Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
- كتاب الصوم .
باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها
[٢٤٥٨] (حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن
همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَله: لا تصوم
المرأة) هو خبر في معنى النهي (وبعلها) أي: زوجها (شاهد إلا بإذنه)
رواية البخاري(١): ((لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه))
(غير) بالنصب (رمضان) قال الجمهور: لا تصوم التطوع إلا بإذنه.
وقال جماعة من أصحابنا: يكره، وأما صومها التطوع في غيبة
الزوج عن البلد فجائز بلا خلاف لمفهوم الحديث، قاله في
((الديباجة)). (ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه) أي: لا تأذن لأحد
في دخول بيته والجلوس في منزله سواء أكان رجلًا أو أمرأة أو أحد
محارم الزوجة إلا إذا أذن أو علمت أو ظنت أنه لا يكره ذلك، فإن
شكت في الرضى ولا قرينة فلا تأذن.
[٢٤٥٩] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي سعيد) الخدري.
(قال: جاءت امرأة إلى النبي وَله ونحن عنده فقالت: يا رسول الله، إن
زوجي صفوان بن المعطل) بن رُبيْضة بفتح الموحدة وإسكان المثناة
تحت، السلمي، الذي قيل فيه في الإفك وعائشة ما قيل، وكان خيِّرًا ديِّنًا.
(يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر
حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده يسمع، فسأله عما قالت،
(١) ((صحيح البخاري)) (١٥٩٥).

٦٠٢
فقال: يا رسول الله، أما قولها: يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتين) كذا
وجد في بعض النسخ: ((بسورتين)) وهو ظاهر في كون السورتين غير
الفاتحة (وقد نهيتها) فيه: أن للزوج أن يضرب زوجته إذا خالفته فيما
لا معصية في فعله وتركه، وفي الحديث: ((اضربوا النساء إذا عصينكم
في المعروف ضربًا غير مبرح)) (١). سئل ابن عباس رضي الله عنهما:
ما الضرب غير المبرح؟ قال: الضرب بالسواك ونحوه(٢).
(فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس) کفی هنا بمعنى حسب،
وفيه دليل على تعيين السورة دون بعضها لكل مصلٍّ إمامًا أو منفردًا (وأما
قولها: ويفطرني إذا صمتُ، فإنها تنطلق فتصوم) أي تطوعًا (وأنا رجلٌ
شابٌ فلا أصبر) على الجماع.
(فقال رسول الله وَل﴿ يومئذٍ: لا تصوم امرأةٌ إلا بإذنِ زوجِها) كما تقدم
(وأما قولها: فإني لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل) بالنصب على
الأختصاص (بيت قد عرف لنا ذلك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع
الشمس، قال: فإذا استيقظت فصل) سواء قبل طلوع الشمس أو بعده.
وفيه: أن النوم عذر لإخراج الصلاة عن وقتها رافع الإثم.
(قال أبو داود: ورواه حماد بن سلمة، عن حميد أو عن ثابت) بن
أسلم البناني، (عن أبي المتوكل) علي بن داود، ويقال: داود الناجي.
(١) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (٩٣٧٧) مرسلًا.
(٢) (تفسير الطبري)) (٩٣٨٦).

٦٠٣
=
كتاب الصوم
٧٦ - باب في الصّائِمِ يُذْعَى إِلى وَلِيمَةٍ.
٢٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خالِدٍ، عَنْ هِشامِ، عَنِ ابن
سِبِرِينَ، عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((إِذا دُعيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ
كانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كانَ صائِمًا فَلْيُصَلِّ)). قالَ هِشامٌ: والصَّلاةُ الدُّعاءُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَواهُ حَقْصُ بْنُ غِياثٍ أيْضًا عَنْ هِشامٍ(١).
باب في الصائم يدعى إلى وليمة
[٢٤٦٠] (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي (حدثنا أبو
خالد) سليمان (عن هشام) بن حسان الأزدي (عن ابن سيرين، عن أبي
هريرة) ﴾.
(قال رسول الله وَّقى: إذا دعي أحدكم فليجب) ولمسلم (٢) عن جابر
أنه فرض عين على كل من دعي، لكن يسقط بأعذار، هذا في وليمة
العرس، وأما غيرها فالأصح أنها مستحبة (فإن كان مفطرًا فليطعم)
بفتح الياء والعين استحبابًا (وإن كان صائمًا فليصل، قال هشام:
والصلاة الدعاء) لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك، هذا قول
الجمهور، وقيل: المراد الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود، أي:
يشتغل بالصلاة ليحصل له ولهم بركتها العامة.
(١) رواه مسلم (١٤٣١) وانظر ما بعده.
(٢) (صحيح مسلم)) (١٤٣٠).

