدار قطني من حديث ابن عمر: ((أين باتت يده أو أین طافت يده )) ،
وقال : إسناده حسن . اهـ كلام العراقي. طرح ، جـ١ / ص٤٢.
« المسألة الخامسة » أنه احتج الجمهور بعموم قوله : « من نومه )» على
أنه لا فرق في ذلك بين الليل والنهار ، وخالف في ذلك أحمد ، وداود،
فخصصا هذا الحكم بنوم الليل، لقوله في آخر الحديث ((أین باتت يده )) ،
ولرواية أبي داود وابن ماجه المتقدمتين ((إذا قام أو استيقظ أحدكم بالليل))
وهكذا يقول الحسن في الرواية المشهورة عنه أنه كان لايجعل نوم النهار
مثل نوم الليل ، ورُوي عن الحسن أيضا موافقة الجمهور ، وقال أحمد
فيما رواه الأثرم عنه فالمبيت إنما يكون بالليل . قال ابن عبد البر : أما
المبيت فیشبه أن يكون ماقال أحمد صحيحا فيه لأن الخلیل قال في کتاب
العين : البيتوتة دخولك في الليل . وكونك فيه بنوم وغير نوم ، قال :
ومن قال بتَّ بمعنى نمتُ، وفسره على النوم ، فقد أخطأ ، قال : ألا تري
أنك تقدم : بتّ أراعي النجم ، قال فلو كان نوما كيف كان ينام وينظر .
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بقول الحسن وأحمد في هذه المسألة
غيرهما انتهى .

٢٠٧ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
وقد خالف أحمد في ذلك صاحبه إسحاق بن راهويه فقال : لا ينبغي
لأحد استيقظ ليلا أو نهارا إلا أن يغسل يده قبل أن يدخلها الوضوء ،
قال: والقياس في نوم الليل أنه مثل نوم النهار (١) وما قاله إسحاق هو
الذي عليه عامة العلماء ، وأجابوا عن الحديث بأن ذلك خرج مخرج
الغالب ، ويدل لذلك رواية أبي داود: ((أو كانت تطوف يده ))، ورواية
الدارقطني: ((أو طافت يده))، ولا يلزم من صيغة ((أو)) في الروايتين أن
یکون ذلك شکا ، بل يجوز أن یکون النبي قال : الأمرین معا یرید أین
باتت یده في المبیت . أو أین کانت تطوف یده في نومه مساء کان أو نهارا
. اهـ طرح جـ٢/ ص٤٣.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالی : ويؤيد ماذهب إليه أحمد وداود
مافي رواية الترمذي ، وابن ماجه ، وأخرجه أبو داود ، وساق مسلم
إسنادها (( إذا استيقظ أحدكم من الليل » ومافي رواية لأبي عوانة ساق
مسلم إسنادها أيضا ((إذا قام أحدكم للوضوء حين يصبح)) ، لكن التعليل
بقوله (( فإنه لا يدري أين باتت يده )» يقتضي إلحاقَ نوم النهار بنوم الليل ،
وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة .
وقال النووي رحمه الله : وحکي عن أحمد في رواية أنه إن قام من
الليل كره له كراهة تحريم ، وإن قام من النهار كره له كراهة تنزيه . قال:
ومذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من
النوم، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد ، فمتى شك في نجاستها کره له
غمسها في الإناء قبل غسلها ، سواء کان قام من نوم الليل ، أو النهار، أو
شك ، انتهي . نیل بتغییر یسیر ، ج١/ ص٢٠٨.
قال الجامع عفا الله عنه: والراجح عندي ماذهب إليه الجمهور
لوضوح دليله ، والله أعلم.
(١) لعل العبارة مقلوبة فتنبه.

