Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ -- المقدمة وسنذكر ترجمة أشهرهم لما لهم من وثيق الصلة بالموضوع : ١ - ابن السني هو أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الدينوريّ ، روی عن النسائي ، وابي خليفة الجُمَحي، وطبقتهما، ورحل ، وكتب الكثير، ولكنه لازم النسائي وتخرج به، وهو حافظ إمام ثقة مصنف مشهود له بالفضل والضبط، رَوَى عنه كثيرون، وعلى رأسهم أحمد بن الحسين الكسار الذي نقل عنه سنن النسائي، كما رَوَى عنه أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ومحمد بن علي العلوي، وعلي بن عمر الأسدابادي، وغيرهم . ولابن السني مصنفات عديدة في الحديث والسنن : منها : عمل اليوم والليلة ، وكتاب القناعة ، والإيجاز في الحديث ، والطب النبوي ، وفضائل الأعمال ، وتأليف في رواية الإخوة بعضهم عن بعض، والصراط المستقيم (١). توفي ابن السني سنة ٣٦٤ هـ نص على ذلك الذهبي وغيره ، قال ابنه أبو علي الحسن كان أبي رحمه الله يكتب الأحاديث فوضع القلم في أنبوبة المحبرة ورفع يديه يدعو الله عز وجل فمات رحمه الله تعالى. روى ابن السني المجتبى عن النسئي ، وعنه القاضي أحمد بن الحسين الكسار ، ورواها عن الكسار أبو محمد عبد الرحمن بن الحسن الدَّوني ، وعنه انتشرت في المشرق . وسيأتي عن الذهبي أن ابن السني هو الذي اختصر المجتبى عن الكبرى ، والردّ عليه . (١) ذكر في مقدمة تحقيق عمل اليوم والليلة للمصنف المطبوع منها والمخطوط ، ومحل وجودها ص٦١ - ٦٢ . ٤٢ شرح سنن النسائي ٢ - الحسن بن رشيق العسكرى هو الإمام الحافظ مسند بلده أبو محمد العسكري المصري ، حدث عن خلق كثير على رأسهم النسائي ، وروى عنه الحفاظ الكبار مثل الدار قطني، وعبد الغني الأزدي ، وخلق كثير من المصريين والمغاربة ، ولد في صفر ٢٨٣ وتوفي سنة ٣٧٠، قال أبو القاسم الطحان تلميذه : روى عنه خلق لا أستطيع ذكرهم فما رأيت عالما أكثر حديثا منه . ٣ - حمزة بن محمد الكناني هو الحافظ الزاهد العالم محدث مصر أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي بن العباس أحد أئمة الشأن ولد سنة ٢٧٥ وسمع النسائي، والحسن ابن أحمد بن الصيقل ، وعمران بن موسى بن حميد الطيب ، وأكثر التَّطواف، وجمع، وصنف. وروى عنه أبو عبد الله بن منده، وعبد الغني بن سعيد الأزدي ، والدارقطني ، وغيرهم . وهو ثقة ثبت بصير بالحديث وعلله ، مقدم في ذلك ، ولم يكن للمصريين في زمانه أحفظ منه ، قال الحاكم : وحمزة المصري على تقدمه في معرفة الحديث كان أحد من يذكر بالزهد والورع والعبادة . وقال الحافظ عبد الغني الأزدي : كل شيء لحمزة ففي سنة خمس : ولد سنة ٢٧٥ وأول ماسمع سنة ٢٩٥ ورحل سنة ٣٠٥ . وقال ابن عبد البر: سمعت محمد بن أسد ، سمعت حمزة الكناني يقول : خرّجت حديثا واحدا عن النبي 48 من نحو مائتي طريق فداخلني لذلك من الفرح غیر قلیل ، وأعجبت بذلك ، فرأیت یحیی بن معین في المنام فقلت : يا أبا زكريا خرَّجت حديثًا واحدًا من مائتي طريق فسكت عني ساعة ثم قال : أخشى أن يدخل هذا تحت قوله تعالى : (ألهاكم التكاثر)). توفي حمزة سنة ٣٥٧ . قال علي بن عمر الحراني المقدمة ٤٣- سمعت حمزة بن محمد وجاءه غريب فقال : وصلت عساكر المعز إلى الأسكندرية فقال: ((اللهم لا تحيني حتي تريني الرايات الصفر )) فمات حمزة ودخلوا بعد موته بثلاثة أيام. وله آراء في هذا الفن تناقلها العلماء عنه ، ونسبوها إليه وارتضوها ، من ذلك قوله : في سويد بن غفلة لا يصح له عن علي سوى حديث واحد ، هو حديث الخوارج . أما روايته السنن الكبرى فهى رواية كاملة ينقصها كتاب الخيل ، والطب فقط . ورواها عنه أئمة أعلام منهم : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج ، وأبو محمد عبد الله ابن محمد بن أسد الجهني ، وأضاف لها كتاب الخيل عن أبي هريرة عن أبي العصام عن النسائي ، وكتاب الطب عن عبد الكريم بن الإمام النسائي عن أبيه . وأبو القاسم أحمد بن محمد بن يوسف المعافري . وأبو الفرج محمد بن عمر بن محمد بن إبراهيم الصوفي المعروف بالخطاب . وأحمد ابن فتح بن عبد الله بن التاجر المعافري ، وقد روي عنه کتاب