Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
- كتاب الحدود
جماعة أقلهم أربعة؛ لأنه أعظم في التنكيل (فرجمها بحجر) تقدم أن
الماوردي قال: الأختيار أن يكون الحجر ملء الكف(١).
(فوقعت قطرة من دمها) يدل على شدة بأس خالد تظنه، وقوة رميته،
كما كانت شدته في قتال الكفار (على وجنته) يدل على أنه لم يكن بعيدًا
منها. قال أصحابنا: يستحب أن يكون موقف الرامي(٢) بحيث لا يبعد عن
المرجوم فتخطئه رميته، ولا يدنو منه فتؤلمه(٣). ورواية مسلم: فتنضح
الدم على وجه خالد(٤). أي: تطاير متفرقًا، لكن لم يصب خالدًا منها
غير قطرة.
(فسبها) أي: شتمها (فقال له النبي ◌َّ: مهلاً يا خالد) أي: كف عن
سبها، ففيه دليل على أن من أقيم عليه الحد لا يسب ولا يؤذى بتقريع
كلام ونحوه، فيجمع بين التعذيب الجسماني والروحاني، بل يقال: إن
التعذيب بالسب والتقريع عند كثير من الناس أعظم من عقوبة الجسم.
(فوالذي نفسي بيده) فيه الحلف بهُذِه اليمين (لقد تابت توبة لو تابها
صاحب مَكْسٍ) وهو الذي يؤخذ من الناس مما لا يلزمهم شرعًا من
الوظائف المالية بالقهر والجبر، ولا شك في أنه من أعظم الذنوب
وأكبرها وأفحشها، فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإشاعة
للمنكر، وعمل به ودوام عليه (لغفر له) الظاهر أن هذا من باب
(١) ((الحاوي)) ٢٠٣/١٣.
(٢) في (ل)، (م): الإمام، ولعل المثبت الصواب.
(٣) انظر: ((الحاوي)) ٢٠٣/١٣.
(٤) ((صحيح مسلم)) (١٦٩٥/ ٢٣).

٤٢٢
المبالغة في قبول توبتها وعظم ثوابها، وإلا فالمكس من أقبح المعاصي
والذنوب الموبقات وانتهاكه لحرمة الله تعالى، وأخذ أموال الناس بغير
حقها ودفعها لمن لا يستحقها، بل ليستعين بها على المعاصي،
ويتجرأ على مظالم الناس، ومثل هذا لا يصح منه التوبة إلا برد
المظالم إلى أربابها، وهو بعيد الخلاص منه؛ لكثرة الحقوق،
وانتشارها في الناس، وعدم معرفة المظلومين، لكن الكرم واسع
والقبول لا مانع منه ولا دافع.
(وأمر بها فصلي عليها) قال القاضي عياض: هي بفتح الصاد واللام
عند جماهير رواة ((صحيح مسلم)). قال: وعند الطبري بضم الصاد، وكذا
هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود. قال: ولم يذكر مسلم صلاته وَله
على ماعز، وذكرها البخاري(١).
(ودفنت) فيه أن المقتول في الحد أو القصاص يدفن في مقابر
المسلمين بلا طمس، إلا إذا كان في بلاد الكفار فإنه يطمس لئلا يؤذى.
[٤٤٤٣] (ثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع بن الجراح، عن زكريا
أبي عمران) بن سليم، بصري صدوق.
(قال: سمعت شيخًا يحدث عن) عبد الرحمن (ابن أبي بكرة، عن
أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث.
(أن رسول الله وَله رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة) بثاء مثلثة،
وإسكان النون، وضم الدال، هو: الثدي.
(١) ((إكمال المعلم)) ٥٢٣/٥.

٤٢٣
: كتاب الحدود
-
قال ابن السكيت: هو اللحم الذي حول الثدي(١). قال الجوهري:
الثندؤة للرجل بمنزلة الثدي للمرأة، فإذا ضممت أوله همزت بعد الدال
فيكون فعللة، وإذا فتحته لم تهمز فيكون فعولة، مثل: ترقوة (٢).
(قال أبو داود: أفهمني رجلٌ ابن) بالنصب، أي: أفهمني ذكر ابن أبي
بكرة، و(رجل) بالرفع: فاعل (أفهمني) (عن عثمان) بن محمد بن أبي
شيبة إبراهيم(٣).
[٤٤٤٤] (قال أبو داود: حدثت عن عبد الصمد بن عبد الوارث)
التنوري، حافظ حجة (قال: ثنا زكريا بن سليم) البصري (بإسناده)
المتقدم (نحوه) و(زاد) في روايته (ثم رماها بحصاة مثل الحمصة) بكسر
الحاء(٤)، وكسر البصريون ميمه، وفتحها الكوفيون.
قال المبرد: بالكسر، وثعلب: بالفتح، ومعلوم أن المبرد إمام
البصريين في زمنه، وثعلب إمام الكوفيين.
قوله: (مثل الحمصة) مخالف لما قاله الإمام في ((النهاية)) وتبعه
الرافعي والنووي، ومن بعدهما: أن الرمي يكون بحجارة معتدلة، فإن
مقتضاه أنه لا يجوز الرمي بصخرة كبيرة فتقتله لما فيه من فوات
التنكيل، ولا يجوز أن يطول عليه بحصيات خفيفة؛ لأن فيه زيادة
تعذيب. قال شيخنا البلقيني: هذا الذي ذكر الإمام ممنوع، بل يرمي
(١) ((إصلاح المنطق)) (ص ١١٣).
(٢) ((الصحاح)) ٣٨/١.
(٣) ساقطة من (م).
(٤) في (ل): الحمصة.