-٢٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
((المسألة السادسة)) قال الحافظ العراقي رحمه الله: مفهوم الشرط
حجة عند أكثر الأصوليين ، فمفهومه أنه لم يؤمر بذلك غيرُ المستيقظ ممن
ليس في معناه كالشاك على ماسيأتي ، وهو قول الأكثرين ، وخالف في
ذلك الشعبي ، فقال : فيما رواه محمد بن نصر المروزي عنه : النائم
والمستيقظ سواء إذا وجب عليه الوضوء لم يُدخل يده في الإناء حتى
یغسلها ، وروى ابن نصر أيضا عن ابن عمر ، والحسن ، وطاوس إطلاق
غسل اليد قبل إدخالها الإناء من غير تقييد باستيقاظ من نوم ، ولعل من
أطلق ذلك أراد الاغتراف للاستعمال احترازا عن الوضوء في الأواني
الصغار، وقد يقول الشعبي ومن وافقه : لعل النهي عن إدخال يد
المستيقظ من النوم في الإناء خرج على جواب سؤال عنه ، فلا يكون له
مفهوم ، وذكر بعض أفراد العموم لا یخصص ، وقد یجیب الجمهور بأنه
لم ينقل في طرق الحديث خروج ذلك على جواب سؤال ، فلا يثبت
ذلك بالاحتمال ، فیفرق حينئذ بين المستيقظ من النوم وغيره ممن ليس في
معناه . اهـ طرح جـ٢ / ص ٤٣.
(( المسألة السابعة )» اختلف العلماء في قوله : «فلا یغمس يده في
وضوئه هل هو للتحريم أو التنزيه ، وكذا في الرواية التي فيها («فليغسل
يده)) هل هو على الندب أو الوجوب ، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن
ذلك للتنزيه والندب لا للتحريم والوجوب، وهو قول مالك، والشافعي،
وأهل الكوفة ، وغيرهم ، وذهب الحسن البصري وأهل الظاهر إلى أن
ذلك على الوجوب والتحريم لظاهر الأمر والنهي ، وقالوا : يهراق الماء.
وحكى الخطابي عن داود ومحمد بن جرير وجوب ذلك ، وأنهم رأيا أن
الماء ينجس به إذا لم تكن اليد مغسولة ، وحكى الرافعي عن أحمد أنه
يوجب غسلهما عند الاستيقاظ من نوم الليل دون النهار على ما تقدم عنه
من التفرقة ، ثم اختلف أصحاب داود الظاهري عنه ، فقال أكثرهم إنه

٢٠٩ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
إن فعله كان عاصيًا ولا يفسد الماء بذلك ، وقال بعض أصحابه عنه : لا
يجوز الوضوء به . وقال ابن زرقون من المالكية : المستيقظ على ثلاثة
أحوال : طاهر ، ونجس ، وجنب ، فالطاهر لا يفسد الماء ، وحكى ابن
حارث عن ابن غافق التونسي من أصحابنا أنه يفسد ، وأما الموقن
بالنجاسة فيجري على اختلافهم في النجاسة تَحُلَّ في قليل الماء ، وأما
الجنب والمحتلم الذي لايدري ماأصاب يده ، فقال ابن حبیب إنه يفسد
الماء ، وهو معنى الحديث ، ولمالك في المجموعة نحوه . انتهى .
والصواب ما ذهب إليه الجمهور ، وقال أبو الوليد الباجي : لأنه قد
اقترن بالأمر مادل علی الندب ، لأنه علل بالشك ، ولو شك هل مست
يده نجاسة لما وجب عليه غسل يده . اهـ طرح بتغيير يسير جـ٢/ ص٤٤.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ذكر تعليل الجمهور : مانصه :
وقد دفع بأن التشكيك في العلة لا يستلزم التشكيك في الحكم، وفيه أن
قوله: « لا يدري أين باتت يده » لیس تشکیکا في العلة بل تعلیل
بالشك، وأنه يستلزم ماذكر ، ومن جملة ما اعتذر به الجمهور عن
الوجوب حديث ((أنه يتوضأ من الشن المعلق بعد قيامه من النوم ، ولم
یُرَوْ أنه غسل يده كما ثبت في حديث ابن عباس ، وتعقب بأن قوله :
((أحدكم)» يقتضي اختصاص الأمر بالغسل بغيره ، فلا يعارضه ماذکر ،
ورد بأنه * غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء حال اليقظة فاستحبابه بعد
النوم أولى ، ويكون تركه لبيان الجواز ، ومن الاعتذار للجمهور أن
التقييد بالثلاث في غير النجاسة العينية يدل على الندبية ، وهذه الأمور ،
إذا ضمت إليها البراءة الأصلية لم يبق الحديث منتهضا للوجوب ولا
لتحريم الترك . اھنیل جـ١/ص٢٨.
