Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
- كتاب الصوم
وعن أم سلمة قالت: ما رأيت رسول الله و18َه يصوم شهرين متتابعين
إلا شعبان ورمضان(١).
فإن قيل: كيف كان رسول الله وَلل يخص شعبان بصيام التطوع فيه مع
أنه قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)).
فالجواب: أن جماعة أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية لاعتقادهم أن
صيام المحرم أفضل من شعبان كما صرح به الشافعية وغيرهم كما قال
النووي: أفضل الأشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم، وأفضلها
المحرم، ويلي المحرم في الفضيلة شعبان(٢).
والأظهر -كما قال بعض الشافعية والحنابلة وغيرهم - أن أفضل
الصيام بعد شهر رمضان شعبان؛ لمحافظته 0 على صومه أو صوم
أكثره، ويدل على ذلك ما خرجه الترمذي من حديث أنس: سئل النبي
وَلقر: أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: ((شعبان)). تعظيمًا
لرمضان(٣). وذلك لأنه يلي رمضان قبله كما فضل (٤) شوال لكونه يلي
رمضان بعده؛ لما روى ابن ماجه أن أسامة كان يصوم الأشهر الحرم،
فقال له رسول الله: ((صم شوالًا))(٥) فترك الأشهر الحرم وصام شوالا
حتى مات(٦). وفي إسناده إرسال، وقد روي من وجه آخر يعضده.
(١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٧٣٦)، والنسائي في («سننه» (٢١٧٥).
(٢) ((المجموع)) ٣٨٧/٦.
(٣) ((سنن الترمذي)) (٦٦٣).
(٤) في (ر): فعل هو.
(٥) في الأصلين: هنا. وفي الموضع التالي: شوال. والمثبت من ((السنن)) وهو الجادة.
(٦) ((سنن ابن ماجه)) (١٧٤٤).

٥٤٢
فهذا نص في تفضيل صيام شوال على صيام الأشهر الحرم، فإذًا
شوال أفضل الأشهر الحرم؛ فلأن يكون صوم شعبان أفضل بطريق
الأولى، فظهر بهذا أن أفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله
وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منزلته من
الصيام بمنزلة السنن الرواتب من الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق
بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض، فيكون قوله:
((أفضل الصيام بعد رمضان المحرم)) محمولًا على التطوع، وكذا:
((أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل))(١) إنما أريد به تفضيل قيام
الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب التي قبل الفرض وبعده
خلافًا لبعض الشافعية.
(١) رواه مسلم (٢٠٢/١١٦٣) من حديث أبي هريرة.

٥٤٣
= كتاب الصوم
٥٨ - باب في صَوْمٍ شَوّالٍ.
٢٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ العِجْلِيُّ، حَدَّثَنا عُبنْدُ اللهِ -يغني: ابن مُوسَى-
عَنْ هارُونَ بْنِ سَلْمانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ القُرَشِيِّ، عَنْ أَبِيِهِ قالَ سَأَلَّتُ - أَوْ
سُئِلَ النَّبِيِ وََّ- عَنْ صِيامِ الدَّهْرِ فَقالَ: ((إِنَّ لَأَهْلِكَ عَليْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضانَ
والَّذي يَلِيهِ وَكُلَّ أَرْبِعاءَ وَخَمِيسٍ فَإِذا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الذَّهْرَ)).
قالَ أَبُو داوُدَ: وافَقَهُ زيدٌ العُكْلِيّ، وَخالَفَهُ أَبُو نُعْم قالَ: مُسْلِمُ بْنُ عُبيْدِ اللهِ(١).
باب صوم شوال
[٢٤٣٢] (حدثنا محمد بن عثمان) بن كرامة (العِجلي) بكسر العين،
ثم سكون الجيم، روى له البخاري في الرقاق والردة (ثنا عبيد الله بن
موسى العبسي) بإسكان الباء الموحدة، أحد الأعلام على تشيعه، عن
(هارون بن سلمان) ويقال: ابن موسى، لا بأس به (عن عبيد الله)
بالتصغير (ابن مسلم القرشي) له صحبة (عن أبيه) مسلم.
قال ابن عبد البر: يقال: مسلم بن [عبيد الله](٢) الهذلي المدني
القاضي ولا أدري: من أي قريش هو (٣)؟. (قال: سألت أو سئل النبي
وَلّ عن صيام الدهر، فقال: إِنَّ لأَهْلِكَ عَليْكَ حَقّا) وهو الوطء؛ إذ هو
من حق الزوجة، وذلك أنه إذا صام الدهر ووالى القيام بالليل منعها
(١) رواه الترمذي (٧٤٨)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٢٧٨٠).
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٢٠).
(٢) في (ر): جندب.
(٣) ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) ١/ ٤٣٧.

