Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
- كتاب الجهاد
مفعول أي: يأكلوا ما ذبحه المسلمون، (وأن يصلوا) إلى قبلتنا ويركعوا
ويسجدوا كما نفعل في (صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حَرُمت علينا دماؤهم)
أي: سفك دمائهم في الحرب (وأموالهم) أي: نأخذها غنيمة (إلا
بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين).
[٢٦٤٢] ([حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا: ابن وهب، قال:
أخبرني يحيى بن أيوب](١)، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله وَّيه: أمرت أن أقاتل المشركين بمعناه).
[٢٦٤٣] (حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، قالا:
حدثنا يعلى بن عبيد) بضم العين مصغر (عن الأعمش، عن أبي ظبيان)
بفتح الظاء المعجمة حصين بن جندب قال: (حدثنا أسامة بن زيد قال:
بعثنا رسول الله وَّر في سرية إلى الحُرَقَات) بضم الحاء المهملة وفتح
الراء وبالقاف، موضع معروف من بلاد جهينة، سمي بجمع المؤنث
السالم كعرفات وأذرعات.
(فنذِروا) بكسر الذال المعجمة (بنا) أي: علموا بمجيئنا إليهم
(فهربوا) منا (فأدركنا) بإسكان الكاف (رجلاً) منهم (فلما غَشِيناه) بكسر
الشين المعجمة. أي: قربنا منه (قال: لا إله إلا الله، فضربناه حتى
قتلناه) رواية مسلم(٢): طعنته. فيجمع بين الروايتين بأن أسامة طعنه ثم
طعنه غيره حتى قتلوه، وفيه دليل على أنه لا يقتصر في القتال على
ضربة واحدة ثم ينتقل إلى غيره، بل يكرر الضرب هو وغيره على
(١) من المطبوع.
(٢) مسلم (٩٦).

٤٠٢
الواحد من العدو حتى يقتلوه.
(فذكرته للنبي ◌َ(3) فيه دليل على أن السرية إذا رجعت من الغزو
يذكرون جميع ما وقع لهم في المحاربة للإمام؛ ليبين لهم ما يترتب
على فعلهم من الأحكام الشرعية (فقال: من لك بلا إله إلا الله) أي:
من يشفع لك ويحاجج عنك وبماذا تحتج إذا جيء بكلمة التوحيد (يوم
القيامة) وقيل لك: كيف قتلت من قال لا إله إلا الله وقد حصلت له
ذمة حرمة الإسلام.
وأما كونه وَله لم يوجب على أسامة قصاصًا ولا دية ولا كفارة.
قال النووي(١): فقد يستدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة واجبة
والقصاص ساقط للشبهة؛ فإنه ظنه كافرًا، ويدل عليه قول أسامة (فقلت:
يا رسول الله إنما قالها مخافة) منصوب على المفعول له. أي: لأجل
الخوف من (السلاح) فإنه ظن أن إظهاره كلمة التوحيد في هذه الحال
لا يجعله مسلمًا.
وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكل واحد منهما بعض
العلماء، وقيل: إنما لم تجب الدية لأن مستحقي ديته كانوا معاندين.
ويجاب عن عدم ذكر الكفارة بأنها ليست على الفور، بل تجب على
التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على الصحيح عند
الأصوليين. وأما الدية على قول من أوجبها، فيحتمل أن أسامة كان
في ذلك الوقت معسرًا [بها فأخرت إلى يساره(٢). (قال أفلا شققت عن
(١) ((شرح النووي على مسلم)) ١٠٦/٢.
(٢) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) ١٠٦/٢.

