Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
- كتاب الحدود
(قال: نعم، قال: فأمر به فرجم) فيه أن للإمام أن يستنيب ويوكل في
إقامة الحدود وفي التعزيرات (فأخرج به إلى الحرة) وهي كل أرض ذات
حجارة سود، وفي الرواية، وهي رواية البخاري: أنه رجم بالمصلى(١)،
وفي رواية لمسلم: في عرض الحرة (٢). أي: جانبها. (فلما رجم) فيه
الاقتصار على الرجم دون الجلد، وهذا يبين المتقدمة الجامعة بينهما،
تقدم في قوله: جلد مئة والرجم (فوجد مس الحجارة) وفي رواية في
((الصحيح)) وغيره: فلما أصابته الحجارة. أي: ووجد ألمها.
(فخرج يشتد) بتشديد الدال، أي: يعدو جريًا (فلقيه عبد الله بن
أنيس) بضم الهمزة وفتح النون مصغر، الجهني الأنصاري المدني،
قال ابن الكلبي: كان مهاجريًّا، أنصاريًّا، عقبيًّا. وقال ابن إسحاق:
هو من قضاعة. (وقد عجز) بفتح الجيم المشددة. (أصحابه) وفي رواية
أبي سعيد الآتية: فاشتد واشتددنا خلفه. وفي رواية البزار: فلقيه رجل
من أصحاب النبي ◌َّر (فنزع له) أي: رماه (بوضيف)(٣) بكسر الضاد
المعجمة وهو الحق (بعير) أي: حقه، قال الجوهري: الوظيف (٤):
مستدق الذراع والساق من الإبل(٥).
(فرماه فقتله) رواية البزار: فتلقاه بلحي جمل فضربه فقتله(٦).
(١) ((صحيح البخاري)) (٥٢٧٠).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٦٩٤).
(٣) في ((السنن)): بالظاء.
(٤) في (م): الوضيف.
(٥) ((الصحاح)) ١٤٣٩/٤.
(٦) ((البحر الزخار)) ١٩٦/١٠ (٤٢٨٣).

٣٨٢
(ثم أتى) عبد الله بن أنيس (النبي وََّ، فذكر ذلك له، فقال: هلا
تركتموه) زاد في الرواية الآتية: ((وجئتموني به)) (١) (لعله أن يتوب)
يدل على أن ما كان من حقوق الله تعالى يكفي الخروج من إثمه التوبة
والاستغفار، وإن كان فيه حد.
(فيتوب) بالنصب (الله عليه) أي: فيقبل الله توبته، الذي هداه إليها.
[٤٤٢٠] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن عمر بن ميسرة) البصري
القواريري، متفق عليه (عن يزيد بن زريع، عن محمد بن إسحاق قال:
ذكرت لعاصم بن عمر بن (٢) قتادة) بن النعمان(٣)، وكان علامة
بالمغازي، وُثق.
(قصة ماعز بن مالك، فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي
[الحسين بن علي](٤) بن أبي طالب قال: حدثني ذلك من قول رسول
الله وَّة) فقال: (فهلا تركتموه؟) فيه التحريض على أن المقر بالزنا إذا
هرب يخلى سبيله في الحال ولا يتبع(٥).
(١) (٤٤٢٠).
(٢) في (ل)، (م): عن.
(٣) في (ل)، (م): عثمان.
(٤) كذا هُذِه الزيادة في (ل)، (م)، وفيها نظر، وانظر: ((تهذيب الكمال)) ٥٢٩/١٣.
(٥) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١١٣/١٢: وقد جعل رسول الله وض الفر هروبه -أي:
ماعزًا - رجوعًا وقال: فهلا تركتموه. اهـ
وقال في ((الاستذكار)) ٩٨/٢٤: وقد أجمع العلماء على أن الحد إذا وجب
· بالشهادة وأقيم بعضه ثم رجع الشهود قبل أن يقام الحد أو قبل أن يتم: أنه لا يقام
عليه ولا يتم ما بقي منه بعد رجوع الشهود، فكذلك الإقرار والرجوع، وبالله
التوفيق. اهـ