٥٤٤
بذلك حقها من الوطء، ويدخل في الأهل الأولاد والقرابة وحقهم الرفق
بهم ومؤاكلتهم وملازمة صيام الدهر يؤدي نقص (١) حقهم، وأن فيه تقديم
الأولى إذا تعارضت الفضائل (صُمْ رَمَضانَ والَّذِي يَلِيهِ) وهو شوال، وإنما
قال: ((الذي يليه)). ولم يقل: شوال؛ لأن العلة في صيامه كونه يلي
رمضان، أي: يقرب منه كما تقدم في الباب قبله، ولهذا ذكره
المصنف -والله أعلم- باب صوم شوال بعد صوم شعبان إشارة إلى أن
العلة في صيامهما كونهما قبله وبعده كما تقدم.
(وصُم كُلَّ أَزْبِعاءَ) بفتح الهمزة، وكسر الباء والمد، وحكى
الجوهري عن بعض بني أسد فتح الباء فيه، سمي بذلك لأنه رابع أيام
الأسبوع، والجمع أربعاوات وأرابيع(٢). (وَخَمِيسٍ) يجمع على أخمسة
وأخامس، وروى(٣) أبو يعلى عن ابن عباس، قال رسول الله وَل :
((من صام يوم الأربعاء والخميس كتب الله له براءة من النار))(٤).
المراد كل أربعاء وخميس كما في أبي داود (فإذًا) بالتنوين عوض عن
الجملة تقديرها: فإذا صمت ذلك كان كما (قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ) زاد
الترمذي: ((وأفطرت))، قال الترمذي: رواته ثقات(٥).
(١) في (ر): بعض.
(٢) ((الصحاح)) ٣٥٠/٣.
(٣) زيادة من (ل).
(٤) رواه أبو يعلى (٥٦٣٦)، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٨٠).
(٥) ((سنن الترمذي)) (٧٤٨)، لكن الذي ورد من كلام الترمذي على هذا الحديث كما
في المطبوع: حديث غريب.

٥٤٥
- كتاب الصوم
٥٩ - باب في صَوْمٍ سِتَّةٍ أَيّامٍ مِنْ شَوّالٍ.
٢٤٣٣ - حَدَّثَنَا النُّفيليُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ نُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُليم
وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتِ الأَنَّصارِيِّ، عَنْ أَبي أيُّوبَ صاحِبِ النَّبِي ◌َّ ◌َنِ
النَّبِيِ بَّهَ قالَ: ((مَنْ صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٌّ مِنْ شَوّالٍ فَكَأَنَّما صامَ
الدَّهْرَ ))(١).
باب صوم ستة أيام من شوال
[٢٤٣٣] (ثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي،
أخرج له البخاري مقرونًا بغيره، قال الذهبي: صدوق(٢). (عن صفوان
ابن سليم) مصغر، الزهري مولاهم، مولى حميد بن عبد الرحمن بن
عوف (وسعد بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري أخو يحيى بن
سعيد (عن عمر بن ثابت الأنصاري) صاحب أبي أيوب الأنصاري،
(عن أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي ◌َّ قال: مَنْ صامَ رَمَضانَ ثُمَّ
أَتْبَعَهُ بِسِتُّ) رواية البزار: ((وأتبعه بست)) (مِنْ شَوّالٍ)(٣). قال
السخاوي: من شالت الإبل بأذنابها(٤) للطروق(٥).
(١) رواه مسلم (١١٦٤).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) ٦٣٣/٢.
(٣) ((مسند البزار)) (٤١٧٨).
(٤) بعدها في الأصلين: من. وليس لها وجه.
(٥) في (ر): للضراب، وانظر: ((تفسير ابن كثير)) ١٤٧/٤، و((المصباح المنير في غريب
الشرح الكبير)) للفيومي ١٠٨/١، و((شرح شافية ابن الحاجب)) ٢٨٠/٤.