٤٢٤
بالخفيف والثقيل على حسب ما وجد. وتقدم في رواية رواها مسلم:
فرميناه بجلاميد الحرة (١). وهي: الحجارة الكبار بحسب ما وجدوا،
وجاء في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج: أن ماعزًا لم يقتل حتى
رماه عمر بن الخطاب بلحي بعير فأصاب رأسه فقتله(٢). وفي رواية
للبيهقي: أنَّ عبد الله بن أنيس رماه بوظيف حمار(٣). وكل هذا بحسب
ما يجده الرامي كما تقدم، وعلى هذا فيحمل كلام الأصحاب: لا
يجوز الرمي بصخرة كبيرة على أنه لا يبتدأ بالصخرة الكبيرة ولا يستمر
على الحصيات الصغار وحدها.
(ثم قال: آرموا واتقوا الوجه) أي: أرموا إلى جميع البدن فإنه محل
الرجم، واتقوا الوجه يعني: ما استطعتم، (فلما طفئت) بهمزة بعد الفاء،
أي: خرجت روحها (أخرجها) من الحفرة (وصلى عليها) هو وأصحابه،
وفيه الصلاة على المحدود (وقال في) ذكر (التوبة) ((لقد تابت توبة لو
تابها)) إلى آخره (نحو حديث بريدة) المتقدم.
[٤٤٤٥] (ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن) محمد (ابن
شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) الهذلي أحد الفقهاء
السبعة (عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني) من جهينة بن زيد،
(٤)
الصحابي (٤).
(أنهما أخبراه أن رجلين أختصما إلى رسول الله أَله، فقال أحدهما: يا
(١) ((صحيح مسلم)) (١٦٩٤).
(٢) (مصنف عبد الرزاق)) ٣٢١/٧ (١٣٣٣٩).
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٨٢/٨.
(٤) في (ل، م): الصحابة، ولعل الصواب المثبت.

٤٢٥
= كتاب الحدود
رسول الله أقض بيننا بكتاب الله) يراد به حكم الله إن كانت هذه القضية
وقعت بعد نسخ تلاوة الرجم، كما تقدم، وإن كانت قبل ذلك فكتاب
الله محمول على حقيقته، وفيه أنه يجوز للخصم أن يقول للإمام
العادل: أحكم بيننا بالحق؛ لأنه علم أن النبي وَلّ لا يقضي إلا بما
أمره الله في كتابه، ولم ينكر ذلك عليه.
(وقال الآخر وكان أفقههما) إنما كان أفقههما؛ لأنه ترفق ولم
يستعجل وتلطف بالاستئذان في القول، بخلاف الأول قال: (أجل)
بفتح الجيم وسكون اللام، جواب مثل نعم، إلا أنه أحسن من نعم في
التصدیق، ونعم أحسن منه في الاستفهام (یا رسول الله، فاقض بيننا
بكتاب الله، وأذن لي أن أتكلم) فيه حسن الأدب بطلب الإذن قبل الكلام.
(قال: تكلم. قال: إنَّ ابني كان عسيفًا) أي: أجيرًا (على هذا)
الرجل، أي: أجيرًا عنده (والعسيف: الأجير) جمعه عسفاء كأجير
وأجراء، وفقيه وفقهاء (فزنى بامرأته) لم يكن هذا من الأب قذفًا لابنه
ولا للمرأة لاعترافهما بالزنا على أنفسهما، زاد مسلم: (فأخبروني أن)
ما (على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة) عن الرجم الذي أخبروني
أنه عليه (وجارية) زاد البخاري: بمئة شاة ووليدة (١). (لي، ثم إني
سألت أهل العلم فأخبروني) فيه أن العالم قد يفتي في مصر وفيه من
هو أعلم منه، ألا ترى أنه سأل أهل العلم ورسول الله و ◌َل بين
أظهرهم، وكذلك كان الصحابة يفتون في زمن النبي وَّل، وفي سؤاله
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٧٢٤ - ٢٧٢٥)، وكذا عند مسلم (١٦٩٧ - ١٦٩٨).

