Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
- كتاب اللباس
تَسْبِيحٌ وَتَكْبِيرٌ حَتَّى يَأْتِي أَهْلَهُ، فَمَرَّ بِنا وَنَحْنُ عِنْدَ أَبِي الدَّزداءِ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداءِ:
كَلِمَةً تَنْفَعُنا وَلا تَضُرُّكَ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ سَرِيَّةً فَقَدِمَتْ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ
فَجَلَسَ في المجْلِسِ الذي يَجْلِسُ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَلِّ فَقَالَ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ لَوْ رَأَيْتَنا
حِينَ التَقَيْنا نَحْنُ والعَدُوُّ فَحَمَلَ فُلانٌ فَطَعَنَ فَقالَ: خُذْها مِنّي وَأَنَا الغُلامُ الغِفاري
كَيْفَ تَرى في قَوْلِهِ قالَ: ما أُرَاهُ إِلاَّ قَدْ بَطَلَ أَجْرُهُ فَسَمِعَ بِذَلِكَ آخَرُ فَقالَ: ما أَرِىُ
بِذَلِكَ بَأْسًا فَتَنَازَعا حَتَّى سَمِعَ رَسُولُ اللهِ وَّه فَقَالَ: (( سُبْحَانَ اللهِ لا بَأْسَ أَنْ
يُؤْجَرَ وَيُحْمَدَ )). فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْداءِ سُرَّ بِذَلِكَ وَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ أَنْتَ
سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ. فَما زالَ يُعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إِّي لأَقُولُ
لَیَبْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
قالَ: فَمَرَّ بِنا يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنا وَلا تَضُرُّكَ قالَ: قَالَ
لَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((المُنْفِقُ عَلَى الخَيْلِ كالباسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لا يَقْبِضُها)).
ثُمَّ مَرَّ بِنا يَوْمًا آخَرَ فَقالَ لَهُ أَبُو الدَّرداءِ: کَلِمَةً تَنْفَعُنا وَلا تَضُرُّكَ. قالَ: قَالَ لَنا
رَسُولُ اللهِ وَّةَ: ((نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمُ الأَسَدِي لَوْلا ◌ُولُ جُمَّتِهِ وَإِسْبالُ إِزارِهِ)).
فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا فَعَجِلَ فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا ثُمّتَهُ إِلَىْ أَذْنَيْهِ، وَرَفَعَ إِزارَهُ إِلَىْ
أَنْصافٍ ساقَيْهِ. ثُمَّ مَرَّ بِنا يَوْمًا آخَرَ فَقالَ لَهُ أَبُوِ الدَّزْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنا وَلا تَضُرُّكَ فَقالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ قادِمُونَ عَلَى إِخْوانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِ حَالَكُمْ
وَأَصْلِحُوا لِياسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شامَةٌ فِي النّاسِ فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ
الفُحْشَ وَلا النَّفَخُّشَ)).
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْم: عَنْ هِشام قالَ: حَتَّى تَكُونُوا كالشّامَةِ فِي
(١)
النّاسِ(١).
(١) رواه أحمد ١٧٩/٤.
وضعفه الألباني.

٣٢٢
باب ما جاء في إسبال الإزار
[٤٠٨٤] (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن أبي غفار)
بكسر الغين المعجمة المثنى بن سعيد الطائي البصري، أخرج له البخاري
في الأدب (ثنا أبو تميمة) طريف بن مجالد (الهجيمي) أخرج له البخاري،
وقد تقدم (عن أبي جري) بضم الجيم، وفتح الراء (جابر بن سليم)
مصغر، التميمي الهجيمي.
(قال: رأيت رجلاً يصدر) بضم الدال (الناس عن رأيه) أي: يرجعون
إلى ما يظهر من صدره من الرأي الذي یرشدهم إليه (فلا یقول) لهم (شيئًا
إلا صدروا) جمیعهم (عنه) بعد استماع رأیه کما يصدر عن الورد بعد الري
من شرب مائه، وكان للنبي وَل و [ركوة](١) تسمى الصادر(٢)، سميت به
لأنه يصدر عنها بالري.
(قلت لهم: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله وَ (*) فدنوت منه وقلت له
(عليك السلام يا رسول الله. مرتين) وذكره الترمذي أنه سلم ثلاثًا، ولفظه:
طلبت النبي وَّةٍ فلم أقدر عليه، فجلست، فإذا نفر هو فيهم ولا أعرفه،
وهو يصلح بينهم، فلما فرغ قام معه بعضهم، فقالوا: يا رسول الله. فلما
رأيت ذلك قلت: عليك السلام يا رسول الله، عليك السلام يا رسول الله.
(١) الزيادة من ((المجروحين) لابن حبان ١٠٨/٢.
(٢) رواه الطبراني ١١١/١١ (١١٢٠٨) من حديث ابن عباس مرفوعًا. ذكره الهيثمي في
((المجمع)) ٢٧٢/٥ وقال: رواه الطبراني، وفيه علي بن عروة، وهو متروك. وقال
الألباني في ((الضعيفة)) (٤٢٢٥): موضوع.

