Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
- كِتَابِ الجَنَائِزِ
عن القدوم عليه تحرزاً(١) من مواضع(٢) الضرر، ويكفي في الخروج
موعظةً قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُفُ
حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (٣)(٤)، والطاعون وزنه فاعول من الطعن، غير أنه لما
عدل عن أصله وضع دالًا على الموت العام بالوباء. قاله الجوهري(٥).
وقال غيره: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد.
والوباء: عموم الأمراض. وطاعون عمواس إنما كان طاعونًا
وقروحا(٦)، ويشهد لهذا قوله القَّه - لما سئل حين سئل عن
الطاعون- قال: ((غدة كغدة البعير تخرج في المرافق والآباط))(٧). قال
معاذ(٨) في طاعون الشام: إنه شهادةٌ ورحمةٌ لكم، ودعوةُ نبيكم (٩).
وفيه: التوكل والتسليم لأمر الله(١٠).
(١) في الأصل: سحرا والمثبت موافق لما في ((المفهم)).
(٢) في (ر): موانع.
(٣) البقرة: ٢٤٣.
(٤) انظر: ((المفهم)) ٦١٢/٥ - ٦١٣.
(٥) ((الصحاح)) ٢١٥٨/٦ بمعناه.
(٦) في الأصل قروعا والمثبت من ((المفهم)).
(٧) رواه أحمد ١٤٥/٦، وابن الأعرابي (٢٣٩١).
(٨) في الأصل حماد والمثبت من ((المفهم)).
(٩) رواه أحمد ٢٤٨/٥، والداني في ((الفتن)) ١٩٣/١ (٩).
(١٠) أنظر: ((المفهم)) للقرطبي ٦١١/٥ - ٦١٢.

٣٠٢
١١ - باب الدُّعاءِ لِلْمَرِيضِ بِالشِّفاءِ عِنْدَ العِيادَةِ
٣١٠٤ - حدثنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حدثنا مَكِّيُّ بْنُ إِنْراهِيمَ، حدثنا الْجُعَيْدُ، عَنْ
عائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ أَباها قال: اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ فَجاءَنِي النَّبِيُّ ◌َّهَ يَعُودُنِي وَوَضَعَ يَدَهُ
عَلَى جَيْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ أَشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ
هِجْرَتَهُ))(١).
٣١٠٥ - حدثنا ابن كَثِيرِ قالَ: حدثنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبي وائِلٍ، عَنْ أَبي
مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قال: قال رَسُولُ اللهِ وََّ: ((أَطْعِمُوا الجائِعَ وَعُودُوا المَرِيضَ
وَفُكُّوا العانيَ)) .. قالَ سُفْيانُ: والعانِي الأَسِيرُ(٢).
باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة
[٣١٠٤] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي الحافظ، ثقة
مات بطريق مكة، قال: (حدثنا مكي بن إبراهيم) البلخي الحافظ، حجّ
ستين حجة، وتزوج ستين أمرأة، وكتب عن سبعة عشر تابعيًّا، مات
ببلغ(٣). قال: (حدثنا الجُعَيد) - بضم الجيم وفتح العين المهملة- بن
عبد الرحمن بن أوس الكندي المدني، تابعي ثقة (عن عائشة بنت
سعد) بن أبي وقاص (أن أباها) سعدًا (قال: اشتكيتُ) أي: من عضوٍ
من أعضائي (بمكة، فجاءني رسول الله وَّر يعودني، ووضع يده على
(١) رواه البخاري (٥٦٥٩)، ومسلم (١٦٢٨).
(٢) رواه البخاري (٣٠٤٦).
(٣) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٤٨٠/٢٨.

٣٠٣
ـِ كِتَاب الجَنَائِزِ
جبهتي، ثم مسح(١) صدري وبطني) من تمام عيادة المريض أن يضع من
يعوده أو من يرجى بركته إن كانوا جماعة يده على ما يشتكي منه (ثم قال:
اللهم اشف) بفتح الهمزة (٢) (سعدًا، وأتمم له هجرته) أي: لا تنقصها
لإقامته في مكة شرفها الله تعالى.
(١) من المطبوع.
(٢) قوله: بفتح الهمزة. خطأ، ولعله بوصل الهمزة.