٤٢٦
أهل العلم ورجوعه إلى النبي وَلهو دليل على أنه يجوز للرجل ألا يقتصر
على قول واحد من العلماء.
(أنما على ابني جلد مئة وتغريب عام) لأنه لم يحصن (وأنما الرجم
على امرأته) لأنها محصنة، فيه أستماع الحكم من أحد الخصمين
وصاحبه غائب، ألا ترى أن المرأة لم تحضر سؤاله، وفيه الفتوى دون
خصمه، ألا ترى أنّ رسول الله وَلّ قد أفتاهما والمرأة غائبة، وكانت
إحدى الخصمين.
(فقال رسول الله وَّةٍ: والذي نفسي بيده لأقضينَ بينكما بكتاب الله)
قال النووي: يحتمل أن المراد: بحكم الله، وقيل: هو إشارة إلى قوله
تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ وفسَّر النبي ◌َّر السبيل بالرجم في
حق المحصن كما تقدم، وقيل: هو إشارة إلى آية: الشيخ والشيخة إذا
زنيا فارجموهما، فقد سبق أنه مما نسخت تلاوته وبقي حكمه(١) (أما
غنمك وخادمتك فردٌ عليك(٢)) أي: مردودة عليك، أي: يجب ردها
إليك، وفي هذا أن الصلح الفاسد يرد، وأن أخذ المال فيه باطل
يجب رده، وأن الحدود لا تقبل الفداء.
(وجلد ابنه مئة) جلدة (وغربه عامًا) وهو محمول على أن الآبن كان
بكرًا، وعلى أنه أعترف، وإلا فإقرار الأب عليه لا يقبل، أو يكون هذا
إفتاء جواب لاستفتائه، أي: إن كان ابنك زنى وهو بكر فعليه الجلد
والتغريب (وأمر أنيسًا) مصغرًا لأنس، وهو: ابن الضحاك (الأسلمي)
(١) ((مسلم بشرح النووي)) ٢٠٦/١١.
(٢) في (ل)، (م): إليك. وعليها : نسخة.

٤٢٧
= كتاب الحدود
على الأصح.
(أن يأتي أمرأة الآخر) ويسألها (فإن أعترفت(١) رجمها) بالزنا
فارجمها، أي: إن(٢) شهدت على نفسها بالزنا، وهذا مبني على أنَّ
أنيسًا كان حاكمًا أو كان(٣) رسولًا لها ليستفصلها، ويدل على هذا
قوله في آخر الحديث (فاعترفت، فأمر بها رسول الله وَ لَه فرجمت)
وهذا يدل على أن أنيسًا إنما سمع إقرارها، وأنَّ تنفيذ الحكم إنما
كان من النبي ◌َّر. (فاعترفت فرجمها) بأمر رسول الله وَله.
(١) في (ل): اعترف. وعليها نسخة.
(٢) ساقطة من (م).
(٣) ساقطة من (م).

٤٢٨
٢٦ - باب فِي رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ
٤٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نافعِ،
عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اليَهُودَ جاءُوا إِلَى النَّبِيِ نَّ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وامْرَأَةً
زَنَّيَا فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ◌ِ له: « ما تَجِدُونَ في الثَّوْراةِ في شَأْنِ الزِّنا؟)). فَقالُوا:
نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيها الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْراةِ
فَتَشَرُوها، فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آَيَةِ الرَّجُمِ، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَها وَمَا بَعْدَها
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ أَزْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَهاَ فَإِذَا فِيها آيَةُ الرَّجْمِ، فَقالُوا صَدَقَ يا
مُحَمَّدُ فِيها آيَةُ الرَّجْم. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ نَّةٍ فَرْجِمَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ
الرَّجُلَ يَجْنِي عَلَى المَزَةِ يَقِيها الحِجارَةَ(١).
٤٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ مُرَّةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ قَالَ: مَرُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهبِيَهُودِي قَدْ حُمِّمَ وَجْهُهُ
وَهُوَ يُطافُ بِهِ فَناشَدَهُمْ ما حَدُّ الزّانِي فِي كِتَابِهِمْ؟ قَالَ: فَأَحَالُوهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ
فَتَشَدَهُ النَّبِيِ وََّ: « ما حَدُّ الزّاني في كِتابِكُمْ؟ )). فَقَالَ: الرَّجْمُ ولكن ظَهَرَ الزِّنا
في أَشْرافِنا فَكَرِهْنا أَنْ يُتْرَكَ الشَّرِيفُ وَيُقامَ عَلَى مَنْ دُونَهُ فَوَضَغْنا هذا عَنّا. فَأَمَرَ بِهِ
رَسُولُ الهِ وَّهِ فَرُجِمَ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيا ما أَماتُوا مِنْ
کِتابِكَ))(٢).
٤٤٤٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ مُرَّةَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قَالَ: مُزَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهَ بِيَهُودِيٍّ نُحَمَّم ◌َجْلُودِ،
فَدَعَاهُمْ فَقالَ: ((هَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانَي؟)). فَقالُوا: نَعَمْ. فَدَعا رَجُلاً مِنْ
عُلَمَائِهِمْ قالَ لَهُ: ((نَشَدْتُكَ بِاللهِ الذي أَنْزَلَ الثَّوْراةَ عَلَى مُوسَى هَكَذا تَجِدُونَ
(١) رواه البخاري (١٣٢٩)، ومسلم (١٦٩٩).
(٢) رواه مسلم (١٧٠٠).