قال الجامع عفا الله عنه: وما قاله العلامة ، الشوكاني رحمه الله
تعالی حسن جدّاً ، والله أعلم .

- ٢١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(((المسألة الثامنة)) أنه تقدم في رواية مسلم بدل قوله: ((في وضوئه في
إنائه)) وفي رواية ((في الإناء))، وهو يدل على أن النهي مخصوص
بالأواني دون البرك والحیاض التي لا يخاف فساد مائها بغمس اليد فيها
على تقدير نجاستها ، ولذلك قال قیس الأشجعي لأبي هريرة حین حدث
بهذا فكيف اذا جئنا مهراسكم (١) هذا؟ فكيف نصنع به ؟ ، فقال أبو
هريرة أعوذ بالله من شَرِكَ ، رواه البيهقي ، فكره أبو هريرة ضرب
الأمثال للحديث ، وكذلك مارواه الدار قطني ، والبيهقي من حديث
ابن عمر في هذا الحدیث فقال له رجل: أرأيت إن کان حوضا فحصبه
ابن عمر ، وقال : أخبرك عن رسول الله ﴾ وتقول: أرأيت إن كان
حوضا فكره ابن عمر ضرب الأمثال بحديثه عليه وكان شديد الاتباع
للأثر، قال العراقي : ولهذا قال أصحابنا يعني الشافعية أنه إذا كان الإناء
کبیرا لا يمكنه تحریکه ولم يجد إناء يغترف به أخذ الماء منه بفمه » أو
بطرف ثوبه النظيف ، وغسل به يده ، أو يستعين بمن يصب عليه ، وهذا
كله عند الشك في النجاسة . اهـ طرح ، جـ٢/ ص٤٤، ٤٥.
((المسألة التاسعة)) أنه اختلف العلماء في الأمر بذلك هل هو تعبد ،
أو معقول المعنى ؟ فقال بعضهم : هو تعبد حتى إن من تحقق طهارة يده
في نومه بأن لَفّ عليها ثوبا أو خرقة طاهرة واستيقظ وهو كذلك كان
مأمورا بغسلها لعموم أمر المستيقظ بذلك ، وهو أحد الوجهين لأصحاب
الشافعي ، وهو مشهور مذهب مالك أنه يستحب وإن تيقن طهارة يده ،
وأظهر الوجهين عند أصحاب الشافعي كما قال الرافعي : أنه لا يكره
غمس اليد للمستيقظ مع تيقن طهارة يده لأنه إنما أمر بذلك لاحتمال
النجاسة بدليل قوله في آخر الحديث : ((فإنه لا يدري أين باتت يده))
فعلل الأمر باحتمال طرو نجاسة على يده .
(١) المهراس : بكسر الميم حجر مستطيل ينقر ويدق فيه ويتوضأ منه. اهـ مصباح .

٢١١ _
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
وإذا قلنا : إنه معقول المعنى وأن الشارع أشار الى العلة بقوله: ((فإنه
لا يدري أین باتت يده » فقد اختلف في سبب ذلك فقال الشافعي رضي
الله عنه : معناه أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة
فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع
النجس أو على بثرة ، أو قملة ، أو قذر، أو غير ذلك .
وقال أبو الوليد الباجي : اختلف في سبب غسل اليد للمستيقظ ،
فقال ابن حبيب : إمّا لعله قد مسّ من نجاسة خرجت منه ، ولم يعلم بها،
أو غیر نجاسة مما يقذر ، وقيل : لأن أكثرهم کانوا یستجمرون ، وقد يمس
بيده أثر النَّجْوقال : وليس ذلك ببين ، لأن النجاسات لا تخرج في
الغالب إلا بعلم منه ، ومالم يعلم به فلا حكم له ، ومع الاستجمار لا
تناله يد النائم إلا مع القصد لذلك ، ولو کان غسل اليدين لتجويز ذلك
لأمر بغسل الثياب لجواز ذلك عليها ، قال : والأظهر ماذهب إليه
العراقيون من المالكية وغيرهم : أن النائم لا یکاد تسلم يده من حك مغابنه
أو بثرة في بدنه وموضع عرقه وغير ذلك فاستحب له غسل يده مطلقا .