٣٠٤
١٢ - باب الدُّعاءِ لِلْمَرِيضِ عِنْدَ العِيادَةِ
٣١٠٦ - حدثنا الرَّبِيعُ بْنُ يَخْيَى، حدثنا شُعْبَةُ، حدثنا يَزِيدُ أَبُو خالِدٍ، عَنِ
الِنْهالِ بْنِ عَمْرِو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ: « مَنْ عادَ
مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقال عِنْدَهُ سَبْعَ مِرارٍ: أَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ
العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ؛ إِلَّ عافاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ))(١).
٣١٠٧ - حدثنا يَزِيدُ بْنُ خالِدِ الرَّمْلَّ، حدثنا ابن وَهْبٍ، عَنْ حُیَی بْنِ عَبْدِ اللهِ،
عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنِ ابن عَمْرٍو قال: قال النَّبِيُّ ◌ََّ: ((إِذا جاءَ الرَّجُلُ
يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوّا أَوْ يَمْشي لَكَ إِلَى
جَنازَةٍ )).
قالَ أَبُو داوُدَ: وقالَ ابن السَّرْحِ: ((إِلَى صَلاةٍ))(٢).
باب الدعاء للمريض عند العيادة
[٣١٠٦] (حدثنا الربيع بن يحيى) الأشناني، قال أبو حاتم: ثقة،
قال: (حدثنا شعبة قال: حدثنا يزيد أبو خالد) بن عبد الرحمن
الدالاني، وثقه أبو حاتم الرازي (عن المنهال بن عمرو) الأسدي الكوفي.
(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي وَّل قال: من عاد
(١) رواه الترمذي (٢٢١٥)، وأحمد ٢٣٩/١، والبخاري في ((الأدب)) (٥٣٦)، والبزار
(٥١٣٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٨٨٣).
صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٣٨٨).
(٢) رواه أحمد ١٧٢/٢، وعبد بن حميد (٣٤٤)، وابن حبان (٢٩٧٤)، والطبراني
٤٤/١٣ (١٠٧)، وابن السني (٥٤٧).
صححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٣٠٤).

٣٠٥
=ِ كِتَّابِ الجَنَائِزِ
مريضًا لم يحضر(١) أجلُه) زاد النسائي(٢): ((وَجَلَسَ عند رأسه)).
(فقال عنده سبع مرار: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك)
بفتح أوله شفاءً لا يغادر سقمًا (إلا عافاه الله) تعالى (من ذلك المرض)
الذي هو به، لكن لا يلزم أن يعافى في وقت الدعاء، بل يعافى فيه أو
بعده.
[٣١٠٧] (حدثنا يزيد بن خالد) بن يزيد بن عبد الله بن مَوهَب بفتح
الميم والهاء (الرملي) الزاهد الفقيه (قال: حدثنا) عبد الله (بن وهب، عن
حُبَيّ) بضم الحاء المهملة وفتح الياء الأولى (بن عبد الله) المعافري، قال
ابن معين: ليس به بأس (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن يزيد (الحُبْلي)
بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة(٣).
(عن) عبد الله (بن عمرو) بن العاصي به (قال: قال رسول الله وَله :
إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ) قال في
((النهاية)): قد يهمز لغة فيه (٤). هكذا وجدته مرسومًا بالألف بعد
الكاف، والذي ذكره في ((الصحاح)) و((ديوان الأدب)) وغيرهما: ينكِي
العدو بكسر الكاف وياء ساكنة بعدها، قال الجوهري: نكيت في
العدو نكايةً إذا قتلت فيهم وجرحت، وأنشد قول أبي النجم:
ينكي العدا ويكرم الضيفانا(٥)
(١) في (ل): يحضره.
(٢) أنظر: ((السنن الكبرى)» ٢٥٨/٦ (١٠٨٨٢).
(٣) قال الحافظ في ((التقريب)) (٣٧١٢): بضم المهملة والموحدة.
(٤) أنظر: ((النهاية)) لابن الأثير ٢٤٧/٥.
(٥) أنظر: ((الصحاح)) ٣٦٥/٦.