٦٠٤
٧٧ - باب ما يَقُولُ الصّائِمُ إِذا دُعيَ إِلى الطَّعامِ
٢٤٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبي الزِّنادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُريِرَةَ
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذا دُعيَ أَحَدُكُمْ إِلى طَعامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنّي
صائِمٌ))(١).
باب ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام
[٢٤٦١] (حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّى: إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو
صائم فليقل: إني صائم) هو محمول على أنه يقول له اعتذارًا له، فإن
سمح ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسامح وطالبه
بالحضور لزم، وليس الصوم عذرًا في الإجابة.
وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإظهار العبادة النافلة من صيام وصلاة
وغيرهما إذا دعت إليه حاجة، وإلا استحب إخفاؤها. وفيه الإرشاد(٢) إلى
تآلف القلوب بالأعذار.
(١) رواه مسلم (١١٥٠) وانظر ما قبله.
(٢) في (ر): الإشارة.

٦٠٥
= كتاب الاعتكاف
كتاب الاعتكاف

٦٠٧
- كتاب الاعتكاف
[كتاب الاعتكاف]
٧٨ - باب الاعتِكافِ
هو في اللغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه.
قال الشافعي: لزوم المرء شيئًا وحبس نفسه عليه برّا كان أو إثمًا،
قال الله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ الَِّ أَنْتُمْ لَهَا عَكِّفُونَ﴾(١)، وقال تعالى:
﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾(٢).
وفي الشرع: اللبث في المسجد، ويسمى أيضًا جوارًا، ومنه قول
عائشة في حديث ليلة القدر: وهو مجاور في(٣) المسجد (٤).
(١) الأنبياء: ٥٢.
(٢) البقرة: ١٨٧ وانظر: ((البيان في مذهب الإمام الشافعي)) للعمراني (٥٧١/٣)،
((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٤٧٤/٦).
(٣) ساقطة من (ر).
(٤) رواه البخاري (٢٩٦، ٢٠٢٨).

٦٠٨
٢٤٦٢ - حَدَّثَنَا قُتِيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللّيْثُ، عَنْ عُقيْلٍ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيِّ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضانَ حَتَّى قَبَضَهُ
الله، ثُمَّ اغْتَكَفَ أَزْواجُهُ مِنْ بَعْدِهِ (١).
٢٤٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا ثابتٌ، عَنْ أَبي رافِعٍ،
عَنْ أُبَي بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِي ◌ِّكَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ
عامًا، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ أَعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةٌ(٢).
٢٤٦٤ - حَدَّثَنا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ ویَعْلَى بْنُ عُبيدٍ، عَنْ
يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَهَ إِذا أَرَادَ أَنْ
يَغْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعتَكَفَهُ.
قالَتْ: وَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ. قالَتْ: فَأَمَرَ
بِنائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِنائي فَضُرِبَ. قالَتْ: وَأَمَرَ غْرِي مِنْ أَزْواجِ
النَّبِيِ وَّهَ بِنَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَا صَلَّى الفَجْرَ نَظَرَ إِلى الأَبَنِيَةِ فَقالَ: (( ما هُذِه! الْبِرَّ
تُرِدْنَ؟ )). قالَتْ: فَأَمَرَ بِنَائِهِ فَقُوَّضَ وَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوَّضَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ
الاَْتِكَافَ إِلى العَشْرِ الأَوَلِ، يَعْني: مِنْ شَوّالٍ.
قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ ابن إِسْحاقَ والأَوَزاعِيُّ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوَهُ، وَرَواهُ
مالِكٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: أَعْتَكَفَ عِشْرِينَ مِنْ شَوَالٍ (٣).
[٢٤٦٢] (حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن عُقيل) بالتصغير بن خالد،
(١) رواه البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢).
(٢) رواه ابن ماجه (١٧٧٠)، وأحمد ١٤١/٥، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣٤٤)، وابن
خزيمة (٢٢٢٥) ، وابن حبان (٣٦٦٣).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)» (٢١٢٦).
(٣) رواه البخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٣).