انتهي . حاصل كلامه .
قال العراقي رحمه الله تعالى: وقوله إن موضع الاستجمار لاتناله
ید النائم الا مع القصد لذلك لیس کذلك ، واعتراضہ بالثياب لیس بجید
معنيين : (أحدهما): أنه ربما كان العرق في يده دون محل الاستنجاء
فتتأثر اليد دون الثوب . (الثاني) : أنه لا یرید غمس ثوبه في الماء حتي
يؤمر بغسل ثوبه ، وأما اليد فأمر بذلك لأن أثر الاستنجاء لا يعفي عنه في
الماء بدليل أنه لو نزل مستجمر في ماء قليل تنجس ، وان كان قد عفي
عن أثر الاستنجاء فهو بالنسبة إلى المحل المعفو عنه ، ومارجحه من أن
العلة حك بثرة أو مايقذر فهو في كلام الشافعي رضي الله عنه مذكور .
اهـ طرح جـ٢/ ص٤٦.

__ ٢١٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
والذي جنح إليه العلامة الصنعاني في حاشيته المسماة بالعُدَّة كونه
تعبداً حيث قال بعد ذكر هذه الاعتراضات التي تقدمت والأجوبة عليها :
ما نصه : وضعف هذه الأقوال يشعرك بأن الأمر تعبدي . اهـ
جـ١/ ص١١٤.
قال الجامع : الذي يترجح عندي القول بكونه معقول المعنى لصراحة
تعليل الشارع الحكم بعلة معقولة ، وهي الشك المذكور . والله أعلم .
((المسألة العاشرة)) أن رواية المصنف فيها التثليث ، وكذا في رواية
مسلم وأبي داود وغيرهما ، ففيها استحباب التثليث في غسل اليدين ،
قال الحافظ العراقي رحمه الله : وهو كذلك عند أصحابنا ، ولكن
التثليث المأمور به هل هو لاحتمال النجاسة، أو هو التثليث المشروع في
الوضوء محل نظر . اهـ طرح جـ٢ / ص٣٦.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: لايصح الاحتجاج بهذا
الحديث على غسل اليدين قبل الوضوء، فإن هذا ورد في غسل
النجاسة، وذاك سنة أخرى ، ويدل على هذا ما ذكره الشافعي وغيره من
العلماء ، ثم ذكر ما تقدم عن الشافعي في سبب الحديث ، ثم قال : فإن
قلت : هذا قصر علي السبب ، وهو مذهب مرجوح ، قلت : سلمنا
عدم القصر علي السبب ، فليس في الحديث إلا نهي المتسيقظ عن نوم
الليل أو مطلق النوم ، فهو أخص من الدعوي ، أعني مشروعية غسل
اليدين قبل الوضوء مطلقا ، فلا يصح الاستدلال به على ذلك ، ونحن لا
ننكر أن غسل اليدين قبل الوضوء من السنن الثابتة بالأحاديث الصحيحة
كما في حديث عثمان الآتي وغيره ، ولا منازعة في سنيته إنما النزاع في
دعوی الوجوب والاستدلال علیه بحديث الاستيقاظ . اهـنیل
جـ١ / ص٢٠٩.

٢١٣ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة.
قلت : كلام الشوكاني هذا حسن جداً ، والله أعلم .