٣٨٣
= كتاب الحدود
(من شئت(١)) بكسر الشين المعجمة وسكون الهمزة بعده من المشيئة
(من رجال أسلم ممن لا أتهم) في حديثه.
(قال) [محمد بن علي بن الحسين](٢) بن علي بن أبي طالب.
(ولم أعرف الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
فقلت: إن رجالاً من أسلم يحدثون أن رسول الله ربَّير قال لهم، حين ذكروا
له جزع ماعز) بن مالك الأسلمي وفراره (من الحجارة) وهربه (حين
أصابته: ألاَّ) بتشديد اللام وتخفيفها بمعنى: هلًا، وبعضهم يقول: إن
أصلها: هلا، لكن أبدلت الهمزة من الهاء، كما في: أرقت وهرقت
(تركتموه) من الرجم حين خرج (وما أعرف الحديث) الذي ذكره لي.
(قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث) فيه إظهار العالم
فضله؛ ليكون أوقع في القلوب (كنت فيمن رجم) هذا (الرجل) يعني:
ماعز بن مالك.
(إنا) بكسر الهمزة (لما خرجنا به) إلى الحرة قرب المصلى (فرجمناه
فوجد مس الحجارة، صرخ بنا: یا قوم ردوني إلى رسول الله گێ) فيه دليل
على أن ماعزًا لما وجد ألم الحجارة صرخ بردوده إلى النبي ◌َّة، فاستنبط
منه كثير من العلماء أن المعترف بما يجب عليه من الحد، إن رجع عن
إقراره مطلقًا لم يُحَد.
وممن ذهب إلى هذا: عطاء ويحيى بن يعمر والزهري وحماد
(١) في ((السنن)): شئتم. وهي ما في هامش (ل)، وعليها: (خ).
(٢) كذا في النسختين، والصواب: (الحسن بن محمد).

٣٨٤
والثوري والشافعي(١) وأحمد(٢) والنعمان(٣) ومالك(٤) في رواية القعنبي.
وقيل: لا ينفعه رجوعه مطلقًا. وبه قال سعيد بن جبير والحسن وابن أبي
ليلى وهي رواية ابن عبد الحكم. وقال أشهب: إذا جاء بعذر قُبل ذلك
منه، وإلا لم يقبل(٥).
(فإن قومي قتلوني وغرروني(٦)) بتشديد الراء من الغرور (من نفسي)
أي: جرؤوني على الإقرار وحسنوه لي (وأخبروني أن رسول الله وَ ل غير)
بالرفع بمعنى: ليس (قاتلي، فلم ننزع) بكسر الزاي (عنه) أي: لم نتركه
(حتى قتلناه) بالجناية، كذا في رواية الطبراني في ((الأوسط))(٧).
(فلما رجعنا إلى رسول الله وَ له، وأخبرناه بأمره قال: فهلا تركتموه
وجئتموني به؟ ليستثبت منه) أي: ليتحقق أمره لأي شيء هرب، أهرب
راجعًا عما أقر به، أم فرارًا من الحجارة؟! وفي روايةٍ (٨) ((ألا تركتموه
لأنظر في أمره)) (٩).
(فأما) ترك قتله (لترك حد) عنه (فلا) استدل به على أنه رجوع إذا
(١) ((الأم) ٧/ ٣٩٢.
(٢) انظر: ((المغني)) ١٤/ ١٢٧.
(٣) أنظر: ((المبسوط)) ٩٤/٩.
(٤) انظر: ((الاستذكار)) ٩٧/٢٤.
(٥) أنظر هذِه الأقوال في: ((الأوسط)) ٤٥٢/١٢، وما بعدها.
(٦) في ((السنن)): غروني.
(٧) في (ل): سننه. وبعدها بياض بمقدار كلمتين.
(٨) بعدها في (ل): بياض بمقدار كلمتين.
(٩) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ٢٩١/٤ بنحوه.

٣٨٥
= كتاب الحدود
شرع في رجمه وهرب لا يسقط عنه الحد بذلك، بل الحد باقٍ عليه،
ولهذا لم تلزمهم ديته مع أنهم قتلوه بعد هربه.
(قال:) حسن بن محمد (فعرفت وجه الحديث) وعلمت معناه.
[٤٤٢١] (ثنا أبو كامل) فضيل الجحدري (قال: ثنا يزيد بن زريع
قال: ثنا خالد - يعني: الحذاء- عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله
عنهما: أن ماعز بن مالك) الأسلمي (أتى النبي ◌َّلير، فأعرض عنه،
فأعاد عليه مرارًا، فأعرض عنه، فسأل قومه: أمجنون هو؟) وهذا أوجبه
ما ظهر على السائل من الحال التي تشبه حال المجنون، وذلك أنه
جاء إلى رسول الله وَ﴾ منفش الشعر، ليس عليه رداء، يقول: زنيت
فطهرني. كما صح في الرواية، حكاه القرطبي.
ثم قال: وإلا فليس من المناسب أن ينسب الجنون إلى من أتى عليه
هيئة العقلاء، وأتى بكلام منتظم مفيد، لا سيما إذا كان فيه طلب الخروج
من مائم(١).
(قالوا)(٢) يعني: أهله (ليس به بأس) وفي رواية لـ((الموطأ)): فبعث
إلى أهله، فقال: ((أيشتكي؟ أبه جنة؟)) قالوا: لا. قال: ((أبكر هو أم
ثيب؟)) قالوا: ثيب(٣).
فيه أنَّ على الإمام أن يسأل المقر إن كان محصنًا أو غير محصَن؛
لأن الله تعالى قد فرق بين حد المحصن والبكر.
(١) ((المفهم)) ٨٩/٥.
(٢) ساقطة من (م).
(٣) ((الموطأ)) ٢/ ٨٢٠.