٦٠٩
- كتاب الاعتكاف
(عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي وَّ كان
يعتكف العشر الأواخر) جمع آخرة؛ لأن العشر مؤنث، وإنما جمع
باعتبار العشرين الذين قبله، وفي رواية في ((الصحيح)): العشر الآخر
(من رمضان).
فيه دليل على تأكيد استحباب اعتكاف العشر الآخر، فمن رغب في
إقامة هذِه السنة، فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس ليلة
الحادي والعشرين؛ لئلا يفوته شيء منه ويخرج بعد غروب الشمس
ليلة العيد، سواء تم الشهر أو نقص، والأفضل أن يمكث فيه ليلة
العيد حتى يصلي فيه صلاة العيد، أو يخرج منه إلى المصلى لصلاة
العيد ويحيي تلك الليلة، والمقتضي لتأكيد الاعتكاف في العشر الأخير
طلب ليلة القدر.
(حتى قبضه الله تعالى) فيه دليل على أن اعتكافه لم ينسخ، بل استمر
حكمه إلى أن توفي النبي(١) وَ ﴿، وفي مواظبة النبي بَّ عليه ما يدل على
تأكده، وزاد ابن ماجه(٢) في رواية عن ابن عمر: كان إذا اعتكف طرح له
فراشه وراء أسطوانة.
(ثم اعتكف أزواجه من بعده) فيه: أن الاعتكاف ليس من خصائص
النبي ◌َّ، بل هو مسنون له ولمن بعده رجلًا كان أو أمرأة، وهو حجة
على من منع اعتكاف النساء في المسجد؛ فإنهن إنما اعتكفن على نحو ما
كان النبي وسلم يعتكف؛ لأن الراوي عنهن ساق اعتكاف النبي وَلو
(١) ساقطة من (ر).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٧٧٤).

٦١٠
واعتكافهن بعده مساقًا واحدًا، ولو خالفنه في المسجد لذكره، وكان
يقول: غير أن ذلك في بيوتهن.
[٢٤٦٣] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت) بن
أسلم البناني.
(عن أبي رافع) الصائغ بالغين المعجمة، قيل: أسمه نفيع، تابعي
(عن أبي بن كعب، أن النبي ◌َ لقد كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان)
قال ابن المنذر: عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين،
تركوا الأعتكاف والنبي وَّ لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله
تعالى(١). وروى ابن نافع عن مالك: فكرت في الاعتكاف وترك
الصحابة له مع شدة أتباعهم للأمر، فوقع في نفسي أنه کالوصال،
وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحدٍ من السلف أنه اعتكف إلا
عن أبي بكر ابن عبد الرحمن(٢).
(فلم يعتكف عامًا) لأنه كان فيه مسافرًا (فلما كان العام المقبل) بعده
(اعتكف) فيه (عشرين ليلة) أي: متوالية العشر الأخير والأوسط الذي
قبله، ويدل عليه تبويب البخاري على هذا الحديث باب الاعتكاف في
العشر الأوسط من رمضان، وذكر قبله حديث أبي سعيد(٣): أعتكفنا
مع رسول الله # [العشر الأوسط من رمضان. وقيل السبب في
(١) حكاه ابن حجر أيضًا في ((الفتح)) ٢٨٥/٤.
(٢) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر ٢٧٢/٤.
(٣) ((صحيح البخاري)) (٨١٣).

