Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
- كتاب الأدب
أنكر عليه؛ لأنه خاف أن يخلط بالسنة ما ليس منها، فسد الذريعة بالإنكار
لئلا يتطرق بذلك في قلبه ريب ومرض (قال: قلنا) لفظ مسلم: فما زلنا
نقول: (يا أبا نجيد) بضم النون وفتح الجيم، وهي كنية عمران بن حصين
كني بابنه نجيد، وله شعر يوم الفتح ذكر في السيرة (إنه إنه (١)) كذا الرواية
ولفظ مسلم: إنه منا، إنه لا بأس به. وهذا يوضح رواية المصنف والمراد
أنه ليس ممن يتهم بنفاق وزندقة أو بدعة.
[٤٧٩٧] (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (ثنا شعبة، عن منصور)
ابن المعتمر الكوفي (عن ربعي بن حراش) بكسر الحاء المهملة (عن أبي
مسعود) عقبة بن عمرو البدري قڅبه.
(قال رسول الله وَله: إن مما أدرك الناس) روي بالرفع والنصب،
فالرفع (٢) على تقدير(٣) أن [مما أدركه الناس، أو](٤) مما بلغ الناس
(من كلام النبوة الأولى) أي: مما أتفق عليه الأنبياء عليهم السلام،
وما من نبي إلا وقد ندب إليه وحث عليه، ولم ينسخ فيما نسخ من
شرائعهم وذلك لأنه أمر أطبقت عليه العقول وتلقته بالقبول.
(إذا لم تستح) هذِه الجملة الشرطية اسم على تقدير قول هذا اللفظ،
أو هي خبر (إنْ) على تأويل (من) البعضية بلفظ، والتقدير أن بعض ما
أدرك الناس من كلام النبوة قولهم: إذا لم تستحي (فافعل) وفي رواية
للبخاري: ((فاصنع))(٥) أمر بمعنى الخبر، أي: صنعت (ما شئت)
(١) قبلها في (ل)، (م): إيه إيه. وعليها: خـ
(٢) ، (٣) ساقطة من (م).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٣٤٨٤).

٤٦٢
وقيل: المشهور في معناه إذا لم تستحي من العيب ولم تخش العار مما
تفعله فافعل ما تحدثك به نفسك من أغراضها حسنًا كان أو قبيحًا، فإن
الله يجازيك عليه. فلفظه أمر ومعناه توبيخ وتهديد، وفيه إشعار بأن الذي
يردع الإنسان عن مواقعة السوء هو الحياء، فإذا أنخلع عنه كان كالمأمور
بارتكاب كل ضلالة وتعاطي كل سيئة. وقيل: يحمل الأمر على بابه،
فكأنه يقول: إذا كنت آمنًا في فعلك أن تستحي منه يجزيك على فعله
كما يفعل سالك الصواب، وليس هو عندك من الأفعال التي يستحيى
منها، فاصنع منها ما شئت. وقيل: معناه: أنظر إلى ما تريد أن تفعله
فإن كان مما لا يستحيى منه بحسب الدين فافعل، وإن كان مما
یستحیی منه فدعه عنك.

٤٦٣
-- كتاب الأدب
٨ - باب فِي حُسْنِ الخُلُقِ
٤٧٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا يَغْقُوبُ - يَغني: الإِسْكَنْدَراني-، عَنْ
عَمْرِو عَنِ المُطَّلِبِ، عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللهُ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ،وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ القائِمِ))(١).
٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيَالِسي وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قالا: حَدَّثَنَا حِ وَحَدَّثَنَا
ابن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنِ القاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ عَطاءِ الكَيْخاراني، عَنْ أُمّ الدَّزْداءِ،
عَنْ أَبِي الدَّزْداءِ، عَنِ النَّبِيِِّ قَالَ: (( ما مِنْ شَيءٍ أَنْقَلُ في المِيزانِ مِنْ حُسْنٍ
الخُلُقِ)). قالَ أَبُو الوَلِيدِ قالَ: سَمِعْتُ عَطاءَ الكَيْخارانيّ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ عَطَاءُ بْنُ يَعْقُوبَ وَهُوَ خالُ إِنْراهِیمَ بْنِ نافِعِ، يُقالُ : کَیْخاراني
وَكوخاراني
﴾(٢)
٠
٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ الدِّمَشْقي أَبُو الْجَماهِرِ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَعْبٍ
أَيُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ السَّعْدي، قالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبي، عَنْ أَبي أُمَامَةَ
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: « أَنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِراءَ وَإِنْ
كانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وَإِنْ كانَ مازِخًا،
وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ))(٣).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (١٦٦)، والطحاوي في ((شرح مشكل
الآثار)) (٤٤٢٧)، وابن حبان (٤٨٠)، وتمّام في ((فوائده)) (١٠٧١)، والبيهقي في
((الشعب)) (٧٩٨٨). وصححه الألباني.
(٢) رواه الترمذي (٢٠٠٣)، وأحمد ٤٤٦/٦، وابن حبان (٤٨١).
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٨٧٦).
(٣) رواه الروياني (١٢٠٠)، والدولابي في ((الكنى)) (١٦٤٣)، والطبراني ٩٨/٨
(٧٤٨٨)، وابن بطة في ((الإبانة)) (٥٣٣)، وتمام في ((فوائده)) (٣٤٣).
قال الألباني في ((حجة النبي (َّ)) ص٢٤: رواه أبو داود بسند حسن عن أبي أمامة.