٣٨٦
قال ابن بطال: فواجب على الإمام أن يقف على ذلك، كما يجب
عليه إذا أشكل أحتلام المقر أن يسأله عن ذلك، ثم بعد ذلك يلزمه(١)
تصديق كل واحد منهما؛ لأن الحد لا يقام إلا باليقين، ولا يحل فيه
التجسس(٢) (قال: أفعلت بها؟ قال: نعم. فأمر به فرجم) قال النسائي:
ليس في شيء من الأحاديث قدر الحجر الذي رمي به. قال مالك: لا
يرمى بالصخور العظام(٣)، ويأمر الإمام بذلك، ولا يتولاه بنفسه(٤).
(فانطلق به فرجم، ولم يصل عليه). قال مالك: لا يرفع عنه الرمي(٥)
حتى يموت، ويخلى بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه، ولا يصلي
عليه الإمام؛ ليكون ردعًا لأهل المعاصي، ولئلا يجترئ الناس على
مثل فعله إذا رأوا أن الإمام لا يصلي لعظم ذنبه (٦).
ومذهب الشافعي(٧) وأبي(٨) حنيفة(٩) يصلي عليه.
[٤٤٢٢] (ثنا مسدد(١٠) قال: ثنا أبو عوانة، عن سماك) بن حرب (عن
(١) ساقطة من (م).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٤٧/٨.
(٣) أنظر: ((الذخيرة)) ٧٦/١٢.
(٤) ((المدونة)) ٤/ ٥٠٧.
(٥) في (م): الرجم.
(٦) ((المدونة)) ٤/ ٥٠٨.
(٧) أنظر: ((البيان)) ٨٥/٣.
(٨) في (ل)، (م): أبو.
(٩) انظر: ((المبسوط)) ٥٢/٩، ٩٤، ((الاختيار لتعليل المختار)) ٨٥/٤. وهو مذهب
الحنابلة أيضًا، أنظر: ((المغني)) ٥٠٨/٣.
(١٠) فوقها في (ل): (ع).

٣٨٧
= كتاب الحدود
جابر بن سمرة) بن جنادة العامري، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص،
أمه خالدة بنت أبي وقاص، نزل الكوفة ومات بها سنة أربع وستين(١).
(قال: رأيت ماعز بن مالك) الأسلمي (حين جيء به إلى رسول الله
وَل﴿ رجلاً قصيرًا(٢) أعضل) بالعين المهملة والضاد المعجمة، أي: مشتد
الخلق، قاله النووي(٣)، وقال ابن الأثير: هو الكثير العضل من اللحم(٤).
قال الجوهري: العضل جمع عضلة الساق، وكل لحمة مجتمعة مكتنزة
فهي عضلة(٥).
(ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه قد زنى، فقال له
رسول الله وَّ: فلعلك قبلتها) أي: فلعلك أردت بالزنا أنك قبلتها أو
لمستها بشهوة، وفيه تعريض القاضي للمقر برجوعه.
(قال: لا والله إنه قد زنى الأخِر) بقصر الهمزة وكسر الخاء، وبعضهم
يمد الهمزة، وهو خطأ، وكذا فتح الخاء خطأ، ومعناه: الأبعد، وهو
على الذم، وقيل: الأرذل واللئيم والشقي.
(قال: فرجمه، ثم خطب) أي: من العشي، كما في روايةٍ. (فقال:
ألا كلما نفرنا) بإسكان الراء، أي: أنطلقنا غزاة (في سبيل الله خلف) بفتح
(١) هكذا ذكر المصنف، وقد اختلف في سنة وفاته، ونقل الحافظ عن البغوي وابن
حبان: سنة أربع وسبعين، وقال: وهو أشبه بالصواب. اهـ أنظر: ((تهذيب التهذيب)).
(٢) بعدها في (ل): نسخة: رجل قصير.
(٣) ((مسلم بشرح النووي)) ١٢/ ٦٢.
(٤) ((النهاية)) ٢٥٣/٣.
(٥) ((الصحاح)) ١٧٦٦/٥.

٣٨٨
الخاء المعجمة واللام، أي: تخلف وأقام بعدنا (أحدهم له نبيب) بفتح
النون وكسر الباء الأولى وبعدها ياء مثناة تحت ثم باء موحدة أيضًا،
يقال: نبَّ التيس إذا هاج في طلب الأنثى (كنبيب التيس) عند السفاد
(يمنح) بفتح الياء المثناة تحت والنون، أي: يعطي (إحداهن) من
النساء (الكثبة) بضم الكاف وإسكان الثاء المثلثة بعدها باء موحدة،
يعني: القليل من الطعام. (أما) بتخفيف الميم لاستفتاح الكلام (إنَّ)
بتشديد النون (الله إنْ) بإسكان النون، وهو حرف نفي بمعنى ما
(يمكِّنّي من أحد منهم إلا نكلته(١)) بفتح النون والكاف المشددة، أي:
صرفته (عنهن) بعقوبة أصيبه بها ليعتبر به، فيمتنع عن هذِه الفاحشة.
[٤٤٢٣] (ثنا محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر) المعروف
بغندر، ربيب شعبة (عن شعبة، عن سماك قال: سمعت جابر بن
سمرة) المذکور قبله بحديث.
(بهذا الحديث و) الحديث (الأول أتم، قال) فيه (فرده) أي: ردّ
ماعزًا(٢) (مرتين. قال سماك: فحدثت به سعيد بن جبير، فقال: إنه رده
أربع مرات) كما تقدم.
[٤٤٢٤] (ثنا عبد الغني) بن رفاعة (بن أبي عقيل) اللخمي (المصري)
توفي (٢٥٥) (قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن) الخراساني أبو الهيثم.
(قال: قال شعبة: فسألت(٣) سماكًا عن الكثبة، قال: اللبن القليل.) قدر
(١) في (ل) بعدها: نسخة: لأنكلنه.
(٢) في (ل)، (م): ماعز.
(٣) في (م): فسأل.

