Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨٠
باب الوضوء من القُبلة
باب الوضوء من القُبلة
٢٠- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع ثنا
الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة: (أن رسول الله
وَال﴿ قَبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ، قلت: من (١) هي إلا
أنت؟ فضحكت.
هذا حديث لما رواه أبو داود عن عثمان: ثنا وكيع قال: وكذا رواه زائدة
وعبد الحميد الحماني عن الأعمش.
ثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني ثنا عبد الرحمن بن مغراء ثنا الأعمش، ثنا أصحاب
لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث.
قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد لرجل: احك عني أن هذين الحديثين يعني:
حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ
لكل صلاة قال: احك عني أنهما شبه لا شيء، وروي عن الثوري قال: ما حدثنا
حبيب إلا عن عروة المزني، يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء، وقد روى
حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا، زاد ابن العبد
واللؤلؤي: صحیحًا(٢). انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول: قول الأعمش ثنا أصحاب لنا لا يقدح في الإسناد الأول؛ لأمرين:
الأول: عبد الرحمن بن مغراء لا يقاوم زائدة والحماني ووكيعًا.
الثاني: يحتمل أن أصحابه رووه له كما رواه له حبيب، ويكون لحبيب في هذا
شيخان إذا قلنا بصحة إسناد الثاني، وقول الثوري: لم يحدثنا حبيب عن ابن الزبير لا
يؤثر في صحة هذا الحديث؛ لأن الشيخ غالبا لا يروي لأصحابه عن جميع مشايخه،
(١) كذا بالأصل، وفي المطبوع: ما هي إلا أنت.
(٢) سنن أبي داود (١٢٤/١-١٢٥) رقم (١٧٩)، (١٨٠).

٨١
يب الوضوء من القُبلة
وقد يخص قومًا دون آخرين، وقال أبو عيسى: سمعت محمداً يضعف هذا
تحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، وقد روى عن التيمي عن
عائشة أن النبي * قبلها، ولم يتوضأ، وهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم
سماعًا من عائشة، وليس يصح في هذا الباب شيء، قال أبو عيسى: وسمعت أبا بكر
"عطار يذكر عن ابن المديني قال: ضعف يحيى بن سعيد هذا الحديث جدًّا، قال
"أبو عيسى: وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي وَّر في هذا؛ لأنه لا يصح
عندهم لحال الإسناد(١)، وذكر الدارقطني عن يحيى بن سعيد أنه قال: إنما كان
ثوري أعلم الناس بهذا، وزعم أن حبيبًا لم يسمع من عروة شيئًا، وبنحوه ذكره
لإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والحافظان: أبو بكر البيهقي، وأبو
تحسن ابن القطان، وأبو الفرج بن الجوزي، وابن سرور المقدسي، وأشار ابن
حزم إلى عدم صحته، [وفي كتاب الخلال: سئل أبو عبد الله عن حديث عائشة في
تقبلة؟ فقال: هو غلط، وفي كتاب الميموني: قال أبو عبد الله: هذا الحديث
مقلوب على حديث عائشة: قبل وهو صائم، وهو هذا الحدیث بعينه، يرويه هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة، قلت: فمن أين؟ أليس حبيب صالح الحديث؟! قال:
بنى، ولكن لا أعلم أحدًا روى عن حبيب عن عروة شيئاً إلا هذا الحديث وحديث
خر يرويه الأعمش، وفي كتاب العلل لأبن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: لم
يصح حديث عائشة في ترك الوضوء من القبلة يعني : حديث الأعمش عن حبيب عن
عروة وسئل أبو زرعة عن الوضوء من القبلة ؛ فقال: إن لم يصح حديث عائشة قلت
﴾(٢)، وأشار البغوي في شرح السنة إلى ضعفه(٣).
وقال الشافعي: ليس بمحفوظ من قبل أن عروة إنما روى: (أن النبي وَ لّقبلها صائمًا).
وقال البيهقي في ((المعرفة)): والصحيح رواية عروة، والقاسم بن محمد، وعلي
(٢) سنن الترمذي (١٣٤/١-١٣٩) بتصرف.
*) علل الحديث لابن أبي حاتم (٤٨/١) رقم (١١٠).
٠=) شرح السنة (٢٦٦/١).

٨٢
باب الوضوء من القُبلة
ابن الحسين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن ميمون عن عائشة: (كان
عليه السلام يقبل وهو صائم)، وحديث حبيب معلول(١).
وقال في الخلافيات: اشتبه فساده على كثير ممن ليس الحديث من شأنه، ويراه
إسنادًا صحيحًا، وهو فاسد من وجهين:
الأول: الانقطاع.
والثاني: عروة ليس بابن الزبير، إنما هو شيخ مجهول يعرف بالمزني(٢)، وقال
عباس بن محمد الدوري: قلت لابن معين: حبيب ثبت؟ قال: نعم، إنما روى
حديثين أظن يحيى يريد منكرين الحديث: «تصلي الحائض وإن قطر الدم على
الحصيرة، وحديث القبلة، وفّي مسائل حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني:
وسمعت إسحاق يعني: أبن راهويه لما ذكر حديث حبيب عن عروة يعني: هذا قال:
هذه الرواية ليست بصحيحة لما نظن أن حبيبًا لم يسمع من عروة، وإنما بلغه عنه،
ويروي عن هشام عن أبيه خلاف ذلك، وهذا أعظم الدلالة في ذلك. انتهى كلامه.
وفيه نظر، لما نذكر بعد من رواية هشام عن أبيه كرواية حبيب، والله تعالى أعلم.
وقال أبو جعفر البخاري(٣) في كتاب الناسخ والمنسوخ، وذكر حديثًا فيه حبيب:
هذا حديث فيه غير علة منها أن حبيب بن أبي ثابت على محله لا يقوم بحديثه حجة
لمذهبه، وكان مذهبه أنه قال: لو حدثني رجل عنك بحديث ثم حدثت به عنك
لكنت صادقًا، ومنها أنه روى عن عروة عن عائشة: أن النبي وَله قبّل بعض نسائه،
ثم صلى، ولم يتوضأ](٤)، وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث معلول عندهم؛
فمنهم من قال: لم يسمع حبيب من عروة، ومنهم من قال: ليس هو عروة بن
(١) معرفة السنن والآثار (٣٧٥-٣٧٦).
(٢) الخلافيات (١٦٦/٢-١٦٨) بتصرف في النقل.
(٣) كذا بالأصل، والظاهر أنه مصحف من النحاس، وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل إمام
العربية، فله كتاب في الناسخ والمنسوخ، وترجمته في ((السيرة (٤٠١/١٥) وغيرها، والله أعلم.
(٤) ما بين المعكوفتين ليس في ((ف).
٠٠