٣٢٣
= كتاب اللباس
عليك السلام يا رسول الله(١).
(قال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت) يعني :
أنه الأكثر في عادة الشعراء في السلام على الميت، كما قال:
عليك(٢) سلام الله قيس بن عاصم
ورحمته ما شاء أن يترحما(٣)
لا أن ذلك هو المشروع في السلام على الموتى؛ لأنه العليها قد سلم
على الموتى كما سلم على الأحياء، قال: ((السلام عليكم دار قوم
مؤمنين)) (٤) ويتأكد تقديم لفظ السلام على القول بأن السلام اسم من
أسماء الله تعالى، فإن أسماء الله تعالى أحق بالتقديم. وقيل: إنما فعل
ذلك؛ لأن المسلم على القوم يتوقع الجواب أن يقال له: عليك
السلام. فلما كان الميت لا يتوقع منه جواب جعلوا السلام عليه
كالجواب، وقيل: أراد بالموتى كفار الجاهلية، وهذا في الدعاء
بالخير والمدح. وأما الشر والذم فيقدم الضمير كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
عَلَيْكَ لَغْنَتِىّ﴾(٥)، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَآبِرَةُ السَّوْءِ﴾ (٦).
(قل: السلام عليك) فيه جواز السلام عليك بالإفراد، والسلام
(١) ((سنن الترمذي)) (٢٧٢١).
(٢) في الأصول: عليكم. وما أثبتناه أليق لاستقامة الاستشهاد به، وهو ما وجدناه في
كتب الأدب. انظر: ((الشعر والشعراء)) ص ٤٨٧.
(٣) البيت لعبدة بن الطيب، بحر الطويل، أنظر: ((الشعر والشعراء)) (ص ٤٨٧).
(٤) رواه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة.
(٥) ص: ٧٨.
(٦) التوبة: ٩٨، الفتح: ٦.

٣٢٤
علیکم، وإن كان المسلم عليه واحدًا.
(قال: قلت: أنت) حذفت همزة الاستفهام (رسول الله وَل﴿؟ قال: أنا
رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته) بتضرع وافتقار (كشفه) أي: دفع
البلاء (عنك) بعد نزوله.
وفيه: دليل على أن من مظان أوقات الإجابة حالة الاضطرار كما
قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾(١)، وروى الترمذي عن
أبي هريرة: قال رسول الله وَل: (( من سره أن يستجيب الله له عند
الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء))(٢).
(وإن أصابك عام سنة) بالإضافة. وفي بعض النسخ: سنة. بتنوين
(عام) ورفع (سنة) على الصفة، والأول أصوب، أي: عام شدة ومجاعة.
قال المنذري: السنة هي العام القحط الذي لم تنبت الأرض فيه
شيئًا، سواء نزل عليها غيث أو لم ينزل(٣).
(فدعوته أنبتها لك) أي: أنبت لك ما زرعته وأنماه بفضله وإنعامه،
(وإذا كنت بأرضٍ) بالتنوين (قفر) وهي الأرض الخالية من الأنيس التي لا
ماء بها ولا ناس، وجمع القفر قفار.
(أو) أرض (فلاة) وهي الأرض التي لا ماء فيها، جمعها: فلًا. مثل
حصاة جمعها حصا.
(١) النمل: ٦٢.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٣٣٨٢) وقال: هذا حديث غريب. وحسنه الألباني في ((صحيح
الترغيب والترهيب)) ٢٧٦/٢ (١٦٢٨)، قال: حسن لغيره.
(٣) (الترغيب والترهيب)) ١٦/١-١٧.

٣٢٥
- كتاب اللباس
(فضلت راحلتك) في تلك الأرض (فدعوته ردّها عليك) قال
العلماء: لاستجابة الدعاء شروط لا بد منها، فمنها: أن يكون الداعي
عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلا الله تعالى وحده، وأن الوسائط في
قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو باضطرار وافتقار، فإن الله لا يقبل
الدعاء من قلب غافل.
(قلت) يا رسول الله (اعهد إلي) أي: أوصني، ومنه حديث علي:
عهد إليَّ النبي الأمي(١). أي: أوصى إليَّ.
(قال: لا تسبنَّ أحدًا) والسب: الشتم. وللإمام أحمد والطبراني
بإسناد جيد: قال أعرابي: يا رسول الله، أوصني. قال: ((عليك بتقوى
الله، ولا تسبنَّ شيئًا))(٢).
ولأحمد وأبي داود الطيالسي عن عياض بن حمار: قلت: يا رسول
الله، الرجل من قومي يسبني وهو دوني، هل عليَّ بأس أن أنتصر منه؟
قال: ((المستبان(٣) شيطانان يتكاذبان ويتهاتران))(٤).
(١) رواه مسلم (٧٨).
(٢) (مسند أحمد)) ٦٥/٤، ٣٧٧/٥ - ٣٧٨ دون لفظ: ((عليك بتقوى الله))، ((المعجم
الكبير)» ٦٤/٧ (٦٣٨٥)، ٦٥/٧ - ٦٦ (٦٣٨٦)، (٦٣٨٨) بلفظ: ((لا تسبن أحدًا))
دون لفظ: ((عليك بتقوى الله)).
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٧٢/٨، وقال: رواه أحمد، وفيه الحكم بن فضیل،
وثقه أبو داود وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وبتمام
هذا اللفظ رواه الخرائطي في ((مساوئ الأخلاق)) (٢٦).
(٣) في (ل): المتسابان.
(٤) ((مسند أبي داود الطيالسي)) ٤٠٧/٢ (١١٧٦)، ((مسند أحمد)) ١٦٢/٤. ذكره
الهيثمي في ((المجمع)) ٧٥/٨ وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير))