٤٠٣
= كتاب الجهاد
قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أقالها أم لا؟) بقلبه وتكلم بها في نفسه،
والفاعل في قوله: (أقالها) هو القلب (من لك بلا إله إلا الله يوم
القيامة) وفيه دليل لأهل السنة أن في النفس كلامًا وقولا خلافًا للمعتزلة.
وفيه دليل على ترتيب الأحكام على الأسباب الظاهرة الجلية دون
الباطنة الخفية (فما زال يقولها) أي: يكررها يعني كلمة الإنكار (حتى
وددت) أي: تمنيت، كما في مسلم(١) (أني لم أسلم إلا يومئذ).
وإنما تمنى أسامة أن يتأخر إسلامه إلى يوم المعاتبة على قتله ليسلم
من هذِه الجناية وكأنه استصغر ما كان منه من الإسلام والعمل الصالح
قبل ذلك في جنب ما ارتكبه من هذِه الجناية لما حصل في نفسه من
شدة إنكار النبي لة وتعظيمه لذلك.
[٢٦٤٤] (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن شهاب، عن
عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار) بكسر الخاء
المعجمة.
وفي هذا الإسناد لطيفة وهي: أن فيه ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن
بعض: ابن شهاب الزهري، وعطاء، وعبيد الله بن عدي.
(عن المقداد بن الأسود، أنه أخبره، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن
لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ) أي:
اعتصم باستتاره عني.
(مني بشجرة) يقال: لاذ يلوذ لواذًا إذا أستتر، والملاذ ما يستتر به
(١) ((صحيح مسلم)) (٩٦).

٤٠٤
(فقال: أسلمت لله) أي: دخلت في دين الإسلام وتدينت به (أفأقتله يا
رسول الله بعد أن قالها؟) أي قال: أسلمت الله (قال رسول الله وَله: لا
تقتله) قال القرطبي(١): فيه دليل على أن كل من صدر عنه أمرٌ ما مما
يدل على الدخول في دين الإسلام من قول أو فعل حكم له بذلك
بالإسلام، وامتنع قتله، وأن ذلك ليس مقصورًا على النطق بالشهادة.
وقد حكم النبي ◌َّه بإسلام بني جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد
وهم يقولون: صبأنا صبأنا. ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فلما بلغ ذلك
النبي ◌َّ قال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) ثلاث مرات رافعًا
يديه إلى السماء، ثم وداهم (٢).
على أن قوله: في هذه الرواية: أسلمت لله يحتمل أن يكون نقلًا
بالمعنى، فيكون بعض الرواة عبّر عن قوله: لا إله إلا الله بأسلمت
كما جاء مفسرًا في رواية لمسلم(٣) قال فيها: فلما أهويت لأقتله قال:
لا إله إلا الله.
(فقلت: يا رسول الله، إنه قطع يدي) بكسر الدال (قال رسول الله
وَالّ: لا تقتله) أي: لأنه حرام الدم، عصم نفسه وماله حين نطق بما
يوجب عصمته من كلمتي الإسلام التي قالها (فإن قتلته) وتأثم بقتله
(فإنه بمنزلتك) ظاهره في الكفر. قال القرطبي: وليس ذلك بصحيح؛
لأنه إنما قتله متأولًا أنه باقٍ على كفره، فلا يكون قتله كبيرة، إذا لم
(١) ((المفهم)) ٢٩٤/١.
(٢) رواه البخاري (٤٣٣٩).
(٣) (صحيح مسلم)) (٩٥).

٤٠٥
- كتاب الجهاد
يكن قتله كبيرة لا يصح لأحد - وإن كان مكفرًا بالكبائر - أن يقول هذا كفر
بوجه(١). فدل على أنه متأول.
قال النووي(٢): وأحسن ما قيل فيه وأظهره ما قاله الشافعي وابن
القصار المالكي وغيرهما: أن معناه أنه معصوم الدم محرمٌ قتله بعد
قوله: أسلمت لله. أو: لا إله إلا الله. كما كنت أنت قبل أن تقتله،
وأنك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم الدم كما كان هو.
(قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) قال ابن
القصار: لولا عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك.
قال القاضي(٣): وقيل: معناه: إنك مثله في مخالفة الحق وارتكاب
الإثم، وإن اختلفت أنواع المخالفة والإثم فيسمى إثمه كفرًا وإثمك
معصية.
(١) في (ل): (موجبه) والمثبت من ((المفهم)) ٢٩٤/١.
(٢) ((شرح النووي على مسلم)) ١٠٦/٢.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣٦٨/١.