٦١١
= كتاب الاعتكاف
اعتكاف عشرين أنه ( ** ](١) علم بانقضاء أجله، فأراد أن يستكثر من
أعمال الخير لأمته.
وقال ابن العربي (٢): يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك
الاعتكاف في العشر الأواخر؛ بسبب ما وقع من أزواجه واعتكف
بعده عشرًا من شوال، كما سيأتي.
[٢٤٦٤] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن
حازم الضرير (ويعلى بن عبيد) بالتصغير، الطنافسي (عن يحيى بن
سعيد) الأنصاري (عن عَمْرة) بنت عبد الرحمن (عن عائشة قالت: كان
رسول الله ◌َ﴿ إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر ثم دخل معتكفه) رواية
ابن ماجه(٣): صلى الفجر ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فيه (٤).
أخذ بظاهره في الاعتكاف بعد الفجر الأوزاعي والثوري والليث في
أحد قوليه.
ومذهب الشافعي -كما تقدم- وأبو حنيفة ومالك، لا يدخل اعتكافه
إلا قبل غروب الشمس، وسبب هذا الاختلاف أن أول ليلة الاعتكاف
هل هي داخلة في الأيام أم(٥) لا تدخل، وأن اليوم هو المقصود
بالاعتكاف والليل تابع؟ قولان، ومن قال بالأول تأول الحديث على
أن معناه: أنه كان إذا صلى الصبح في الليلة التي دخل من أولها في
(١) ساقطة من (ر).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٦/٤.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (١٧٧١).
(٤) ساقطة من (ر).
(٥) ساقطة من (ر).

٦١٢
اعتكافه دخل فيه اعتكافه التي كان ينزوي فيها نهاره؛ لا أن وقت دخوله
قبته كان أول اعتكافه(١).
(وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فأمر ببنائه)
أي: بخبائه كما في الصحيحين(٢) والخباء واحد الأخبية من وبر أو
صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عودين أو ثلاثة، وما فوق
ذلك فهو بيت (فضُرب) له (فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضُرب) هُذا
يشعر أنها فعلت ذلك بغير إذن، وفي رواية البخاري(٣): فاستأذنته
عائشة أن تعتكف، فأذن لها، فضرب فيه، فسمعت حفصة بها فضربت
فيه، كذا في رواية ابن فضيل(٤) وفي رواية عمر بن الحارث: لتعتكف
معه(٥).
وفي رواية للبخاري: فاستأذنت [حفصة عائشة، وفي رواية فسألت
حفصة عائشة أن تستأذن](٦) لها ففعلت.
(قالت: وأمر غيري من أزواج النبي وَّ ببنائه فضُرب) رواية
البخاري: فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، وفي رواية
ابن فضيل: فسمعت بها زينب فضربت فيه أخرى، وفي رواية عمر بن
(١) ((المفهم)) ٢٤٤/٣ - ٢٤٥.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٠٣٣)، ((صحيح مسلم)) (١١٧٢).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٢٠٤٥).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٢٠٤١).
(٥) ((صحيح ابن خزيمة)) (٢٢٢٤).
(٦) ساقطة من (ر).