٣٢٦
وفيه تحريم السب، ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلا بمثل ما سبه ما
لم يكن كذبًا أو قذفًا، وإذا أنتصر المسبوب استوفى ظلامته، وبرئ الأول
من حقه، وبقي عليه حق الابتداء.
(قال) جابر (فما سببت بعده) شخصًا (حرًّا، ولا عبدًا، ولا بعيرًا، ولا
شاةً) ولا هرةً، ولا كلبًا، ولا برغوثًا، ولا شيئًا من الأشياء.
ثم(١) (قال) رسول الله وَالله (ولا تحقِرن) بكسر القاف، يعني: لا تترك
(شيئًا من) أفعال (المعروف) احتقارًا له، واستهانة لقدره، فكل معروف
وإن قل نفعه فهو صدقة ينمو أجره إلى يوم القيامة.
(و) لا تحتقر (أَنْ) بفتح الهمزة (تُكلِّم) بضم التاء، وكسر اللام
المشددة (أخاك) المؤمن (وأنت منبسط إليه وجهُك) بالرفع لأنه لا
يتعدى(٢)، والمراد أن تكلمه وفي وجهك البشر له وعدم الاحتشام،
كأنك مستبشر بحديثه؛ لأن الإنسان إذا سر انبسط وجهه (إن ذلك من)
فعل (المعروف) الذي أمر الله تعالى به وحث عليه (وارفع إزارك)
والثوب وما في معناه (إلى نصف الساق فإن أبيت) أن ترفعه إلى نصف
الساق وتركت طاعة الله التي تستوجب بها أرتفاع المنزلة في الجنة
(فإلى) أي: فارفعه إلى (الكعبين) لأن من ترك التسبب إلى شيء لا
يوجد بغيره فقد أباه، فلا جناح في إيصال الثوب إلى ما بين نصف
و((الأوسط))، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب
والترهيب)) ٥٧/٣ (٢٧٨١).
(١) ساقطة من (ح).
(٢) ساقطة من (ل، م).

٣٢٧
= كتاب اللباس
الساق وبين الكعبين؛ لحديث: ((إزرة المؤمن إلى نصف الساق))(١).
(وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ) بالنصب على التحذير (الإزار) وهو تطويله نازلا عن
الكعبين ونازلا عنهما إلى الأرض إذا مشى، وإنما يفعل هذا في الغالب
كبرا واختيالا (فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةِ) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة من
الاختيال، وهو الكبر واستحقار الناس والعجب عليهم، وسميت
الخيل خيلا لاختيال راكبها بها.
(وَإِنَّ اللّه لاَ يُحِبُّ) أي: لا يرضى عن ذي (الْمَخِيلَةَ) ولا يظهر عليه
آثار نعمته في الآخرة، وفي هذا ضرب من التوعد على الاختيال، وهو
الكبر ومن في قلبه مثقال ذرة منه.
(وإن) وجد (امرؤ شتمك) فلا تشتمه (أو عيرك (٢) بما يعلم فيك) من
الذنب أو الأفعال القبيحة (فَلاَ تُعيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ).
وقد روى الإمام أحمد (٣) عن معاذ بن جبل قال رسول الله وَطير: (( من
عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله)) (٤) يقال: عيرته بفعل كذا: إذا قبحته
(١) سيأتي قريبًا برقم (٤٠٩٣)، ورواه أيضًا ابن ماجه (٣٥٧٣)، وأحمد ٣٠/٣-٣١،
ومالك ٩١٤/٢ - ٩١٥ كلهم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، واللفظ
لأحمد. وله شواهد من حديث أبي هريرة وابن عمر وأنس. وصححه الألباني في
((صحيح الجامع)) (٩٢١).
(٢) في حاشية (ح) وصلب (ل، م): نسخة: وعيرك.
(٣) يقصد أحمد بن منيع.
(٤) رواه الترمذي (٢٥٠٥) وقال: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل،
وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (١٧٨):
موضوع.