٤٢٩
- كتاب الحدود
حَدَّ الزّاني في كِتابِكُمْ؟)). فَقَالَ اللَّهُمَّ لا وَلَوْلا أَنَّكَ نَشَدْتَني بهذا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ
حَدَّ الزّانِي فِي كِتَابِنا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ في أَشْرافِنا فَكُنّا إِذا أَخَذْنا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ
تَرَكْناهُ وَإِذَا أَخَذْنا الرَّجُلَ الضَّعِيفَ أَقَمْنا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقُلْنا: تَعالَوْا فَتَجْتَمِعَ عَلَى
شَىء نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ والوَضِيع، فاجْتَمَعْنا عَلَى التَّحْمِيمِ والجَلْدِ وَتَرَكْنا
الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيا أَمْرَكَ إِذْ أَماتُوهُ)).
فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَأَنْزَلَ اللهُ رَّتَ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَجْزُنْكَ الذِينَ يُسَارِعُونَ في
الكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ في اليَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ
يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالُونَ﴾ في اليَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما
أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قالَ: هي في الكُفَّارِ كُلّها يَغْنِي هذِه الآيَةَ(١).
٤٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الهَمْداني، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَني هِشامُ بْنُ
سَعْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: أَتَّى نَفَرٌ مِنْ تَهُودَ فَدَعَوْا رَسُولَ اللهِ
وَ إِلَى القُفِّ فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ المدراسِ، فَقالُوا يا أَبا القاسِمِ إِنَّ رَجُلاً مِنّا زَنَى بِامْرَأَةٍ
فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ فَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللهِ نَّهَ وِسادَةً فَجَلَسَ عَلَيْها ثُمَّ قَالَ: ((اثْتُوني
بِالتَّوْراةِ)). فَأَتِي بِها، تَزَعَ الوِسادَةَ مِنْ تَحْتِهِ فَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْها ثُمَّ قالَ: ((آمَنْتُ بِكِ
وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ )). ثُمَّ قالَ: ((اثْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ)). فَأُتِي بِفَتَّى شابٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً
الرَّجُمِ نَحْوَ حَدِيثِ مالِكِ عَنْ نافِع(٢).
٤٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري
قالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا
يُونُسُ، قَالَ: قَالَ نُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِم: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةَ بِمَّنْ يَتَّبِعُ العِلْمَ وَيَعِيهِ
- ثُمَّ أَتَّفَقا- وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وهذا حَدِيثُ
(١) رواه مسلم (١٧٠٠).
(٢) حسنه الألباني في ((الإرواء)) ٩٤/٥.

٤٣٠
مَعْمَرٍ، وَهُوَ أَتَّمُّ - قالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وامْرَأَةً فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنا
إِلَى هذا النَّبِي فَإِنَّهُ نَبِي بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتانا بِفُتْيا دُونَ الرَّجْم قَبِلْناها
واخْتَجَجْنا بِها عِنْدَ اللهِ قُلْنَا فُتْيا نَبِي مِنْ أَنْبِيَائِكَ، قالَ: فَأَتَوْا النَّبِيََِّ وَهُوَ جَالِسٌ
في المَسْجِدِ فِي أَصْحابِهِ فَقالُوا يا أَبَا القاسِمِ ما تَرىُ فِي رَجُلٍ وامْرَأَةِ زَنَيا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ
كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْراسِهِمْ فَقامَ عَلَىَّ البابِ فَقالَ: ((أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الذي أَنْزَلَ
التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذا أُحْصِنَ)). قالُوا
يُحَمَّمُ وَيُحَبَّهُ وَيُحْلَدُ - والتَّجْبِيَةُ أَنْ يُحْمَلَ الزّانِيانِ عَلَى حِمَارٍ وَتُقَابَلَ أَقْفِيَتُهُما وَيُطَافَ
بِهِما قالَ: وَسَكَتَ شابٌّ مِنْهُمْ فَلَمَا رَآهُ النَّبِي ◌َ سَكَتَ أَلَظَّ بِهِ النِّشْدَةَ فَقَالَ اللَّهُمَّ
إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ. فَقالَ النَّبِي ◌ََّ: ((فَما أَوَّلُ مَا أَرْتَخَصْتُمْ
أَمْرَ اللهِ)). قالَ: زَنَى ذُو قَرابَةٍ مَعَ مَلِكِ مِنْ مُلُوكِنا فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ
في أُسْرَةِ مِنَ النّاسِ فَأَرَادَ رَجْمَهُ فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقالُوا لا يُرجَمُ صاحِبُنا حَتَّى تَجَيءَ
بِصاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ فاضْطَلَحُوا عَلَى هذِهِ العُقُوبَةِ بَيْنَهُمْ. فَقالَ النَّبِي ◌َ: ((فَإِنّي
أَحْكُمُ بِما في التَّوْرَاةِ)). فَأَمَرَ بِهِما فَرُجِما. قالَ الزُّهْرِي: فَبَلَغَنا أَنَّ هَذِه الآيَةَ نَزَلَتْ
فِيهِمْ ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيها هُدىُ وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الذِينَ أَسْلَمُوا﴾ كانَ النَّبي
!. (١)
وَ﴿ مِنْهُمْ(١).
٤٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَخْيَى أَبُو الأَصْبَغِ الحَرّاني، قالَ: حَدَّثَني ◌ُحَمَّدٌ
- يَعْني ابن سَلَمَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِي قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ
مُزَيْنَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: زَنَى رَجُلٌ وامْرَأَةٌ مِنَ اليَهُودِ وَقَدْ
أُخْصِنا حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ نَّ المَدِينَةَ وَقَدْ كانَ الرَّجْمُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْراةِ
فَتَرَكُوهُ وَأَخَذُوا بِالتَّجْبِيَّةِ يُضْرَبُ مِائَةً بِحَبْلٍ مَطْلِي بِقَارٍ وَيُحْمَلُ عَلَىْ حِمَارٍ وَجْهُهُ مِمّا
يَلِي دُبُرَ الحِمارِ فاجْتَمَعَ أَخْبارٌ مِنْ أَحْبَارِهِمْ فَبَعَثُوا قَوْمًا آخَرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ
(١) رواه عبد الرزاق (١٣٣٣٠)، وقد سبق برقم (٤٨٨) مختصرا.
وحسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)).