٤٠٦
١٠٥ - باب النَّهي عَنْ قَتْلِ مَنِ اعْتَصَمَ بِالسُّجُودِ
٢٦٤٥ - حَدَّثَنَا هَنّادُ بْنُ السَّرَيِّ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِیَةَ، عَنْ إِسْماعِیلَ، عَنْ قَیْسٍ
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِوَلَ سَرِيَّةً إِلى خَثْعَمْ فَاعْتَصَمَ ناسٌ مِنْهُمْ
بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ القَتْلُ - قالَ : - فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيِ ◌ّهِ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ العَقْلِ
وقالَ: ((أَنَا بَرَيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِم يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ)). قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ
لمَ؟ قالَ: ((لا تَراءَى ناراهما))(١).
قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ هُشَيْمٌ وَمُعْتَمِرٌ وَخالِدٌ الواسِطَيُّ وَجَمَاعَةٌ لَمْ يَذْكُرُوا جَرِيرًا.
باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود
[٢٦٤٥] (حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل) بن
أبي خالد (عن قيس) بن أبي حازم (عن جرير) بن عبد الله (قال: بعث
رسول الله وَّ سرية إلى) حي من (خثعم، فاعتصم ناس منهم) أي:
أرادوا أن يمنعوا القتل عنهم وعن ذراريهم (بالسجود) إلى القبلة
(فأسرع فيهم) أمير السرية (القتل) ولم يعتبر هو ولا من معه سجودهم.
والسرية التي بعثها النبي ◌َّ إلى خثعم كان أميرها: قطنة بن عامر.
وقد اختلف العلماء في أن الكافر هل يحكم بإسلامه بالصلاة أم لا؟
فذهب أحمد وجماعة إلى أن الكافر يحكم بإسلامه إذا صلى، سواء
كان في دار الكفر أو دار الإسلام؛ لأن الصلاة ركن يختص به الإسلام
(١) رواه الترمذي (١٦٠٤). ورواه النسائي ٣٦/٨ عن قيس مرسلا.
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٣٧٧): صحيح دون العقل.

٤٠٧
= كتاب الجهاد
فحكم بإسلامه بها كالشهادتين(١).
وقال الشافعي: إن صلى في دار الحرب حكم بإسلامه، وإن صلى
في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه؛ لأنه يحتمل أنه صلى رياءً وتقية(٢).
والقائل بأن الإسلام يثبت بالصلاة فلا بد أن تكون الصلاة مما يتميز بها
عن صلاة الكفار من أستقبال قبلتنا والركوع والسجود، ولا يحصل
بمجرد الركوع ولا بالقيام؛ لأنهم يسجدون ويقومون؛ ولهذا لم يحكم
الصحابة بسجودهم.
(قال: فبلغ ذلك النبي ◌َّر، فأمر لهم) أي: لمستحقي دية المقتولين
(بنصف العقل) أي: بنصف دية المقتولين على عاقلة القاتلين؛ لأن القتل
خطأ؛ لأنهم لم يعلموا إسلام المقتولين، ولم يقصدوا قتل مسلم.
قال الخطابي(٣): وإنما أمر لهم بنصف العقل ولم يكمل لهم الدية
بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين
ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره، فسقطت
حصة جنايته من الدية. (وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر
المشركين).
وقد استدل بهذا الحديث على أن من قتل مسلمًا ظن كفره بدار
الحرب، أو ظن المقتول على حالة فبان خلافها فلا قصاص على
القاتل ولا دية؛ لأنه أسقط حرمة نفسه بمقامه في دار الحرب التي هي
(١) أنظر: ((المغني)) (٢٩٠/١٢ - ٢٩١).
(٢) انظر: ((المهذب)) للشيرازي ٢٢٣/٢.
(٣) ((معالم السنن)) ٢٧١/٢.

٤٠٨
دار الإباحة، وقيل: يجب نصف الدية؛ لأنها تثبت مع الشبهة، والأول
هو الأظهر عند الشافعي.
(قالوا: يا رسول الله، لم) تبرأت من المقيم بين المشركين؟ وفيه
سؤال المفتي عن العلة إذا لم يتضح للسائل معنى ذلك (قال: لا) أي:
لا تقيموا مع المشركين في بلادهم ولا تساكنوهم بحيث (تراعى
ناراهما)(١) بفتح التاء والراء ثم همزة ممدودة، أصله: تتراءى بتاءين
ثم حذفت إحداهما. و(ناراهما) تثنية نار، أي: بحيث يرى المقيم عند
ناره نار المشرك إذا أوقدها، ويرى المشرك إذا وقف عند ناره نار
المسلم لكنه يبعد عنه وينزل في مكان بحيث إن المشرك إذا أوقد ناره
لا يراها من مكانه، كأنه كره النزول والإقامة في جوار المشركين؛
لأنه لا عهد لهم ولا أمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَّءَ
اُلْجَمْعَانِ﴾ (٢) أي: صار الجمعان يرى كل واحد منهما مكان الآخر،
وهو تفاعل من الرؤية، وتقول العرب: تراءت منازلهم. إذا كان
بعضهم يرى منازل بعض.
وفي بعض النسخ: لا ترايا ناراهما، وهو يحتمل وجهين: أحدهما :
أن يكون على النقل، أي: نقلت الهمزة في مكان الياء، والياء في مكان
الهمزة فبقي تترايا بهمز آخره، والثاني: أن يكون الأصل تتراعى: ثم
أبدلت الهمزة ياء. وقيل غير ذلك.
ومما يدل على أن المراد: لا تقيموا مع المشركين في بلادهم ما
(١) ورد بعدها في الأصل: نسخة: ترايا.
(٢) الشعراء: ٦١.