الخصائص(١). ٤ - أبو الحسن ابن حيويه هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زکریا بن حيوة النيسابوري ، ثم المصري القاضي ، سمع بكر بن سهل الدمياطي، والنسائي ، وطائفة ، توفي سنة ٣٦٦ في شهر رجب ، وهو في عشر التسعين . كان من الحفاظ الثقات المصنفين، له جزء من وافقت كنيته كنية زوجته من الصحابة ، رواه عنه أبو الحسن علي بن منير . في منزله سنة ٣٦٦ ويوجد في المكتبة الظاهرية . (١) انظر فهرست ابن خير الإشبيلي ، ص ١١٦. ٤٤ شرح سنن النسائي ٥ - ابن الأحمر هو محدث الأندلس محمد بن معاوية بن عبد الرحمن أبو بكر الأموي مولاهم القرطبي ، المرواني المعروف بابن الأحمر . روى عن عبيد الله ابن يحيى الليثي ، وخلق كثير ، وفي رحلته إلى المشرق عن النسائي والفريابي ، وأبي خليفة الجمحي ، ودخل الهند للتجارة ، وقيل للاستشفاء من علة فغرق له ماقیمته ثلاثون ألف دینار ، ورجع فقير المال، لكنه ملأ العيبة من العلم ، والمصنفات فقد رجع بمصنف النسائي الكبير ، وعنه انتشر في الأندلس ، وبث في الأندلس حديث أبي خليفة الجمحي، كما حمل معه كتاب جعفر الفريابي آداب الإسلام ، وعنه روى هذا الكتاب ، وتمكن هو من الحدیث تمكنا قويا فصنف مسندا أثنى عليه ابنُ خير في فهرسته ، وقال عنه : فيه من الحديث المسند أربعة آلاف حديث ، وثلاثة وثلاثون حديثا ، ومن الصحابة ثلاثمائة وثلاثة عشر ، ومن النساء ثلاث وأربعون امرأة، وقد ألف تلميذه ابن الحجام ((يعيش ابن سعيد بن محمد الوراق » ت ٣٩٣ مسند حديث ابن الأحمر بأمر الحكم المستنصر . واشتهر من الرواة عنه السنن الكبرى أعلام منهم : أبو محمد الباجي ، وأبو عثمان سعيد بن محمد القلاس ، وأبو الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث ، وأبو بكر محمد بن مروان بن زهر الإيادي، وروايته تنقص كتاب الخصائص، والاستعاذة ، ومناقب الصحابة ، وقدره أربعة أجزاء حديثية ، والنعوت جزء ، والبيعة جزء ، وثواب القرآن جزء ، والتعبير جزء ، والتفسير خمسة أجزاء ، وتوفي ابن الأحمر حوالي سنة ٣٥٨، وقد قيل : إنه أول من أدخل سنن النسائي إلى الأندلس . ٤٥ - المقدمة ٦ - ابن سيار الأموى هو محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن سيار الأموي مولاهم أبو عبد الله البياني القرطبي ، الحافظ الإمام أكثر عن أبيه، وبقي ابن مخلد ، ومحمد بن وضاح ، ومطين ، والنسائي . روى عنه ولده أحمد بن محمد ، وخالد بن سعيد ، وسليمان بن أيوب ، وآخرون ، وكان من أئمة هذا الشأن بالأندلس ، ومن ثقات الأعلام رأسا في عقد الوثائق والشروط ، قال عنه تلميذه أبو محمد الباجي : لم أدرك بقرطبة من الشیوخ أکثر حدیثا منه ، وقد کان سماعه من النسائي، هو، وابن الأحمر واحدًا کما نص على ذلك ابنُ خير في فهرسته ، وقد توفي في آخر عام ٣٢٧ . وقد جمع أبو محمد الباجي تلميذه بین سماعه وسماع ابن الأحمر في السنن ، ووحده في نسخة واحدة هي التي كتب لها الانتشار في الغرب الإسلامي . وأبرزُ الرواة عن محمد بن قاسم أبو محمد الباجي ، وأبو بكر عباس ابن أصبغ الحجازي ، وروايته تزيد على رواية ابن الأحمر كتاب الاستعاذة، وخصائص علي ، وتتفق معها في سائر الكتب. ٧ - ابن الخضر هو أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي ، وهو من ثقات المصريين ، وحفاظهم ، توفي سنة ٣٦١. ٨ - ابن المهندس هو أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن المهندس محدث ديار مصر كان ثقة تقیا ، وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. ٤٦ شرح سنن النسائي قال الجامع عفا الله عنه : هكذا قال المحقق المذكور تبعا للحافظ أن ابن المهندس ممن روى عن النسائي السنن الكبرى ، إلا أن الذهبي خطأ من قال بذلك في سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٦٢ في ترجمته قال : وأخطأ من قال : سمع من النسائي اهـ. والله أعلم . وقال مصحح السنن الكبرى الأستاذ عبد الصمد بعد ذكر ماذكره الحافظ ابن حجر من رواة السنن عن النسائي : ماحاصله : فإذا استثنينا الحافظ ابن السني ، المختص براوية السنن الصغرى عن النسائي ، فعدد الذين رووا عنه السنن