٣٨٩
- كتاب الحدود
حلبة، وكل ما جمعته من طعام أو غيره، لبنًا كان أو غيره فهو كثبة.
[٤٤٢٥] (ثنا مسدد قال: ثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَله
لماعز بن مالك) الأسلمي (أحق ما بلغني عنك؟) يشبه أن يكون سأله؛
ليستحيي من ذكره بين يدي النبي ◌َّۇ، فينكر.
(قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني عنك أنك وقعت على جارية بني
فلان) فيه استعمال الكناية في الخطاب، حيث لم يقل: زنيتَ ولا غيرها
من الصرائح، وفيه تسمية (جارية) ولم يقل: أمة بني فلان؛ لورود النهي
عنه، فكلنا عبيد وإماء (قال: نعم. فشهد أربع شهادات) ويعرض عنه في
كل مرة منها(١)، كما تقدم.
(فأمر به، فرجم) فيه أن الرجم يثبت على من زنى بالأمة المحرمة
التي هي ملك لأجنبي، كما يثبت على الزاني بالحرة، وليس فيه أنه
رجم الجارية، فقد يستدل به لمذهب ابن عباس والحسن وابن جبير
متمسكين بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾(٢) كما سيأتي.
[٤٤٢٦] (ثنا نصر بن علي قال: أخبرنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله
بن الزبير الأسدي الزبيري، كان يصوم الدهر، فكان إذا تسحر برغيف لم
يصدع، فإذا تسحر بنصف رغيف يصدع من نصف النهار إلى آخره، وإن
لم يتسحر صدع يومه أجمع (٣)، والظاهر أن يصدع من الصداع وهو وجع
(١) في (م)، (ل): منهما.
(٢) النساء: ٢٥.
(٣) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٤٧٦/٢٥ - ٤٨٠، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٢٩/٩ - ٥٣١.

٣٩٠
الرأس (قال: ثنا إسرائيل(١)، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: جاء ماعز إلى النبي ◌َّر، فاعترف بالزنا
مرتين، فطرده) عنه، قد يستدل به مالك وأحمد على أنه لا يجب
الحد بإقراره مرتين ولا ثلاثا (٢)، ولا بد من أربع مرات، ولو في
مجلس واحد أو مجلسين، كما في الحديث؛ ولهذا طرده؛ لعدم
وجوب الحد عليه، ولا يثبت به حجة أبي حنيفة؛ لأنه يشترط في أربع
مرات أن يكون في أربعة(٣) مجالس، وإقراره هنا في مجلسين.
وأجاب الشافعي والأصحاب بأنه طرده ليستبين حاله؛ لاحتمال أن
یکون به جنون أو غيره كما تقدم. وورد في رواية أنه طرده حتى لم يُرَ.
(ثم جاء) في مجلس (فاعترف بالزنا مرتين) أخريين (فقال: شهدت
على نفسك أربع مرات، أذهبوا به فارجموه) وفي رواية للبزار: (( فإن
كان صحيحًا فارجموه)» (٤). وذكر الشارع الشهادة على نفسه أربع
مرات قبل ذكر الفاء السببية يقوي حجة القائلين باشتراط التكرار أربع
مرات؛ لأن ذكره وصف الشهادة أربع مرات مع الحكم -وهو الرجم-
مشعر بأنه هو العلة للرجم، وإلا لكان ذكره عبثًا، وهذا هو الأكثر في
وصف الشارع، وإلا لاقتصر على قوله: (ارجموه)، ولم يذكر الشهادة
أربع مرات، فعلى ما تقدم يكون التقدير: أرجموه؛ لأنه أقر على
(١) في (م): إسماعيل.
(٢) في (ل)، (م): ثلاث.
(٣) في (ل)، (م): أربع.
(٤) ((البحر الزخار)) ١٩٦/١٠ (٤٢٨٣).