٦١٣
- كتاب الاعتكاف :
الحارث: فلما رأته زينب ضربت معهن، وكانت امرأة غيورًا(١).
(فلما صلى) رسول الله وَطير (الفجر نظر إلى الأبنية) في رواية مالك:
فلما أنصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه، إذا أخبية (٢).
وفي رواية ابن فضيل: فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب(٣).
يعني: قبة له وثلاثة للثلاثة، وهذه الرواية تبين أن المراد بقوله في
الحديث ورواية مسلم(٤): وأمر غيرها من أزواج النبي ◌َّ بخبائها
فضرب. لا أن فيه تعميم أزواج النبي ◌ّ بذلك، ويدل على ذلك
رواية ابن عيينة عند النسائي، فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية،
قال: ((لمن هذِه؟)) قالوا: لعائشة وحفصة وزينب(٥).
(فقال: ما هذِه) الأخبية (الْبِرَّ) بهمزة الاستفهام ممدودة(٦) وبغير مد
مع التسهيل، والبر بالنصب على أنه مفعول ((تردن)) مقدمًا، وفي رواية ابن
فضيل: ((حملهن على هذا البر؟ أنزعوها)) (تُردن) بضم أوله، قال (فأمر
ببنائه فقُوّضَ) بضم القاف وتشديد الواو المكسورة وبعدها ضاد معجمة،
أي: نقض وأزيل، وكأنه وَلّ خشي أن الحامل لهن على ذلك المباهاة
والتنافس الناشئ عن الغيرة؛ حرصًا على القرب منه خاصة، فيخرج
الاعتكاف عن موضوعه، أو لئلا يضيق المسجد على المصلين، أو
(١) رواه ابن خزيمة ٣٤٥/٣ (٢٢٢٤)، وأبو عوانة ٢٦٢/٢ (٣٠٧٦)، وابن حبان
٨/ ٤٢٥ (٣٦٦٧).
(٢) ((موطأ مالك)) (٦٩٠).
(٣) رواه البخاري (٢٠٤١).
(٤) ((صحيح مسلم)) (١١٧٢).
(٥) ((سنن النسائي الكبرى)) (٣٣٣٣).
(٦) في (ر): ممدود.

٦١٤
بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصير كالجالس في بيته، وربما شغلنه
عن التخلي للعبادة فيفوت مقصوده، وفي الحديث دليل لصحة اعتكاف
النساء؛ لأنه وَ لو كان أذن لهن، وإنما (١) منعهن من ذلك لعارض.
(وأمر أزواجه) بالنصب (بأبنيتهن فقُوْضت) أزيلت، يقال: قوضت
الخباء أزلت عمده، وفيه منع الرجل امرأته من الاعتكاف بغير إذنه،
وبه قال العلماء كافة.
فلو أذن لها فهل له منعها بعد ذلك؟
فيه خلاف للعلماء، فعند الشافعي وأحمد: له منع زوجته ومملوكه
وإخراجهما من اعتكاف التطوع، ومنعهما مالك، وجوز أبو حنيفة
إخراج المملوك دون الزوجة (٢).
قال القرطبي(٣): وتركه الاعتكاف إنما كان ذلك والله أعلم قبل أن
يدخل في الاعتكاف، وهو الظاهر من مساق الحديث، فلا يكون فيه
حجة لمن يقول أن من دخل في التطوع جاز له أن يخرج منه؛ فإنه
إنما كان(٤) عزم عليه وأراده؛ لا أنه دخل فيه (ثم أخَّر الاعتكاف)
وتركه الاعتكاف في ذلك العشر الذي كان عزم على اعتكافه إنما كان
(١) في (ر) وإن.
(٢) انظر: ((المفهم)) ٢٤٦/٣.
(٣) ((المفهم)) ٢٤٦/٣.
(٤) ساقطة من (ر).

٦١٥
= كتاب الاعتكاف
مواساة(١) لأزواجه وتطييبًا لقلوبهن وتحسنًا لعشرتهن.
وفيه: أن من يعزم(٢) على فعل طاعة أنه يجوز له تركها، بل يكون
الأفضل تركها لمصلحة يترجح فعلها على تلك الطاعة، ولا يقال إن في
هذا ترك حق الله لحق الآدميين؛ لأن حسن المعاشرة وطلب تطييب قلوب
الآدميين من حق الله تعالى، وتأخيره وَّ الاعتكاف إلى ما بعده، دليل
على أن من عزم على طاعة وتركها لعارض يعزم على فعلها فيما بعد
ذلك؛ فإن الصدق في العبادة أن يتمم ما عزم على فعله.
(إلى العشر الأَوَل) فيه: أن من عزم على عبادة وتركها يأتي بها في
أول زمان يمكنه الفعل فيه (يعني: من شوال) فيه دليل على الاعتكاف لا
يختص برمضان، وإن كان الأفضل في رمضان.
وفيه: ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة، وأن من خشي على عمله
الرياء جاز له تركه، و[إن كان الأفضل](٣) أن يأتي به ويجتهد في
الإخلاص.
وفيه: أن الاعتكاف لا يجب بالنية، وأما قضاؤه له على طريق
الاستحباب؛ لأنه كان إذا عمل عملًا داوم عليه، ولهذا لم ينقل أن
نساءه أعتكفن معه في شوال، وأن المرأة إذا اعتكفت أو صلت في
المسجد استحب لها التستر.
وفيه دليل على ما ذهب إليه الشافعي وغيره أنه لا يشترط لصحة
الاعتكاف الصيام، فإن يوم عيد الفطر كان فيه معتكفًا مفطرًا، وهو من
(١) في (ر) مساواة.
(٢) في (ر) عزم.
(٣) ساقطة من (ر).