٥٤٦
(فَكَأَنَّما صامَ الدَّهْرَ) تبينه زيادة الطبراني: قال: قلت: لكل يوم
عشرة؟ قال: ((نعم)). ورواية ابن ماجه والنسائي ولفظه: ((جعل الله
الحسنة بعشر؛ فشهر بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة)) (١).
ورواه(٢) ابن خزيمة في «صحيحه» ولفظه وهو رواية للنسائي قال:
((صيام شهر رمضان بعشرة أشهر (٣)، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك
صيام السنة (٤))). وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء
فصاموا هُذِه الستة إثر يوم الفطر منهم الشافعي وأحمد بن حنبل، وكره
مالك وغيره ذلك، وقال في ((موطئه)): لم أر أحدًا من أهل العلم
والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأهل العلم
يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل
الجهالة والجفاء(٥).
قال القرطبي: أي: لئلا يظن أهل الجهالة أنها بقية من صوم
رمضان، فأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم وينقطع
ذلك التخيل، ويدل على اعتبار هذا قوله: (( لا يتقدمن أحدكم رمضان
بصوم(٦) يوم ولا يومين))(٧).
(١) (سنن ابن ماجه)) (١٧١٥)، ((سنن النسائي الكبرى)) (٢٨٧٤).
(٢) و(٣) زيادة من (ل).
(٤) ((صحيح ابن خزيمة)) (٢١١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٨٧٣).
(٥) («موطأ مالك)) ٣١٠/١.
(٦) بعدها في الأصل: نسخة: يصوم.
(٧) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٣٧/٣ والحديث رواه البخاري
(١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢) من حديث أبي هريرة.

٥٤٧
كتاب الصوم
٦٠ - باب كيفَ كانَ يَصُومُ النَّبِيُّ وَّ
٢٤٣٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي ◌ِِّ أَنَّهَا قَالَتْ: كانَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ. ويُقْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ. وَمَا رَأيْتُ
رَسُولَ اللهِ وََّ اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ قَطَّ إلَّ رَمَضانَ، وَمَا رَأيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيامًا
مِنْهُ فِي شَغبانَ(١).
٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرِيِرَةَ، عَنِ النَّبِي وََّ بِمَعْناهُ. زادَ كَانَ يَصُومُهُ إِلَّ قَلِيلاً، بَلْ كانَ
يَصُومُهُ كُلَّهُ(٢).
باب كيْفَ كَانَ يَصُومُ النَّبي
صَلى الله
وَسلم
يعني : التطوع.
[٢٤٣٤] (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر) سالم (مولى
عمر بن عبيد) بالتصغير (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن
عوف (عن عائشة زوج النبي ◌َّر أنها قالت: كان النبي ◌َّو يصوم حتى
نقول) بالرفع والنصب، كقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾(٣) - بالنون يعني:
(١) رواه البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦).
(٢) قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢١٠٤): إسناده حسن صحيح، لكن ذكر أبي
هريرة فيه وهم! والصواب أنه من مسند عائشة كما في الطريق التي قبلها، أو من
مسند أم سلمة کما رواه النسائي وغيره. انتهى.
(٣) البقرة: ٢١٤. قرأها نافع وحده بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب، وكان الكافي يقرؤها
دهرًا رفعًا، ثم رجع إلى النصب.

٥٤٨
أصحابه وخاصته (لا يفطر) رواية البخاري: حتى يقول القائل: لا والله لا
يفطر(١). ورواية البخاري: ما أحب أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته(٢).
يعني: أن حاله في التطوع بالصيام كان يختلف كما يختلف حاله بقيام
الليل، فكان تارةً يصوم من أول الشهر وتارةً من وسطه وتارةً من
آخره، وفي رواية: كان يصوم حتى يقولوا: لا يريد أن يفطر(٣).
(ويفطر حتى نقول) يجوز أن يكون هذا شاهدًا على لغة سليم التي
حكاها ابن مالك في ((التسهيل)) و((الألفية)) وغيرهما أن يجري القول
مجرى الظن مطلقًا. أي: ليس مشروطًا فيه أن يلي استفهامًا، وأن لا
ينفصل بين الاستفهام والفعل، بل يعمل الماضي والمضارع والأمر
واسم الفاعل والمصدر، بل يعمل مطلقًا (٤). وعلى هذا فقوله (لا
يصوم) جملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والتقدير:
يصوم(٥) حتى نظنه لا يفطر بعدها، ويفطر حتى نظنه لا يصوم بعدها،
أي: من كثرة ذلك (وَمَا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ قَطُ إلاَّ
رَمَضانَ) وفي رواية أبي داود الطيالسي: ما صام شهرًا تامًا منذ قدم
أنظر: ((السبعة)) لابن مجاهد ص١٨١، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه
١/ ٩٥ -٩٦.
(١) ((صحيح البخاري)) (١٩٧١).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٩٧٣).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٧٦٩).
(٤) قال ابن مالك في ((الألفية)) ص٢٤ :
وَأُجْرِيَ القَوْلُ كَظَنٌّ مُظْلَقًا
(٥) زيادة من (ل).
عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقًا

٥٤٩
= كتاب الصوم
المدينة غير رمضان(١). (وَمَا رَأيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ) منصوبًا وهو ثاني مفعولي
رأيت، و(في شعبان) يتعلق بـ(صيامًا). (صيامًا) كذا للأكثر بالنصب،
وحکی السهيلي أنه روي بالخفض.
قال ابن حجر: وهو وهم، ولعل بعضهم كتب (صيامًا) بغير ألف
على رأي من يقف على المنصوب بغير ألف فتوهمه مخفوضًا، أو أن
بعض الرواة ظن أنه مضاف؛ لأن صيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها
مضافة وهو باطل قطعًا (٢). (مِنْهُ في شَعْبانَ) إنما كان صيامه فيه أكثر
من غيره لمعانٍ ذكر منها في حديث أسامة معنيان:
أحدهما: أنه شهر يغفل الناس فيه بين رجب ورمضان كما في
الحديث: ((ذاكر الله في الغافلين كالحي بين الأموات))(٣). حتى قال
أبو صالح: إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق(٤).
وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد كثيرة.
والثاني: إنه ينسخ فيه الآجال كما روي عن عائشة: كان أكثر صيام
رسول الله وَّر في شعبان، قال: ((إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت
من يقبض، وأنا أحب أن لا ينسخ أسمي إلا وأنا صائم)) (٥). وقد روي
مرسلًا. وقد روي في شعبان معنى آخر وهو أن النبي ◌َّ كان يصوم من
(١) ((مسند الطيالسي)) (٢٧٤٨).
(٢) ((فتح الباري)) ٢١٤/٤.
(٣) أورده الغزالي في ((إحياء علوم الدين)) ٢/ ٣٩٤.
(٤) رواه ابن منده في ((أماليه)) (٢٩) من حديث ابن مسعود.
(٥) أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٣١٤/١١ بإسناد فيه إسماعيل بن قيس
الأنصاري، وهو منكر الحديث. أنظر «ميزان الاعتدال)) ٢٤٥/١.

٥٥٠
كل شهر ثلاثة أيام، وربما تأخر عليه شيء فيقضيه في شعبان.
وقيل فيه معنى آخر، وهو أن صيامه كان كالتمرين على صيام رمضان
لئلا يدخل على صوم رمضان مشقة وكلفة.
[٢٤٣٥] (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، [عن محمد](١) بن
عمرو) بن علقمة بن وقاص (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن [(عن أبي
هريرة، عن النبي (وَ ﴾](٢) بمعناه، زاد: كان يصومه إلا قليلاً، بل كان
يصومه كله) قيل: إن الكلام الأول مفسر للكلام الثاني، وموضح له،
أي: كان يصوم معظمه، ونقل الترمذي عن كلام العرب إذا صام أكثر
الشهر أن يقال: صام الشهر، يقال: قام لیله أجمع، ولقد كان يغشى،
ويوافقه الرواية السابقة: ما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه فهو شعبان،
وما أستكمل صيام شهر إلا رمضان، ويحمل الكل على الأكثر، كما
تقدم الكلام عليه(٣). والله أعلم.
(١) ساقطة من (ل).
(٢) ساقطة من (ل).
(٣) ((سنن الترمذي)) ١١٤/٣.