٣٩١
- كتاب الحدود
نفسه أربع مرات ولو لم تكن الأربع من تمام العلة، لقال: أرجموه؛ لأنه
أقر، وهذا هو النوع الثاني من قياس الأسماء.
[٤٤٢٧] (ثنا موسى بن إسماعيل(١)، ثنا جرير قال: ثنا يعلى (٢) عن
عكرمة: أن النبي ◌َّه وثنا زهير بن حرب وعقبة بن مكرم) بضم الميم،
وفتح الراء، العمي (قالا(٣): ثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم (قال: ثنا
أبي) جرير بن (٤) حازم الأزدي، حضر جنازة أبي الطفيل بمكة، وهو
ثقة، ولما اختلط حجبه ولده(٥).
(قال: سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن عكرمة، عن ابن عباس أن
النبي ◌َّ قال لماعز بن مالك: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت) تعريضًا
له؛ ليقول هذه الألفاظ، فلو أنه قال: نعم قبلت أو غمزت، لسقط الحد
عنه؛ لأن الزنا يقع على التقبيل والغمز والنظر بشهوة.
(قال: لا. قال: أَفَنِكْتَها؟) فلما أتى ماعز بلفظ مشترك لم يحده القيمة
حتى وقف على صحيح ما أتاه وحقيقته بغير إشكال؛ ليرتفع المجاز
وغيره من الاحتمالات؛ لأن من سنته القهر درء الحدود بالشبهات،
فلما أفصح وبين ما فعله، أمر برجمه، وهذا يدل على أن الحدود لا
تقام إلا بالإفصاح دون الكنايات للأثر (قال: نعم، فعند ذلك أمر
(١) بعدها في (م)، (ل) بياض بمقدار كلمة لعلها التبوذكي.
(٢) بعدها بياض في (م)، (ل) بمقدار كلمتين ولعله: بن حكيم.
(٣) في (م)، (ل): قال.
(٤) ساقطة من (م).
(٥) انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٠٥/٧ (٣٢٧٣)، ((سير أعلام النبلاء)) ٩٨/٧- ٩٩.

٣٩٢
برجمه) أي: عند الإفصاح بالحقيقة أمر برجمه.
(ولم يذكر موسى: عن ابن عباس، وهذا لفظ وهب) بن جرير.
[٤٤٢٨] (ثنا الحسن بن علي) الخلال الحافظ، نزيل مكة، متفق
عليه(١) (قال: ثنا عبد الرزاق، عن) عبد الملك (ابن جريج(٢) قال:
أخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس (أن عبد الرحمن بن
الصامت) وعند النسائي: ابن هضاض، وقيل: ابن الهضاب(٣) (ابن
عم أبي هريرة أخبره أنه سمع) ابن عمه أو عمه، ذكره ابن حبان في
((الثقات))(٤).
(أبا هريرة رضيته يقول: جاء) ماعز بن مالك (الأسلمي) إلى (نبي الله
وَّر، فشهد على نفسه) بعدما سأله كما تقدم (أنه أصاب أمرأة) أي: جارية
([من جهينة](٥) حرامًا، أربع مرات) أو شهادات (كل ذلك يعرض عنه)
بضم الياء من (يعرض) وإعراضه عنه لعله يرجع عن إقراره.
(فأقبل) رسول الله وَّ (في) المرة (الخامسة) عليه (فقال: أنكتها؟
قال: نعم) فيه استعمال الصرائح عند الحاجة (قال) رسول الله وله
(حتى غاب ذلك) يعني: الذكر (منك في ذلك) يعني: الفرج (منها؟
قال: نعم. كما يغيب المرود) بكسر الميم (في المكحلة) بضم الميم
والحاء (و) كما يدخل (الرشاء) بكسر الراء والمد، هو الحبل الذي
(١) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٣٩٨/١١.
(٢) في (م): جرير.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٢٨٨/٤.
(٤) ((الثقات)) ٥/ ٩٧.
(٥) ما بين المعقوفتين زيادة من (ل).

٣٩٣
- كتاب الحدود
يربط في الدلو، جمعه: أرشية. قال مجنون ليلى:
لقد علقت محبتكم بقلبي(١)
كما علقت بأرشيـة دلاء
(في البئر؟ قال: نعم) قال القرطبي: هذا منه ◌َ ◌ّ أخذ لماعز بغاية
النص الصريح الرافع لجميع الاحتمالات كلها تحقيقًا للأسباب،
وسعيًا في صيانة الدماء عن الأنصباب، وقد أخذ جماعة من العلماء
من هذا الحديث أن شهود الزنا إذا شهدوا به يصفون الزنا كما وصف
ماعز، فيقول الحاكم للشاهد: رأيت فرجه في فرجها كالمرود في
المكحلة والرشاء في البئر؟ معاوية والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور
وأصحاب الرأي(٢).
(قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل)
أي: كما يأتي الرجل امرأته في الحلال، فحذفت كاف التشبيه؛ للمبالغة
في التشبيه وتأكيده حين حكم على المشبه بأنه المشبه به، لا أنه مثله،
ونظيره في حذف كاف التشبيه للمبالغة قوله تعالى: ﴿وَهِىَ تَمُُّ مَزَّ
السَّحَابِ﴾(٣) أي: كمر السحاب، كما مثل به في تخليص المعاني.
(من امرأته حلالاً) وفيه سؤال القاضي عن الزنا الذي أقر به، هل
يجهل تحريمه أم لا؟
(قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني) أي: من الذنب
(١) ساقطة من (م).
(٢) ((المفهم)) ٩١/٥.
(٣) النمل: ٨٨.