٤٦٤
٤٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابنا أَبِي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنَا وَكِيمُ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (( لا يَدْخُلُ
الجَنَّةَ الجَوّاظُ وَلا الجَعْظَرِيُّ)). قالَ: والَجَوّاظُ الغَلِيظُ الفَظُّ (١).
باب في حسن الخلق
[٤٧٩٨] (ثنا قتيبة بن سعيد) البلخي (ثنا يعقوب) بن عبد الرحمن
(الإسكندراني) أخرج له الشيخان (عن عمرو) بن أبي عمرو مولى
المطلب، صدوق، قال أحمد: ليس به بأس (٢).
(عن) مولاه (المطلب) بن عبد الله بن حنطب المخزومي المدني،
قال أبو زرعة: ثقة أرجو أن يكون سمع من عائشة. وقال أبو حاتم:
لم يدرك عائشة، ويشبه أن يكون أدرك جابرا، وعامة حديثه مراسيل(٣).
(عن عائشة قالت: سمعت رسول الله وَل يقول: إن المؤمن ليدرك
بحسن خلقه) روى الترمذي عن عبد الله بن المبارك أنه وصف حسن
الخلق فقال: هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى(٤).
(درجة الصائم القائم) ويوضحه رواية الحاكم: ((إن المؤمن ليدرك
بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار))(٥) ورواية الطبراني من
(١) رواه البخاري (٤٩١٥)، ومسلم (٢٨٥٣).
(٢) أنظر: ((العلل)) رواية عبد الله (١٥٢٥، ٣٢٠٣)، ((الجامع لعلوم الإمام أحمد))
١٨/ ٣٩٢.
(٣) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ٣٥٩/٨.
(٤) ((سنن الترمذي)) (٢٠٠٥).
(٥) ((المستدرك)) ٦٠/١.

٤٦٥
= كتاب الأدب
حديث أبي أمامة بلفظ: ((إن الرجل ليدرك بحسن الخلق)) (١) فضيلة
مجبول عليها المؤمن أو مكتسب لها وهي مستمرة في الليل والنهار،
فبالليل تدرك أعلى درجات الليل وهو القيام في التهجد، وأدركت في
النهار أعلى درجات النهار وهي الصيام في شدة الهواجر.
[٤٧٩٩] (ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي وحفص بن
عمر قالا: ثنا، ح، وثنا محمد بن كثير) العبدي (ثنا شعبة، عن القاسم بن
أبي بزة) بفتح الباء الموحدة والزاي، وهو ابن نافع المكي.
(عن عطاء) بن نافع (الكيخاراني) بفتح الكاف، وسكون الياء تحتها
نقطتان وفتح الخاء -يعني: المعجمة- وسكون الألفين بينهما راء مفتوحة
وبعدهما نون، هذِه النسبة إلى كيخاران، وهي قرية من قرى اليمن، كذا
ضبطه ابن السمعاني، قال: ومن زعم أنه سمع معاذًا فقد وهم(٢). وقال
أبو العباس المستغفري: كيخاران من قرى مرو. ثم قال: وهذا ليس
صحيحاً (٣) فإن هذِه القرية لا تعرف بمرو، وإنما هي من اليمن. انتهى.
(قال أبو داود: وهو عطاء بن يعقوب، وهو خال إبراهيم، ويقال:
كيخران) بفتح الكاف والخاء مع حذف الألف (وكورخان) بضم
الكاف، وثقه ابن معين(٤).
(عن أم الدرداء) الصغرى أسمها هجيمة، ويقال: جهيمة بنت حيي
(١) ((المعجم الكبير)) ١٦٩/٨.
(٢) ((الأنساب)) ١٩٢/١-١٩٣.
(٣) في (ل)، (م): صحيح. والمثبت هو الصواب.
(٤) انظر: ((تهذيب الكمال)) ١٢١/٢٠.