(((المسألة الحادية عشرة)) أنه اختلف العلماء : هل تزول الكراهة بغسل
اليد مرة قبل غسلهما ، أو يتوقف زوالها على غسلها ثلاثا على ماثبت في
الروايات التي فيها التثليث ؟ فقال الشافعي في مختصر البويطي : فإن لم
يغسلهما إلا مرة أو مرتين ، أو لم يغسلهما أصلا حيث أدخلهما في
وضوئه فقد أساء . وقال النووي : إن مانص عليه الشافعي وأصحابه من
توقف زوال الكراهة على الثلاث يشكل عليه ما تقدم تصحيحه من أنه
لايكره غمس اليد إذا تحقق طهارتها ، ومعلوم أن المرة الواحدة مطهرة
لليد إن لم يكن ثَمَّ نجاسة عينية لم يزل حكمها فكيف يقال : ببقاء الكراهة
مع تحقق الطهارة ، لا جرم كان جمهور أهل العلم على أن تيقُّنَ طهارة
اليد للمستيقظ من النوم لا يرفع الأمر بالغسل بل هو مأمور به بإجماع
جمهور العلماء ، أمر نَدْب ، وعند بعضهم أمر إيجاب کما حكاه
ابن عبد البر في التمهيد ، بل حکاه الماوردي في الحاوي عن جمهور
أصحاب الشافعي ، وصححه ، وهو أنه يستحب الغسل عند تيقن
الطهارة . وذكر إمام الحرمين في النهاية نحوه ، وهو المشهور أيضًا عن
مالك أنه يكره غمس يده مع تحقق الطهارة ، كما حكاه ابن عبد البر . اهـ
طرح التثريب في شرح التقریب ، جـ٢/ ص٤٧,٤٦ .
قال الجامع عفا الله عنه : قد تقدم أن الراجح هو عدم الوجوب ،
فتنبه . والله أعلم .
(المسألة الثانية عشرة )) في قوله : ((فلا یغمس یده » بالإفراد دلیل
على أنه إذا غسل واحدة من يديه أدخلها الإناء ، وهو كذلك ، لكن
حكى أبو الوليد الباجي خلافًا في صفة غسل اليدين قبل إدخالهما في
الوضوء ، فحكى عن أشهب عن مالك أنه يستحب أن يفرغ على يده

- ٢١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
اليمنى فيغسلها ثم يدخلها في إناءه ، ثم يصب على اليسرى ، وهو
موافق للحديث ، قال : وروى عيسى عن ابن القاسم أحبَّ إليَّ أن يفرغ
على يديه فيغسلهما ، قال : ووجه رواية أشهب قوله في الحديث :
((فغسلهما مرتين مرتين))، وهذا يقتضي إفراد كل واحدة منهما ، ووجه
قول ابن القاسم : ان القصد التنظيف وغسل بعضها ببعض أنظف لهما .
أفاده العراقي ج٢/ ص٤٧ .
((المسألة الثالثة عشرة» قال العراقي رحمه الله : لیست کراهة غمس
المتوضيء يده في الإناء قبل غسلها خاصة بحال الإستيقاظ من النوم لأنه
قد تقدم أن المعنى فيه احتمال النجاسة كما نبه عليه في آخر الحديث ،
وعلى هذا فمن شك في نجاسة يده كُره له ذلك ، وان لم يكن قد نام ،
وهو كذلك كما جزم به الرافعي وغيره . اهـ طرح جـ٢/ ص ٤٧.
((المسألة الرابعة عشرة)) قيل: في هذا الحديث حجة للشافعي ومن
تابعه على الفرق بين ورود الماء علي النجاسة ، وَوُرُود النجاسة عليه ،
لأنه نهاه عن إيراده يده على الماء وأمره بإيراد الماء علي يده كل ذلك
لاحتمال طروء نجاسة على يده فلو استوى الأمران كما يقول مالك
وأصحابه لما فرق بينهما .
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في التمهيد : لولم
يأت عن النبي *في الماء غير هذا الحديث لساغ في الماء غير هذا التأويل،
ولكن قد جاء عن النبي # في الماء أنه ((لا ينجسه شيء)) يريد إلا ماغلب
علیه بدلیل الإجماع على ذلك ، ثم أجاب عن حديث الباب بأنه محمول
على الندب والأدب ، ثم نقل عن أصحاب الشافعي أنهم نقضوا أقوالهم
في ورود الماء على النجاسة لأنهم يقولون : إذا ورد الماء على النجاسة في
إناء أو موضع و کان الماء دون القلتین أن النجاسة تفسده، وأنه غير مطهر

٢١٥ _
تأويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
لها ، فلم يفرقوا ههنا بين ورود الماء على النجاسة وبین ورودها علیه ،
وشرطهم أن یکون ورود الماء صبّا مهراقا تحكم لا دليل عليه .