٣٩٤
الذي وقعت فيه (فأمر به فرجم فسمع النبي وَل رجلين من أصحابه يقول
أحدهما لصاحبه) وفي رواية البزار: فقال أصحاب رسول الله وَله: إلى
النار(١).
(انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه ذنبه فلم تَدَعه) بفتح التاء والدال
أي: تتركه (نفسه حتى رُجِم رَجْمَ) منصوب على المصدر (الكلب) فيه
دليل على أن رجم الكلب بالحجر كان جائزًا عندهم مشهورًا فيما بين
الصحابة ، لكن يجوز الرجم لكل الكلاب أو للمؤذي منها والسعر
(فسكت النبي ◌َّر عنهما) فيه دليل على جواز تأخير بيان الحكم إلى
وقت الحاجة، فإنه رقي لم يبين لهما حكم تحريم الغيبة حتى مر بجيفة
الحمار (ثم سار) فيه دليل على أن قصة ماعز وقعت في السفر لا في
الإقامة، وقد روى الإمام أحمد والبزار من رواية أبي ذر: كنا مع
رسول الله وَّ في سفر فأتاه رجل، فقال: إن الأخِر زنى فأعرض عنه
.. الحديث(٢).
(ساعة حتى مر) هو وأصحابه (بجيفة حمار شائلًا(٣)) منصوب على
الحال، وصاحب الحال هو المضاف إليه، وتصلح هذه المسألة أن تكون
شاهدًا لمسألتين ذكرهما النحاة:
إحداهما : أن شرط صاحب الحال أن تكون معه معرفة، لكن يجوز
تنكيره في مواضع :
(١) ((البحر الزخار)) ١٩٦/١٠.
(٢) ((المسند)) ١٧٩/٥، ((البحر الزخار)) ٤٢٧/٩.
(٣) في هامش (ل): نسخة: شائل.

٣٩٥
= كتاب الحدود
أحدها: أن يضاف إلى نكرة كما في الحديث؛ فإن (حمار) مضاف
إليه، وهو صاحب الحال، وقد جاء نكرة، والأصل أن يكون معرفة؛ لأنه
في الأصل مبتدأ، وقد مثل له النحاة قوله تعالى: ﴿فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَآءَ﴾(١).
المسألة الثانية: أن يكون الحال منصوبًا من المضاف، إذا المضاف
كان عاملًا في المضاف إليه، أو يكون المضاف كجزء من المضاف إليه،
كقوله تعالى: ﴿أَنِ أَتَّبِعْ مِلَّةً إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾(٢) لكن يجوز هنا أن يكون
الحال منصوبًا من (جيفة) لا من (حمار)، وذكر (شائلًا) باعتبار الجيفة
لا باعتبار (حمار)؛ لأن الجيفة هي جيفة الحمار (رجله)(٣) منصوب
باسم الفاعل الذي هو (شائلًا)؛ لأنه يعمل عمل الفعل، والتقدير:
الحمار الذي شال رجله. ورواية ابن حبان: مر بجيفة حمار شائل
برجله (٤) (فقال: أين فلان وفلان؟) فيه أن الإنسان إذا احتاج إلى ذكر
أحد لبيان حكم أو أمر يحتاج إليه، وكان في التصريح باسمه تنقيص
له أن يكني عنه إذا ذكره ولا يصرح باسمه، فإن المقصود يحصل مع
عدم التصريح، فيقال مثلًا: صلى رجل اليوم، ووقع في صلاته خلل
من جهة كذا وكذا، وهو مبطل للصلاة.
(قالا: نحن ذانٍ يا رسول الله) فيه بيان الأدب في مخاطبة الأكابر من
العلماء والصالحين، بأن يتبع الجواب بما فيه تعظيم كقوله في الجواب
إذا دعاه: نعم أو لبيك يا سيدي الشيخ، ونحو ذلك.
(١) فصلت: ١٠.
(٢) النحل: ١٢٣.
(٣) قبلها في (ل): برجله. وفوقها: (خـ).
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ٢٤٥/١٠.