٤٦٦
الأوصابية، ويقال: الوصابية ووصاب بطن من حمير، وكانت فقيهة،
وهي أم بلال بن أبي الدرداء.
(عن) زوجها (أبي الدرداء) عويمر، حكيم الأمة، ومن الذين أوتوا
العلم، شهد ما بعد أحد من المشاهد ضائه.
(عن النبي وّر قال: ما من شيء) زاد الترمذي: ((يوضع))(١) (في
الميزان) من حسنات الأعمال التي توزن (أثقل) يجوز بالرفع على أنه
صفة لمحل (ما من شيء) ويجوز النصب صفة على لفظ (شيء)
المجرور، إلا أنه لا ينصرف للصفة ووزن الفعل (من حسن الخلق)
لأنه أفضل أعمال بني آدم. ولفظ أبي الشيخ: ((ألا أدلك على أفضل
العبادة، وأخفها على البدن، وأثقلها في الميزان، وأهونها على
اللسان))(٢).
(قال أبو الوليد) الطيالسي (قال: سمعت عطاء الكيخاراني) بفتح
الكاف كما تقدم.
[٤٨٠٠] (حدثنا محمد بن عثمان) التنوخي (الدمشقي) الكفرسوسي
(أبو الجماهر) قال عثمان بن سعيد الدارمي: هو أوثق من أدركنا
بدمشق، ورأيت أهل دمشق مجتمعين على صلاحه(٣).
(ثنا أبو كعب أيوب بن محمد) والمشهور أيوب بن موسى (السعدي)
البلقاوي بفتح الموحدة وسكون اللام ثم قاف، صدوق (حدثني سليمان
(١) ((سنن الترمذي)) (٢٠٠٣).
(٢) ((طبقات المحدثين بأصبهان)) ٤/ ٣٠٣.
(٣) انظر: ((تاريخ دمشق)) ٢٠٥/٢٤، و(تهذيب الكمال)» ١٠٠/٢٦.

٤٦٧
= كتاب الأدب
ابن حبيب المحاربي) أخرج ه البخاري في الجهاد(١) (عن أبي أمامة)
رضىعنه.
صدي بن عجلان الباهلي
(قال رسول الله وَله: أنا زعيم) أي: ضامن وكفيل، ومنه قوله تعالى:
﴿وَأَنَأْ بِهِ، زَعِيمٌ﴾(٢) (ببيت) أي: بقصر في الجنة، ومنه حديث: (( بشر
خديجة ببيت في الجنة من قصب))(٣) (في ربض) بفتح الموحدة وبالضاد
المعجمة (الجنة) قال في ((النهاية)): هو ما حولها خارجًا عنها تشبيهًا
بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع(٤). انتهى.
وظاهر السياق أن ربض الجنة أسفلها (لمن ترك المراء) وحد المراء
هو كل أعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإما في
المعنى، وإما في قصد المتكلم (وإن كان) في اعتراضه (محقًّا) وترك
المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعته فإن كان حقًّا
فصدق به، وإن كان باطلًا ولم يكن متعلقًا بأمور الدين فاسكت عنه.
والطعن في كلام الغير تارة يكون من لفظه بإظهار خلل فيه من جهة
النحو أو من جهة اللغة والعربية أو من جهة النظم والترتيب، وإما في
المعنى بأن يقول: أخطأت في قولك كذا وكذا، وإما في قصده بأن
يقول: هذا الكلام حق لكن ليس قصدك فيه الحق، إنما أنت صاحب
غرض.
قال في ((النهاية)): يقال للمجادلة: مماراة لأن كل واحد منهما
(١) (صحيح البخاري)) (٢٩٠٩). (٢) يوسف: ٧٢.
(٣) رواه البخاري (١٧٩٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
(٤) ((النهاية في غريب الحديث)) ١٨٥/٢.