قال العراقي : وماحکاه عن أصحاب الشافعي لیس کما حكاه عنهم،
ولا فرق عندهم في ورود الماء على النجاسة بين أن يكون صبا وبين أن
يكون في إناء بحيث يغمر الماء النجاسة ويزليها ، نعم إن كانت النجاسة
عينية ووضعت في إناء وصب الماء عليها واجتمع الماء القليل وعين
النجاسة في إناء تنجس الماء ولم يطهر ، الثوب وكذلك لولم يسكب في
إناء وصب الماء صبا على نجاسة عينية وانفصل عنها ولم يُزل العين فإن
الماء يتنجس والثوب لا يطهر فليس حكمهم هنا بعدم الطهارة بكون الماء
واردًا في إناء، بل لكون الماء لم يُزل عينَ النجاسة. اهـ طرح
جـ٢/ ص٤٨.
((المسألة الخامسة عشرة» في الحدیث استحباب التثليث في غسل
النجاسات مطلقًا غير المغلظة التي أمرنا بالسبع فيها ، فإن في استحباب
التثليث فيها خلافا عند الشافعية وإذا أمر بالتثليث في موضع احتمال
النجاسة فالإتيان به مع تحققها من باب أولى . اهـ طرح جـ٢/ ص٤٦.
((المسألة السادسة عشرة)) قال العراقي رحمه الله تعالی: فيه حجة
علی أحمد رحمه الله في قوله في إحدي الروایتین عنه : إنه يجب غسل
سائر النجاسات سبعا حملا للجميع على ولوغ الكلاب ، وخالفه
الجمهور فلم يوجبوا في غير نجاسة الكلب ومافي معناها إلا الغسل مرة ،
وقد روى أبو داود من حديث ابن عمر ، قال: (( كانت الصلاة خمسین
والغسل من الجنابة سبع مرات وغسل البول من الثوب سبع مرات فلم
يزل رسول الله # يسأل حتي جعلت الصلاة خمسا والغسل من الجنابة
مرة. )) وفي إسناده ضعف . اهـ طرح جـ ٢/ ص٤٨.

- ٢١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
((المسألة السابعة عشرة)) هل المراد بأمر المستيقظ من النوم بغسل اليد
قبل إدخالها الإناء غسل الكفين الذي هو سنة في أول الوضوء ، أو هذا
أمر آخر بحيث إنه إذا غسل يده للقيام من النوم ثلاثا ، وأراد الوضوء ،
غَسَلَ كفيه له ثلاثا؟ : الذي صرح به أصحاب الشافعي كما قال
العراقي: الأول ونسبه أيضا العيني في العمدة ، جـ٢/ ص٣١٤، إلى
الحنفية . قال العراقي: وعليه يدل قوله: ((في وضوئه)) فهو ظاهر في
أن المراد غسلهما عند الوضوء ، وهو مصرح به عند ابن ماجه من حديث
جابر « إذا قام أحدکم من النوم فأراد أن يتوضأ فلا يدخل يده في وضوئه
حتى يغسلها)) الحديث، وكذا ذكره عبد الرزاق في المصنف من رواية
ثابت مولى عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ((إذا كان أحدكم نائما ثم
استيقظ، فأراد الوضوء فلا يضع يده في الإناء)) . الحديث ، وهو عند
مسلم من طريق عبد الرزاق ، ولكنه لم يسق لفظه.
وذهب أشهب من المالكية إلى أن الغسل إنما هو لخشية النجاسة ، فإن
تحقق طهارة يده لم يستحب له غسل كفيه في الوضوء ، واستدل على
ذلك بأن النبي # قال الأعرابي: ((توضأ كما أمرك الله))، وليس في
الآية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء اهـ طرح جـ ٢/ ص٥٢,٥١. (١).