٣٢٨
عليه ونسبته إليه (فَإِنَّمَا وَبَالُ) بفتح الواو (ذَلِكَ عَلَيْهِ) وأصل الوبال من وبل
المرتع بضم الموحدة وبالا إذا وخم، ولما كان عاقبة المرعى الوخيم إلى
سوء، قيل في سوء العاقبة: وبال. والمراد به في الحديث العذاب في
الآخرة، وقد يعجل بعضه في الدنيا.
[٤٠٨٥] (حَدَّثَنَا) عبد الله (التُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسى (١) بْنُ
عُقْبَةَ) بن أبي عياش الأسدي (عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) بضم الخاء
على المشهور، والثوب يعم الإزار والرداء والقميص والعمامة والطيلسان
(لَمْ يَنْظُرِ الله تعالى إِلَيْهِ) نظر رحمة ورضا (يَوْمَ القِيَامَةِ) إذا لم يتب منه
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) يا رسول الله (إِنَّ أَحَدَ جَانِبَيْ) لفظ البخاري: إن أحد
شقي (٢) (إِزَاري يَسْتَرْخِي(٣)) وسبب استرخائه ما ذكره ابن قتيبة في
كتاب ((المعارف(٤)): كان أبو بكر رُّله نحيفا فلا يستمسك إزاره
عليه؛ بل يسترخي عن حقويه(٥). إذ الغالب أن النحيف لا يستمسك
إزاره عليه و([إنِّي](٦) لأَتَعَاهَدُ ذَلِكَ مِنْهُ) لفظ البخاري: يسترخي إلا أن
أتعاهد ذلك منه(٧).
(١) فوقها في (ح، ل): (ع).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٣٦٦٥)، (٥٧٨٤).
(٣) في (م): ليسترخي. وفي حاشية (ح) وصلب (ل): نسخة: ليسترخي.
(٤) في الأصول: المغازي. وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
(٥) ص ١٧٠ وعزا هذا القول لعائشة رضي الله عنها وهي تصف أباها.
(٦) ساقطة من جميع النسخ، والمثبت من ((السنن)).
(٧) «صحيح البخاري)) (٣٦٦٥)، (٥٧٨٤).

٣٢٩
= كتاب اللباس
(فقال: لَسْتَ) أنت (مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاَءَ) فيه فضيلة أبي بكر تَد ◌ُه. قال
العلماء: المستحب في الإزار والثوب إلى نصف الساقين، والجائز بلا
كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان
للخيلاء فهو ممنوع منع (١) تحريم، وإلا فمنع تنزيه(٢).
[٤٠٨٦] (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (حَدَّثَنَا أَبَانُ) [بن
تغلب، بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام، أو أبان](٣) بن
يزيد البصري (حدثنَا يَحْيَى (٤)) بن أبي كثير اليمامي (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ)
الأنصاري المدني المؤذن، قال الترمذي: لا يعرف اسمه(٥). وقيل:
اسمه: محمد بن علي بن الحسين. فإن صح ذلك فليس بأنصاري،
أخرج له البخاري في ((الأدب)).
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَُّهَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ) بالرفع
(يُصَلِّى مُسْبِلاً) منصوب على الحال (إِزَارَهُ) الى ما تحت الكعبين (فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: أَذْهَبْ فَتَوَضَّأُ. فَذَهَبَ) في الحال (فَتَوَضَّأ) وضوءه
للصلاة، فإن الألفاظ الشرعية إذا أطلقت إنما تحمل على ما عرف في
(١) ساقطة من (ل، م).
(٢) أنظر: ((النتف في الفتاوى)) ١/ ٢٥٠، ((الفتاوى الهندية)) ٣٣٣/٥، ((الاستذكار))
١٨٦/٢٦، ((المنتقى)) ٢٢٦/٧، ((عقد الجواهر الثمينة)) ٥٢٢/٣، ((المجموع)) ٤/
٣٣٨، ((روضة الطالبين)) ٥٧٥/١، ((المغني)) ٢٩٨/٢، ((كشاف القناع)) ٢٧٧/١،
((الجامع لعلوم الإمام أحمد)» ٣١٥/١٣ - ٣١٦.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (ل، م).
(٤) فوقها في (ح، ل): (ع).
(٥) انظر: ((تهذيب الكمال)» ١٩١/٣٣ (٧٢٨٣).

٣٣٠
الشرع دون اللغة (ثُمَّ جَاءَ) إلى النبي ◌ََّ (ثُمَّ قَالَ: أَذْهَبْ فَتَوَضَّأ) ثانيا
(فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) عنده (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأ) وهو قد
دخل في الصلاة متوضئًا (ثُمَّ سَكَثَّ) بتشديد التاء، اجتمعت التاء التي
هي لام الكلمة مع تاء المخاطب فأدغمتا بالتشديد أي: سكت عن
الأمر بإعادة الصلاة.
(قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ) أي: يطول ثوبه ويرسله إذا
مشى حتى يصل إلى الأرض، وإنما كان يفعل ذلك تكبرًا واختيالاً،
فيحتمل -والله أعلم- أنه أمره بإعادة الوضوء دون الصلاة؛ لأن
الوضوء مكفر للذنوب كما ورد في أحاديث كثيرة منها رواية أبي يعلى
والبزار [عن أنس](١)، عن النبي وَّر قال: (( طهور الرجل لصلاته يكفر
الله بطهوره ذنوبه، وصلاته له نافلة))(٢).
وروى البزار بإسناد حسن عن عثمان: سمعت رسول الله صل يقول:
(( لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر))(٣).
(١) ساقطة من (ل)، (م).
(٢) رواه البزار كما فى ((كشف الأستار)) ١٣٣/١ - ١٣٤ (٢٥٣)، وأبو يعلى ٦/ ٥٢
(٣٢٩٧). ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٢٥/١ وقال: رواه أبو يعلى والبزار
والطبراني في «الأوسط))، وفيه بشار بن الحكم، ضعفه أبو زرعة وابن حبان، وقال
ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وضعفه الألباني في ((تمام المنة)) ص ٨٧: هذا
حدیث منکر.
(٣) ((مسند البزار)) ٧٥/٢ - ٧٦ (٤٢٢): ذكره الهثمي في ((المجمع)) ٢٣٦/١ - ٢٣٧
وقال: رواه البزار، ورجاله موثقون، والحديث حسن إن شاء الله. وضعفه الألباني
في ((الضعيفة)) (٥٠٣٦)، قال: منكر.