٣٠٦
وقال في باب الهمز: يعني في الآخر قولهم: هُنِّئْتَ ولا تُنكأُ أي:
هنَّأك الله بما نلت ولا أصابك بوجع(١)، فيحتمل أن يكون الحديث
من هذا.
(لك عدوًّا) فعلى هذا يكون المعنى: يجرح(٢) لأجلك الأعداء في
سبيلك (و(٣) يمشي لك) أي: لوجهك الكريم (إلى جنازة) ولا يمشي
رياء المخلوقين الأغنياء وأرباب الجاه دون الفقراء المحمولين،
والغرباء الذين لا يعرفهم، ولا يمشي مع الفقراء للسمعة ليقال: فلانٌ
كثير المشي في الجنائز.
(قال أبو داود: قال) أحمد بن عمرو (بن السرح) يمشي لك (إلى
صلاة) وكذا رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم(٤). ولم يذكر
الجنازة بل أقتصر على الصلاة.
(١) انظر: ((الصحاح)) ٧٨/١.
(٢) في (ر): يخرج.
(٣) في المطبوع: أو.
(٤) ((المستدرك)) ٤٩٥/١.

٣٠٧
=ِ كِتَاب الجَنَائِزِ
١٣ - باب في كَراهِيَةٍ تَمَنّي المَوْتِ
٣١٠٨ - حدثنا بِشْرُ بْنُ هِلالٍ، حدثنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَیْبٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَةَ: (( لا يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِالمَوْتِ لِضُرِّ
نَزَّلَ بِهِ ولكن لِيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لي وَتَوَقَّني إِذا كانَتِ
الوَفَاةُ خَيْرًا لي))(١).
٣١٠٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حدثنا أَبُو داوُدَ، حدثنا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مالِكِ أَنَّ النَّبيَّ ◌ََّ قالَ: ((لا يَتَمَنََّنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ)) .. فَذَكَرَ مِثْلَهُ(٢).
باب كراهية تمني الموت
[٣١٠٨] (حدثنا بِشْر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (ابن هلال)
الصواف(٣) شيخ مسلم، قال: (حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن
صُهيب، عن أنس بن مالك قال رسول الله وَل: لا يَدْعُوَنَّ) بتشديد
نون التوكيد (أَحَدُكُم بالموت) أي: على نفسه ولا على أهله وأولاده
ورقيقه (لضرِّ نزل به) من قبل أن يأتيه، وفي رواية في ((الصحيح)):
((لمرض أصابه)) (٤).
قال النووي : فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض
(١) رواه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠).
(٢) السابق.
. (٣) في الأصل: الصوان. والمثبت من ((تهذيب الكمال)) ٤/ ١٥٩ (٧١١).
(٤) لم أقف عليها بهذا اللفظ ولكن بلفظ: ((مِنْ ضُرِّ أَصَابَهُ)) رواه البخاري (٥٦٧١)
ومسلم (٢٦٨٠).

٣٠٨
أو فاقة أو محنة من عدوٍ ونحو ذلك من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررًا
في دينه أو فتنة فيه فلا يكره لمفهوم هذا (١) الحديث ونحوه، أنتهى(٢).
ويحمل ما روي عن عمر بن الخطاب وعلي وعمر بن عبد العزيز:
تمنوا الموت على أنهم خشوا الفتنة والعجز عن القيام بما تولوه رضي
الله تعالى عنهم، وأجاب الله دعاء عمر قبل أنسلاخ الشهر، وعليه
يحمل ما ورد أنه وَله قال: (( لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر
الرجل فيقول: يا ليتني مكانه))(٣)، أي: لفسادِ الدين (ولكن ليقل:
اللهم أحيني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي)
ورواية الإمام في ((الموطأ))(٤): ((وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك
غير مفتون)»(٥).
[٣١٠٩] (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو داود) سليمان بن داود
الطيالسي (عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك : أن رسول الله وَ له
قال: لا يتمنين أحدكم الموت) لضر نزل به (فذكر مثله) كما في
الصحيحين.
(١) سقط من (ر).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) ٧/١٧ - ٨.
(٣) رواه البخاري (٧١١٥) ومسلم (١٥٧).
(٤) هكذا في الأصل ولعله سقط كلمة (مالك).
(٥) أنظر: ((الموطأ)) (٥٠٨).