الكبرى تسعة ، منهم خمسة من أجلة الحفاظ المحدثين الذين قد اشتهروا بروايتهم السنن الكبرى عن النسائي ، ثلاثة مصريون ، وهم حمزة بن محمد الكناني ، والحسن بن علي بن الخضر الأسيوطي ، وأبو الحسن بن حيويه ، واثنان أندلسيان : وهما : ابن الأحمر ، وابن سیار . اهـباختصار ص٢٢ . المسألة السابعة في ذكر عناية كبار الحفاظ بالسنن الكبرى قد اعتني العلماء الحفاظ بالسنن الكبرى فعملوا لها الأطراف ، فمن أول من اعتنى بذلك محدث الشام أبو القاسم على بن محمد بن عساكر (ت ٥٧١) فقد صنف كتابه في أطراف السنن الأربع لأبي داود ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وسماه الإشراف على معرفة الأطراف، وقد ضمن فيه كل حديث خرجه النسائي سواء كان في سننه الكبرى أو الصغرى . ثم جاء الحافظ أبو الحجاج المزي (ت ٧٤٢) فتبع ابن عساكر في ترتيب كتابه تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف في أطراف الكتب الستة ، فرتبه على كتاب أبي مسعود الدمشقي (ت ٤٠١) وكتاب خلف ٤٧ - المقدمة الواسطي (ت ٤٠١ أيضا) في أحاديث الصحيحين ، وعلى إشراف ابن عساكر في كتاب السنن الأربعة ، بل قد أضاف إلى ذلك ماوقع له من الزيادات التي أغفلها ابن عساكر ، لاسيما من أحاديث سنن النسائي ، وأشار إليه بقوله : في الرواية ، ولم يذكره أبو القاسم ، وما شابهه. قال المصحح عبد الصمد : ونسخة الحافظ إسماعيل بن عمر بن کثیر (ت ٧٧٤) تلميذ المزي وصهره من تحفة الأشراف تعد أكمل النسخ لهذا الكتاب بما فيها من زيادات كثيرة من أحاديث الكبرى رواية ابن الأحمر . أما الحافظ ابن كثير فقد نوه بكتابي السنن كليهما حيث يقول تحت ترجمة النسائي «البداية ج١١ ص١٢٣) في وفيات سنة ٣٠٣ وقد جمع السنن الكبير ، وانتخب منه ماهو أقل منه حجما بمرات ، وقد وقع لي سماعهما اهـ . ثم جاء أخيرًا الحافظ المتقن الماهر ابن حجر (ت ٨٥٢) فعظم من شأن الحافظ المزِّيِّ رحمه الله على تأليفه كتاب الأطراف الأحاديث الصحاح الستة ، ومنها السنن الكبرى للنسائي . وكتب تعاليقه على أوهام له سماها النكت الظراف على الأطراف قال في مقدمته : ثم وجدت جملة من الأحاديث أغفلها ، وخصوصا من كتاب النسائي رواية ابن الأحمر وغيره . المسألة الثامنة في بيان السنن الصغرى المسماة بالمجتبى اعلم أنه وقع اختلاف بين العلماء في المجتبى هل هي من تصنيف النسائي نفسه، أو من انتخاب ابن السني من السنن الكبرى ؟ وقد أشبع الكلام في هذا الموضوع محقق عمل اليوم والليلة ، ومصحح السنن الكبرى ، بما لامزيد على تحقيقهما شكر الله سعيهما، وأنا أنقل خلاصة ٤٨ شرح سنن النسائي ذلك، فأقول : قال الأول : ماحاصله : إنه اختلف الناس في هذه المسألة على فريقين : فريق يقول : المجتبى من انتقاء ابن السني ، وهو اختصار السنن الكبرى ، وممن قال بهذا الإمام الذهبي ، وتبعه على هذا الإمام ابن ناصر الدين ، الدمشقي (ت ٧٤٨) يقول الذهبي في ذلك : والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى من انتخاب أبي بكر بن السني سمعته ملفقا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعا لمعظمه وإجازة لفوت له محدد في الأصل قال : أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد الدّونيّ ، قال : أنبأنا القاضي أحمد بن الحسين الكسار، أخبرنا : ابن السني ، عنه ، وكرر نحو هذا الكلام في غير موضع من كتبه . وأما ابن ناصر الدين فقد تابعه على ذلك ، ورأيت عبارته في شذرات الذهب لابن العماد في ترجمة ابن السني إذ قال : قال ابن ناصر الدين : اختصر سنن النسائي وسماه المجتبى . وتبعه على هذا أيضا كما قال المصحح عبد الصمد : تلميذه القاضي تاج الدين ابن السبكي (ت ٧٧١) فقال في ترجمة ابن السني من طبقاته٩٦/٢ ما نصه : وصنف في القناعة ، وفي عمل اليوم والليلة ، واختصر سنن النسائي . اهـ . قال المصحح : وقد أدى بالسبكي هذا الوهم إلى الظن بفقدان السنن الكبرى من الوجود أصلا ، دون الصغرى ، فقد نقل السيوطي عنه في مقدمة زَهْر الرَّبَى قوله : سننُ النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هي الصغرى لا الكبرى ، وهي التي يخرجون