٥٥١
= كتاب الصوم
٦١ - باب في صَوْمِ الاثْنِيْنِ والخَمِيسِ.
٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ
أَبي الحَكَم بْنِ ثَوْبانَ، عَنْ مَوْلَى قُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، عَنْ مَوْلَى أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّهُ
أَنْطَلَقَ مَعَ أُسَامَةً إِلى وادي القُرى في طَلَبٍ مالٍ لَهُ فَكَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنِيْنِ وَيَوْمَ
الَخَمِيسِ فَقَالَ لَهُ مَوْلاهُ: لَمَ تَصُومُ يَوْمَ الأَثْنِيْنِ وَيَوْمَ الَخَمِيسِ وَأَنْتَ شيخٌ كَبِيرٌ فَقالَ:
إِنَّ نَبِي اللهِ وَ ◌َّ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنيْنِ وَيَوْمَ الَخَمِيسِ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((إِنَّ
أَعْمَالَ العِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الأَثْنيْنِ ويَوْمَ الخَّمِيسِ».
قالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذا قالَ هِشَامُ الَّسْتَوائِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبي الَحَكَمِ (١).
باب صوم يوم الاثنين والخميس
[٢٤٣٦] (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان) فيه الصرف وعدمه،
(ثنا يحيى) بن سعيد (عن عمر بن أبي الحكم [بن ثوبان](٢)) وقيل:
عمر بن الحكم (بن زيد) المدني صدوق وثق [(عن مولى قدامة بن
مظعون) بالظاء المعجمة (عن مولى أسامة بن زيد)](٣).
قال المنذري: في هذا السند راويان مجهولان هما مولى قدامة بن
مظعون ومولى أسامة. قال: ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن شرحبيل
(١) رواه أحمد ٢٠٠/٥، ٢٠٤، ٢٠٨، وابن خزيمة (٢١١٩)، والدارمي (١٧٩١)،
والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٢٧٨١).
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود)) (٢١٠٥).
(٢) ليست في (ل).
(٣) زيادة من (ل).

٥٥٢
ابن سعد، عن أسامة(١).
(أنه أنطلق مع أسامة إلى وادي القُرى) بضم القاف وادٍ موضع من
أعمال المدينة بين المدينة والشام، قاله الزمخشري وغيره(٢) (في طلب
مال له) قد ضل (فكان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس) فيه التطوع في
السفر بالصيام (فقال مولاه: لم) أصله ما الاستفهامية لما دخل عليها
حرف الجر حذفت ألفها، ويجوز إدخال الهاء عليها في الوقف فيقال:
(له)) (تصوم يوم الأثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير؟) فإنه لما قبض
النبي ◌ّ﴾ كان ابن عشرين سنة وعُمِّر إلى أن مات بعد قتل عثمان،
قيل: سنة أربع وخمسين. قال ابن عبد البر: وهو عندي أصح، نزل
بوادي القرى، قيل: ومات به، وقيل: حمل إلى المدينة(٣).
(فقال: إن نبي الله وَّيل كان يصوم يوم الأثنين ويوم الخميس فسئل عن
ذلك، فقال: إِنَّ أَعْمالَ العِبادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الأثّنيْنِ ويَوْمَ الخَمِيسِ) رواية
النسائي: ((يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن
يعرض عملي وأنا صائم))(٤). فيه دليل على استحباب صوم الأثنين
والخميس والمداومة عليهما من غير عذر، وأغرب الحليمي فيعد في
((منهاجه)) من الصوم المكروه اعتياد يوم بعينه كالاثنين والخميس.
وذكر عن ابن عباس أنه سئل عن صومهما فقال: أكره أن توقت
(١) ((الترغيب والترهيب)) ٧٩/٢. و((صحيح ابن خزيمة)) (٢١١٩).
(٢) انظر: ((معجم البلدان)) ٢/ ٢٢١، ((آثار البلاد وأخبار العباد)) للقزويني ٣٤/١.
(٣) ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) ٢٥/١.
(٤) ((سنن النسائي)) (٢٣٥٨).

٥٥٣
= كتاب الصوم
عليك يومًا تصومه(١).
وعن أنس: إياك أن تكون أثنينّا أو خميسيّا أو رجبيّا(٢).
ووجه الكراهة أن يخصص يوم أو شهر بالصوم دائمًا يشبه رمضان،
وأجيب عن الأحاديث الواردة في صومهما، فإن المعنى: من أراد صيام
يوم أو يومين، فهذان أولى من سواهما أو على أنه يديم صيامهما ما لم
يدع إلى طعام أو ينزل به ضيف يحب أن يؤاكله أو يدخل إلى ذي حرمة
فيقدم له (٣) طعامًا، قال الشافعي: إن خالف بين الشهور فصام بعضها
جميعه مرة وأفطر مرة خرج من الكراهة (وكذا قال هشام) بن أبي
عبد الله (الدستوائي) كان يبيع الثياب الدستوائية، ودستوا من الأهواز.
(عن يحيى، عن عمر بن الحكم) أي: تابع أبان في الرواية عن يحيى.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٩٣٢٩).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٩٨٥٣) بإسنادٍ الراوي فيه عن أنس مبهم.
(٣) في (ر): لها. والمثبت من (ل).