٨٣
جلب الوضوء من القُبلة
الزبير، وضعفوا هذا الحديث ودفعوه، قال: وصححه الكوفيون، وثبتوه لرواية
الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة، لروايته عمن هو أكبر من
عروة، وأجل وأقدم موتًا، وهو إمام ثقة من أئمة العلماء الجلة. انتهى(١) ما ذكره،
وهو مزيل للانقطاع من جهة إمكان اللقاء فقط.
ويؤيده قول أبي داود: روى حبيب عن عروة حديثًا صحيحًا.
ولقائل أن يقول: ما قاله أبو داود لا يعطي سماعًا؛ لاحتمال أن يكون الحديث .
کفي أشار إليه وهو قوله {آلآ: «اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري» صحیحًا
في نفس الأمر، لا ضعيفًا كهذا، إذ هو معروف الصحة من خارج، فيقال له: إنما
ذكره أبو داود في هذا الموطن ردًّا على من زعم أنه لم يسمع منه، ولولا ذلك لكان
كلامه لا فائدة منه(٢)، وفي قول أبي عمر: حبيب لا ينكر لقاؤه عروة إلى آخره
تظر؛ لما علم من حال جماعة من الأئمة روى أحدهم عن الكبار، وأرسل عن
لصغار، هذا أبو حاتم الرازي يقول في ابن شهاب: لم يسمع من أبان بن عثمان ؛
لأنه لم يدركه، وقد أدرك من هو أكبر منه، ولكن لا نثبت له السماع منه كما أن
حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه،
غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون
حجة، وأما قوله: ومنهم من قال: ليس هو عروة بن الزبير ففيه نظر، لما أسلفناه
من رواية وكيع المصرّح فيها بنسبه عند ابن ماجه والدارقطني (٣)، وأيضًا فلا أحد
من الغرباء يتجاسر على أم المؤمنين بقوله: (من هي إلا أنت؟ ويحكي ضحكها غالبًا
إلا من كان ذا محرم منها، ويزيده وضوحًا رواية هشام له عن أبيه كرواية حبيب،
ذكر ذلك الدارقطني في كتاب السنن من رواية حاجب بن سليمان عن وكيع عنه،
وقال: تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: (أن
١٣) الاستذكار (٥١/٣-٥٢).
(٤) في الأصل: فيه، وقد عدلته مراعاة للسياق، والله أعلم، ثم وجدته كذلك في ((ف)).
(٣) هذا الحديث هو الذي يتكلم عليه عند ابن ماجه، وسنن الدارقطني (١٣٦/١-١٣٧).

٨٤
باب الوضوء من القُبلة
النبي 08 كان يقبّل وهو صائم، وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدث من
حفظه. انتهى(١).
ولقائل أن يقول: هو تفرد ثقة، وتحديثه من حفظه إن كان أوجب كثرة خطئه
بحيث يجب ترك حديثه فلا يكون ثقة، وليس بذلك ؛ لقول النسائي، وابن حبان
فيه: ثقة وإن لم يوجب خروجه عن الثقة، فلعله لم يهم، وكان نسبته إلى الوهم
بسبب مخالفة الأكثرين له، وليس كذلك لمتابعة عاصم بن علي أبي الحسن
الواسطي المخرج حديثه في صحيح البخاري، والقائل فيه أحمد بن حنبل:
صدوق، وفي رواية المروذي عنه: لا أعلم إلا خيرًا، كان حديثه صحيحًا(٢)، ذكر
ذلك أبو الحسن في كتابه عن الحسين بن إسماعيل عن علي بن عبد العزيز الوراق
يعني: المصنف المشهور عنه عن أبي أويس قال: حدثني هشام فذكره، ثم قال: لا
أعلم حدث به عن عاصم غير علي بن عبد العزيز، ورواه أيضًا من جهة شيبان بن
عبد الرحمن عن الحسن بن دينار عن هشام عن أبيه عروة بن الزبير أن رجلاً قال:
سألت عائشة الحديث، ومن جهة محمد بن جابر عن هشام، ومن جهة عبد الملك
ابن محمد عن هشام، ورواه عن عروة کروايتهما الزهري، قال أبو الحسن: ثنا ابن
قانع عن إسماعيل بن الفضل عن محمد بن عيسى بن يزيد الطرطوسي عن سليمان بن
عمر بن سيار (٣) عن أبيه عن ابن أخي الزهري(٤) عن الزهري عن عروة به، وقال
البيهقي حين ذكره: رواته إلى ابن أخي الزهري أكثرهم مجهولون، ولا يجوز
الاحتجاج بأخبار ترويها المجاهيل(٥)، ورواه الدار قطني أيضًا من جهة إسماعيل بن
(١) سنن الدارقطني (١٣٦/١).
(٢) في الأصول الثلاثة هنا كلمة: (له)، وقد حذفتها ليستقيم الكلام.
(٣) كذا بالأصول الثلاثة، وهو الصواب كما في المصادر الأخرى، وفي المطبوع من سنن
الدارقطني: سليمان بن عمر بن يسار، والله أعلم.
(٤) كذا بالأصول الثلاثة، وفي المطبوع من سنن الدارقطني سقط الزهري من الإسناد.
(٥) الخلافيات (١٧٨/٢-١٧٩) رقم (٤٤٩)، بتصرف، ورواه الدارقطني في سننه (١٣٥/١-١٣٧)
بتصرف أيضًا.