٤٦٨
يستخرج ما عند صاحبه، ويمتريه كما يمتري الحالبُ اللبن من الضرع(١).
ولفظ رواية الترمذي: (( من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتا في
ربض الجنة، ومن تركه وهو محق بنى له في وسطها))(٢) وإنما حصل له
هُذا لشدة ذلك على النفس، وكثير ما طبعت عليه من الشبقية المحبة للقهر
والغلبة على الغير، وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد، فإن
المراء طبع، فإذا علم أو ظن أن له عليه ثوابًا اشتد حرصه عليه
وتعاون الطبع والشرع، وذلك خطأ محض.
(و) أنا زعيم (ببيت) أي: قصر (في وسط الجنة) والوسط بفتح
السين: منزلة وسطى بين الربض والأعلى، ويستعمل الوسط بمعنى
الخير، ومنه الحديث: ((الوالد أوسط أبواب الجنة))(٣) (لمن ترك
الكذب) من كلامه (وإن كان) فيه (مازحًا) فالمزح مطايبة وانبساط مع
الجليس؛ لتطبيب قلبه ومؤانسته، وهو مشتق من زحت الشيء عن
موضعه وأزحته عنه إذا نحيته؛ لأنه تنحية له عن حد القول.
ومما يصلح للمزاح (٤) ما رواه الزبير بن بكار في كتاب ((الفكاهة
والمزاح)) عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: عندي أمراتان أحسن
من هذِه الحميراء أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها؟ وعائشة
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤/ ٣٢٢.
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٩٩٣) من حديث أنس وقال: حديث حسن.
(٣) رواه أحمد ٤٤٧/٦، ((الترمذي)) (١٩٠٠)، (٣٧٩٤) من حديث أبي الدرداء.
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٩١٤).
(٤) ساقطة من (م).

٤٦٩
- كتاب الأدب
جالسة قبل أن يضرب الحجاب، فقالت: هي أحسن أم أنت؟ قال: بل
أنا أحسن منهما وأكرم. فضحك النبي ◌َّ؛ لأنه كان دميمًا(١).
وروى ابن ماجه والحاكم من حديث صهيب أن رسول الله وَله [قال
لصهيب وبه رمد: ((تأكل التمر وأنت رمد؟)) قال: إنما آكل على الشق
الآخر. فتبسم رسول الله (وَلٍ](٢)(٣).
(و) أنا زعيم (ببيت في أعلى الجنة لمن حسن) بتشديد السين (خلقه)
قال الغزالي: تكلم الناس في حقيقة الخلق الحسن، وإنما تعرضوا لثمرته
ولم يستوعبوها، وكشف الغطاء فيه أن الخلق والخُلق عبارتان عن الظاهر
والباطن، فيراد بالخلق الصورة الظاهرة وبالخلق الصورة الباطنة؛ لأن
الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح مدرك بالبصيرة،
والمدرك بالبصيرة أعظم؛ لأن الله عظم أمره بالإضافة إلى نفسه فقال:
﴿إِ خَلِقٌ بَشَرًّا مِّنِ طِينٍ * فَإِذَا سَوَيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
(@) (٤) فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين، والروح منسوب إلى
(١) قال العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)): أخرجه الزبير بن بكار في ((الفكاهة)) من
رواية عبد الله بن الحسن مرسلا أو معضلا، وللدار قطني نحو هذه القصة مع عيبينة
ابن حصن الفزاري بعد نزول الحجاب من حديث أبي هريرة. انتهى.
قال ابن القيم في ((المنار المنيف)) ص ٦٠: قال المزي: كل حديث في ذكر
الحميراء باطل إلا حديثا في الصوم في ((سنن النسائي الكبرى)).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٣٤٤٣)، ((المستدرك)) ٣٩٩/٣ ثقات. قال البوصيري في ((زوائد
ابن ماجه)) (١١٣٦): إسناد صهيب صحيح، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في
((صحيح ابن ماجه)) (٢٧٧٦).
(٤) ص: ٧١ - ٧٢.

٤٧٠
الله، والخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة،
فإن صدرت منها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا سميت الهيئة
خلقا حسنا.
[٤٨٠١] (حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: ثنا وكيع، عن
سفيان) بن سعيد الثوري (عن معبد بن خالد) الجدلي القيسي الكوفي
(عن حارثة بن وهب) الخزاعي.
(قال رسول الله ◌َله: لا يدخل الجنة الجواظ) بفتح الجيم وتشديد
الواو وبالظاء المعجمة (ولا الجعظري) بفتح الجيم وسكون العين وفتح
الظاء المعجمة وكسر الراء وتشديد ياء النسب، كذا في ((ديوان الأدب))
الفارابي(١)، وهو الفظ الغليظ المتكبر. وقيل: هو الذي يتمدح وينتفخ
بما ليس عنده أو فيه قصر.
(قال) المصنف: قال شيخنا: لعل تفسير الجواظ من سفيان(٢).
(الجواظ) هو (الغليظ) الطبع (الفظ) والفظ هو السيئ الخلق، يقال:
فلان أفظ من فلان. أي: أصعب خلقًا وأشرس.
والمراد بعدم دخول من هذِه [صفته](٣) الجنة أنه لا يدخلها مع
السابقين كالسهل العريكة وصاحب الخلق الحسن، بل يتأخر دخوله
عن دخولهم، أنه(٤) تلا قوله تعالى: ﴿مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ﴾ إلى قوله:
(١) ((ديوان الأدب)) ص ١٣٢.
(٢) ((فتح الباري)) ٦٦٣/٨.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) يعني: عن عبد الله بن عمرو.