٣٠٩
- ڪِتَاب الجَنَائِزِ
١٤ - باب مَوْتِ الفَجْأَةِ
٣١١٠ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَجْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ
أَوْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خالِدِ السُّلَميِّ - رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ قالَ
مَرَّةً: عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ ثُمَّ قالَ مَرَّةً: عَنْ عُبَيْدٍ - قالَ: (( مَوْتُ الفَجْأَةِ أَخْذَةٌ أَسَفٍ))(١).
باب موت الفجأة
[٣١١٠] (حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
شعبة، عن منصور، عن تميم بن سلمة) السلمي الكوفي من رجال
مسلم (أو سعد بن عبيدة (٢)) الكوفي زوج بنت أبي عبد الرحمن
السلمي، وثقه ابن معين والنسائي(٣) (عن عبيد بن خالد السُّلَمي)
البهزي مهاجري سكن الكوفة وله صحبة (٤) (رجل من أصحاب النبي
وَالر قال مرة: عن النبي ◌َّر، ثم قال) بعد ذلك (مرة) أخرى: (عن
عبید) موقوفًا، ووقفه لا یفید.
(قال: موت الفجأة) بفاء مضمومة وفتح الجيم مع المد وفتح الفاء
وسكون الجيم مع القصر (أخذة أسف) بفتح الهمزة وكسر السين،
الشديد الغضب. ويجوز فتح السين. والأسف: الغضب، وروي بوزن
(١) رواه أحمد ٤٢٤/٣، والبيهقي ٣٧٨/٣.
صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٦٣١).
(٢) قال في ((عون المعبود)) ٢٦٠/٨: هذا شك من شعبة أي روى منصور عن تميم أو
سعد ..
(٣) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٢٩١/١٠.
(٤) أنظر: ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ١٨٩٩/٤، ((الإصابة)) ٤٠٩/٤ (٥٣٣٦).

٣١٠
فاعل أي: غضبان، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾(١) يقال: أسفني
فأسفت أي: أغضبني فغضبت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا
أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿غَضْبَنَ أَسِفًا﴾(٢)، ويقال: أسيف بزيادة
ياء بعد السين. والأسف: الغضب والحزن، وفرق بينهما الواحدي
فقال: إذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو
فوقك حزنت. والمراد بالغضب أنتقام الله ممن عصاه، كما أن الرضا
منه ظهور رحمته ولطفه لمن أطاعه؛ لأن الله تعالى يستحيل في حقه
التغير بالرضا والغضب(٣)، ونظير الحديث قوله تعالى: ﴿كذبوا بآياتنا
كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾(٤).
وروى البيهقي عن ابن مسعود وعائشة: إن موت الفجأة راحة
المؤمن، وأخذة أسف للفاجر. ورواه مرفوعًا أيضًا.
وذكر المدائني أن إبراهيم الفنية وجماعة أنبياء ماتوا فجأة (٥).
(١) الزخرف: ٥٥.
(٢) الأعراف: ١٥٠.
(٣) أنظر: ((شرح مسلم)) للنووي ٦٨/٣ - ٦٩، وهذا تأويل لصفتين من صفات الله
تعالى، ومذهب أهل السنة هو إثبات الصفات كما جاءت عن الله ورسوله پ# بدون
تأويل، فنقول: يرضى ويغضب كما يليق به سبحانه فهو (ليس كمثله شيء وهو
السميع البصير).
(٤) القمر: ٤٢.
(٥) أنظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي ٣٢١/٥.

٣١١
ـ كِتَابِ الجَنَائِزِ
١٥ - باب في فَضْلٍ مَنْ ماتَ في الطّاعُونِ
٣١١١ - حدثنا القَغْنَبِيُّ، عَنْ مالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جابِرِ بْنِ عَتِيكُ،
عَنْ عَتِيكِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَتِيكِ - وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَبُو أُمِّهِ - أَنَّهُ أَخْبَرَهُ
أَنَّ عَمَّهُ جابِرَ بْنَ عَتِيكِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ل ◌َهِ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ
قَدْ غُلِبَ فَصاحَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَلَمْ يُحِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللهِ وَله وقالَ: «غُلِبْنا
عَلَيْكَ يا أَبا الرَّبِيعِ )) .. فَصاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ ابن عَتِيكِ يُسْكِتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ وََّ: ((دَعْهُنَّ فَّإِذا وَجَبَ فَلا تَبْكِيَنَّ باكِيَةٌ)) .. قالُوا وَمَا الوُجُوبُ يا رَسُولَ اللهِ
قالَ: ((المَوْتُ)) .. قالَتِ ابنتُهُ: والله إِنْ كُنْتُ لِأَزَجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّكَ كُنْتَ قَدْ
قَضَيْتَ جِهَازَكَ. قالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ اللهَ وَى قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، وَما
تَعُدُّونَ الشَّهادَةَ؟ )) .. قالُوا: القَتْلَ في سَبِيلِ اللهِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: «الشَّهادَةُ سَبْعٌ
سِوى القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ: المَطْعُونُ شَهِيدٌ والغَرِقُ شَهِيدٌ وَصاحِبُ ذاتٍ
الجَنْبِ شَهِيدٌ والمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَصاحِبُ الحَرِيقِ شَهِيدٌ والَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ
الهَدْمِ شَهِيدٌ والمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعِ شَهِيدٌ))(١).
باب ما جاء في فضل من مات بالطاعون
[٣١١١] (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله [بن عبد الله](٢) بن
جابر(٣) بن عتيك) الأنصاري المدني، وثقه ابن معين وغيره (عن عتيك بن
(١) رواه النسائي ١٣/٤، وابن ماجه (٢٨٠٣)، وأحمد ٤٤٦/٥، ومالك ٢٣٣/١.
صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٧٣٩).
(٢) من المطبوع.
(٣) سقط من (ر).