٦١٦
العشر.
(قال أبو داود: رواه ابن إسحاق والأوزاعي، عن يحيى بن سعيد نحوه
ورواه مالك، عن يحيى بن سعيد قال: أعتكف عشرين من شوال. هكذا
وقع، والمحفوظ: عشرًا من شوال) فيه: فضيلة الأعتكاف في شوال،
وأنه لا يختص برمضان كما تقدم، وفضيلة الاعتكاف المتوالي.

٦١٧
كتاب الاعتكاف
٧٩ - باب أيْنَ يَكُونُ الأَغْتِكافُ
٢٤٦٥ - حَدَّثَنا سُلَيْمَانُ بْنُ داوُدَ الَهْرِيُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ أَنَّ نافِعًا
أَخْبَرَهُ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِي وََّ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضانَ. قالَ
نافِعٌ: وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللهِ المَكانَ الذي يَغْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ مِنَ المَسْجِدِ(١).
٢٤٦٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبي حَصِینٍ، عَنْ أَبي صالِحِ، عَنْ أَبي
هُريْرَةَ قالَ: كَانَ النَّبِي وَ يَعْتَكِفُ كُلَّ رَمَضانَ عَشَرَةَ أيّامٍ فَلَمّا كانَ العامُ الذي
قُبِضَ فِيهِ أَعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا(٢).
باب يكون موضع الاعتكاف معلوم(٣)
[٢٤٦٥] (حدثنا سليمان بن داود المَهْري) بفتح الميم (أنا) عبد الله
(ابن وهب، عن يونس: أن نافعًا أخبره، عن ابن عمر: أن النبي
صَلَىاللّهِ
وَسِلمً
كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان قال نافع) مولى ابن عمر (وقد
أراني) بفتح الهمزة (عبد الله) بن عمر (المكان الذي كان يعتكف فيه
رسول الله) يعني: الموضع الذي كان أختصه لنفسه الذي كانت القبة
التركية تنصب إليه، ومع أنه أختص موضع من المسجد فهو كان الإمام
في حال اعتكافه، فكان يصلي بهم في موضعه المعتاد، ثم يرجع إلى
معتكفه الذي اختصه بعد أنقضاء صلاته. وتحصل منه جواز إمامه
المعتكف، وقد منعها سحنون في أحد قوليه في الفرض والنفل،
(١) رواه البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧١).
(٢) رواه البخاري (٢٠٤٤).
(٣) هكذا في الأصل، وفي المطبوع من ((السنن)) (باب أين يكون الاعتكاف).