٤٧١
= كتاب الأدب
﴿زَنِيمٍ﴾(١) وقال: سمعت رسول الله وسلم يقول، لفظ رواية الطبراني
والحاكم: ((أهل النار كل جعظري جواظ متكبر، وأهل الجنة الضعفاء
المغلوبون))(٢).
ولفظ أحمد: ((ألا أخبركم بشر عباد الله؟! الفظ المستكبر، ألا
أخبركم بخير عباد الله؟! الضعيف المستضعف ذو الطمرين لا يؤبه له
لو أقسم على الله لأبره))(٣).
(١) القلم: ١٢- ١٣.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١٢٩/٧ (٦٥٨٩)، ((المعجم الأوسط)) ٢٨٣/٣ (٣١٥٧)،
((المستدرك)) ٤٩٩/٢ من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) (مسند أحمد» ٤٠٧/٥ من حديث حذيفة.

٤٧٢
٩ - باب في كراهية الرّفعة في الأُمورِ
٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ قالَ:
كانَتِ العَضْباءُ لا تُسْبَقُ فَجاءَ أَعْرابي عَلَى قَعُودٍ لَهُ، فَسابَقَها فَسَبَقَها الأَغْرَابِي فَكَأَنَّ
ذَلِكَ شَقَّ عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَقالَ: ((حَقٌّ عَلَى اللهِ وَ أَنْ لا يَرْفَعَ شَيْئًا
مِنَ الدُّنْيا إِلاَّ وَضَعَهُ))(١).
٤٨٠٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِي، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بهذِهِ القِصَّةِ عَنِ
النَّبِيِ وَ لَّ قَالَ: ((إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ وَ أَنْ لا يَرْتَفِعَ شَيءٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ))(٢).
باب في كراهة الرفعة من (٣) الأمور
[٤٨٠٢] (ثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (حدثنا حماد) بن سلمة
(عن ثابت) البناني.
(عن أنس رضيُله قال: كانت العضباء) اسم علم على ناقة النبي وَّه
منقول من قولهم: ناقة عضباء. أي: مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة
الأذن، وقيل: كانت مشقوقة(٤). قال الزمخشري: هو منقول من
قولهم: ناقة عضباء. وهي القصيرة اليد(٥). وقال الحربي: الجدع
والعضب والخرم والحضرمة كله في الأذن.
(١) رواه البخاري (٢٨٧٢).
(٢) رواه البخاري (٢٨٧٢).
(٣) بعدها في (ل)، (م): في. وفوقها: خـ
(٤) ساقطة من (م).
(٥) ((الفائق في غريب الحديث)) ١٧٣/٢.

٤٧٣
= كتاب الأدب
(لا تسبق) في الجري (فجاء أعرابي على قعود له) والقعود من الإبل
ما يقتعده الإنسان للركوب والحمل. وقال الأزهري: لا يكون القعود إلا
الذكر، ولا يقال للأنثى: قعودة(١). وقال الجوهري: القعود من الإبل هو
البكر حين يركب، أي: يمكن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن يأتي
عليه سنتان إلى أن يثني، فإذا أثنى سمي جملاً (٢). يعني: حتى يدخل
في السنة السادسة (فسابقها (٣) فسبقها الأعرابي) بقعوده.
وفيه أن المسابقة على الدواب سنة، وقيل: مباح. والمذهب سنة؛
لأن لفظ رواية البخاري: كان للنبي ولو ناقة يقال لها: العضباء. لا
تسبق ولا تكاد تسبق . الحديث ذكره في الجهاد(٤).
وهُذا يشعر بالاستمرار دون ما فعله مرة للإباحة، وفيه أقتناء السوابق
من الخيل والدواب والاعتناء بالسوابق في السفر وغيره؛ لأن فيه فوائد
كثيرة بخلاف غيرها. وفيه جواز سبق المفضول للفاضل وأنه ليس فيه
كراهة ولا سوء أدب، وفيه جواز مسابقة الأمير لآحاد الناس.
(فكأن ذلك شق على أصحاب النبي ◌َّة) فيه تعظيم العلماء والأئمة
وطلب الغلبة والنصرة لهم والتحزن عند انتقاص منزلتهم، وللبخاري زيادة
ولفظه: فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه(٥). يعني: النبي ◌َّ في
وجوههم.
(١) ((تهذيب اللغة)) ٢٠٥/١.
(٢) ((الصحاح)) ٢٥/٢.
(٣) قبلها في (ل)، (م): يسابقها. وعليها: خـ
(٤) ((صحيح البخاري)) (٢٨٧٢) من حديث أنس.
(٥) السابق.