((المسألة الثامنة عشرة)) قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله
تعالى: فإن قلت : ينبغي أن لاتبقى السنيةُ لأنهم كانوا يتوضؤون من
الأتْوَار فلذلك أمرهم عليه الصلاة والسلام بغسل اليدين قبل إدخالهما
الإناء ، وأما في هذا الزمان فقد تغير ذلك ، قلت : السنة لما وقعت سنة
في الابتداء بقيت ودامت ، وإن لم يبق ذلك المعنى ، لأن الأحكام إنما
يحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها لافي بقائها لأن الأسباب
تبقى حكما وان لم تبق حقيقة لأن للشارع ولايةَ الإيجاد والإعدام،
(١) قال الجامع : قد تقدم في المسألة العاشرة ما قاله الشوكاني في هذه المسألة فارجع إليه ، فإنه
تقرير حسن جدّاً ، والله أعلم .

٢١٧ _
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
فجعلت الأسباب الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حكمًا وهذا كالرَّمَل
في الحج ونحوه . اهـ عمدة ، جـ٢/ ص٣١٤.
(((المسألة التاسعة عشرة)) من فوائد الحديث غير ما تقدم:
أن فيه الأخذ بالوثيقة ، والعمل بالاحتياط في باب العبادات أولى
كما قال الخطابي ، قال النووي : مالم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد
الوسوسة .
ومنها أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة
مع بقاء أثر النجاسة عليه ، وأن ما عداه غير مقيس عليه . قاله الخطابي .
قال العراقي : ويدل عليه رواية البيهقي ((أين باتت يده منه)) ، أي من
مظانّ النجاسة من جسده . اهـطرح جـ٢/ ص٤٨.
ومنها أن النجاسة المتوهمة لا یکفي فيها الرش لحصول الاحتياط ، بل
إنما يحصل الاحتياط بغسلها ، لأمره بغسل اليد ، وأما ما ورد من نضح
الثوب بعد الاستنجاء فليس ذلك للتطهير ، وإنما هو لدفع الوسواس حتى
إذا وجد بللاً أحاله على الرش لتذهب عنه الوسوسة . طرح ٤٨/٢ .
ومنها أن النسائي استدل به على وجوب الوضوء من النوم كما سيأتي
١١٦/ ١٦١ وكذا قال ابن عبد البر فيه إيجاب الوضوء من النوم قال :
وهو أمر مجمع عليه في النائم المضطجع الذي قد استثقل نومًا ، وقال
زيد بن أسلم والسدي في قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة:
آية ٦] أي من النوم. اهـ طرح جـ ٢/ ص٤٨.
ومنها استحباب الکنایة فیما یتحاشى التصریح به حیث قال ﴾﴾(( لا
يدري أين باتت يده))، ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره ،
ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والسنة ، كقوله تعالى : ﴿الرفث إلى

- ٢١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
نسائكم﴾ [البقرة: آية ١٨٧]، وقوله: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى
بعض﴾ [النساء: ٢١]، وقوله: ﴿وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾
[البقرة: ٢٣٧]، وهذا كله إذا علم أن السامع يفهم المقصود فَهْمًا جليًا،
والا فلابد من التصريح نفيا للبس والوقوع في خلاف المطلوب ، وعلى
هذا يحمل ماجاء من ذلك مصرحا به ، والله أعلم . أفاده النووي .
مجموع ج١ / ص٣٥١.
ومنها تقوية من يقول : بالوضوء من مس الذكر حكاه أبو عوانة في
صحيحه عن ابن عیینة قاله الحافظ. فتح جـ١/ ص٣١٨.
قال الجامع : وهذا الاستنباط بعيد جدّاً . والله أعلم .
ومنها أن الماء القلیل لا یصیر مستعملا بإدخال اليد فیه لمن أراد
الوضوء قاله الخَفَّاف صاحب الخصال من الشافعية . اهـفتح
جـ١ / ص٣١٨.