٤٣١
- كتاب الحدود
فَقالُوا: سَلُوهُ، عَنْ حَدِّ الزّانِي. وَساقَ الَحَدِيثَ قالَ: فِيهِ قالَ: وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ
فَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَخُيِّرَ فِي ذَلِكَ قالَ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(١).
٤٤٥٢ - حَدَّثَنا يَجْيَى بْنُ مُوسَى البَلْخِي، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قالَ: مُجَالِدٌ أَخْبَرَنا،
عَنْ عامِرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: جَاءَتِ اليَهُودُ بِرَجُلٍ وامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا، فَقالَ:
(آتْتُونِي بِأَعْلَم رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ)) فَأَتَوْهُ بِابْنَى صُورِيا، فَتَشَدَهُما: (( كَيْفَ تَجِدانِ أَمْرَ
هَذَيْنٍ في التَّوْراةِ)). قالا: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذا شَهِدَ أَزْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِها
مِثْلَ الِيلِ في المُكْحُلَةِ رُجِما. قالَ: ((فَما يَمْنَعُكُما أَنْ تَرْجُمُوهُما؟)). قالا: ذَهَبَ
سُلْطانُنا فَكَرِهْنا القَتْلَ فَدَعا رَسُولُ اللهِ وََّ بِالشُّهُودِ، فَجَاءُوا بِأَزْبَعَةٍ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ
رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِها مِثْلَ الِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَلَ بِرَجْمِهِمَا(٢).
٤٤٥٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ هُشَيْم، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْراهِيمَ والشّغْبي
عَنِ النَّبي ◌ََّ نَحْوَهُ لَمْ يَذْكُرْ فَدَعا بِالشُّهُودِ فَشَهِدُوا (٣).
٤٤٥٤ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنِ ابن شُبْرُمَةَ، عَنِ الشَّعْبِي بِنَحْوِ
مِنْهُ(٤).
٤٤٥٥ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ حَسَنِ اِصِّيصيُّ، حَدَّثَنا حَجَاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنا ابن جُرَيْجَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: رَجَمَ النَّبِيِ وَ
رَجُلاً مِنَ اليَهُودِّ واْرَأَةَ زَنَيا (٥).
(١) رواه البيهقي ٨/ ٢٤٧، وانظر الحديث رقم (٤٤٥٠).
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٣٢٨)، وأبو يعلى (٢١٣٦)، والدارقطني ١٦٩/٤.
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود)).
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٩٤٢٣) عن الشعبي وحده مرسلا.
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)): صحيح لغيره.
(٤) أنظر الحديث رقم (٤٤٥٣).
(٥) رواه مسلم (١٧٠١).

٤٣٢
باب رجم اليهودێَّین
[٤٤٤٦] (ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن
نافع، عن ابن عمر أنه قال: إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله وَِّ، فذكروا له
أن رجلا وامرأة منهم زنيا، فقال لهم رسول الله وَّل: ما تجدون في التوراة
في شأن الزنا؟) قال العلماء: هذا السؤال لهم ليس لتقليدهم ولا لمعرفة
الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، ولعله وَلّ قد
أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم ولم يغيروه كما
غيروا أشياء، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا لم يخف عليه
ذلك(١) حين أنكروه (فقالوا: نفضحهم) على رؤوس الناس كما سيأتي
(ويجلدون) مبني للمفعول، أي: مئة جلدة.
(فقال عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام ابن الحارث، من بني قينقاع
الإسرائيلي، من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام، وكان أسمه
الحُصين، فسماه النبي ◌َّر: عبد الله، وهو أحد الأحبار (كذبتم، إن
فيها الرجم) لا ما زعمتم يا معشر اليهود (فأتوا) بفتح الهمزة والتاء،
أي: جاؤوا بها (بالتوراة) وهُذِه أعظم محاجة أن يؤمروا بإحضار
كتابهم الذي فيه شريعتهم، فإنه ليس فيه ما أدعوه، بل هو مصدق لما
أخبر به النبي ◌ّ من الرجم، ويروى أنهم لم يتجاسروا أولًا على
الإتيان بالتوراة لظهور افتضاحهم بإتيانها، بل بهتوا، وذلك لعادتهم في
(١) ساقطة من (م).