٨٥
يت الوضوء من القُبلة
موسى ثنا عيسى بن يونس عن معمر، فأدخل بين الزهري وعروة رجلًا وهو أبو
سالمة ثم قال: هذا خطأ من وجوه (١)، قال البيهقي: إنما أراد الخطأ في متنه وإسناده
جميعًا، حيث أدخل أبا سلمة، وزاد في متنه: (ثم صلى، ولم يتوضأ)، والمحفوظ
من سبق، والحمل فيه على من دون عيسى، وكيف يكون ذلك من جهة الزهري
صحيحًا، ومذهبه بخلافه، ورواه عن عروة أيضًا محمد بن عمرو، وذكره عبد
شرزاق عن إبراهيم بن محمد عن معبد بن نباتة عن محمد عن عروة به(٢)، وذكر
زعفراني عن الشافعي قال: إن ثبت حديث معبد في القبلة لم أر به بأسًا (٣)، ولا في
تلمس، ولا أدري كيف معبد هذا؟ فإن كان ثقة فالحجة فيما روي عن النبي وَلّر،
وكن أخاف أن يكون غلطًا، قال أبو عمر: هو مجهول، لا حجة فيما رواه
عندنا (٤)، وقال البيهقي نحوه، وزاد أن محمد بن عمرو لم يثبت له عن عروة
شيء(٥). انتھی.
فقد تبين لك أن عروة هذا هو ابن الزبير لا المزني لكونه مجهولًا، ولم يرو عنه
؛ ابن أبي ثابت، أخذا من إسناد حديثه المذکور عند أبي داود، ولو روى عنه من
وصفناه لخرج عن الجهالة التي لم تزايله فيما ذكره غير واحد من المؤرخين، والله
تعالى أعلم.
وأيضا فقد رواه عن عائشة جماعة غير عروة نذكر منه ما تيسر ؛ فمن ذلك: رواية
عطاء عنها أن النبي ◌َله: (كان يقبل بعض نسائه، ولا يتوضأ)، رواه البزار في مسنده
عن إسماعيل بن يعقوب بن صبيح ثنا محمد بن موسى بن أعين حدثني أبي عن
عبد الكريم الجزري عنه، وقال: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ◌َّ إلا من
(١٠) سنن الدارقطني (١٤٢/١).
٢٥) عبد الرزاق (٥١٠)، وقد تحرف في المصنف المطبوع معبد بن نباتة إلى معبد بن بنانة.
(٣) في المعرفة (٣٧٥/١)، والتمهيد (١٧٧/٢١): لم أر فيها شيئًا.
٤) الاستذكار (٥٤/٣).
٤) المعرفة (٣٧٥/١).

٨٦
باب الوضوء من القُبلة
رواية عائشة، ولا نعلمه يروى عن عائشة إلا من حديث حبيب عن عروة، ومن
حديث عبد الكريم عن عطاء عنها، وقال في موضع آخر: وهذا الحديث إسناده
إسناد حسن، وهو معروف من حديث عبد الکریم، ومحمد بن موسى ليس به بأس،
قد احتمل حدیثہ أهل العلم، ولا نعلم فیه مطعنًا یوجب التوقف عن حديثه، وسائر
الرجال يستغنى بشهرتهم عن صفاتهم، وإسماعيل بن صبيح رجل ثقة مشهور، وقد
رواه خطاب بن القاسم قاضي حران، وكان مشهورًا أيضًا عن عبد الكريم. انتهى
كلامه، وفيه نظر؛ لما نذكره بعد إن شاء الله تعالى، ولما ذكر أبو محمد الإشبيلي
هذا الحديث قال: موسى بن أعين ثقة مشهور، وابنه مشهور، روى له البخاري،
ولا أعلم لهذا الحديث علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول
يحيى بن معين حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء؛ لأنه غير محفوظ.
قال أبو محمد: وانفراد الثقة بالحديث لا يضره، فإما أن يكون قبل نزول الآية
وإما أن تكون الملامسة الجماع كما قال ابن عباس(١)، ولما رواه الدارقطني من
جهة جندل(٢) بن والق ثنا عبيد الله بن عمرو عن غالب عن عطاء قال: غالب هو ابن
عبيد الله، متروك (٣)، وقال صاحب الذخيرة: هذا حديث لا يصح؛ لأن غالبًا يتهم
بالوضع، قال أبو الحسن: ثنا عثمان بن أحمد الدقاق ثنا محمد بن غالب ثنا الوليد
ابن صالح ثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري بمثله، ثم قال: يقال: إن
الوليد وهم في قوله: عبد الكريم، إنما هو حديث غالب، ورواه الثوري عن
عبد الكريم عن عطاء من قوله، وهو الصواب(٤)، ولما ذكر أبو بكر هذا الحديث في
كتاب الخلافيات لم يتكلم على الوليد بشيء إلا بقول عبد الله بن أحمد: قلت لأبي:
لمَ لمْ تكتب عن الوليد؟ فقال: رأيته يصلي في المسجد الجامع، ويسيء صلاته،
(١) الأحكام الوسطى (١٤٢/١).
(٢) كذا بالسنن للدارقطني، وقد تحرف في الأصل إلى (جندب)، وقد وجدته على الصواب في ((ف)).
(٣) سنن الدارقطني (١٣٧/١).
(٤) السنن للدار قطني (١٣٧/١).