عليها الرجال ، ويعملون الأطراف ، وكأن السيوطي يصدقه في هذا حيث قرره ولم يتعقبه بشيء ، فقد غلب على السبكي مازعمه شيخه الذهبي في سنن النسائي ، وغاب عنه ما صنعه شيخه الآخر وهو الحافظ المزي رحمه الله حيث عمل أطرافه في تحفة الأشراف على سنن النسائي الكبرى والصغرى معا . اهـ كلام ٤٩ - المقدمة المصحح بالمعنى ١٠/ ٣١ . وأما الفريق الآخر فيرى أن المجتبى من اختصار النسائي نفسه من السنن الكبرى ، وليس لابن السني إلا مجرد الرواية، وعلى هذا جُلَّ العلماء الأعلام ، وهو المعروف عند الخاص والعام ، وهو الذي ارتضاه المحقق ، والمصحح جزاهما الله تعالى . قال الجامع : لا أرى غيره عند التحقيق ، للأدلة الواضحة الرافعة للنِّزَاع والاختصام ، التي ذكرها المحقق والمصحح بدقة وانتظام ، وأنا أذكر خلاصتها لتكون لهذا الموضوع مسك الختام : قال المحقق : بعد ذكر نحو ما تقدم من قول الفريق الثاني : مانصه : وهو الرأي الذي أصوبه، وأرتضيه لدلائل عديدة كما يلي : منها : أنه لم يقدم لنا الذهبي دليلا علي هذا الذي جاء نابه، لانقلا ولا استنباطا، وان كان هو من الأعلام لكنه خولف ، والوهم لا يخلص منه إنسان . ومنها : وجود مثبتات على ذلك منها ما نقله ابن خير الإشبيلي (ت٥٧٥) بسنده عن أبي محمد بن يربوع قال : قال لي أبو علي الغساني رحمه الله : كتاب الإيمان والصلح ليسا من المصنَّف إنما هما من المجتبى له - بالباء- في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير المصنّف ، وذلك أن أحد الأمراء سأله عن كتابه في السنن أكله صحيح ؟ فقال : لا ، قال : فاكتب لنا الصحيح مجردا فصنع المجتبى ، فهو المجتبى من السنن ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل ، روى هذا الكتاب عن أبي عبد الرحمن ابنه عبد الكريم بن ٥٠ شرح سنن النسائي أحمد ، ووليد بن القاسم الصوفي، ورواه عن أبي موسى عبد الكريم من أهل الأندلس أيوبُ بنُ الحسن قاضي الثغر ، وغيره .. انتهى كلام ابن خير . قال المحقق : وهذا نص ظاهرٌ في الموضوع ، وأبو علي الغساني حافظ ثبت قال فيه الذهبي : كان من جهابذة الحفاظ البُصَراء بصيرا بالعربية واللغة ، والشعر والأنساب صنف في ذلك كله ، ورحل الناس إليه، وعوَّلوا في النقل عليه ، وتصدر بجامع قرطبة ، وأخذ عنه الأعلام، ووصفوه بالجلالة ، والحفظ ، والنباهة ، والتواضع والصيانة ، ولد في المحرم سنة ٤٢٧ ، وتوفي في ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ٤٩٨. اهـ. تذكرة الحفاظ ٤ / ١٢٣٣. قال الجامع عفا الله عنه : وقصة النسائي مع الأمير الذي سأله تجرید الصحيح من غيره قد أنكرها مصحح السنن الكبرى ، كما أن الذهبي أنكرها وإن اختلف وجه إنكارهما وسيأتي الكلام علي ذلك ، إن شاء الله تعالى . قال المحقق : کما أني وجدت مجلدین من المجتبی قد یمین جدا گُتبت عليهما سماعات بين سنة ٥٣٠ وسنة ٥٦١ فيهما نص ظاهر أنها من تأليف النسائي ، وقد جاء في صدر أحدهما : الجزء الحادي والعشرون من السنن المأثورة عن رسول الله ي تأليف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن بحر النسائي ، رواية أبي بكر أحمد بن إسحاق بن السني ، عنه. رواية القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين بن الكسار عنه . رواية الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن محمد الدَّوني (١) عنه . رواية أبي (١) نسبة إلى دون قرية من أعمال دينور وهو من آخر من حدث في الدنيا بكتاب النسائي وإليه كانت الرحلة وتوفي سنة ٥٠١ ووصفه في معجم البلدان بأنه راويةٌ كتب ابن السني . ٥١ - المقدمة الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري عنه . رواية الشيخ الإمام زين الدين أبي الحسن علي ابن إبراهيم بن نجاد الحنبلي الواعظ. وفيهما نص ظاهر علي أنها من تأليف النسائي ، وابن السني مجرد راویة لها ، وإن كان أحد المجلدین قد أكلت أکثره الأرضة فالأخر مایزال أكثره صالحا واضحا بخط مشرقي جيد يحمل رقم ٥٦٣٧ بالخزانة الملكية بالرباط وعلى ظهر هذه النسخة كتب بخط قديم، قَدَمَهَا: (قال الطبني : أخبرنى أبو إسحاق الحَبَّال سأل سائل أبا