٤٣٣
- كتاب الحدود
كثير من أحوالهم لما ألزموا بإتيانها أتوا بها على أن(١) يستروا ما يكذبهم
منها، وفي استدعاء التوراة منهم وتلاوتها الحجة الواضحة على صدق
رسول الله وّر في نبوته، إذ كان أميًّا لم يقرأ الكتب ولا يعرف أخبار
الأمم السالفة، ثم شرع يحاجهم ويستشهد عليهم بما في كتابهم، ولا
یجدون من إنكاره محيصًا.
(فنشروها) أي: فتحوها وبسطوها (وقرؤوها، حتى إذا أتوا على آية
الرجم فجعل أحدهم) يعني: الفتى الذي كان يقرأ، وهو عبد الله بن
صوريا(٢).
(يضع يده على آية الرجم، ثم جعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له
عبد الله بن سلام: ارفع يدك) فيه الأستعانة في كل أمر بمن هو خبير به،
لقوله: ((استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها))(٣) أو كما قال (فرفعها،
فإذا فيها) أي: في التوراة في الموضع الذي كان تحت يده (الرجم،
فقالوا: صدق) عبد الله بن سلام.
(يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله وَّ، فرجما) قد
يحتج بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة الحد على الزناة من
أهل الذمة، وهو قول أبي حنيفة(٤)، وأحد قولي الشافعي(٥)، وقال
(١) في (ل)، (م): أنهم.
(٢) وقد جاء مصرحًا باسمه في رواية البيهقي كما في ((السنن الكبرى)) ٢٤٧/٨.
(٣) قال أبو المحاسن الطرابلسي في ((اللؤلؤ الموضوع)) (٤٢): لم يرد بهذا اللفظ.
(٤) انظر: ((المبسوط)) ٩/ ٥٧.
(٥) أنظر: ((الحاوي)) ٢٥٠/١٣.

٤٣٤
مالك(١): لا يتعرض لهم الإمام ويردهم إلى أهل دينهم، إلا أن يظهر
ذلك منهم بين المسلمين فيمنعوا من ذلك.
قال القرطبي: ولا حجة لمن خالف مالكًا في هذا الحديث؛ لأنهم
حكموا النبي ◌َّ، فحكم بما خبره الله تعالى فيه(٢).
(قال عبد الله بن عمر) بن الخطاب (فرأيت الرجل يحنو) قال
القرطبي: حكى بعض مشايخنا [أن صوابها: يجنأ](٣) بفتح الياء
وسكون الجيم وهمزة، وحكاها عن أبي عبيد -أظنه: القاسم بن
سلام(٤) - قال: والذي رأيته في ((الغريبين)) للهروي: يُجنئ عليها. بياء
مضمومة، وسكون الجيم، وكسر النون، وهمزة بعدها، قال: أي:
يكب عليها يقال: أجنا عليه يجنئ إذا أكب عليه يقيه شيئًا (٥). ثم قال:
وتحصل من حكاية أبي عبيد والجوهري أنه يقال: جناً مهموزًا ثلاثيًّا
ورباعيًّا(٦).
قال: وقد وقع هذا اللفظ في ((الموطأ)): فرأيت الرجل يُجنئ على
المرأة يقيها الحجارة(٧). رويناه: يحنى. بياء مفتوحة وبحاء مهملة من
(١) ((المدونة)) ٤٨٤/٤، ٥٠٨، وانظر: ((الكافي)) ١٠٧٣/٢.
(٢) ((المفهم)) ١١٥/٥.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٤) ((المفهم)) ١١٦/٥.
(٥) ((الغريبين في القرآن والحديث)) ص٣٧١، ((المفهم)) ١١٦/٥.
(٦) ((المفهم)) ١١٧/٥.
(٧) ((الموطأ)) ٨١٩/٢.

٤٣٥
- كتاب الحدود
الحنو (١). قال: وهو الصواب (٢).
(على المرأة) ثم فسره أي: (يقيها الحجارة) وفيه دليل لوجوب حد
الزنا على الكافر، وأنه يصح نكاحه؛ لأنه لا يجب الرجم إلا على
محصن، فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم. وفيه أنَّ
الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
[٤٤٤٨] (ثنا محمد بن العلاء قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء، روى له الجماعة.
(عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: مُرَّ(٣)) بضم الميم مبني
للمفعول.
(على رسول الله وَّر بيهودي محمم) بضم الميم وفتح الحاء المهملة،
أي: مسود وجهه، والحميم: الفحم، واحدته حميمة، وفي رواية
لمسلم: نسود وجوههما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما (٤).
(فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزنا(٥)؟! فقالوا: نعم. فدعا رجلاً
من علمائهم، قال: نشدتك بالله) ولابن ماجه: ((أنشدك بالله)) (٦) (الذي
أنزل التوراة على موسى) لأنهم يعتقدون صحتها وتعظيمها، فيه تحليف
(١) ((المفهم)) ١١٦/٥.
(٢) السابق.
(٣) ساقطة من (م).
(٤) ((صحيح مسلم)) (١٦٩٩).
(٥) ساقطة من (م).
(٦) ((سنن ابن ماجه)) (٢٥٥٨).