٣١٢
الحارث بن عتيك) مدني تابعي.
قال أبو داود (و) عتيك (هو جد عبد الله بن عبد الله) بن جابر (أبو أمه-
أنه أخبره، أن(١) عمه جابر) قال ابن منجويه: أهل العراق يقولون في
جده: جبر، ولا يصح؛ إنما هو جابر(٢) (ابن عَتِيك) -بفتح المهملة
وكسر المثناة فوق- ابن قيس بن الأسود الأنصاري، ويقال: من بني
النجار، مدني شهد بدرًا وجميع المشاهد بعدها(٣).
([أخبره، أن رسول الله وَلَه] (٤) جاء يعود عبد الله بن ثابت) الظَفَري -
بفتح الظاء المعجمة والفاء- الأنصاري (فوجده قد غُلِب) -بضم الغين
وكسر اللام- أي: غلب عليه من شدة المرض (فصاح به رسول الله
وَلِلّ، فلم يجبه، فاسترجع رسولُ اللهِ وَ ل﴿) أي: قال: إنا لله وإنا إليه
راجعون؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
(٥)
١٥٦
رَجِعُونَ
(وقال: غُلبنا) بضم الغين وكسر اللام (عليك يا أبا الربيع، فصاح
النسوة) لم تلحق تاء التأنيث في فصاحت، مع أنه فعل متصل به ظاهر
حقيقي التأنيث؛ لأنه جمع تكسير المؤنث، ويجوز فيه الوجهان.
والنسوة كما ذكرنا جمع قلة على ما نقله أبو حيان في قوله تعالى:
(١) سقط من (ل) والمثبت من (ر).
(٢) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٧٢/١٥.
(٣) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٤٥٤/٤ (٨٧٢).
(٤) سقط من (ل).
(٥) البقرة: ١٥٦.

٣١٣
ـ كِتَابِ الجَنَائِزِ
﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِىِ اٌلْمَدِينَةِ﴾ (١) (وَبَكَينَ) بفتح الكاف (فجعل) جابر (بن عتيك
يسكتهن، فقال رسول الله رَله: دعهن، فإذا وجب) أي: له على الله تعالى
ما وعده به من الجنة أو النار بموته، ويحتمل أن يراد: فإذا وجب أي:
لزمه الموت الذي كتبه الله على خلقه؛ فإنَّ الواجبَ هو اللازم (فلا تبكين
باكية) أي: بعد موته. استدل به من فرَّق في جواز البكائين ما قبل الموت
فيجوز، وأما بعده فلا يجوز.
وحكى النووي أن الجمهور على أنه بعد الموت خلاف الأولى.
قال: ومنهم من قال إنه مكروه. وفي كلام الشيخ أبي حامد من
أصحابنا ما يقتضي أنه حرام؛ فإنه قال: إذا قلت إنه مباح من غير ندب
ولا تعديد فوقته ما لم يمت الميت، فإذا مات خرج وقت البكاء وكان
ممنوعًا منه فيما بعد. واستدل بهذا الحديث(٢). قال المحاملي في
((التجريد)): قال الشافعي: ووقت البكاء إلى أن يموت الميت، فإذا
مات قطع. وفرق الشيخ أبو حامد بين ما قبل الموت وما بعده بأن قبل
الموت یرجی فیکون البکاء حذرًا عليه، وبعده لا معنى له.
قال السبكي: والصواب أنه لا يحرم؛ لما في البخاري: شهدنا بنت
رسول الله الله ورسول الله و ◌َ﴾ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان(٣).
وفي ((صحيح مسلم))(٤): أن النبي وَل زار قبر أمه، فبكى وأبكى من
(١) ((البحر المحيط)) ٢٩٩/٥ والآية من سورة يوسف: ٣٠.
(٢) ((المجموع)) ٣٠٧/٥.
(٣) انظر: ((أسنى المطالب)) ٣٣٥/١.
(٤) (٩٧٦).