٤٠٩
= كتاب الجهاد
رواه الترمذي (١) بعد هذا الحديث في الباب عن سمرة بن جندب، عن
النبي ◌َّلو قال: ((لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم
أو جامعهم فهو مثلهم )».
(قال أبو داود: رواه هشيم، ومعمر، وخالد الواسطي، وجماعة لم
یذکروا جریرًا) بل رووه مرسلًا.
وأخرجه الترمذي(٢) أيضًا مرسلًا عن قيس بن أبي حازم: أن النبي
خلو بعث سرية ... الحديث. وقال: سمعت محمدًا يقول: الصحيح
حديث قيس عن النبي ◌َّ مرسل.
(١) ((سنن الترمذي)) (١٦٠٥).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٦٠٥).

٤١٠
١٠٦ - باب في التَّوَلَّى يَوْمَ الزَّخفِ
٢٦٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نافِعِ، حَدَّثَنا ابن المُبارَكِ عَنْ جَرِیرِ بْنِ حازم
عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ نَزَلَتْ (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ
صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لا يَفِرَّ
واحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ ثُمَّ إِنَّهُ جاءَ تَخْفِيفٌ فَقالَ: (الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ) قَرَأَ أَبُو تَوْبَةً إِلى
قَوْلِهِ (يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللهُ تَعالَى عَنْهُمْ مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ
بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهُمْ(١).
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِیادٍ أَنَّ عَبْدَ
الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِئَّةٍ مِنْ سَرایا
رَسُولِ اللهِ وَّ قَالَ: فَحَاصَ النّاسُ حَيْصَةً فَكُنْتُ فِيمَنْ حاصَ - قَالَ - فَلَمّا بَرَزْنا
قُلْنا كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ وَبُؤْنا بِالغَضَبِ فَقُلْنا نَدْخُلُ المَدِينَةَ فَتَتَثَبَّتُ
فِيها وَنَذْهَبُ وَلا يَرانا أَحَدٌ - قالَ - فَدَخَلْنَا فَقُلْنا لَوْ عَرَضْنا أَنْفُسَنا عَلَى رَسُولِ اللهِ
وَّهِ فَإِنْ كانَتْ لَنا تَوْبَةٌ أَقَمْنا وَإِنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَهَبْنا - قَالَ - فَجَلَسْنا لِرَسُولِ اللهِ
وَّ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ فَلَمَا خَرَجَ قُمْنا إِلَيْهِ فَقُلْنا نَحْنُ الفَرّارُونَ فَأَقْبَلَ إِلَيْنا فَقالَ:
((لا بَلْ أَنْتُمُ العَّارُونَ)). قالَ: فَدَنَوْنا فَقَتَّلْنَا يَدَهُ فَقالَ: (( أَنَا فِتَةُ المُسْلِمِينَ))(٢).
٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشام المِصْرَيُّ، حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنا داوُدُ،
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ قَالَ نَزَّلَتْ فِي يَوْمٍ بَدْرٍ (وَمَنْ يُؤَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ)(٣).
(١) رواه البخاري (٤٦٥٢)، (٤٦٥٣).
(٢) رواه الترمذي (١٧١٦)، وأحمد ٢/ ٧٠.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٥٥).
(٣) رواه النسائي في ((الكبرى)) (١١٢٠٤)، والحاكم ٣٢٧/٢.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٣٧٩).