٤٣٦
الكافر بما يعتقد تعظيمه.
(أهكذا تجدون حد الزنا (١)) زاد أحمد: ((في كتابكم))(٢) ليس هذا
استفهامًا حقيقيًّا ليصدقهم بما قالوا، بل ليقيم الحجة عليهم.
(فقال: اللهم لا) والله (ولولا أنك نشدتني بهذا) القسم (لم أخبرك)
بأننا نجد في كتابنا (نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولکنه کثر) الزنا
(في أشرافنا) ورواية البزار والطبراني: وإنا كنا(٣) قومًا شببة، وكان
نساؤنا حسنة وجوهها، وإن ذلك كثر فينا، فلم نقم له (٤).
(فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه
الحد) ولعل مثل هذا أن يقع في هذِه الأمة.
(فقلنا: تعالوا) قرأ الحسن وأبو السمال بضم اللام، ووجهه أن
أصله: تعاليوا. كما تقول: تجادلوا، نقلت الضمة من الياء التي أصلها
الواو إلى اللام قبلها بعد حذف فتحتها فبقيت الياء ساكنة، وواو
الضمير ساكنة، فحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، وهذا تعليل شذوذ
(فيجتمع) بنصب العين جواب الأمر، رواية ابن ماجه: تعالوا حتى
نجتمع(٥). رواية أحمد: تعالوا حتى نجعل شيئًا (٦).
(١) في (ل) بعدها: الزاني. وفوقها: نسخة، وفي (م): نسخة: الزاني.
(٢) ((المسند)) ٢٨٦/٤.
(٣) في (ل)، (م): ولكنا. وهو خطأ والمثبت من ((المعجم الكبير)).
(٤) ((المعجم الكبير)) ٣٢١/١١ (١١٨٧٥) من حديث ابن عباس.
(٥) ((سنن ابن ماجه)) (٢٥٥٨) وفيه: تعالوا فلنجتمع.
(٦) ((مسند أحمد)) ٢٨٦/٤.

٤٣٧
= كتاب الحدود
(على شيء نقيمه على الشريف) منا (والوضيع. فاجتمعنا على
التحميم) وهو تسويد الوجه (والجلد، وتركنا الرجم) الذي فيه إزهاق
النفس.
(فقال النبي ◌َّ: اللهم إني أول من أحيا أمرك) فيه فضيلة من أحيا
حكمًا من أحكام الله تعالى كان قد أميت وترك، أو سنة من سنن
الشريعة قد أندرست (إذ أماتوه) [فيه التحذير من التسبب في تغيير حكم
من أحكام الشريعة أو إبطاله والملازمة على تركه أو إهماله](١).
(فأمر به فرجم) استدل به الشافعي على أنَّ الكافر إذا وطئ في نكاح
صحيح عندهم كان محصنًا؛ لأنه لم يرجمه إلا وهو محصن(٢)، وقال
النخعي والحسن البصري: لا يكونان محصنين حتى يجامعها في
الإسلام(٣). وهو قول مالك(٤) والكوفيين(٥)، قالوا: الإسلام من
شروط الإحصان. قالوا: وإنما رجم اليهودي الزاني بحكم التوراة
[حين سأل الأحبار عن ذلك، وربما كان ذلك بسبب تنفيذ(٦) الحكم
عليهم بكتابهم التوراة](٧) وكان أول دخوله المدينة، ثم نسخ بعد ذلك
حکمه، وبقي حكمه بالرجم.
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٢) ((الأم)) ٧٠٩/٥.
(٣) انظر: ((الأوسط)) ٤٦٥/٨.
(٤) ((المدونة)) ٢٠٥/٢، ٢٠٩، وانظر: ((الأخيرة)) ٢٢٦/١٠.
(٥) انظر: ((المبسوط)) ٣٩/٩، وانظر أيضًا: ((الأوسط)) ٤٦٤/٨.
(٦) كلمة غير واضحة في (ل).
(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).