٤٧٤
(فقال: حق على الله) هو من باب التفضل والإحسان، فإن الله لا
يجب عليه شيء (أن لا يرفع) بضم أوله مبني للمجهول، ولفظ
البخاري: ((أن لا يرتفع)) (١) (شيء) من الدنيا (إلا وضعه) فيه أن
الدنيا لا تستمر على حال وأن البقاء السرمدي في الآخرة، فلا بد في
الدنيا من علو وتعظيم واشتغال وإهانة وعز وذل وغناء وفقر وصحة
وسقم إلى غير ذلك مما هو مشاهد.
[٤٨٠٣] (حدثنا) عبد الله بن محمد (النفيلي، ثنا زهير، ثنا حميد) بن
أبي حميد الطويل (عن أنس رَّ ◌ُّه بهذه القصة) المذكورة (عن النبي ◌َلِّ)
أنه (قال: إن حقًّا على الله تعالى أن [لا](٢) يرفع شيء من) هذِه (الدنيا)
القذرة في زمن (إلا وضعه) في زمن آخر، فالعاقل ينبغي له أن لا يركن
إلى شيء ولا يرتفع به على غيره، فإن جميع ما في الدنيا كظل زائل وإلى
الفناء آيل، ولهذا لم يعده الفقهاء من أقسام الكفاءة، وفي الحديث تنبيه
على ترك الفخر بما هو عند الله في منزلة الصفة، فحق على العاقل ترك
الترفع به.
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٨٧٢).
(٢) ساقطة من الأصول، أثبتناها من ((السنن)).

٤٧٥
- كتاب الأدب
١٠ - باب فِي كَراهِية التّمادُحِ
٤٨٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ هَمّام قالَ: جاءَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى عُثْمَانَ فِي وَجْهِهِ فَأَخَذَ اِقْدادُ بْنُ
الأَسْوَدِ تُرابًا فَحَا فِيَّ وَجْهِهِ وقالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((إِذا لَقِيْتُمُ المَدّاحِينَ
فاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ))(١).
٤٨٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خالِدِ الَحَذّاءِ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً أَثْنَى عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِ نَّ فَقَالَ لَهُ:
((قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ)). ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ قالَ: ((إِذا مَدَحَ أَحَدُكُمْ صاحِبَهُ لا
مَحالَةَ فَلْيَقُلْ: إِنّي أَحْسِبُهُ كَما يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ وَلا أُزَكِّيهِ عَلَى اللهِ))(٢).
٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَغني: ابن المفَضَّلِ - حَدَّثَنَا أَبُو مَسْلَمَةً
سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: قَالَ أَبي: انْطَلَقْتُ في وَقْدِ بَني عامِرٍ
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَ فَقُلْنا: أَنْتَ سَيِّدُنا. فَقالَ: ((السَّيِّدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعالَى)). قُلْنا:
وَأَفْضَلُنَا فَضْلاً وَأَعْظَمُنَا طَوْلاً. فَقالَ: ((قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضٍ قَوْلِكُمْ وَلا
يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطانُ))(٣).
باب في كراهية التمادح
[٤٨٠٤] (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان)
(١) رواه مسلم (٣٠٠٢).
(٢) رواه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠).
(٣) رواه أحمد ٢٤/٤، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢١١)، والنسائي في ((الكبرى))
(١٠٠٧٦).
وصححه الألباني.

٤٧٦
الثوري (عن منصور) بن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن همام) بن
الحارث النخعي.
(قال: جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه) لفظ مسلم: أن رجلًا
جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه، وكان رجلًا ضخمًا،
فجعل يحثو في وجهه الحصباء. فقال له عثمان: ما شأنك؟(١).
(فأخذ المقداد بن) عمرو (الأسود) الكندي، وكان من السابقين (ترابًا
فحثا في وجهه) قال القرطبي: كان هذا الرجل أكثر من المدح حتى صدق
عليه أنه مداح، ولذلك عمل المقداد بظاهر هذا الحديث فحثا في وجهه
التراب، ولعل هذا الرجل كان ممن أتخذ المدح عادة وحرفة، فصدق
عليه مداح، وإلا فلا يصدق ذلك على من مدح مرة أو مرتين، وقد
بين الصحابي بفعله أن مراد الشرع من هذا الحديث حمله على
ظاهره، فعاقب المداح برمي التراب في وجهه، وهم أقعد بالحال
وأعلم بالمقال(٢).
(وقال: قال رسول الله وَير: إذا لقيتم) هو أعم من رواية مسلم: ((إذا
رأيتم)) فإن الرؤية لا تحصل للأعمى بخلاف اللقي، فإنه يشمل الأعمى
وغيره (المداحين) من أبنية المبالغة، فإنها لا تحصل إلا لمن كثر منه
المدح حتى صار عادة له، بخلاف المادح، فإنه يطلق على من مدح
ولو مرة.
(فاحثوا في وجوههم التراب) تأول هذا غير الصحابي؛ لأنه رأى أن
(١) ((صحيح مسلم)) (٦٩/٣٠٠٢).
(٢) ((المفهم)) ٦٢٨/٦ -٦٢٩.