٦١٨
والجمهور على جواز ذلك(١).
ويدخل في رجوعه من المصلى إلى معتكفه صلاة الصبح، فيؤخذ منه
أن من أنتقل من مصلاه إلى مكان آخر في المسجد فضيلة من صلى الصبح
ثم جلس في مصلاه حتى يصلي ركعتين.
وأن المراد بالمصلى المسجد جميعه لا البقعة التي صلى فيها (٢)
بعينه كما قال بعضهم (من المسجد) قد يؤخذ منه: أن المسجد شرط
في الاعتكاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ (٣).
[٢٤٦٦] (حدثنا هنَّاه) بن السري، (عن أبي بكر) بن عياش المقرئ،
(عن أبي حَصِين) بفتح الحاء عثمان الأسدي، (عن أبي صالح، عن أبي
هريرة قال: كان النبي ◌َّير يعتكف كل رمضان عشرة أيام) وهو الأواخر
كما تقدم، (فلما كان العام الذي قبض فيه أعتكف عشرين يومًا) قيل:
السبب في ذلك أنه وقالير علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من أفعال
الخير ليبين لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر ليلقوا الله
على خير أعمالهم؛ لما في الحديث: ((خير الناس من طال عمره
وحسن عمله))(٤).
وقيل: السبب فيه أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل رمضان،
(١) ((المفهم)) ٢٤٧/٣.
(٢) في (ر) بها.
(٣) البقرة: ١٨٧.
(٤) رواه الترمذي (٢٣٢٩)، من حديث عبد الله بن بسر، (٢٣٣٠) من حديث أبي بكرة.
وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني (صحيح الجامع)) (٣٢٩٦).

٦١٩
= كتاب الاعتكاف
فلما كان العام الذي قبض فيه [عارضه به مرتين فلذلك أعتكف قدر ما
كان يعتكف مرتين، ويؤيده أن عند ابن ماجه عن هناد عن أبي بكر بن
عياش وفي آخر الحديث متصلًا به وكان يعرض عليه القرآن في كل
عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه](١) عرض عليه مرتين(٢).
(١) سقط من (ر).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٧٦٩)، وانظر: ((فتح الباري)) لابن حجر ٢٨٥/٤.

٦٢٠
٨٠ - باب المُغْتَكِفِ يَدْخُلُ البَيْتَ لِحاجَتِهِ
٢٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبِيْرِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وِّ إِذا
اعْتَكَفَ يُذْنِي إِلَى رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَكانَ لا يَدْخُلُ البيْتَ إلَّ لِحَاجَةِ الإِنْسانِ(١).
٢٤٦٨ - حَدَّثَنَا قُتِيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قالا: حَدَّثَنَا اللّيْثُ، عَنِ
ابن شِهابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِي وََّ نَحْوَهُ.
قالَ أَبُو داوُدَ: وَكَذَلِكَ رَواهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يُتابِعِ أَحَدٌ مَالِكًا عَلَى
عُزْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ وَرَواهُ مَعْمَرٌ وَزِيادُ بْنُ سَعْدٍ وَغيرُهُما عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ
عائِشَةَ(٢).
٢٤٦٩ - حَدَّثَنا سُلْمَانُ بْنُ حَزْبٍ وَمُسَدَّدٌ، قالا: حَدَّثَنَا حَمّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ هِشامِ
ابْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَ يَكُونُ مُغتَكِفًا في المَسْجِدِ
فيناوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الحُجْرَةِ فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ. وقالَ مُسَدَّدٌ: فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حائِضٌ(٣).
٢٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّوبَةَ المَزْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِّ بْنِ حُسيْنٍ، عَنْ صَفِيَّةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه
مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لِيْلاً فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَني - وَكانَ
مَشْكَنُها في دارٍ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ - فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنَّصَارِ فَلَمَّا رَأيا النَّبِي ◌َّ أَسْرَعا
فَقالَ النَّبِيِ وَلَِّ: ((عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّها صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَى)). قالا: سُبْحانَ اللهِ يا
رَسُولَ اللهِ! قالَ: ((إِنَّ الشّيْطَانَ يَجْري مِنَ الإِنْسانِ مَجْرى الدَّم فَخَشِيتُ أَنْ
يَقْذِفَ في قُلُوبِكُما شيْئًا)). أَوْ قَالَ: ((شَرًا))(٤).
(١) رواه مسلم (٢٩٧). وانظر تالييه.
(٢) السابق.
(٣) رواه البخاري (٢٩٥، ٢٩٦، ٢٠٢٨)، ومسلم (٢٩٧). وانظر الحديثين السابقين.
(٤) رواه البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥). وانظر ما بعده.