٤١١
- كتاب الجهاد
باب في التولي يوم الزحف
[٢٦٤٦] (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا) عبد الله (ابن
المبارك، عن جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي (عن الزبير بن
خِرِّيت) بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة البصري (عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ
مِأْتَنَيْنَّ﴾) شرط بمعنى الأمر، أي: ليقاتل واحد منكم عشرة منهم،
وفرار الواحد من العشرة من الكبائر، وقد بعث رسول الله وقلة حمزة
في ثلاثين راكبًا فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب(١).
(فشق ذلك على المسلمين) وثقل عليهم بعد مدة طويلة (حين فرض
الله عليهم أن لا يفر واحد) ويصبر على القتال (من عشرة) من الكفار الذين
يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم (ثم إنه) رحمهم و(جاء
تخفيف) ونسخٌ لما تقدم، (فقال: ﴿اَلْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾) قيل: كان
فيهم قلة في الابتداء ثم لما كثروا بعدُ نزل التخفيف.
(قرأ أبو توبة) الربيع شيخ أبي داود الآية (إلى قوله:) تعالى (﴿يَغْلِبُواْ
مِاْتَنَيْنَّ﴾) قال القاضي: المعنى في نظائره المائة المائتين: أن المسلم
يقاتل على إحدى الحسنيين إما أن يقتل فيدخل الجنة، أو يسلم فيفوز
بالأجر والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا فقط.
ومفهوم الآية: أنهم إذا زادوا على المثلين جاز الانصراف مطلقًا
(١) أخرجه ابن حبان في ((الثقات)) ١٤٢/١، وأورده ابن هشام في ((السيرة النبوية))
١٤٠/٣.

٤١٢
وهو كذلك، لكن حكى القرطبي في ((تفسيره)) فيما إذا بلغ عدد المسلمين
اثني عشر ألفًا أنه يحرم الأنصراف وإن زاد الكفار على مثليهم عند
جمهور العلماء منهم للحديث المتقدم: ((لن يغلب اثني عشر ألفًا من
قلة)). وأنهم جعلوا هذا الحديث مخصصًا لهذه الآية(١).
ومفهوم الآية أنه لا يجوز الانصراف إذا لم يزيدوا على الضعف وإن
غلب على الظن الهلاك، وهو كذلك لقوله تعالى: ﴿فَأَثْبُتُواْ﴾؛ ولأن
المجاهد إنما يقاتل ليقتل أو يقتل.
وقيل: لهم الفرار إذا ظنوا الهلاك.
(قال: فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد) رواية البخاري: من
العدة(٢) (نقص من الصبر) الذي كان أعطاهم قبل التخفيف (بقدر ما
خفف عنهم) من العدد، يعني: أنه كان يوضع عنهم أن يصبروا
والأكثر من مثلیهم.
[٢٦٤٧] (حدثنا أحمد بن يونس) هو ابن عبد الله (ثنا زهير) بن
معاوية (حدثنا يزيد بن أبي زياد) مولى عبد الله بن الحارث من
الكوفيين، تكلم فيه غير واحد(٣)؛ لكن أخرج له مسلم متابعة (أن عبد
الرحمن بن أبي ليلى) التابعي المشهور (حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه
أنه كان في سرية من سرايا رسول الله وَ ل38) قيل: إن هذا كان في سرية
مؤتة كما جاء مصرحًا به في رواية، واستعمل عليهم زيد بن حارثة.
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي ٣٨٢/٧.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٤٦٥٣).
(٣) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٣٥/٣٢، و((الجرح والتعديل)) ٢٦٥/٩.