٤٧٧
= كتاب الأدب
ظاهره جفاء، والنبي ◌َّوَ لا يأمر بالجفاء، فقيل: معناه خيبوهم ولا
تعطوهم شيئًا؛ لأن من أعطى التراب لم يعط شيئًا كما جاء في
الحديث الآخر: ((إذا جاء صاحب الكلب يطلب ثمنه فاملأ كفه
ترابًا)) (١) أي: خيبه ولا تعطه شيئًا. وقريب منه: ((وللعاهر الحجر))(٢).
وقيل: إن معناه أعطه ولا تبخل عليه، فإن مآل كل ما يعطى إلى
التراب، كما قال:
وكل الذي فوق التراب تراب
وقيل: معناه التنبيه للممدوح على أن يتذكر أن المبتدأ والمنتهى
التراب، فليعرضه على نفسه؛ لئلا يعجب الممدوح بالمدح، وقد أثنى
رجل على علي فقال: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما
يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون(٣). ولئلا يفرط المداح في مدحه
ويطري فيه، وربما انتهى إلى الكذب، لا سيما المداح بالشعر، فإن
الشعراء في كل واد يهيمون، وإنهم يقولون ما لا يفعلون.
[٤٨٠٥] (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي (حدثنا أبو
شهاب) عبد ربه، الحناط (عن) خالد (الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي
(١) تقدم برقم (٣٤٨٢) من حديث ابن عباس.
(٢) تقدم برقم (٢٢٧٣) من حديث عائشة.
(٣) أورده الغزالي في «الإحياء)) ١٦١/٣، ولم أقف عليه مسندا عن علي رضي يته، لكنه
ورد مسندا عن عدي بن أرطأة قال: كان الرجل من أصحاب النبي ◌َلّ إذا زُكي قال،
فذكره، رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٦١) وصححه الألباني.
وروي أيضا مسندا عن بعض السلف: رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤٥٣٤).
وعزاه في ((كنز العمال)) للعسكري في ((المواعظ)) من قول أبي بكر نظافته.

٤٧٨
بكرة، عن أبيه) نفيع بن الحارث بن كلدة.
(أن رجلاً أثنى) لفظ مسلم: مدح (على رجل عند النبي ◌َّ) ولمسلم
أنه ذكر عنده رجل فقال: يا رسول الله، ما من رجل بعد رسول الله أفضل
منه في كذا وكذا(١). (فقال له) زاد في الصحيحين: ((ويحك))(٢) (قطعت
عنق صاحبك) وفي رواية: ((قطعتم ظهر الرجل))(٣) ومعناه: أهلكتموه،
وهُذِه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك،
لكن هلاك هذا الممدوح فی دینه.
وقد جاء عنه القفيها: ((إياكم والمدح فإنه الذبح))(٤) ويعني بذلك أن
الممدوح إذا كثر عليه من ذلك يخاف عليه من العجب بنفسه والكبر
على غيره فيهلك دينه، وإذًا المدح مظنة الهلاك الديني عند كثير من
الناس فيحرم، لكن هُذِه المظنة لا تتحقق إلا عند الإكثار منه لا مع
الندرة (ثلاث مرات) فيه: إعادة الكلام ثلاث مرات تأكيدًا وتحريضًا
على العمل به (ثم قال: إذا مدح أحدكم صاحبه) ولمسلم: ((أخاه)) (لا
محالة) بفتح الميم، أي: لا تحول عنه (فليقل: إني أحسبه) كذا (كما
تريد أن تقول) وظاهر هذا أنه لا ينبغي للإنسان أن يمدح أحدًا ما
(١) ((صحيح مسلم)) (٦٦/٣٠٠٠).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٦٠٦١)، ((صحيح مسلم)) (٣٠٠٠).
(٣) رواها البخاري (٢٦٦٣)، ومسلم (٣٠٠١) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٤) رواه ابن الزفتي في ((جزء حديث هشام بن عمار)) (٥٦)، وأحمد ٩٨/٤، والطبري
في ((تهذيب الآثار)) ٨٣/١ (١٣٦)، والديلمي في ((الفردوس)) ٣٨٤/١ (١٥٤٣)،
والقضاعي ٩٤/٢ (٩٥٣)، والبيهقي في ((الشعب)) ٥٠١/٦ (٤٥٢٨) من حديث
معاوية.