٣٩٦
(فقال: أنزلا، فكلا من جيفة هذا الحمار) هو كقوله تعالى: ﴿أَيُحِتُّ
أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ (١) لكن لما كانت غيبة الميت المرجوم
أقبح من غيبة الحي؛ لأنهم أفضوا إلى ما قدموا، وكان الميت قد صار
جيفة بموته شبه غيبته بأكل جيفة حمار ميت، ولما كانت غيبة أخيه الحي
دون ذلك شبهها بأكل لحم أخيه الميت من غير ذكر الجيفة.
(فقالا: يا نبي الله من يأكل من هذا؟) ورواية الحافظ أبي يعلى:
قالا: غفر الله لك يا رسول الله، وهل يؤكل هذا؟!(٢).
(قال: فما نلتما من عرض أخيكما آنفًا) بالمد والقصر لغتان قرئ بهما
في السبع(٣)، أي: قريبًا (أشد) بالرفع خبر المبتدأ الذي هو (ما)، أي:
أشد عند الله إثمًا (من أكل) بإسكان الكاف جار ومجرور، ورواية أبي
يعلى: ((أشد أكلًا))(٤) (منه)، ورواية ابن حبان: ((أشد من أكل هذِه
الجيفة))(٥) وفي هذا الحديث والآية الزجر الأكيد، وأن تحريم غيبة
الميت أشد من تحريم أكل جيفة الحمار، وفي هذا التنفير عنها،
والتحذير منها كما قال القليفي: ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع
فيه))(٦). وفي الباب أحاديث كثيرة ليس هذا موضعها.
(١) الحجرات: ١٢.
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ١٠/ ٥٢٤.
(٣) قرأها بقصر الهمزة ابن كثير وحده في رواية مضر عن البزي، وقرأ قنبل عن ابن كثير
بالمد كالجماعة. انظر: ((السبعة)) لابن مجاهد ص ٦٠.
(٤) ((مسند أبي يعلى)) ١٠/ ٥٢٤.
(٥) (صحيح ابن حبان)) ١٠/ ٢٤٥.
(٦) رواه البخاري (٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢) من حديث ابن عباس.

٣٩٧
= كتاب الحدود
(والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة يَتَقَمَّس) يتقمس بفتح التاء
الفوقانية والقاف والميم المشددة أي: يغوص فيها وينغمس، والقاموس:
معظم الماء، وقاموس(١) البحر: معظمه (فيها) فجزاه الله تعالى على
إرادته التطهير من ذنبه بالانغماس في أنهار الجنة اللاتي يتطهر بمثلهن
في الدنيا من الحدث والخبث، وليذهب عنه ببرودة انغماسه في الماء
زوال ما حصل له من حرارة الضرب بالحجارة وخروجه روحه.
[٤٤٣٠] (ثنا محمد بن المتوكل) بن عبد الرحمن (العسقلاني) مولى
بني هاشم. قال ابن معين: ثقة (٢).
(والحسن بن علي قالا: ثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن
الزهري، عن أبي سلمة) قيل: أسمه: عبد الله بن عبد الرحمن (عن
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رجلاً من أسلم جاء إلى النبي وَل
فاعترف بالزنا، فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع شهادات) (أربعَ)
منصوب على المصدر؛ لأن المصدر أضيف إليه (فقال له النبي مَّ:
أبك جنون؟ قال: لا) سأله ليستثبت أمره.
(قال: أُحصنت؟) بضم الهمزة، وكسر الصاد على الأشهر، وهي
قراءة الجمهور في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾(٣) (قال: نعم) سأله عن
الإحصان؛ لأن الله فرق في حكمه بين المحصن وغيره، فاحتيج إلى
(١) في (ل): قابوس.
(٢) ((سؤالات ابن الجنيد)) لابن معين (٥٥٤).
(٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر مضمومة الألف، وقرأ الكسائي وحمزة
بفتح الهمزة، واختلف فيها على عاصم. انظر: ((السبعة)) لابن مجاهد ص٣٣١.

٣٩٨
السؤال، وكما يجب عليه إذا أشكل احتلام المقر أن يسأله عن ذلك، كما
أن من أقر بمبهم يستفهم؛ ليبين قدره، وللمقر أن يبين ما أقر به بأقل
أحواله ويقبل منه، فإذا أقر بمال قبل تفسيره بأقل متمول كفلس
ونحوه، وكذا لو أقر بالزنا وفسره بما يطلق عليه الاسم من قبلة،
ولمس بشهوة، وغمز بعين ونحو ذلك كما تقدم.
(فأمر به النبي ◌َّ- فرجم في المصلى) وفي رواية: بالمصلى(١)، أي:
مصلى الجنائز.
قال البخاري وغيره من العلماء: فيه دليل على أن مصلى الجنائز
والأعياد إذا لم يكن وقف مسجد ألا يثبت له حكم المسجد إذ لو كان
له حكم المسجد لجنب من الرجم فيه، وتلطخة بالدماء، والميتة. وفي
رواية أخرى: فخرجنا به إلى بقيع الغرقد(٢). وهو بالمدينة. وهذا يدل
على أن قصة ماعز كانت في الإقامة، والغرقد شجر من شجر البادية
كان في ذلك الموضع فنسب إليه وأزيلت تلك الشجرة، واتخذ موضعه
مقبرة، وذكر الدارمي من أصحابنا أن المصلى الذي للعيد ونحوه إذا
لم يكن مسجدًا هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان: أصحهما :
لیس له حکم المسجد.
(فلما أذلقته) بالذال المعجمة والقاف (الحجارة) أي: أصابته
بحدها، وذلق كل شيء حَدُّه، ومنه: لسان ذليق (فرَّ) بتشديد الراء،
أي: هرب من ألم الضرب (فأدرك) بضم الهمزة، وكسر الراء (فرجم
حتى مات، فقال له النبي وَّ خيرًا) أي: قال قولًا خيرًا، وفي رواية
(١) رواها البخاري (٦٨٢٠).
(٢) رواه مسلم (١٦٩٤).