٨٧
يتي الوضوء من القُبلة
وفي موضع آخر قال: ورواه سلمة بن صالح منفردًا به، ولم يتابع عليه، قال
تحاكم: عن محمد بن عبد الرحمن الكوفي عن عطاء عن عائشة، وروى عن
عبد الكريم عن عائشة مرفوعًا، وهو وهم، والصحيح: عن عطاء من قوله (١).
ٹھی.
والذي يشبه أن يكون ابن معين أراد الطريق التي أسلفناها من عند الدار قطني أولًا
يؤيد ذلك قول ابن عدي: والحديث الذي ذكره أبو زكريا هو ما روى عبد الله بن
عمرو عنه عن عطاء، فذكر حديث القبلة، ثم قال: إنما أراد ابن معين هذا الحديث
؛ لأنه غير محفوظ، ثم قال: ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة، يرويها عن
قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات فحديثه مستقيم(٢)، وقول الدارقطني: يقال: إن
توليد وهم في قوله: عن عبد الكريم؛ فقد ينازع في ذلك على طريقة معلومة
تتأخري المحدثين والفقهاء إذا كان ثقة، ويطالب قائل ذلك بالدليل على ما حكم به
من الوهم، وما تقدم من متابعة ابن أعين تضعف قوله، وتقتضي أن للحديث أصلًا
من رواية عبد الكريم، وقال ابن الحصار في كتابه ((تقريب المدارك)»: وقد طعنوا
على عبد الكريم ؛ لانفراده برفع هذا الحديث، وليس ذلك مطعنًا، وانفراد الثقة
-فع الحدیث لا يقدح فيه، وحديثه هذا مسند صحيح.
وأما رواية الثوري له موقوفًا فهي مسألة مشهورة عند الفقهاء، والأصوليين(٣)
فيما إذا وقف ثقة، ورفع ثقة، وعبيد الله بن عمرو من الثقات المخرج حديثهم في
تصحيحين، وأيضًا فعطاء صاحب(٤) فتوى معروف بذلك، فيجوز أن يكون أفتى بما
يرى، كما نقل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، فلا يقوي القرينة في غلط
من رفع كل القوة.
-٢) الخلافيات (٢٠٢/٢-٢٠٧).
) الكامل لابن عدي (٣٤٢/٥).
) في الأصول الثلاثة: الأصليين، وقد أثبت ما يناسب السياق.
(٤) كلمة: صاحب ليست بالأصل ولا مح٤، وهي في الف».

٨٨
باب الوضوء من القبلة
وأما ما ذكره البيهقي عن الوليد فليس عيبًا ترد به أحاديثه ؛ لاحتمال أن يكون يرى
رأي العراقيين، وصلاة بعضهم عند أحمد غير صحيحة، ولئن سلمنا له الطعن فيه
فحديث البزار المذكور ليس فيه الوليد، والله أعلم.
ومن ذلك: رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها: أنا بها القدوة المعمر أبو الفتح
نصر بن سليمان بن عمر المنبجي بقراءتي عليه: أخبركم أبو إسحاق إبراهيم ابن
خليل بن عبد الله الدمشقي قراءة عليه يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع
وخمسين وستمائة بجامع حلب، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم
اللخمي المعروف بابن الخرقي بقراءة أخي سنة ست وثمانين وخمسمائة، أنا أبو
محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي في ربيع الأول سنة ست وعشرين
وخمسمائة، أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الصوفي، أنا أبو محمد
عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر(١)، أنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة
سنة أربعين وثلاثمائة، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد ثنا محمد بن شعيب بن شابور
عن سعيد بن بشير عن منصور بن زاذان حدثه عن محمد بن مسلم الزهري عن أبي
سلمة عن عائشة أنها قالت: كان النبي 18 يخرج إلى الصلاة، ثم يقبلني، ولا
یتوضأ، قال أبو القاسم في «معجمه الأوسط»، ورواه من حدیث سعید: لم يروه عن
الزهري إلا منصور، تفرد به سعید(٢)، وقال أبو حاتم: وسأله ابنه عنه: هذا حديث
منكر، لا أصل له من حديث الزهري، ولا أعلم منصورًا سمع من الزهري، ولا
روى عنه، قال أبو محمد: وحفظي عن أبي أنه قال: إنما أراد الزهري، ولا روى
عنه عن أبي سلمة عن عائشة: (كان يقبل وهو صائم)، قلت لأبي: ممن الوهم؟
قال: من سعيد(٣)، وقال البيهقي: تفرد به سعيد، وليس بالقوي(٤)، وقال
(١) كذا بالأصل، وفي السير (٣٦٦/١٧): أبو محمد عبد الرحمن أبي نصر عثمان بن القاسم بن
معروف بن حبيب.
(٢) المعجم الأوسط للطبراني (٤٣٨٥).
(٣) علل الحديث لابن أبي حاتم (٤٧/١-٤٨) رقم (١٠٨).
(٤) الخلافيات (١٧٩/٢) رقم (٤٥٠).

٨٩
ي الوضوء من القُبلة
تدارقطني: تفرد به سعيد عن منصور عن الزهري، ولم يتابع عليه، وليس بقوي في
تحديث، والمحفوظ: عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي وَلقر: (كان
يقبل وهو صائم)، كذلك رواه الثقات الحفاظ عن الزهري ؛ منهم: معمر، وعقيل،
و بن أبي ذئب، وقال مالك: عن الزهري في القبلة الوضوء، ولو كان ما رواه سعيد
عن منصور عنده صحيحًا لما كان الزهري يفتي بخلافه(١). انتهى. وفي تعليله بفتوى
زهري نظر ؛ لما علم من حال جماعة رووا أحاديث، وعملوا بغيرها، إما لذهولهم
عمارووا أو لثبوت ناسخ عندهم، أو لغير ذلك، كما فعل أبو هريرة حين أفتى في
ولوغ الكلب في الإناء يغسل ثلاثًا، وروايته عن النبي وال* في ذلك سبعا، ومالك
يروي في موطئه حديث ابن عمر: (البيعان بالخيار)، ومذهبه ألاّ خيار، وأما سعيد
فيحتمل رفعه لحديث تابعه عليه غيره من الثقات ؛ لقول ابن عيينة فيه: كان حافظًا،
وقال: سعيد كان صدوق اللسان، وقال أبو زرعة النصري: ورأيته موضعًا عند أبي
عسهر للحديث، وكان يقول: ليس بمصرنا أحفظ منه، قال: وسألت دحيمًا عن
محمد بن راشد؟ فقال: ثقة، وكان يميل إلى هوى، فقلت: أين هو من سعيد؟ فقدم
سعيدًا عليه(٢)، وفي موضع آخر: كان مشايخنا يقولون: هو ثقة، وقال عبد
ترحمن: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: محله عندنا الصدق، وسمعت أبي يفكر
على من أدخله في کتاب الضعفاء، وقال: يحول منه، وقال ابن عدي: لا أرى بما
رويه بأسًا، والغالب عليه الصدق، ومن ذلك أبو الصديق الناجي؛ ذكر ذلك ابن
تي حاتم في كتاب العلل، وقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر(٣)، ومن
ذلك: زينب السهمية الآتي حديثها بعد، ومن ذلك: إبراهيم التيمي عنها: ((أن النبي
﴾ نبلها، ولم يتوضأ)).
رواه أبو داود عن محمد بن بشار ثنا يحيى وعبد الرحمن ثنا سفيان عن أبي
"؟) السنن للدار قطني (١٣٥/١).
٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص (١٨٠-١٨١).
(٣) علل الحديث لابن أبي حاتم (٦٣/١-٦٤) رقم (١٦٦).