٣١٤
حوله، وتظاهرت الأحاديث من السلف والخلف بالبكاء بعد الموت.
ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ويتأول هذا الحديث على
الكراهة، أو أنه خلاف الأولى كما تقدم.
(قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت) سمي بذلك لأن الله
أوجبه على العباد وكتبه عليهم كما ألزمهم الصلوات وكتبها عليهم.
وقال بعضهم: لأنه وجب له الجنة أو النار كما سبق في المكتوب.
(قالت ابنته: والله إن) بكسر الهمزة وسكون النون، وهي المخففة من
الثقيلة، والتقدير: إني (كنت لأرجو) هذِه اللام التي في ((لأرجو)) هي التي
تأتي بعد أن الخفيفة لتخلصها(١) من أن النافية (أن تكون) بمثناة فوق وهي
تاء الخطاب (شهيدًا) أي: في حرب الكفار (فإنَّك) بتشديد النون قد
(كنتَ قضيتَ جَهازَك) بفتح الجيم ومنهم من كسرها، وهو ما يعد
ويهيأ مما يصلح للسفر من زادٍ وغيره من غزو أو حج أو تجارة،
والمراد به هنا: ما أعد للغزو في سبيل الله، (فقال رسول الله وَالت: إن
الله تبارك وتعالى قد أوقع أَجْرَهُ) بالنصب (على قدر نيته) أي: فيزيد
الأجر بزيادة ما عزم على فعله، وينقص بنقصانه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾(٢).
(وما تعدون الشهادة؟ قالوا: القتل) بالنصب والرفع (في سبيل الله
تعالى. قال [رسول الله وَ ل*]: الشهادةُ سبعٌ) رواه مالك في ((الموطأ))(٣)
(١) في (ر): لتحصلها.
(٢) النساء: ٤٠.
(٣) ٢٣٣/١ (٥٥٤).

٣١٥
ـ كِتَابِ الجَنَائِزِ
قال: ((الشهداء [(١) سبعة)) وما تقدم إلى هنا موافق لرواية المصنف.
(سوى القتل في سبيل الله) تعالى: (المطعون) وهو من مات بالطاعون
(شهيد) كما في رواية: ((الطاعون شهادة لكل مسلم))(٢) (والغَرِق)
بكسر الراء وهو الذي يموت غريقًا بالماء. رواية: الغريق (شهيد،
وصاحب ذات الجنب) وهي قرحة تكون في الجنب باطنًا بوجع شديد
ثم تنتفخ في الجوف ويسكن الوجع، وذلك وقت الهلاك، وكذلك
وجع الخاصرة وكذا القروح التي تحدث في الصدر والرئة. قاله الرافعي.
والمشهور عند أهل هذه الصناعة أنها ورم حار في الغشاء المستبطن
للأضلاع، ومتى كان الورم ظاهرًا لا يسمى ذات الجنب، وذات الجنب
مؤذية جدًّا لإفراطها تسخين القلب ولبعد مكانها عن الدواء، ومن
علاماتها الحمى المتلازمة والوجع الفاحش تحت الأضلاع وضيق
النفس وتواتره والسعال(٣).
(شهيد، والمبطون) وهو صاحب داء البطن وهو الإسهال سواء كان
من الدماغ أو من المعدة أو غيرهما كالأمعاء، وقيل: هو الذي به
الاستسقاء وهو انتفاخ البطن، وقيل: الذي يشتكي بطنه، وقيل: الذي
يموت بداء بطنه مطلقًا (٤).
(شهيد، وصاحب الحريق) هذا من إضافة الموصوف إلى صفة وهو
(١) من أول هنا سقط في (ر).
(٢) رواه البخاري (٢٨٣٠) ومسلم (١٩١٦).
(٣) أنظر: ((مغني المحتاج)) ٥١/٣.
(٤) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) ٦٣/١٣.