٤٧٩
- كتاب الأدب
وجد من ذلك مندوحة، فإن لم يجد بدًّا من ذلك مدح بما يعلمه من
أوصافه وبما يظنه، ويحترز من الجزم والقطع بشيء من ذلك (ولا
أزكيه(١) على الله) لفظ الصحيحين: ((ولا أزكي أحدًا على الله)) (٢)
أي: لا أقطع بأنه كذلك عند الله؛ فإن الله تعالى هو المطلع على
السرائر، العالم بعواقب الأمور وخفيات الضمائر.
[٤٨٠٦] (ثنا مسدد، ثنا بشر - يعني: ابن المفضل - ثنا أبو مسلمة(٣)
سعيد بن يزيد) بن مسلمة الأزدي البصري القصير (عن أبي نضرة) المنذر
ابن مالك العبدي، أخرج له مسلم (عن مطرف) بن عبد الله (قال: قال
أبي) عبد الله بن الشخير الحرشي.
(انطلقت(٤) في وفد بني عامر إلى رسول الله وَّة) وهي قبيلة معروفة
(فقلت: أنت سيدنا) وفي رواية عند المصنف: أنت سيد قريش (فقال:
السيد الله) أي: السؤدد في الحقيقة هو الله تعالى، فهو الذي يستحق
السيادة، وإنما منعهم مع قوله: ((أنا سيد ولد آدم))(٥) لأنهم حديثو(٦)
عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة فأرشدهم إلى
الأدب، فقال: ادعوني نبيًّا ولا تسموني سيدًا. فكأنه كره أن يحمد في
وجهه وأحب التواضع لله تعالى، ومنه الحديث لما قالوا له: أنت
(١) بعدها في (ل)، (م): يزكه. وعليها: خـ
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٦٦٢)، ((صحيح مسلم)) (٣٠٠٠).
(٤) بعدها في (ل)، (م): أنطلقنا، وفوقها: خـ
(٣)
فوقها في (ل): (ع).
(٥) تقدم برقم (٤٦٧٣) من حديث أبي هريرة.
(٦) في (ل)، (م): حديث. ولعل المثبت أصوب لغة.

٤٨٠
سيدنا. فقال: ((قولوا بقولكم)) أي: أدعوني نبيًّا ورسولًا كما سماني الله
تعالى، ولا تسموني سيدًا كما تسمون رؤساءكم، فإني لست كأحدكم
ممن يسودكم في أسباب الدنيا، ولهذا قال في الحديث: ((أنا سيد
ولد آدم ولا فخر)) (١) وقال لبني قريظة ((قوموا إلى سيدكم))(٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾(٣) دليل على جواز إطلاق السيد
لمن يسود قومه كما يجوز أن يسمى عزيزًا وكريمًا.
(قلنا: و) أنت (أفضلنا فضلا) أي: أكثرنا فضيلة وعلمًا (و) أنت
(أعظمنا طولاً) أي: قدرة على العطاء والبذل (فقال: قولوا بقولكم)
أي: بقول أهل دينكم وشريعتكم وادعوني نبيًّا ورسولًا كما سماني الله
تعالى، ولا تسموني سيدًا كما تسموا أكابركم ورؤساءكم (أو) قال:
قولوا: (بعض قولكم) فيه حذف واختصار، والتقدير: دعوا بعض
قولكم واتركوه فحذف الفعل وبقي المفعول كقوله تعالى: ﴿أَنْتَهُواْ خَيْرًاً
لَكُمْ﴾(٤) أي: وأتوا خيرًا لكم، أو المراد الاقتصار في المقال من
غير إفراط.
(ولا يستجرينكم) بفتح الياء والتاء وسكون الجيم وكسر الراء وتشديد
نون التوكيد (الشيطان) يستفعل من الجري بفتح الجيم وتشدید یاء
النسب، والجري: الرسول والوكيل، ومنه حديث أم إسماعيل:
(١) السابق دون قوله: ((ولا فخر))، وهذه الزيادة رواها الترمذي (٣١٤٨، ٣٦١٥)،
وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد.
(٢) ياتي برقم (٥٢١٥) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) آل عمران: ٣٩.
(٤) النساء: ١٧١.