٤١٣
= كتاب الجهاد
(قال: فحاص) بالحاء والصاد المهملتين (الناس خَيصة) أي: كروا
راجعين وحالوا منهزمين، يقال: حاص الرجل إذا حاد عن طريقه
وانصرف عن وجهه إلى جهةٍ أخرى، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُم مِّنِ
تَحِيصٍ﴾، وروي خاض الناس جيضة بالجيم والضاد المعجمتين وهو
بمعناه، وحكى الجوهري عن الأصمعي: حاص عن الشيء يحيص
حيصًا أي: حاد عنه(١).
(فكنت فيمن حاص) عن النبي وَله .. فيه الاعتراف بالذنب والتوبة منه
(فلما برزنا) أي: ظهرنا من عنده وصرنا في البراز، وهو المتسع من
الأرض (قلنا: كيف نصنع) فيما وقع منا.
وفيه دليل على فضل الصحابة ﴿ه، في تدارك ما فرط منهم والمبادرة
إلى الندم على ما صدر منهم والتوبة من الذنب على قرب عهدٍ منه (و)
كيف الخلاص مما أقترفنا.
(قد فررنا من الزحف) أصل الزحف: المشي المتثاقل كالصبي
يزحف قبل أن يمشي، وسمي القتال عند التقاء المسلمين والكفار
زحفًا لأنه يزحف فيه، وليس في الحديث أنهم أنصرفوا عن الصف،
ولا رأوا العدو، وإنما رجعوا من السرية التي كانوا فيها، ولا يظن
بالصحابة أنهم ارتكبوا كبيرة الفرار من الزحف، وإنما تكون كبيرة
إذا التقوا هم والكفار كما قال تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَ
تُوَلُّوهُمُ الْأَرْبَارَ﴾ (٢) وتسمية رجوعهم من السرية فرارًا من الزحف وبوءًا
(١) ((الصحاح)) ١٧٢/٣.
(٢) الأنفال: ١٥.

٤١٤
بغضب الله من باب تعظيم الذنب والخوف منه، فكلما عظّم الإنسان ذنبه
صغر عند الله، وإذا احتقره عظم عند الله كما في الصحيح(١): ((الفاجر
یری ذنبه کذباب مر على أنفه، والمؤمن یری ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل
يخاف أن يقع عليه)). ويشهد بهذا ما في الوجود من خوف المؤمن وتهاون
الفاجر.
ولعل هذا الفرار والحيصة حين كانوا بأرض عمان وبلغهم أن هرقل
نزل بأرض مآب من أرض البلقاء بمائة ألفٍ من الروم وانضم إليهم من
لَحْمٍ، وَجُذَامٍ، وبَلِيّ مائة ألف، وأنهم أقاموا في معان ليلتين ينظرون في
أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله وَله نخبره بعدد عدونا، وكان
المسلمون لا يزيدون على ثلاثة آلاف(٢).
قال الترمذي في ((السنن))(٣): حاص الناس حيصةً. يعني: أنهم فروا
من القتال.
(وبُؤْنا) بضم الباء وإسكان الهمزة، فرجعنا به، أي: صار علينا لازمًا
لنا (بالغضب) والمراد به العقاب المذكور في قوله تعالى: قوله :
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ *
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًّا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ
بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ (٤).
(١) رواه البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤).
(٢) وهي غزوة مؤتة. انظر: ((الروض الأنف)) ١٢١/٤.
(٣) ((سنن الترمذي)) ٢١٥/٤.
(٤) الأنفال: ١٦.

٤١٥
كتاب الجهاد
=
(فقلنا: ندخل المدينة فنبيت فيها)(١) بكسر الباء الموحدة بعد النون
ثم ياء مثناة تحت. هُذِه الرواية الصحيحة إن شاء الله، ويدل على ذلك
رواية أحمد (٢): ثم دخلنا المدينة فبتنا، وفي رواية لأحمد أو
الشافعي: ثم قلنا: ندخل المدينة ليلًا ولا يرانا أحد، ثم (لنذهب ولا
يرانا أحد، قال: فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله) وَله،
أي: نريد أن نعرض أنفسنا على رسول الله وَله.
(فإن كانت) أي: وجدت، وهي كان التامة (لنا توبة) أي: مقبولة من
الله ورسوله (أقمنا) في المدينة (وإن كان غير ذلك) ورواية أحمد: وإلا
(ذهبنا) على وجوهنا كما في رواية أحمد: منها. رواية الترمذي(٣):
فقدمنا المدينة فاختبأنا بها، وقلنا: هلكنا (فجلسنا لرسول الله وَله قبل
صلاة الفجر). رواية أحمد: قبل صلاة الغداة.
اختلاف الرواة يدل على أنها تسمى صلاة الصبح وصلاة الفجر
وصلاة الغداة، (فلمَّا خرج قمنا إليه). فيه دليل على جواز القيام بل
على استحبابه للأستاذ والوالدين ومن فيه فضيلة ظاهرة من علم أو
صلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة أو رحم أو نحو ذلك،
ويكون هذا القيام للبر والإكرام لا للرياء والإعظام.
قال النووي(٤): وهذا الذي نختاره، وهو الذي استمر عليه السلف
(١) ورد بعدها في الأصل: نسخة: فنثبت.
(٢) ((مسند أحمد)) ٧٠/٢.
(٣) ((سنن الترمذي)) (١٧١٦).
(٤) ((شرح النووي على مسلم)) ١٣٥/٤.