ومنها ما قاله السندي رحمه الله : واستُدل به على أن الماء القلیل
يتنجس بوقوع النجاسة ، وإن لم يتغير أحد أوصافه ، قال : وفيه أنه
يجوز أن يكون النهي لاحتمال الكراهة لا لاحتمال النجاسة ، ويجوز أن
يقال : الوضوء بما وقع فيه النجاسة مكروه فجاء النهي عند الشك في
النجاسة تحرزا عن الوقوع في هذه الكراهة علي تقدير النجاسة ، وأيضا
يمكن أن يكون النهي بناء على احتمال أن يتغير الماء بما على اليد من
النجاسة فيتنجس ، فمن أين علم أنه يتنجس الماء بوقوع النجاسة مطلقا .
والله أعلم . اهـكلام السندي جـ١/ ص٨.
قال الجامع عفا الله عنه : في بعض هذه الاستنباطات بُعْدٌ لايخفى
کما قال الحافظ في الفتح ، جـ١/ص٣١٨.

٢١٩ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة.
((المسألة العشرون)) وهي آخر المسائل: أنه ينبغي لسامع أقوال النبي
** أن يتلقاها بالقبول، ودفع الخواطر الرَّادَّة لها، وأنه لايُضرب بها
الأمثالُ ، يُحكى أن شخصا سمع هذا الحديث فقال : وأين تبيت يده
منه(١) فاستيقظ من النوم ویده في داخل دبره ، فلم تخرج حتی تاب من
ذلك ، وأقلع ، والأدبُ مع أقواله بعده کالأدب معه في حياته ټێ لو
سمعه يتكلم ، فنسأل الله أن يحفظ قلوبنا من الخواطر الرديئة ، ويرزقنا
الأدب مع الشريعة المطهرة باطنا وظاهرا . قاله العراقي . طرح
جـ٢/ ص٥١.
قال الجامع : والله أعلم بصحة الحكاية إلا أني كتبتها للاعتبار على
تقدیر صحتها .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت ، وإليه أنيب » .
(١) كأنه يتسهزئ بالحديث ، وفي هامش العدة للصنعاني ما نصه: قد ورد أن أعرابيا قال الرسول
الله ﴾: إنني أعلم أين باتت يدي، فأصبح وهي في دبره، وهو ضعيف، اهـ جـ١/ص١١٤.

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢ - باب السواك إذا قام من الليل
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السواك وقت قيام
الشخص من نومه في الليل .
فباب يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة : الرفع والنصب والجر ،
فالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف ، أي هذا باب الخ ، أو مبتدأ حذف
خبره أي باب السواك هذا محله ، أو فاعل لفعل محذوف تقديره تبع
بابُ السواك ما تقدم من الباب ، أو نائب فاعل لفعل محذوف ، أي يقرأ
باب السواك ، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي خُذْباب
السواك الخ ، والجر ، وهو ضعيف علي أنه مجرور بحرف جر محذوف
مع بقاء عمله كما في قول الشاعر (من الطويل):
إِذَا قِيلَ أيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلة أَشَارَتِ كُلِيب بالأكُفِّ الأصَابِعُ
أي أشارت الأصابع ، بأكفها إلى كليب ، وحذف الجار وإبقاء عمله
شاذ ، کما یین ذلك في محله من كتب النحو .
وأوجه الإعراب المذكورة هنا تأتي في جميع التراجم، من الكتب
والأبواب، والفصول، فاحفظها .
والسواك : بالكسر كما قال النووي رحمه الله تعالى: يطلق على
الفعل ، وهو الاستياك ، وعلى الآلة التي يستاك بها ، ويقال في الآلة
أيضا مسْوَاك بكسر الميم ، يقال : ساكَ فاه يَسُوكه سَوْكا ، فإن قلت :
استاك لم تذكر الفم . والسواك مذكر ، نقله الأزهري عن العرب ،
قال: وغلط الليثُ بنُ المظفر في قوله : إنه مؤنث ، وذكر صاحب المحكم
أنه يؤنث ويذكر لغتان ، قالوا: وجمعه سُؤُكٌ بضم السين والواو ،
ککتاب و کتب ، ويخفف بإسكان الواو ، قال صاحب المحكم : قال
أبو حنيفة يعني الدينوري الإمام في اللغة ربما همز ، فقيل : سُوْك ،