٣١٦
عند البصريين فيه حذف تقديره: صاحب الجسم الحريق أي: المحروق
بالنار، فعيل بمعنى مفعول مثل كف خضيب، أي: مخضوب (شهيد،
والذي يموت تحت الهذم) بسكون الدال (شهيد) أي: سواء مات قبل
أن يخرج من تحت الهدم أو أخرج حيًّا ومات من ذلك الهدم (والمرأة
تموت بجمع) بضم الجيم وفتحها وكسر مع سكون الميم، وضم الجيم
أشهر. قيل: هي التي تموت حاملًا جامعة ولدها في بطنها أي: أسقم
ولدها، وقيل: هي التي تموت بكرًا، والأول هو الصحيح.
(شهيد) وإنما قال: شهيد، ولم يقل: شهيدة؛ لأنه فعيل بمعنى
مفعول، أي: مشهود له بالجنة شهد الله بها والملائكة، وقيل: سمي
الشهيد شهيدًا؛ لأنه عهد عند خروج روحه ما له من الثواب عند الله
تعالى. قال العلماء: وإنما كانت هذِه الموتات شهادة بتفضل الله تعالى
بسبب شدتها وكثرة ألمها، وقد جاء في حديث آخر: ((من قتل دون
ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)). والمراد بهذه الشهداء
أنهم شهداء في الآخرة دون الدنيا بمعنى أن لهم ثوابًا في الآخرة ولا
يلزم أن يكون المقتول في سبيل الله وهؤلاء، يغسلون ويصلى عليهم
ورسول الله ويؤ من هذا القسم فإنه مات بأكلة الخيبرية التي فيها السم
وكانت تعاوده إلى أن مات.
والثالث: شهيد في الدنيا دون الآخرة كالمقاتل رياء وسمعة والمقتول
مدبرا والمقتول وقد غل من الغنيمة فلا يغسل ولا يصلى عليه والفارُ ليس
بشهيد فإن الفرار من الكبائر.

٣١٧
ـ كِتَابِ الجَنَائِزِ
١٦ - باب المَرِيضِ يُؤْخَذُ مِنْ أَظْفارِهِ وَعائَتِهِ
٣١١٢ - حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حدثنا إِبْراهِيمُ بْنُ سَغدٍ، أَخْبَرَنا ابن
شِهابٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ جارِيَةَ الثَّقَفيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحابٍ أَبِي
هُرَيْرَةَ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قال: أَنْتَاعَ بَنُو الحَارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا - وَكَانَ خُبَيْبٌ
هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ بْنَ عامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ - فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا لِقَتْلِهِ
فاسْتَعارَ مِنَ ابنةِ الحارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِها فَأَعارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَى لَها وَهِيَ غافِلَةٌ حَتَّى
أَتَتْهُ فَوَجَدَتْهُ مُخْلِيًّا وَهُوَ عَلَى فَخِذِهِ والمُوسَى بِيَدِهِ فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَها فِيها فَقال:
أَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ.
قالَ أَبُو داوُدَ: رَوى هذِه القِصَّةَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: أَخْبَرَني
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عِياضٍ أَنَّ ابنةَ الحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ أَجْتَمَعُوا - يَغْني: لِقَتْلِهِ-
اسْتَعارَ مِنْها مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِها فَأَعَارَتْهُ(١).
باب المريض يتعاهد من أظفاره وعانته
[٣١١٢] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد) الزهري
العوفي المدني أحد الأعلام الثقات (أخبرنا ابن شهاب، أخبرني عمر) بن
أسيد بفتح الهمزة (ابن جارية) بالجيم والمثناة تحت (الثقفيُّ حليفُ بني
زهرة) أسلم يوم الفتح(٢) (وكان من أصحاب أبي هريرة، عن أبي هريرة
قال: أَبتاع) اشترى (بنو الحارث بن عامر بن نوفل خُبَيْبًا) بضم
الخاء المعجمة وفتح الباء الأولى مصغر، وهو ابن عدي من بني
(١) رواه البخاري (٣٠٤٥).
(٢) يعني جده: أسيد بن جارية.