٩٠
باب الوضوء من القبلة
روق عنه، وقال: هذا مرسل، التيمي لم يسمع من عائشة (١)، وقد سبق كلام
البخاري فيه، وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم غير أبي روق عطية بن
الحارث، ولا نعلم حدث به غير الثوري وأبي حنيفة من حديث يحيى بن نصر بن
حاجب عنه.
واختلف فيه، فأسنده الثوري عن عائشة، وأبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما
أرسله، وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما (٢)، وفيه
نظر ؛ لما علم أن مولده على ما ذكره البيهقي سنة خمسين، وتوفيت حفصة سنة
إحدى وأربعين على ما قاله أبو معشر وابن أبي خيثمة، وعائشة كانت وفاتها سنة
سبع أو ثمان وخمسين، والله أعلم.
وقال ابن حزم: هذا الخبر لا يصح ؛ لضعف أبي روق(٣)، وقال أبو عمر: هو
مرسل، لا خلاف فيه، وفي موضع آخر: لم يروه غير أبي روق، وليس فيما
انفرد به حجة(٤)، وقال النسائي: إبراهيم لم يسمع من عائشة، وليس في هذا
الباب أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلًا(٥).
وفي الخلافیات: هو فاسد من وجهين:
الأول: الإرسال.
والثاني: أبو روق لا تقوم به حجة (٦).
أما قول أبي عمر: (وليس فيما انفرد به حجة) فيرده قوله في كتاب الاستغناء: هو
(١) سنن أبي داود (١٧٨).
(٢) سنن الدارقطني (١٤٠/١-١٤١).
(٣) المحلى (٢٤٥/١).
(٤) الاستذكار (٥٣/٣)، وفي الأصل: لا اختلاف فيه، وما أثبت كما في الاستذكار أولى، وهو
كذلك في ((ف».
(٥) النسائي (١٠٤/١).
(٦) الخلافيات (١٧١/٢ -١٧٣).

٩١
ـب الوضوء من القُبلة
عنتهم صدوق، ليس به بأس، صالح الحديث، وفي موضع آخر: وقال الكوفيون:
مو ثقة، لم يذكره أحد بجرحة، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال يحيى: صالح،
قل أبو حاتم الرازي: صدوق، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات، وأما إجماعهم
تى إرساله فليس كذلك؛ لما ذكره أبو الحسن في سننه مسندًا من طريق صحيحة،
قال: ورواه معاوية بن هشام يعني: المخرَّج حديثه في صحيح مسلم عن الثوري
عن أبي روق عن إبراهيم عن أبيه يعني: المخرج حديثه في الصحيحين عنها، فوصل
سناده، واختلف عنه في لفظه ؛ فقال عثمان بن أبي شيبة فيما ثناه البغوي عنه بهذا
إسناد: ((أن النبي ◌َلأر كان يقبل وهو صائم))، وقال غيره: ((كان يقبل، ولا
ترضاه(١)، ولما ذكر البيهقي هذا في المعرفة قال: معاوية ليس قويًّا (٢)، لم يزد
عى ذلك، وليس بعلة يرد بها حديثه لما أسلفناه، والله تعالى أعلم.
٢١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا محمد بن فضيل عن حجاج عن عمرو بن
تعيب عن زينب السهمية عن عائشة: كان رسول الله التي يتوضأ، ثم يقبل،
_علي، ولا يتوضأ، وربما فعله بي.
هذا حديث قال فيه ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: الحجاج
يَس في حديث الضعفاء، ولا يحتج بحديثه(٣)، وقال أبو الحسن: زينب هذه
مجهولة، ولا تقوم بها حجة(٤)، ونحوه قاله أبو عمر في الاستذكار(٥)، وقال
حكم أبو عبد الله فيما ذكره عنه البيهقي في الخلافيات: هذا الإسناد لا تقوم به
حجة ؛ حجاج على جلالة قدره غير مذكور في الصحيح، وزينب ليس لها ذكر في
حسیث آخر، قال أبو بكر:
سنن الدارقطني (١٤١/١)، وإسناد البغوي برقم (٢٤).
معرفة السنن والآثار (٣٧٩/١).
- علل الحديث لابن أبي حاتم (٤٨/١) رقم (١٠٩).
. السنن للدار قطني (١٤٢/١).
: الاستذكار (٥٣/٣).