٣٣١
= كتاب اللباس
فلما كان إسبال الإزار فيه من الإثم العظيم ما فيه أمره بالوضوء ثانيا؛
ليكون تكفيرا لذنب إسبال الإزار وإثمه، ولم يأمره بإعادة الصلاة؛ لأنها
صحيحة، وإن لم تقبل.
ويحتمل أن يكون أمره بإعادة الوضوء؛ لأن الوضوء كان فيه نوع
أختيال بلبس كما في الصلاة أو بغيره، فإن الاختيال هو مذموم في
الصلاة وغيرها، ولعل هذا هو السر في ذكر المصنف هذا الحديث
بكماله في الصلاة، وترجم عليه باب: إذا كان ثوبا ضيقا فإن الضيق
لا إسبال فيه ولا خيلاء، إذ الخيلاء في طول الأكمام والأطراف
المرخية، ويحتمل أن يكون أمره بإعادة الوضوء لكونه علم بطلان
وضوئه من لمعة بقيت من أماكن الوضوء، فأمره بإعادته ولم يأمره
بإعادة الصلاة؛ لأنها كانت نفلا في أوقات الكراهة.
(وَإِنَّ اللَّه تعالى لاَ يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ) إزاره من الكبر والخيلاء،
ولا تكفر ذنوبه، ولا يطهر قلبه من الآثام، وإن صحت منه ظاهرا.
[٤٠٨٧] (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضي (ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيّ (١) بْنِ
مُذْرِكٍ) النخعي الكوفي.
(عَنْ أَبِي زُرْعَة(٢)) قيل: أسمه هرم، وهو الأشهر وقيل: عبد الله.
وقيل: عبد الرحمن (بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجلي الكوفي (عَنْ خَرَشَةَ)
بخاء معجمة ثم راء مفتوحتين (ابَنِ الحُرِّ) بضم الحاء وتشديد الراء
(١) فوقها في (ح، ل): (ع).
(٢) فوقها في (ح، ل): (ع).

٣٣٢
المهملتين، الفزاري، رباه عمر رظ له، قال المصنف: له ولأخته(١) سلامة
الله،
صحبة(٢) (عَنْ أَبِى ذَرِّ) جندب بن جنادة (
(عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ قَالَ: ثَلاثَةٌ لاَ يُكَلَّمُهُمُ الله) تكليم أهل الخير بإظهار
الرضا، بل بكلام أهل السخط والغضب.
(وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) نظر رحمة ولطف بهم؛ بل يعرض عنهم (يَوْمَ القِيَامَةِ
وَلاَ يُزَكِّيهِمْ) أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم. وقال الزجاج: لا يثني
(٣)
عليهم(٣).
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال الواحدي: هو العذاب الذي يصل إلى قلوبهم
وجعه (٤).
قال أبو ذر (قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَدْ خَابُوا) من الثواب
وافتقروا (وَخَسرُوا) أعمالهم (فأعادها ثَلاَثًا. قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله
[خَابُوا وَخَسرُوا؟](٥) قَالَ: المُسْبِلُ) أي: المرخي إزاره خيلاء (وَالْمَنَّنُ)
فعال من المن، وقد فسره في الحديث فقال: هو (( الذي لا يعطي شيئا
إلا مَنَّهُ)) (٦). أي: إلا أمتن به على المعطى له، ولا شك في أن
الأمتنان بالعطاء مبطل لأجر الصدقة؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَا
(١) في (ل، م): لأخيه. وهو خطأ، والصواب لأخته، أنظر: ((سؤالات الآجري لأبي
داود)» (٥٩٦)، و(تهذيب الكمال)) ٨/ ٢٣٧ (١٦٨٢).
(٢) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) (٥٩٦).
(٣) ((معاني القرآن وإعرابه)) ٢٤٥/١، ٤٣٤.
(٤) ((التفسير الوسيط)) ٨٨/١.
(٥) ساقطة من (ل، م).
(٦) الحديث التالي، ورواه أيضًا مسلم (١٠٦).