٤١٦
والخلف. قال: وقد جمعت في ذلك جزءًا جمعت فيه الأحاديث والآثار
وأقوال السلف ([فلما خرج قمنا إليه](١)، فقلنا: نحن الفَرَّارون) بفتح الفاء
والراء الأولى المشددة. يحتمل أن يراد بالفرار ورجوعهم من السرية كما
تقدم، ويحتمل أن يراد به تقهقرهم عن الجيش وانحيازهم عنهم من غير
هزيمة، فسماه النبي ◌ّ فتحًا، وكانت قهقرتهم سببًا لكسرة العدو عند
تفرقهم، ولذلك استحب الفرار من العدو للمكيدة والخديعة.
(فأقبل إلينا) بوجهه الكريم (فقال: لا، بل أنتم العَكّارون) بفتح العين
المهملة والكاف المشددة وبعد الألف راء مهملة. أي: العائدون إلى
القتال العاطفون، يقال للرجل الذي تولى عن الحرب ثم كرَّ راجعًا
عكر واعتكر. قال الترمذي: العكار: الذي يفر إلى إمامه لينصره ليس
يريد الفرار من الزحف(٢) (فدنونا) منه (فقبلنا يده) استدل به على تقبيل
يد الأستاذ والوالدين ونحوهم.
قال النووي في ((فتاويه)): يستحب تقبيل أيدي الصالحين وفضلاء
العلماء، ويكره تقبيل يد غيرهم -يعني: من المسلمين- وتقدم في
حديث وفد عبد القيس قال: فجعلنا نتبادر عن رواحلنا فنقبل يد النبي
◌َالل ورجله.
قال البغوي(٣): ومن قبَّل فليقبل اليد والرأس والجبهة ولا يقبل الفم.
(فقال: أنا) بتخفيف النون. يعني: نفسه الكريمة (فئة المسلمين) أي:
(١) ساقطة من (ل)، (ر)، والمثبت من ((سنن أبي داود)).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٧١٦).
(٣) ((شرح السنة)) ٢٩٣/١٢.

٤١٧
= كتاب الجهاد
الذي يتحيز المسلمون إليه كما قال تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًّا إِلَى فِئَةٍ﴾(١)
قال ذلك تسلية لهم ورعاية لحالهم وتمهيدًا لغيرهم من الفرار الذي
خافوا منه.
وقد استدل بهذا الحديث أنه يجوز التحيز إلى فئة بعيدة، وكانوا
بمكان بعيد منهم لإطلاق قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ ومثلوه
بما لو كانت الفئة بخراسان والمتحيز بالحجاز جاز تحيزه إليهم. وقال
عمر: أنا فئة كل مسلم(٢). وكان بالمدينة وجيوشه بالشام ومصر
وخراسان، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. والثاني: لا يجوز
التحيز للبعيدة، ولم أر ضبطًا للقريب والبعيد.
وفي ((البسيط)): هنا لا يضبط القريب بمسافة القصر، بل يكون بينهما
نوع قرب يتصور الاستنجاد بهم في هذا القتال ولحوق مددهم.
[٢٦٤٨] (ثنا محمد بن هشام المصري، حدثنا: بشر بن المفضَّل،
حدثنا داود عن أبي نضرة) بنون وضاد معجمة العوقي بالقاف وفتح
الواو، واسمه منذر بن مالك (عن أبي سعيد) الخدري (قال: نزلت)
هَذِهِ الآية ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيًِّا إِلَى فِئَةٍ﴾(٣) (في يوم بدر
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾) ﴿إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيْزًا إِلَى فِئَةِ﴾
قال أبو نضرة: لأنهم لو أنحازوا يومئذٍ لانحازوا إلى المشركين، ولم
(١) الأنفال: ١٦.
(٢) رواه أحمد ٥٨/٢، وسعيد بن منصور (٢٥٤٠)، والبيهقي ١٣١/٩، وضعفه
الألباني في «الإرواء)) (١٢٠٤).
(٣) ((أحكام القرآن)) ١٥٣/٣.