٩٢
باب الوضوء من القبلة
وقد رواه الأوزاعي(١) عن عمرو عنها، وقد قيل: عن عمرو عن أبيه عن جده
مرفوعًا: كان يقبّل، ولا يحدث وضوءًا، رواه العرزمي عنه، وهو متروك(٢) انتهى
كلامه.
وفيه بيان لصحة الحديث المذكور حيث قال: ورواه الأوزاعي عن عمرو،
ويخرج حجاج من أن يكون علة له على قول من أعله به، [وعلى تقدير أن يكون ثقةً
كان حديثه عن عمرو منقطعًا، قال ذلك ابن المبارك، ولم يبق إلا النظر في حال
زينب فقط؛ هل كما قيل: مجهولة أم لا؟، فنظرنا فإذا أبو حاتم البستي ذكرها في
كتاب الثقات؛ فزال - عنها بحمد الله - اسم الجهالة، وصح حديثها على هذا، لمـ
أسلفناه من متابعات وشواهد، والله تعالى أعلم](٣).
وأما قول البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن غير عائشة، ففيه نظر؛ لمـ
ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي علي الحنفي عن زفر بن الهذيل عن ليث
ابن أبي سليم عن ثابت بن عبيد عن أبي مسعود الأنصاري: أن رجلًا أقبل إلى
الصلاة، فاستقبلته امرأته، فأكب عليها، فتناولها، فأتى النبي *، فذكر ذلك له
فلم يأمره بالوضوء(٤) وقال: لم يروه عن زفر إلا أبو علي(٥)، ولما ذكره أبو الفرج
في كتاب العلل من حديث ركن بن عبد الله الشامي - القائل فيه ابن حبان: يروي
عن مكحول نسخة أكثرها موضوع، ولا يحل الاحتجاج به - عن مكحول عن أبي
أمامة أنه قال: قلت: يا رسول الله يتوضأ للصلاة، ثم يقبل المرأة أو يلاعبها.
أينقض ذلك وضوءه؟ قال: لا(٦)، ولما ذكره الإسماعیلي في جمعه حدیث یحیی أبن
(١) في الأصل: وقد رواه ابن فضيل الأوزاعي عن عمرو، وقد نقلت ما في الخلافيات لعدم مطابقة .
في الأصل للمصادر الأخرى، والله أعلم، ثم وجدته كذلك في «ف».
(٢) الخلافيات للبيهقي (١٧٦/٢-١٧٨).
(٣) ما بين المعكوفتين ليس في الف».
(٤) كذا بالأصول الثلاثة، وفي الأوسط: فلم ينهه.
(٥) المعجم الأوسط للطبراني (٧٢٢٧).
(٦) العلل المتناهية (٢٦٣/١-٢٦٤) رقم (٦٠٢).
:

٩٣
ـف الوضوء من القُبلة
ني كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة زوج النبي # أن النبي ◌َّ-
کان یقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر، ولا يحدث وضوءًا، رواه من جهة يزيد بن سنان
ني فروة الرهاوي، قال فيه أحمد، وعلي، والدارقطني: ضعيف، وقال النسائي،
والأزدي: متروك عن الأوزاعي عن يحيى، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط قال:
ثم يروه عن الأوزاعي إلا يزيد بن سنان، تفرد به سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه (١).
وقد تقدم حديث حفصة من كتاب الدار قطني، وحديث عمرو بن العاص من عند
شبيهقي، وفي قوله: ولا نعلمه يروى عن عائشة من حديث حبيب وعبد الكريم أيضًا
تظر ؛ لما أسلفناه، والله تعالى أعلم.
وفي كتاب التمهيد: روي عن عمر بن الخطاب بإسناد صحيح ثابت أنه كان يقبل
مرأته، ويصلي قبل أن يتوضأ.
وروی الدراوردي عن ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن
عمر قال: (القبلة من اللمم(٢)، فتوضأ منها)، وهو وهم عندهم وخطأ، لأن حفاظ
صحاب ابن شهاب یجعلونه عن ابن عمر، لا عن عمر، وذکر إسماعيل بن إسحاق
تَّ مذهب عمر بن الخطاب في الجنب لا يتيمم، فدل على أنه كان يرى
لملامسة ما دون الجماع كمذهب ابن مسعود، قال أبو عمر: فإن صح عن عمر
ما قاله إسماعيل ثبت الخلاف في القبلة عنه(٣)، والله تعالى أعلم، وصحح
تحاكم ذلك عن عمر في مستدركه، والبيهقي في كتاب الخلافيات(٤)، قال أبو
عمر: وأما ابن مسعود فلم يختلف عنه أن اللمس ما دون الجماع، وأنَّ الوضوء
واجب على من قبّل امرأته كمذهب ابن عمر سواء، وهو ثابت عن ابن عمر من
وجوه، وممن رأى الوضوء في القبلة من التابعين: عبيدة السلماني، وابن
(٤) المعجم الأوسط (٣٨٠٥).
(٣) كذا بالأصول الثلاثة، وفي سنن الدارقطني المطبوع: اللمس.
(٣) الاستذكار (٤٥/٣).
(٤) المستدرك (١٣٥/١)، والبيهقي في الخلافيات (١٥٦/٢-١٥٧).

٩٤
باب الوضوء من القُبلة
المسيب، والشعبي، وحماد(١).
وقال البيهقي في المعرفة: وعن ابن مسعود أيضًا من طريق شعبة عن مخارق عن
طارق بن شهاب عنه، قال: هذا الإسناد صحيح موصول(٢)، قال أبو عمر:
والنخعي، ومكحول، والدمشقي، وابن شهاب، وزيد بن أسلم، وسعيد بن
عبد العزيز، ويحيى الأنصاري وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك، وأصحابه،
وهو قول جمهور أهل المدينة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأما الذين ذهبوا
إلى أن اللمس هو الجماع ؛ فعبد الله بن عباس وعائشة فيما ذكره في الإشراف
ومسروق، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس اليماني، وعبيد بن عمير، وبه
قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وسائر الكوفيين إلا ابن حي، ورووا عن علي
ابن أبي طالبٍ مثل ذلك، واختلف في ذلك عن الأوزاعي، والحجة لأصحابنا أن
إطلاق الملامسة لا تعرف العرب منها إلا اللمس باليد، قال الله تعالى: ﴿فَلَسُوهُ
بِأَيْدِهِمْ﴾ [الأنعام:"الآية ٧] وقال له: ((اليدان تزنيان، وزناهما اللمس))(٣)، ومنه بيع
الملامسة، وهو لمس الثوب باليد، وحديث ابن عباس: ((لعلك مست))(٤)، وفي
المستدرك عن عائشة: ((كان يقبّل ما دون الوقاع)»(٥).
قال أبو عمر: وقد قرئت الآية: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءُ﴾ [النساء: الآية ٤٣]، وذلك يفيد
اللمس باليد، وحمل الظاهر والعموم على التصريح أولى من حمله على الكناية،
وقد روى عبد الملك بن عمير(٦) عن ابن أبي ليلى عن معاذ قال: (أتى رجل النبي
(١) الاستذكار (٤٥/٣-٤٦).
(٢) معرفة السنن والآثار (٣٧٣/١).
(٣) أصل الحديث في الصحيحين، وهذا لفظ أحمد (٣٤٩/٢).
(٤) في المسند (٢٣٨/١) من حديث ابن عباس: لعلك قبلت أو لمست، وأصل الحديث في الصحيح.
(٥) المستدرك (١٣٥/١).
(٦) كذا بالأصول، وهو الصواب، وفي المطبوع من الاستذكار: عبد الله بن عمير، والحديث عند
الترمذي كما سيأتي، وأحمد (٢٤٤/٥)، وغيرهما.