عبد الرحمن ... (١) بعض الأمراء عن كتابه السنن أصحيح كله فقال : لا قال : فاكتب لنا الصحيح مجردا فصنع المجتبي (( بالباء )) من السنن الكبرى ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل وأبو إسحاق الحبال الذي ينقل عنه الطبني هو الحافظ الإمام المتفنن محدث مصر إبراهيم بن سعيد بن عبد الله التجيبي كان من المتشددين في السماع والإجازة يكتب السماع على الأصول ، ورعا ثبتا خيرا ، وكان يتعاطى التجارة في الكتب، وحصل عنده من الأصول والأجزاء ما ليس عند غيره، وما لايوصف کثرة، ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ، وتوفي سنة ٤٨٢، وقد أطال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمته ، والثناء عليه ، ومثله السيوطي في حسن المحاضرة . وكذلك نجد أن ابن الأثير الذي جرد الأصول الخمسة ، وضم إليها الموطأ جرد المجتبى ، وليس السنن الكبرى ، وساق إسناده بالمجتبى ، وفيه النص الواضح على أن المجتبى من تأليف النسائي ذاته يقول ابن الأثير: إنه قرأه سنة ٥٨٦ على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي إمام مدينة السلام الذي قرأه علي أبي الحسن . علي بن أحمد بن الحسن بن (١) هكذا في هذا الموضع سقط منه ما لا يتم الكلام إلا به ٥٢ -- شرح سنن النسائي محمویة الیزیدي سنة ٥٥١ الذي قرأه على أبي محمد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن الصوفي الدوني سنة ٥٠٠ في شهر صفر، الذي قرأه على أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار بخانكاه (( دُونَ )) سنة ٤٣٣ ، الذي قرأه على ابن السني بالدينور سنة ٣٦٣ ، الذي قال : حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالي بكتاب السنن جمعيه ... وهذا نص واضح قبل الذهبي بما یزید علی قرن ونصف من الزمن ، ونص أبي على الغساني أسبق من هذا كذلك . ولو كان المجتبى من صنع ابن السني لاقتضى الأمر من ابن الأثير أن ينص عليه وأن ینسبه إليه ، وقد ذكر هو قصة أمير الرَّملة عند ماسأل النسائي عن المصنف أصحيح كله ؟ قال : لا ، قال : فجرد لنا منه الصحيح فصنع المجتبى . كما أن ابن السني ذاته نص أنه سمع المجتبى من مصنفه بمصر في أكثر من موضع منه ، انظر المطبوع ج٧ص١٧١ صدر كتاب الصيد والذبائح ، وقد وجدت نسخا مخطوطة ينص على سماعها من النسائي بمصر في صدر المجتبى منها نسخة في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم - ١٨٧٧ - ك و -٢٤٠٨ - ك ونجد كذلك الزيلعي، وهو من معاصري الذهبي ینص في غير موضع من كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية ، وفي تخريج أحاديث الكشاف أن السنن الصغرى والکبری للنسائي ، بل أصرح من هذا ماقاله رفيقه في الطلب الحافظ الکبیر عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة - ٧٧٤ - في ترجمة النسائي ، وقد جمع السنن الكبير وانتخب ماهو أقل حجمًا منه بمرات ، وقد وقع لي سماعهما . وكذلك الحافظ الكبير أبو الفضل العراقي يَرَى صحة إهدائها لأمير الرملة في القصة المتقدمة ، قال السيوطي : ورأيت بخط الحافظ المقدمة ٥٣_ أبي الفضل العراقي أن النسائي لما صنف الكبرى أهداها لأمير الرملة ، فقال : كل مافيها صحيح ؟ فقال: لا، قال: مَيِّزْ الصحيح من غيره ، فصنف له الصغرى . إلا أن المجتبى لم ينتشر إلا من طريق ابن السني ، وعنه القاضي أبو الحسن بن الكسار ، وعنه الدَّوني ، أما الكبرى فقد انتشرت عن الأندلسيين ، لأنهم رووا عن النسائي في أخريات أيامه . اهـ خلاصة ما کتبه محقق عمل اليوم والليلة . ص ٦٠ ، ٧٣. وأما مصحح السنن الكبرى الأستاذ عبد الصمد شرف الدين ، فقال في مقدمة تصحيحه في الكلام في الفرق بين الكبرى والصغرى : ما حاصله: وقبل أن نبحث عن الفرق بينهما يحسن بنا التنبيه على ماوقع فيه بعض الأئمة من الغلط في هذين الكتابين : فقد نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة النسائي عن مجد الدين ابن الأثير الجزري صاحب جامع الأصول (ت ٦٠٦) حکایته ما اشتهر عن النسائي بأن بعض الأمراء سأله عن كتابه السنن أكله صحيح ؟ فقال : لا ، قال : فاکتب لنا الصحیح منه مجردا ، فصنع المجتبى ، فهو المجتبى من السنن ، ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل . انظر ((جامع الأصول ١١٦/١)). هكذا ذكر ابن الأثير هذه الواقعة المزعومة بين أمير مجهول وبين إمام حفاظ الحديث النبوي وحامليه في عصره بدون أيّ إسناد في إثباتها ، وبفرض ثبوتها لم نعهد في التاريخ بأمير من أمراء القوم له هذا الشغف العظيم بصحيح الأحاديث من معلولها ، كما لم نعهد بحامل من حملة السنة النبوية يأتمر بأمر من جهلاء الحكام في ترتيب ما يصنفه فيها(١). وأغرب من ذلك رد الذهبي قول ابن الأثير هذا لا لشدة غرابته ، بل لما (١) في هذا الكلام نظر لا يخفى . فإن كثيرا من الخلفاء والأمراء في ذلك العصر وقبله كان لهم عناية وشغف بالحديث فلا يستبعد ما ذكر للنسائي ، فكتب التاريخ مملوءة بمثل ذلك ، کتدوين الزهري للحديث بأمر عمر بن عبد العزيز ، وكطلب أبي جعفر المنصور من الإمام مالك أن يصنف في الحديث ، فصنف الموطأ . بل أولى ما يعترض به على هذه القصة عدم سند صحيح لها . فتأمل ٥٤ شرح سنن النسائي يعتقده من کون المجتبى ليس من صنع مصنفه ، بل من تأليف تلميذ له ، فقال بعد سرده رواية ابن الأثير : قلت : هذا لم يصح ، بل المجتبى اختيار ابن السني . وللذهبي نوع عذر في هذا الاعتقاد ، إذ أنه لم يطلع قط في عمره على کتاب السنن الکبیر للنسائي دون مختصره المجتبى ، ومن جهل شیئا تخرّص فيه . فقد اعترف بهذا بآخر ترجمة النسائي المذكور ، فقال : والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى منه انتخاب أبي بكر بن السني اهـ، ثم ذكر إسناد سماعه إلى ابن السني ، ولكنه ختم هذا الإسناد بقوله ... أنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد الدّوني ، قال : أنا القاضي أحمد بن الحسين الكسار ، نا ابن السني ، عنه . وهذه الخاتمة نفسها تدل على أن الكتاب ليس من تأليف ابن السني ، بل من تأليف النسائي ، فإنه قال : نا ابن السني ، عنه . أي عن النسائي . وأصرح من ذلك إسناد ابن الأثير لسماعه المجتبى سماعا واحدا كالذهبي ، ولم يسمع هو الكبرى أيضا مثل الذهبي ، فقال في آخر إسناده : عن أبي محمد عبد الرحمن بن حمد الدوني (ت ٥٠١) عن القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار الدينوري (ت ٤٣٢) عن الحافظ أبي بكر أحمد بن محمد ابن السني انظر جامع الأصول١/ ١٢١-١٢٢ . وختمه فقال : عن ابن السني قال : حدثنا الإمام الحافظ أبوعبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله بکتاب السنن جميعه ، فلا شك في أن ابن السني حدث بكتاب السنن ، وهو المجتبى عن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي ، لا من قبل نفسه . فإذن هو تأليف النسائي، لا تأليف ابن السني ، وهو الراوي عن النسائي كتابه الصغير . والحاصل أن الحافظ ابن السني هو الراوي عن النسائي لسننه المجتبى عن السنن الكبرى ، ومن طريقه تلقاه المحدثون ، أما كونه هو الذي تولى اختصاره بنفسه فمما لا يصح . هذا خلاصة ماكتبه المصحح في هذا البحث ، وهو بحث نفيس جدًا . ٥٥ المقدمة المسألة التاسعة في الموازنة بين الصغرى والكبرى كتب المحقق والمصحح في هذا البحث كلاما نفيسا، أبان عن شدة اعتنائهما وتحريهما في هذا الموضوع شكر الله سعيهما، وأنا أنقل خلاصة ماحققاه : قال المحقق شكر الله سعيه : تمتاز الکبری عن الصغرى بعدة أمور ، وقد تبين لي ذلك من خلال المقابلة التي أجريتها بين المجتبى المطبوع وبين المجلدين الكبيرين من السنن الكبرى الموجودين في الخزانة الملكية بالرباط تحت رقم ٥٩٥٥ ، وهي : ١ - أنه يوجد في الكبرى زيادة كتب ليست في المجتبى ، منها : كتاب السير ، والمناقب ، والنعوت ، والطب ، والفرائض ، الوليمة ، التعبير ، فضائل القرآن ، العلم ... الخ . ولا تنقص الكبرى عن المجتبى من الكتب سوى الإيمان وشرائعه ، والصلح كما تقدم عن نص أبي علي الغساني ، وهذا يعطي للكبرى مَيزَة الكبر والاتساع لتلم بجميع الكتب مما يصح أن يطلق معه عليها المصنّف أو الجامع الآتي تفسيرهما . ٢- أنه يدخل في الكبرى كتب ألْفَت مستقلة ، ثم ضمها إليها مصنفها، ووضعها في