٤١٨
يكن يومئذٍ مسلم غيرهم(١).
قال إلكيا الهراسي (٢): وهذا الذي قاله أبو نضرة فيه نظر؛ لأنه كان
بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي ◌ُّهم بالخروج، ولم يكونوا
یرون أنه یکون ذلك.
وقيل: إنهم لم يجز لهم الانحياز يومئذٍ؛ لأنهم كانوا مع رسول الله
وَلّ، ولم يكن الانحياز جائزًا(٣) لهم. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ
اَلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ (٤).
(١) ((تفسير الطبري)) ٤٣٧/١٣.
(٢) ((أحكام القرآن)) ١٥٣/٣.
(٣) في (ل): جائز، والصواب ما أثبتناه.
(٤) التوبة: ١٢٠.

٤١٩
- كتاب الجهاد
١٠٧ - باب في الأَسِيرِ يُكْرَهُ عَلَى الكُفْرِ
٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ وَخالِدٌ عَنْ إِسْماعِيلَ، عَنْ قَيْسِ
بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ خَبّابٍ قَالَ أَتَيْنا رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ
فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنا أَلَا تَسْتَنْصِرْ لَنا أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنا فَجَلَسَ نُحْمَرًا وَجْهُهُ فَقالَ: (( قَدْ
كانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالمِنْشَارِ فِيجْعَلُ
عَلَى رَأْسِهِ فِيجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ، عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ
ما دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْم وَعَصَبٍ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ، عَنْ دِينِهِ والله لَيُّتِمَّنَّ اللهُ هُذا
الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرّاكِبُ ما بَيْنَ صَنْعاءَ وَحَضْرَمَوْتَ ما يَخافُ إِلَّ اللهَ تَعالَى
والذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ)) (١).
باب الأسير يكره على الكفر
[٢٦٤٩] (حدثنا عمرو بن عون) بن أوس (أخبرنا هشيم) بن بشير
(وخالد) بن عبد الله الطحان (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس
بن أبي حازم) بالمهملة والزاي (عن خباب) بفتح الخاء المعجمة
وتشديد الباء الموحدة هو ابن الأرت (قال: أتينا رسول الله (وَله)
وقلت: لقينا من المشركين شدة كما في رواية للبخاري(٢).
(وهو متوسِّد) أي: جاعل تحت رأسه (بردة)(٣) كالمخدة، والبردة:
كساء أسود مربع يلبسه الأعراب، ويحتمل أن يراد بالتوسد هنا الأتكاء
والاعتماد.
(١) رواه البخاري (٣٦١٢).
(٢) السابق.
(٣) ورد بعدها في الأصل: نسخة: ببردة.

٤٢٠
وفيه دليل على جواز النوم في المسجد والاتكاء، وكان له وَل#له وسادة
من أدم حشوها ليف (١). وفي رواية أحمد: حشوها إذخر (٢).
(في ظل الكعبة) فيه دليل على الجلوس والاتكاء في الظل كما قال
تعالى حكايةً عن موسى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ﴾(٣). (فشكونا إليه)
أي: ما نحن فيه (فقلنا: ألا تستنصر لنا) بالتخفيف، معناه العرض وهو
طلب بلين، ويقع للتحضيض وهو طلب بحب؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا
نُقَائِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ (٤) ويحتمل هنا المعنيين. (ألا تدعو
الله لنا) يريد أن يكفينا الله عدوان الكفار علينا وهم بمكة قبل هجرتهم.
فيه طلب الاستنصار والدعاء في الأشياء المهمة والأمور المدلهمة
من الإمام والرجل الصالح والوالدين ومن في معناهما.
(فجلس) من توسده (مُحْمَرًّا وجهُه) بالرفع، أي: جلس وقد أحمر
وجهه من الغضب لعدم تصبرهم وتحملهم المشاق والآلام في دين الله
ومبادرتهم إلى طلب النصرة والدعاء.
وفيه دليل على حدوث الغضب منه وَّة؛ لكن لا يخرجه الغضب عن
مجاوزة حكم الشريعة وانتهاك حرمتها.
وقد يستدل بهذا الحديث من يقول: لا فائدة في الدعاء؛ فإن القضاء
لا مرد له.
(١) البخاري (١٩٨٠)، ومسلم (١١٥٩).
(٢) لم أقف عليها عند أحمد أو غيره.
(٣) القصص: ٢٤.
(٤) التوبة: ١٣.