٣١٨
عمرو بن عوف الأنصاري، شهد بدرا، وأُسِرَ في غزوة الرجيع سنة ثلاثٍ
فانطلق به إلى مكة فاشتراه بنو الحارث (وكان خبيبٌ هو قتل الحارث بن
عامر) بن نوفل بن عبد مناف القرشي والد عقبة بن الحارث (يوم بدر)
كافراً.
وقال بعضهم: لم يكن خبيب قتله، كما قيل أيضا: إن السرية
المتعرضين لم يكونوا بني لحيان، والصحيح ما ذكره المصنف
والبخاري في ((صحيحه))(١).
(فلبث [خبيب] عندهم أسيرًا، حتى أجمعوا لقتله) في بعض نسخ
البخاري: أجمعوا. هكذا، وفي بعضها: أجتمعوا أي: على قتله.
وعلى هذا فيكون (قتله) منصوبًا على حذف حرف الجر (فاستعار من
بعض بنات الحارث)، أكثر النسخ(٢): ابنة (موسى) جاز صرفه لأنه
مُفعل من أوسيت، ومنع صرفه؛ لأن وزنه فعلى على اختلاف
التصريفين(٣) (يَستحِدُّ بها) فيه الاستعارة من الكفار، وفيه استنان(٤)
الأستحداد بأخذ شعر العانة والإبط وغيرها من قص الشارب والظفر
ونحو ذلك لمن أسره الكفار ولمن يقتل وللمريض قبل الموت
استعدادًا للقاء ربه على أكمل الحالات. وفيه التنظف لمن يخاف أن
يُضَيَّعَ بعد القتل وتكشف عورته؛ لئلا يطلع منه على قبح عورته.
(١) (٣٠٤٥).
(٢) ليس في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري ٢٥٣٤/٦، ((لسان العرب)) ٢٢٣/٦.
(٤) في الأصل: (استسنان).

٣١٩
ـ كِتَابِ الجَنَائِزِ
(فأعارته) الموسى (فدرج) أي: ذهب إليه (بنيٍّ لها) صغير (وهي
غافلة) عنه حتى أتاه فوضعه على فخذه ففزعت على ولدها منه فجاءت
(حتى أتته، فوجدته مُخْليًا) بضم الميم وإسكان الخاء، أي: خلى
سبيله من الرباط الذي كان مربوطًا به ومن غيره قال الشاعر:
مالي أراك مُخَلِّياً
أين السلاسل والقيود؟
أغلا الحديد بأرضكم
أم ليس يَضْبِطُكَ الحديدُ؟(١)
ورواية البخاري في المغازي: فوجدته مجلسه على فخذه(٢) (وهو
على فخذه والموسى بيده! ففزعت فزعةً عرفَها) خبيب ظـ
فيه التلطف بأولاد المشركين لأنهم على الفطرة، وأداء الأمانة إلى
المشرك وغيره، وفيه التورع من قتل أولاد المشركين رجاء أن يكونوا
مؤمنين.
(فيها، فقال: أتخشين) وتخشي بحذف النون لغير ناصب وجازم لغة
فصيحة، رواية: أتحسبين (أن أقتله؟) والله (ما كنت لأفعل ذلكِ!) بكسر
الكاف.
(قال أبو داود: روى هذِه اللفظة) نسخة: القصة (شعيبُ بن أبي حمزة)
دينار الحمصي مولى بني أمية أحد الثقات المشاهير، كان عنده عن
الزهري نحو ألف وسبعمائة حديث (فقال الزهري: أخبرني عبيد الله)
(١) انظر: ((الصحاح)) ٢٣٣٢/٦، و((لسان العرب)) ٢٣٧/١٤.
(٢) رواه مسلم (٢٨٧٧).

٣٢٠
بالتصغير (بن عياض) من رجال البخاري (أن ابنة الحارث أخبرته، أنهم
حين أجمعوا) وفي رواية: اجتمعوا (-يعني: لقتله- استعار منها موسى)
فيه جواز الاستعارة من الكفار وجواز استعمال أوانيهم وآلاتهم
وماعونهم والانتفاع بها من غير غسل.
(يستحدُّ بها) سمي أستحدادًا لأن آلته حديد، وفي معناه: استعان إذا
حلق عانته (فأعارته) فيه الإعارة من النساء الأجانب ومحادثتهم إن أحتاج
إلى ذلك.