٩٥
ـف الوضوء من القُبلة
2، فسأله عن رجل أتى امرأة لا تحل له، فأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته
لا الجماع، فقال عليه السلام: ((توضأ وضوءًا حسنا»، فأمره بالوضوء لما نال منها
عن دون الجماع(١)، والله أعلم، انتهى كلامه.
وفي استدلاله بحديث معاذ نظر ؛ لأن آخره يبين أن المقصود بالوضوء الصلاة،
أجل التكفير، لا لأجل اللمس يتبين ذلك بسوقه من كتابي الدارقطني والبيهقي،
وزعم أنه في كتاب المستدرك، وهو منقطع فيما بين عبد الرحمن بن أبي ليلى ومعاذ
": رجلًا قال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع
تيًّا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه منها، إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: ((توضأ
وضوءًا حسنًا، ثم قم فصلَ»، فأنزل الله تعالى: ﴿أَقِمِ اُلْضَلَوَةَ طَرَفَي التََّارِ وَؤُلَفًّا مِّنَ
"يَا﴾ [هود: الآية ١١٤]، فقال معاذ: أهي خاصة له أم للمسلمين عامة؟ فقال: ((بل
-مسلمين عامة»(٢)
وأما قوله: إطلاق الملامسة لا تعرف العرب منها إلا اللمس باليد، ففيه نظر؛ لما
عنيه أئمة اللغة: أبو عمرو بن العلاء، وابن السكيت، والفارابي، وابن دريد،
كلجوهري، والبطليوسي (٣)، والمبرد، وصاعد بن القوطية، وابن القطَّاع، وابن
مياه، والفراء، وابن الأعرابي، وثعلب، وابن الأنباري، وأبو عبيد بن سلام،
د عسكري، والخطابي، والأزهري، والهروي، وابن جني، وابن قتيبة، والقزاز،
التبريزي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وغيرهم.
وفي كتاب الإشراف: وقال عطاء: إن قبَّل حلالًا فلا إعادة عليه، وإن قبَّل حرامًا
"بعد الوضوء، ولما ذكر ابن حزم حديث عائشة قال: لو صح لما كان لهم فيه حجة؛
أن معناه منسوخ بيقين؛ لأنه موافق لما كان عليه الناس من قبل نزول الآية،
تعودت الآية بشرع زائد، ولا يجوز تركه ولا تخصيصه، فإن احتجوا بحديثها
الاستذكار (٥٥/٣) رقم (٢٦٧٣) - (٢٦٧٥).
*) سنن الترمذي (٣١١٣)!
-) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البظليوسي.

٩٦
باب الوضوء من القُبلة
الصحيح: (التمست النبي ◌َ﴾ في الليل، فوقعت يدي على باطن قدمه وهو
ساجد)(١)، فلا حجة لهم فيه ؛ لأن الوضوء إنما هو على القاصد إلى اللمس، لا
على الملموس من دون أن يقصد هو إلى فعل الملامسة؛ لأنه لم يلامس، وأيضاً
فليس فيه أنه كان في صلاة، وقد يسجد المسلم في غير صلاة، وحتى لو صحَّ أنه
كان في صلاة، وهذا ما لا يصح فليس في الخبر أنه لم ينتقض وضوءه، ولا أنه صلى
صلاة مستأنفة دون تجدید وضوء، ثم لو صح أنه کان في صلاة، وصح تمادیه علیھا
وأنه صلى غيرها دون تجديد وضوء، وهذا كله لا يصح أبدًا فإنه كان يكون في الخبر
موافقًا للحال التي کان الناس عليها قبل الآية بلا شك، و کذا حدیث صلاته وهو
حامل أمامة(٢)؛ لأنه ليس فيه نص أن يديها ورجليها مست شيئًا من بشرته عليه
السلام إذ قد تكون موشحة برداء أو بقفازين، أو جوربين، أو يكون ثوبها سابغًا،
وهو الأولى أن يظن بمثلها بحضرة الرجال، وإذا لم يكن ما ذكرنا في الحديث، فلا
يحل لأحد أن يزيد فيه ما ليس منه ؛ فيكون كاذبًا، وإذا كان ما ظنوا ليس في الخبر
وما قلنا ممكنًا والذي لا يمكن غيره بطل تعلقهم به(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) صحيح مسلم (٤٨٦)، وغيره.
(٢) البخاري (٥١٦)، وغيره.
(٣) المحلى (٢٤٦/١-٢٤٨) بتصرف واختصار.