المكان المناسب لها ، مثل كتاب فضائل القرآن ، فقد نص الزركشي (ت ٧٩٤) في كتابه البرهان في علوم القرآن أنه ألفه مستقلا . أما كتابه خصائص علي : فهو مشهور جدا أنه ألفه مستقلا ، وقد تقدم سبب تأليفه ، في ترجمته ، ثم ضمه إلى الكبرى مع فضائل الصحابة الذي ألفه بعد ذلك . ٥٦ شرح سنن النسائي ومثله كتاب التفسير، فقد نص الذهبي على أنه مستقل ، ويقع في مجلد وقد روی مع الکبری ، وأما عمل اليوم والليلة ، فقد روى عن طريق أبي محمد الباجي عن ابن الأحمر ، وابن سيار مع الكبرى ، ومن طريق بقية الرواة مستقلا . ٣ - أن الكبرى تزيد على الصغري بعدد الأبواب ، ومن ثم بعدد الأحاديث ، ولنأخذ على سبيل المثال كتاب الصوم نجد فيه أبوابا كثيرة ليست في المجتبى منها : صيام يوم الأربعاء ، تحريم صيام يوم الفطر ويوم النحر ، وصيام يوم عرفة ، والفضل في ذلك . إفطار يوم عرفة بعرفة ، التأكيد في صوم يوم عاشوراء ، صيام ستة أيام من شوال ، صيام الحي عن الميت ، صيام المحرم ، صيام شعبان ، اغتسال الصائم ، والسواك للصائم ، والسعوط للصائم ، القبلة في شهر رمضان ، ما يجب على من يجامع امراته ... الخ، وهكذا تزيد الكبرى عن الصغرى بأربعة وستين بابا ، ويبدوا أن هذا الكتاب أكثر الكتب زيادات على المجتبى . ٤ - أن کثرة الأبواب تستتبع زيادة في تعلیل الأحاديث ، وذلك حین يوردها مبينا ما فيها من العلل والوقف والإرسال ، وغير ذلك ، وهذا غير قليل في الكبرى ، وقد تفنن في هذا تفننا عجيبا ، ومع هذا فقد نجد في المجتبى كلمة موضحة أو لفظة زائدة في الإسناد أو في المتن ولا نجدها في الكبرى ، وإن كان هذا قليلا ، مع وجود أحاديث في المجتبى ليست في الكبرى . ٥ - أنه يستعمل في مطلع إسناده لفظ أخبرنا ، وأحيانا أخبرني ، وهذا مما انفرد به عن بقية الستة ، فإنهم يستعملون حدثنا وغيرها أيضا . قال الجامع : وسيأتي البحث عن هذه المسألة في هذا الجامع إن شاء الله تعالى . المقدمة ٥٧ - وأما في الکبری : فیتوسع حتى إنه يستعمل أحيانا البلاغات كقوله : بلغني عن ابن وهب عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه، قال : سمعت سليمان بن يسار أنه سمع الحكم بن الزرقي يقول : حدثتني أمي ((أنهم كانوا مع رسول الله عَ بمنى، فسمعوا راكبا يصرخ يقول: ألا، لا يصومَنَّ أحد ، فإنها أيام أكل وشرب)). قال أبو عبد الرحمن : ما علمت أحدا تابع مخرمة على هذا الحديث الحكم الزرقي ، والصواب مسعود بن الحكم . ٦ - في المجتبى زيادة تراجم وأبواب واستنباطات لا توجد في الكبرى كمافي ترجمته في كتاب الطهارة في الكبرى: (( النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة ، والأمر باستقبال المشرق والمغرب))، وساق تحته حديثين عن أبي أيوب الأنصاري ، وجعل هذه الترجمة في المجتبى ثلاث تراجم: ((النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة))، ((النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة))، ((الأمر باستقبال المشرق والمغرب عند الحاجة))، وأضاف في المجتبى حديثا ليس في الكبرى ، ولهذا نظائر كثيرة مبثوثة في ثنايا المجتبى لاسيما الكتب الأولُ من الطهارة ، والصلاة ، والحج ، والصوم. ٧ - أما رجاله ومنهجه في الانتقاء فهو واحد تقريبا في الكتابين ، وان كان في الكبرى بعض رجال ليسوا في المجتبى فهذا تبع لسعة الكتاب وزياداته ، ولا يخرجون عن الإطار العام الذي ينتقي به النسائي رجاله ، اهـ خلاصة ماكتبه المحقق . وهو بحث نفيس . شكر الله سعيه . وأما مصحح السنن الكبرى فقد كتب في هذا الموضوع بحثا نفيسا أيضا، وهو قريب مما كتبه المحقق ، فنتيجتهما سواء ، ولكن هذا عمل تدقيقا عجيبا حيث عمل جدولا للمقابلة بين تراجم الكتابين فأتى بأبدع ٥٨ شرح سنن النسائي مقابلة ، جعل تراجم الأبواب من كتاب الطهارة فيهما في جدولين متقابلين مع عد أرقامها فيهما ، ووضع عدد الأحاديث الموجودة في كل باب ، استنتج من ذلك تنقيح المصنف ، وتحسينه في المجتبى حيث إن مَنْ يعيد النظر في تأليفه الأول لابد من ان يتبين له من المناسبة والتحرير ما لم يظهر له في الأول . قال في المقدمة في هذا الموضوع : قد