٤٣٨
(فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾) استدل به على أن الحديث سبب
لنزول هذه الآية، وهذا قول ابن عباس وجماعة، وفي الآية أقاويل
كثيرة غير هذا، موضعها كتب التفسير (﴿لَا يَحْزُّنِكَ الَّذِينَ
يُسَرِعُونَ﴾) أي: لا تهتم لمسارعة اليهود بإظهار ما يلوح منهم من آثار
الكفر، ومسارعتهم في الكفر وقوعهم وتهافتهم فيه (﴿في﴾) إظهار
(﴿ اَلْكُفْرَ﴾) (إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾) إشارة إلى
التحميم والجلد في الزنا اللذين اجتمعوا على فعله، والفاعل
المحذوف في ﴿أُوْتِيتُمْ﴾ هو الرسول أي: إن أتاكم الرسول بهذا
(﴿فَخُذُوهُ﴾) واعلموا أنه الحق واعملوا به (﴿وَ إِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ﴾) أي:
ج
وإن أتاكم محمد بخلافه (﴿فَاحْذَرُواْ﴾) وإياكم من قبوله، فهو الباطل،
وقيل: فاحذروا أن تسألوه بعد هذا، والظاهر الأول؛ لأنه مقابل
لقوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾ فالمعنى: وإن لم تؤتوه وأتاكم بغيره فاحذروا قبوله.
(إلى قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ﴾) سياق الآية أنه خطاب
لليهود، وفيهم أنزلت، وليس في الإسلام منها شيء، وذهب ابن
مسعود(١) وغيره إلى أنها عامة في اليهود وغيرهم، ولكن كفر دون
كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، فظلم المسلم ليس مثل ظلم
الكافر، وكذا كفره وفسقه، واحتجت الخوارج بهذِه الآية على أن كل
من عصى فهو كافر، وقالوا: هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل
الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن
(١) رواه عنه الطبري في ((تفسيره)) ٢٥٧/٦، والواحدي في ((الوسيط)) ١٩٢/٢، وانظر:
((زاد المسير)) لابن الجوزي ٥٥٢/١، و((تفسير القرطبي)) ١٩٠/٦.

٤٣٩
- كتاب الحدود
يكون كافرًا، وأجيبوا بأنها نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم كما في
الحديث، وضُعِّف بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾) نزلت (في اليهود) أيضًا، وناسب ذكر الظلم هنا للباء في
القصاص، وعدم التسوية في القصاص، وإشارة إلى ما كانوا قروره
من عدم التساوي بين بني النضير وبني قريظة بخلاف الآيات التي قبلها
التي ذكر بعدها ﴿اُلْكَفِرُونَ﴾؛ لأنها جاءت عقب قوله: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَا
التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾(١) ففي ذلك إشارة إلى أنه لا يحكم بجميعها،
بل يخالف رأينا(٢)؛ ولهذا جاء: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾
فناسب ذكر الكافرين عقب ذلك (إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ
اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾) ناسب هنا ذكر الفسق؛ لأنه خروج من أمر
الله إذ تقدم قبله قوله(٣): ﴿وَلَيَحْكُمْ﴾ وهو أمر كما قال: ﴿أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ
فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾(٤) أي: خرج من
طاعة أمره(٥) (قال: هي في الكفار كلها) ليست في المسلمين منها
شيء، قال القفال: هي لموصوف واحد، كما تقول: من أطاع الله
فهو المسلم، ومن أطاع الله فهو المؤمن، ومن أطاع الله فهو المتقي
(يعني: هذِه الآية) في مؤمن واحد.
(١) المائدة: ٤٤.
(٢) رسمت في (ل)، (م): رأسًا.
(٣) ساقطة من (م).
(٤) الكهف: ٥٠.
(٥) في (م): ربه.

٤٤٠
[٤٤٤٩] (ثنا أحمد بن سعيد الهمداني) بإسكان الميم، أبو جعفر
المصري، قال النسائي: ليس بالقوي(١). (قال: ثنا) عبد الله (ابن وهب
قال: حدثني هشام بن سعد) روى له مسلم، وهو مولى لآل أبي لهب
بن عبد المطلب (أنَّ زيد(٢) بن أسلم) الفقيه العمري (حدثه عن ابن
عمر رضي الله عنهما قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله وَل إلى
القُفِّ) بضم القاف وتشديد الفاء: ما غلظ من الأرض في أرتفاع،
وهو أيضًا: البناء حول فم البئر قاله الجوهري(٣) وغيره، وقيل: واد
من أودية المدينة عليه ماء.
(فأتاهم في بيت المدراس) بكسر الميم موضع الدرس والقراءة،
اضطربت الرواية في هذا الحديث، ففي رواية البراء المتقدمة: أنه مر
على رسول الله وَله، فدعاهم(٤). وفي هذا الحديث: أنهم أتوا إليه
فدعوه. وقال هنا: (أتاهم في بيت المدراس) وفي الحديث الذي
بعده: أتوه وهو جالس في المسجد(6). وهي متقاربة في المعنى، ولا
بعد في ذلك؛ لأنَّ ذلك كله حكاية عن قضية وقعت، فعبَّر كل واحد
منهم بما تيسر له، والكل صحيح، فيجمع بين الروايات بأنه كان في
المسجد أولًا وجاؤوا إليه وهو فيه، ثم بعد ذلك مشى معهم إلى بيت
المدراس بعد أن سألوه عن ذلك على ما رواه ابن عمر.
(١) أنظر: ((المعجم المشتمل)) (٣١)، ((تهذيب الكمال)) ٣١٤/١.
(٢) فوقها في (م): (ع).
(٣) ((الصحاح)) ١٤١٨/٤.
(٤) الحديث السابق (٤٤٤٨).
(٥) الآتي (٤٤٥٠).