٣٩٩
كتاب الحدود
-
للبزار وغيره: فقال أصحاب النبي وَله: إلى النار. وقال ◌َله: ((كلا، إنه
قد تاب توبة [لو تابها](١) أمة من الأمم لقبل منهم)) (٢) (ولم يصل عليه)
استدل به على أن المحدود لا يصلي عليه الإمام كما تقدم (٣).
[٤٤٣١] (ثنا أبو كامل قال: ثنا يزيد بن زريع (٤)) أبو معاوية الحافظ،
قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة(٥). (وثنا أحمد بن منيع، عن
يحيى بن زكريا) بن أبي زائدة الوادعي الحافظ(٦) (وهذا لفظه عن داود)
ابن أبي هند البصري أحد الأعلام (عن أبي نضرة) بالنون والضاد
المعجمة المنذر بن مالك العبدي، ثقة من جلة التابعين(٧) (عن أبي
سعيد نظُه قال: لما أمر النبي وّل برجم ماعز بن مالك) الأسلمي
(خرجنا به إلى البقيع) بفتح الباء الموحدة، وهو بقيع الغرقد كما تقدم
قريبًا، قال: (فوالله ما أوثقناه) بالرباط الوثيق (ولا حفرنا له) استدل به
على أن الرجل لا يحفر له، قال الوزير ابن هبيرة: اتفقوا على أن
الرجل المرجوم لا يحفر له (٨).
قال القرطبي: المواضع الثلاثة التي اضطرب فيها في حديث ماعز
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٢) ((البحر الزخار)) ١٩٦/١٠.
(٣) سبقت هذه المسألة مرارًا، وخلاصتها: أنه يصلي عليه عند الأحناف والشافعية
والمشهور عن أحمد، ومنع المالكية صلاة الإمام عليه. والله أعلم.
(٤) فوقها في (ل): (ع).
(٥) أنظر: ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٦) انظر: ((ميزان الاعتدال)) ٣٧٤/٤ (٩٥٠٥).
(٧) انظر: ((ميزان الاعتدال)) ١٨١/٤ (٨٧٦٢)، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٢٩/٤.
(٨) ((الإفصاح)) ٢٦٩/٢.

٤٠٠
في الحفر له، ففي بعضها أنه حفر له، وفي بعضها أنه لم يحفر له، وفي
بعضها أنه هو الذي بدأ النبي ◌ّر بالسؤال، وفي بعضها أن النبي
صَلىالله
وسلم
ابتدأه فقال: ((ما حديث بلغني عنك))(١) وفي بعضها أنه لنَّ صلى
عليه، وفي بعضها أنه لم يصل عليه، وكذلك في الاستغفار له، ثم
قال: وكلها في الصحيح(٢). والله أعلم بالسقيم من الصحيح قال
القمولي: وإذا تعارضت الروايتان تسقطان، ويرجع إلى غيرهما. قال
الماوردي في ((الأحكام السلطانية)): إن رجم بالبيِّنة. حفر له حفرة إلى
وسطه لمنعه من الهرب، وإن رجم بالإقرار لم يحفر له(٣). والمشهور
عند الشافعي: لا يحفر للرجل عند رجمه سواء ثبت زناه بالبينة أو
بالإقرار (٤).
قال البلقيني في ((التصحيح)): وفي (صحيح مسلم)) من حديث بريدة:
فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم(٥). قال: ويمكن الجمع
بين الروايتين أنه حفر له حفرة صغيرة فلما رجم خرج منها هاربًا؛ لأنها لم
تكن عميقة، ولا تكون إحدى الروايتين معارضة للأخرى.
(ولكنه قام لنا) باختياره لنضربه الحد (قال أبو كامل: قال: فرميناه
(١) رواها مسلم (١٦٩٣) بلفظ: ((أحق ما بلغني عنك؟)) وهي في حديث (٤٤٢٥) من
«السنن)).
(٢) «المفهم)) ١٠٢/٥.
(٣) ((الأحكام السلطانية)) (ص٣٢٩).
(٤) أنظر: ((المهذب)) ٢٧١/٢، ((البيان)) ٣٩١/١٢، ((الشرح الكبير)) ١٥٧/١١،
((الروضة)) ١٠/ ٩٩.
(٥) ((صحيح مسلم)) (١٦٩٥/ ٢٣).