٩٧
ـب الوضوء من المذي
باب الوضوء من المذي
٢٢- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي: سئل رسول الله وَّر عن المذي، فقال: ((فيه
توضوء، وفي المني الغسل».
هذا حديث أصله في الصحيحين من حديث ابن الحنفية عن أبيه (١)، وخرجه أبو
عيسى عن محمد بن عمرو السواق البلخي ثنا هشيم، وثنا محمود بن غيلان ثنا
حسين الجعفي عن زائدة كلاهما عن يزيد بن أبي زياد، وقال: هذا حديث حسن
صحيح(٢)، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيل بن عمرو ثنا زائدة عن
حصين بن عبد الرحمن عن حصين بن قبيصة عن علي: كنت رجلاً مذاءً، فسألت
تي ێژ، ثم قال: لم يروه عن حصين إلا زائدة، تفرد به إسماعيل، ومن طريق
ت عدة رواه أبو عبد الرحمن(٣)، قال أبو القاسم: ورواه غير إسماعيل عن أبي حصين
من حصين بن قبيصة(٤)، وخرجه أبو داود والحافظان ابن خزيمة، وابن حبان في
صحيحيهما من حديث عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين عنه بلفظ:
تذكر ذلك للنبي 8* أو ذكر له(٥)، وتفرد ابن حبان بحديث أبي عبد الرحمن عن
عني: كنت رجلاً مذاء فسألت النبي وَل﴿ فقال: ((إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك ... ))
تحديث(٦)، ولما ذكر المنذري حديث أبي داود أتبعه قول الترمذي: حسن
(٧)
صحیح(٧).
) البخاري (١٣٢)، ومسلم (٣٠٣).
) الترمذي (١١٤).
*) أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي (١١١/١-١١٢).
٤) المعجم الأوسط للطبراني (٧٤٥٣).
=) أبو داود (٢٠٦)، وابن خزيمة (٢٠)، وابن حبان كما في الإحسان (١١٠٧).
) الإحسان (١١٠٤)، وهو في صحيح البخاري (٢٦٩).
٧) الترمذي (١١٤).

٩٨
باب الوضوء من المذي
وقد قدمنا ذلك في حديث الترمذي، قال ذلك في حديث يزيد لا هذا، ولم
يخرجه في كتابه، إنما هو من عند أبي عبد الرحمن، وأبي داود فقط، وأغفل ذكر
ابن ماجه، ولا ينبغي له ذلك، ولما ذكر الإشبيلي حديث حصین سكت عنه إلا ما
أبرز من ذكر حصين(١)، وتعقب ذلك ابن القطان عليه بقوله: حصين من أهل
الكوفة، روى عن علي وابن مسعود، وروى عنه الركين، والقاسم بن عبد الرحمن،
ولا تعرف حاله، وأعرض فيه عن عبيدة بن حميد فلم يعله فيه به، ولا بين كونه من
روايته، وأصاب في ذلك، وإنما أخطأ حين ضعّف من أجله حديث ابن مسعود:
(كانت صلاة النبي وله في الشتاء ... الحديث وعلى تضعيفه ذلك من أجل عبيدة
كان يلزمه في هذا أن ينبه على كونه من روايته، وإذ لم يفعل فقد أخطأ، والله
(٢)
أعلم(٢). انتهى.
حصين روى عنه أيضًا حصين، وأبو حصين المذكوران آنفًا(٣)، ووثقه ابن حبان
بذكره له في كتاب الثقات، وبما أسلفناه من توثيقه عند من صحح حديثه.
وقال ابن سعد: هو من أسد بني خزيمة بن مدركة، وروى أيضًا عن سلمان(٤)،
فزال بحمد الله ما أعله به أبو الحسن.
قال الدار قطني: ورواه عبيدة أيضًا عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس عن علي، ولم يتابع على هذا القول، وهو من الحفاظ(٥).
(١) الأحكام الوسطى (١٩١/١).
(٢) بيان الوهم والإيهام (١٧/٥-١٨) رقم (٢٢٥٢).
(٣) يعني المذكورين عند الطبراني في الأوسط السابق ذكرهما، وقد سقطت بين الواو (حصين) و (أبو
حصين)، والسياق يقتضيها، وهي في ((ف)).
(٤) الطبقات لابن سعد (٦/ ١٨٠).
! (٥) العلل الواردة في الأحاديث النبوية (١١٩/٤) رقم (٤٦٠)، وفيه: هل ليس عبيدة بن حميد من
الحفاظ؟. والظاهر أن (هل) تحرفت من (هو)، وأنه قد سقط من الأصول عندنا كلمة (ليس)، والله
أعلم.
1
عـ
1

٩٩
ـب الوضوء من المذي
وقال في الأفراد: غريب من حديث الحجاج بن الحجاج عن الأعمش: تفرَّد به
براهيم بن طهمان عنه، ومن قال في هذا الحديث: عن الحجاج عن سليمان بن
تعتذر، فقد وهم وهمًّا قبيحًا، وأما تصحيح الترمذي حديث يزيد ففيه نظر ؛ لما
عنم من اختلاف نظره فيه ؛ فتارة يصحح حديثه، وتارة يحسنه، وتارة يضعِّفه، وإذا
صحح حديثًا استدركه عليه، اللهم إلا أن يكون تصحيحه حديثه بالنظر لما عضده من
متابعات وشواهد وغير ذلك، وقد تقدّم ما للناس من الكلام في يزيد.
٢٣- حدثنا محمد بن بشار ثنا عثمان بن عمر ثنا مالك بن أنس عن سالم أبي
تضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود أنه سأل النبي يل عن الرجل
يدنو من امرأته، فلا ينزل، قال: ((إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه)). يعني:
يغسله، ويتوضأ.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))، فقال: ثنا يونس بن عبد الأعلى
تث ابن وهب أن مالكًا حدّثه، ولفظه: يسأل عن الرجل إذا دنا من أهله، فخرج منه
تعذي، ماذا عليه؟. فإن عندي ابنة رسول الله وَ ل﴿، وأنا أستحيي أن أسأله، قال
تحقداد: فسألت النبي لل﴾ عن ذلك، فقال: «إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه،
وشيتوضأ وضوءه للصلاة»(١).
وبنحوه ذكره ابن الجازود في منتقاه(٢)، وابن حبان في صحيحه، وقال إثره؟
عنت بالجرف سنة ثلاث وثلاثين، ومات سليمان بن يسار سنة تسع وتسعين(٣)، وقد
متع سليمان من المقداد وهو ابن دون عشر سنين(٤).
وقال أبو عمر: ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أنه
+.
٢) صحيح ابن خزيمة (٢١).
*) المنتقی لابن الجارود (٥).
٠
-) كذا بالأصول الثلاثة، ولعله الصواب، وفي الإحسان المطبوع: أربع وتسعين.
٤) الإحسان (١١٠١).