٣٣٣
- كتاب اللباس
تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾(١)؛ وإنما كان المن كذلك لأنه لا يكون
غالبا إلا عن البخل والكبر والعجب.
(وَالْمُنَفْقُ) بتشديد الفاء من النَّفاق وهو ضد الكساد (سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ
الكَاذِبِ) [وفي رواية لمسلم: (أَوٍ) ((بالحلف))(٢) (الْفَاجِرِ) وهو بمعنى
الكاذب](٣).
[٤٠٨٨] (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطان (عَنْ سُفْيَانَ)
ابن عيينة (عَنِ) سليمان (الأَعْمَشِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ) الكوفي، أخرج
له مسلم (عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ) تقدم (عَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َظُ، عن النَّبِيِّ وَِّ بهذا)
الحديث (وَالأَوَّلُ) الذي قبله (أَتَمُّ) من هذا (قَالَ: المَنَّانُ) هو (الَّذِي لاَ
يُعْطِي شَيْئًا إِلَّ مَنَّهُ) أي: منَّ به على من يعطيه، ويحمله ذلك على
النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه متفضل عليه، وله عليه به حق يجب
عليه مراعاته بقضاء حوائجه.
[٤٠٨٩] (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان البغدادي، شيخ مسلم
(حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَمْرِو) القيسي العقدي (ثنا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ)
القرشي، أخرج له مسلم (عَنْ قَيْسِ بنِ بِشْرِ التَّغْلِيّ) بالمثناة والغين
المعجمة، قال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسا(٤).
(١) البقرة: ٢٦٤.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٠٦).
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٤) ((الجرح والتعديل)) ٧/ ٩٤ (٥٣٧).

٣٣٤
(قال: أَخْبَرَنِى أَبِي) بشر بن قيس التغلبي القنسري [بفتح القاف](١)
وتشديد النون، صدوق (وَكَانَ جَلِيسًا لأَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر رَظُهُ (قَالَ:
كَانَ بِدِمَشْقَ) بكسر الدال وفتح الميم (رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ يُقَالُ
لَهُ) سهل بن الربيع بن عمرو بن عدي (ابْنُ الحَنْظَلِيَّةِ) وهي أمه، وقيل:
أم جده، وهي من بني حنظلة بن تميم، وسهل أوسي بايع تحت
الشجرة، [كان](٢) زاهدًا معتزلا عابدًا، نزل دمشق (وَكَانَ رَجُلاً
مُتَوَحِّدًا) أي: يحب الاعتزال عن الناس وحده و(قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ
إِنَّمَا هُوَ) أي: إنما شغله (صَلاَةٌ) تطوع بها لله وَق (فَإِذَا فَرَغَ) منها
(فَإِنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ) لله تعالى (وَتَكْبِيرٌ) وتهليل وتحميد لله تعالى (حَتَّى
يَأْتِيَ أَهْلَهُ) لقضاء حاجتهم.
(فمر بنا) يومًا (ونحن) جلوس (عند أبي الدرداء رضيُله فقال له أبو
الدرداء: كلمة) بالنصب بفعل محذوف. أي: قل لنا كلمة (تنفعنا)
ونعمل بها (ولا يضرك) شيء إذا قلتها (قال: بعث رسول الله اله
سرية) هي الطائفة من الجيش نحو الأربعمائة يبعثها الإمام إلى العدو،
جمعها سرايا، سميت بذلك؛ لأنها تكون خلاصة العسكر، وخلاصة
الشيء هو النفيس منه (فقدمت) من الغزو (فجاء رجل منهم) إلى
مسجد النبي ◌َّ (فجلس في المجلس(٣) الذي) كان (يجلس فيه رسول
الله ◌َة) فيه أن من ألف جلوسًا في مسجد أو رباط ونحوه لقراءة أو
(١) ساقطة من (م).
(٢) ليست في جميع النسخ، وأثبتناها ليستقيم السياق.
(٣) في (م): المسجد.

٣٣٥
- كتاب اللباس
حديث أو لاستفتاء ثم قام منه وفارقه لغير عذر بطل حقه منه وجاز لغيره
الجلوس فيه.
(فقال لرجل) جالس (إلى جنبه) من أصحاب النبي (وَل الذين
يحضرون مجلسه (لو رأيتنا) بفتح تاء الخطاب (حين التقينا نحن
والعدو) بالرفع (فحمل فلان) على شخص من العدو (فطعن) فيه
بالسلاح طعنة (فقال:) عند طعنته (خذها مني وأنا الغلام الغفاري) من
بني غفار.
وفيه دليل على جواز قول الإنسان في الحرب: أنا فلان بن فلان
وتعريفه بنسبه وشهرته التي هو مشهور بها إذا كان بطلًا شجاعًا؛
ليرهب عدوه، كقول سلمة بن الأكوع:
خذها وأنا ابن الأكوع
واليوم يوم الرضع(١)
قال ذلك حين صرخ فيهم وجعل يرميهم بالنبل، وكقول علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
أكيلهم بالسيف كيل السندره(٢)
(١) رواه البخاري (٣٠٤١)، (٤١٩٤)، ومسلم (١٨٠٦)، (١٨٠٧) من حديث سلمة،
واللفظ لمسلم.
(٢) رواه مسلم (١٨٠٧) واللفظ كالتالي:
أنا الذي بالصاع كيل السندره
كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
ورواه ابن المغازلي في ((مناقب علي)) (٢١٨) بلفظ:

٣٣٦
وقوله ◌َّة: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب))(١). (كيف
ترى في قوله) هذا وافتخاره (قال) الرجل (ما أراه) بضم الهمزة. أي:
ما أظنه (إلا قد بطل أجره) لأنه أظهر عمله وافتخر على القوم.
(فسمع بذلك) رجل (آخر) الى جنبه (فقال: ما أرى) بفتح الهمزة
(بذلك) القول (بأسّا) لأن فيه إرهابًا للعدو (فتنازعا) في ذلك (حتى
سمع رسول الله ◌َّة) تنازعهما في ذلك.
(فقال: سبحان الله) كلمة تقال عند التعجب من الشيء، وكذا لا إله
إلا الله، ونحوهما (لا بأس أن يؤجر) بالثواب في الدار الآخرة (ويحمد)
في دار الدنيا، وهذا حث وترغيب من الشارع في قول الإنسان في
الحرب: أنا فلان بن فلان. كما تقدم، وقد صرح بجوازه علماء
السلف ﴾(٢).
قال النووي: وفيه حديث صحيح -ولعله هذا الحديث- قالوا: وإنما
يكره قول ذلك على وجه المفاخرة والمباهاة كما كانت الجاهلية تفعل (٣).
(قال) بشر(٤) (فرأيت أبا الدرداء ظُبه) قد (سر بذلك) الذي سمعه
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
كليث غابات كريه المنظره
أكيلكم بالسيف كيل السندرة
(١) رواه البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦) من حديث البراء بن عازب الأنصاري.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٠١/٥، ((كشف المشكل)) لابن الجوزي ٢٤٤/٢، ((عمدة
القاري)) ١٤/ ٢٨٧.
(٣) ((شرح مسلم)) ١٢/ ١٢٠.
(٤) بعدها في (ح): الحنظلية.

٣٣٧
= كتاب اللباس
سرورًا كثيرًا (وجعل يرفع رأسه إليه) بعدما كان مطأطئًا رأسه (ويقول:
أنت) أصله: أأنت بهمزتين فحذفت همزة الاستفهام أو الثانية (سمعت
ذلك من رسول الله مَ﴿ فيقول) له (نعم) له.
(فما زال) أبو الدرداء (يعيد عليه) هذا القول (حتى إني) بكسر
الهمزة؛ لأن اللام دخلت في خبر إن (لأقول) إنه (ليبركن على
ركبتيه) مبالغة في التواضع له والخضوع كما برك عمر رضيه على
ركبتيه حين أكثر رسول الله وَ ر أن يقول: ((سلوني))(١). احتراصًا على
طلب رضاه.
(قال) بشر (فمر بنا) ابن الحنظلية (يومًا آخر) في حاجة له (فقال له أبو
الدرداء نظ ◌ُبه) قل لنا (كلمة) بالنصب (تنفعنا ولا تضرك) في دينك ودنياك.
(قال: قال لنا رسول الله وَله: المنفق على الخيل) في رعيها وسقيها
وعلفها وغير ذلك (كالباسط يده بالصدقة) دائمًا (لا يقبضها) لمنع الصدقة.
كذا رواه أحمد(٢)، ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) بلفظ: ((مثل المنفق
على الخيل كالمتكفف بالصدقة)) فقلت لعمر(٣): ما المتكفف
بالصدقة؟ قال: الذي يعطي بكفه (٤).
وزاد الطبراني في ((الأوسط)) بلفظ: (( وأهلها معانون عليها والمنفق
(١) رواه البخاري (٩٣)، ومسلم (٢٣٥٩) (١٣٦) من حديث أنس.
(٢) ٤ / ١٧٩ - ١٨٠.
(٣) كذا في الأصول: لعمر. وهو خطأ، والصواب: لمعمر. كما في ((صحيح ابن
حبان)».
(٤) ١٠/ ٥٣٠ (٤٦٧٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

٣٣٨
عليها كالباسط يده في الصدقة [وأبوالها](١) وأروائها لأهلها عند الله يوم
القيامة(٢) من مسك الجنة))(٣).
(ثم مر بنا يومًا آخر) ثالثًا (فقال له أبو الدرداء) رَض ◌ُله: قل (كلمة
تنفعنا) وتنفعك عند الله تعالى (ولا تضرك) وإنما قال له ذلك في هذِه
الثلاث ؛ لأنه كان متقللًا من الكلام مع الناس خوفًا من أن يقع منه
في كلامه ما يضره في دينه.
(قال: قال رسول الله وَلقال: نعم الرجل خريم) بضم الخاء المعجمة
وفتح الراء المهملة وسكون المثناة تحت، ابن فاتك بفاء، وبعد الألف
تاء - ثالث الحروف مكسورة- كذا ضبطه المنذري قال: وكنيته أبو
يحيى، وقيل: أبو أيمن (٤). وقال غيره: هو خريم بن أخرم بن شداد
بن عمرو بن الفاتك (الأسدي) وقيل: فاتك لقب لأبيه أخرم، شهد
بدرًا مع أخيه سبرة. وقيل: إن خريمًا وابنه أيمن أسلما يوم الفتح. وقد
صحح البخاري وغيره أن خريمًا وأخاه [شهدا](٥) بدرًا(٦)، ونزل
خريم بالرقة.
(لولا طول جمته) بضم الجيم وتشديد الميم، وهي الشعر إذا طال
(١) ساقطة من الأصول، وأثبتناها من ((المعجم الكبير)).
(٢) في النسخ الخطية: الجنة - والمثبت هو الأنسب للسياق.
(٣) ((المعجم الكبير)) ١٨٨/١٧ (٥٠٥) من حديث عريب مرفوعًا.
(٤) ((مختصر سنن أبي داود)) ٦/ ٥٣ من هامشه، حيث قال بعده المحقق: من هامش
المنذري.
(٥) ساقطة من النسخ الخطية، وأثبتناها لأن السياق يقتضيها.
(٦) ((التاريخ الكبير)) ٢٢٤/٣ (٧٥٧)، ((الجرح والتعديل)) ٣/ ٤٠٠ (١٨٣٧).