اشتمل هذا الجزء على ٤٢١ حديثا بما فيه من أحاديث الكبرى وأحاديث من المجتبى مما لاوجود لها في الكبرى . وهذا تفصيل الأحاديث : ٢٨٥ حدیثًا مشتركًا بینھما ، و٣٢ حدیثًا تختص بها الكبرى ، و١١٣ حديثًا تختص بها الصغرى ، فالمجموع ٤٢١ حديثًا . فقد ظهر من هذا التفصيل أن عدد الأحاديث الموجودة في الکبری من كتاب الطهارة ٣٠٨ حديثا فقط ، انتخب المصنف منها ٢٨٥ حديثًا ، وترك منها ٢٣ حديثًا، ولكننا نجد بإزاء ذلك أن المصنف قد أضاف ١١٣ حديثًا إلى ما اجتباه من أصل مصنفه حين صنف المجتبى ، ونجد كذلك إضافة زائدة على عدد تراجم الأبواب الموجودة في الكبرى ، فعددها في الكبرى ١٨٤ بابًا ، وفي المجتبى ٢٧٥ بابًا أي بزيادة ٩١ بابًا . ونستنبط من هذه الزيادات ان کتاب المجتبی لیس محدودا على انتخاب من السنن الكبرى فحسب ، بل فيه شيء كثير زيد عليها عند الانتخاب ، فقد زاد فيه على الأصل كما قد نقص منه . المقدمة ٥٩ - المسألة العاشرة في سبب انتخاب النسائي للصغرى من الكبرى كتب المصحح في هذا الموضوع بحثًا نفيسًا أحببت إيراده لأهميته . قال جزاه الله خيرا : إذا أردنا أن نعرف السبب الذي لأجله صنف الإمام النسائي كتابه المجتبى بعد تأليفه السنن الكبرى ، فعلينا أن نتتبع تأريخ تصنيف كتب الحديث الستة في عصر المصنف فإن هذه الدراسة ستعيننا في تحقيق هذا السبب ، وهذه سنُو وَفَيَات الأئمة الستة بترتيبها الزمني : أبو داود ٢٧٥ البخاري٢٥٦ الترمذي ٢٧٩ مسلم ٢٦١ النسائي ٣٠٣ ابن ماجه ٢٧٣ فصنف النسائي سننه الكبرى في جملة من صنف من هؤلاء المحدثين، وهو آخرهم وفاة ، ولهذا تيسر له النظر في مصنفات من تقدمه بعد تصنيفه الأول ، وهو الكبرى ، وهذا على ما يظهر حمله على تصنيفه الثاني ، وهو المجتبى مراعيًا فيه كل مارآه من المحاسن في تصانيف غيره ، وبالأخص الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله . ولما كان الرسول # مبينا لما أجمل القرآن من أحكام الشريعة ، كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم﴾ [النحل: آية ٤٤]، التزم أفقه المحدثين الإمام البخاريّ بإصدار تراجم الکتب والأبواب من صحیحه بآيات من القرآن مهما أمکن ، ثم یورد الأحاديث المتعلقة بتلك الآيات بمنزلة التفسير والبيان لمعانيها ، وهذا من منتهى فهمه وتفقهه . فكأن الإمام النسائي تفطن لهذا السر، وأدرکه ، ٦٠ شرح سنن النسائي فأراد تطبيقه في تصنيفه هو في السنن ، والظاهر أنه فاتته هذه النكتة عند تصنيفه السنن الكبرى ، فأراد التزامها حيث عزم على تصنيفه المجتبى ، بل لا يبعد أن يكون مثل هذا الالتزام هو مما حمله على هذا الانتقاء ليجوده ويحسنه في ترتيبه وأسلوبه . ومن أبرز أمثلته أنه لما جمع السنن الكبرى بدأ بكتاب الطهارة فترجم له بقوله : (( وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة )) ، وأورد فيها حدیث غسل الیدین عند الاستيقاظ تنبيها على أن الطهارة تبدأ بغسل اليدين . فلما صنف المجتبى فيما بعد بدأ بترجمة من آية من القرآن ، هي جامعة لبيان الوضوء والغسل والتيمم ، وهى آية المائدة ، فقال : تأويل قوله عز وجل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلو وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ﴾ [المائدة: ٦] . وهذا كما ذكر العلامة أبو الحسن محمد بن عبد الهادي السندي محشي سنن النسائي ، فقال في شرح هذه الترجمة : يريد رحمه الله تعالى أن تمام ما يذكر في كتاب الطهارة في هذا الكتاب بمنزلة باب الطهارة ، أو كتاب الطهارة في غيره ، وتمام الأبواب المذكورة في الطهارة داخلة في هذه الترجمة اهـ. قلت : ولهذا لم يصدر هذا الكتاب بعنوان كتاب الطهارة ، اكتفاء بهذه الترجمة الوافية الشاملة . وللمصنف في صنيعه هذا أسوة حسنة في الإمام البخاري رحمه الله المتقدم عليه ، حيث بدأ كتاب الطهارة من صحيحه بقوله : كتاب الوضوء، باب ماجاء في قول الله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية. ولما فرغ المصنف مما أراد انتقاءه وإضافته وتهذییه من السنن الكبرى من كتاب الطهارة ، وما ذكر من الأبواب والأحاديث كانت كلها بمنزلة البيان