٣٣٩
- كتاب اللباس
حتى بلغ المنكبين وسقط عليهما، والوفرة الشعر إلى شحمة الأذن ثم
الجمة ثم اللمة التي ألمت بالمنكب (وإسبال إزاره) إلى الكعبين، فإن
إزرة المؤمن إلى نصف الساق (فبلغ ذلك) الحديث (خريمًا نَظُته
فعجل) بكسر الجيم المخففة، أي: سبق وبادر، قال الله تعالى:
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى﴾ (١) وهو من المسابقة إلى أفعال الخير خوفًا
من عائق (فأخذ شفرة) بفتح الشين المعجمة هي السكين، وقيل:
السكين العريضة.
(فقطع بها جمته) حتى بلغت (إلى أذنيه) وهي الوفرة كما تقدم (ورفع
إزاره) حتى بلغ (إلى أنصاف ساقيه) وقيل في قوله تعالى: ﴿وَثَابَكَ
فَطَهِّرْ﴾ (٢) أي: قصر وشمر؛ لأن تقصير الثياب إلى نصف الساقين
طهرة لها من الأنجاس والأوساخ (ثم مر بنا يومًا آخر) رابعًا (فقال له
أبو الدرداء) تكلم (كلمة) فهو منصوب على المصدر (تنفعنا ولا تضرك).
وفيه: الاحتراص على تحصيل العلم وسؤال العالم كلما يراه عما
ينتفع به فإن الاجتماع بأهل العلم والدين واستماع كلامهم غنيمة لمن
أمکنه انتهاز فرصتها.
(قال: سمعت رسول الله وَله يقول) حين رجع بهم من الغزو (إنكم)
في غد (قادمون على إخوانكم) من المؤمنين (فأصلحوا رحالكم) التي أنتم
راكبون عليها (وأصلحوا لباسكم) من إزار ورداء وعمامة، ونحو ذلك مما
في معناه من شعر ونعل.
وفيه أن للمرء أن يحسن ثوبه وبدنه لملاقاة إخوانه ورؤية أعينهم، فإن
(١) طه : ٨٤.
(٢) المدثر: ٤.

٣٤٠
رؤيتهم تمتد إلى الظواهر دون البواطن حذرًا من ذمهم ولومهم واسترواحًا
إلى توقيرهم واحترامهم، فإن ذلك مطلوب في الشريعة. وظاهر هذا
الحديث يدل على أن للإنسان أن يحترز من ألم المذمة ويطلب راحة
الإخوان واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه،
وهذا مراءاة في المباحات دون العبادات.
وقد روى ابن عدي في ((الكامل)) عن عائشة رضي الله عنها: أجتمع
قوم بباب رسول الله وَّر، فلما أراد أن يخرج إليهم جعل ينظر في جب
الماء يسوي عمامته وشعر لحيته فقالت: أوتفعل ذلك يا رسول الله؟
قال: ((نعم، إن الله يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم))
أو كما قال. قال ابن عدي: وهو حديث منكر، وقد قال على تقدير
الاحتجاج به: كان [من](١) رسول الله وَ ل﴾ هذا؛ لأنه كان مأمورًا بدعوة
الخلق وترغيبهم في الأتباع واستمالة قلوبهم، ولو سقط من أعينهم
فأزروا لبسته وهيئته لم يرغبوا في أتباعه ولا الإيمان به، فكان يجب
عليه أن يظهر لهم محاسن أعماله كيلا تزدريه أعينهم، فإن أعين الكفار
وعوام الناس تمتد إلى الظاهر، فكان ذلك قصد رسول الله اضطر، وفي
معناه علماء الأمة وأمراؤهم.
ويعضد ذلك كثرة الأحاديث الواردة بالتزين بأحسن الثياب في الجمع
والأعياد ومجامع المسلمين(٢)، وفي معناهم القادم من السفر لهذا
الحديث (حتى تكونوا) فيهم (كأنكم شأمة) بسكون الهمزة وتخفيف الميم.
(١) زيادة يقتضيها السياق، أنظر: ((إحياء علوم الدين)) ٣٧١/٣.
(٢) في (م): الناس.