٥٥٤
٦٢ - باب في صَوْمِ العَشْرِ
٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنِ الْحُرِّ بْنِ الصّيَّاحِ، عَنْ هُنيْدَةَ بْنِ
خالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِي وَّ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَصُومُ تِسْعَ
ذي الحِجَّةِ وَيَوْمَ عاشُورَاءَ وَثَلاثَةَ أيّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالَخَمِيسَ(١).
٢٤٣٨- حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ أَبِي
صالِحٍ وَمُجَاهِدٍ وَمُسْلِمِ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبْثٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: ((ما مِنْ أَيَّامِ العَمَلُ الصّالِحُ فِيها أَحَبُّ إِلى اللهِ مِنْ هُذِهِ الأيّامِ)).
يَعْني: أيّامَ العَشْرِ. قالُواً: يا رَسُولَ اللهِ وَلا الجِهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قالَ: (( وَلا الجِهَادُ
في سَبِيلِ اللهِ إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىءٍ))(٢).
باب صوم العشر
أي: عشر ذي الحجة.
[٢٤٣٧] (حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضاح (عن الحر بن الصياح)
بالمثناة تحت والموحدة وهو النخعي ثقة (عن هنيدة) بالتصغير (ابن خالد)
ثقة، روى عنه النسائي أيضًا.
(عن أمرأته، عن بعض أزواج النبي وَّ قالت: كان رسول الله يصوم
تسع ذي الحجة) بكسر الحاء، وروي فتحها، سمي ذلك لإيقاعهم الحج
فيه، ويجمع على ذوات الحجة، استدل به النووي في ((شرح المهذب))
(١) رواه النسائي ٢٠٥/٤، وأحمد ٢٧١/٥. وانظر ما سيأتي برقم (٢٤٥٢).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢١٠٦).
(٢) رواه البخاري (٩٦٩).

٥٥٥
- كتاب الصوم
على استحباب صوم تسع ذي الحجة(١)، وقال: رواه أحمد (٢)
والنسائي(٣).
قال: وأما عائشة قالت: ما رأيت رسول الله وَليه صائمًا في العشر
قط، وفي رواية: لم يصم العشر. رواهما مسلم في (صحيحه))(٤).
وسيأتي الثاني في كلام المصنف، فقال العلماء: هو متأول(٥) على
أنها لم تره، ولا يلزم منه تركه في نفس الأمر؛ لأنه ◌َ لو كان يكون عندها
في يوم من تسعة أيام، والباقي عند باقي أمهات المؤمنين، أو لعله كان
يصوم بعضه في بعض الأوقات، وكله في بعضها ويتركه في بعضها
العارض من سفر أو مرض أو غيرهما، وبهذا يجمع بين الأحاديث(٦).
(ويوم عاشوراء) بالمد على الأفصح وهو اليوم العاشر من المحرم،
وبه قال جمهور العلماء. وقال ابن عباس: عاشوراء هو اليوم التاسع
من المحرم، ثبت ذلك في ((صحيح مسلم))(٧) والصحيح ما قاله الجمهور.
قال النووي: وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو
المعروف عند أهل اللغة (٨)، ويدل عليه قوله وَّالية: ((لئن عشت إلى
(١) ((المجموع)) ٤٣٩/٦.
(٢) ((مسند أحمد)) ٢٧١/٥، ٢٨٨/٦، ٤٢٣.
(٣) ((سنن النسائي)) (٢٤١٧) وانظر: ((المجموع)) ٣٨٧/٦.
(٤) ((صحيح مسلم)) (١١٧٦).
(٥) في (ر): متناول. والمثبت من (ل).
(٦) ((المجموع شرح المهذب)) ٣٨٧/٦-٣٨٨.
(٧) ((صحيح مسلم)) (١١٣٤).
(٨) ((المجموع)) ٦/ ٤٣٣.

٥٥٦
العام المقبل لأصومن التاسع))(١). وهذا صريح في أن الذي كان يصومه
ليس هو التاسع(٢). لما سيأتي بعد إن شاء الله (وثلاثة أيام من كل شهر)
قال النووي: الأيام البيض هي الثلاثة المأمور بصومها من كل شهر وكلام
غيره يقتضي أنها غيرها حيث قالوا: يستحب صيام أيام البيض وصوم
ثلاثة أيام من كل شهر، قال القاضي حسين في تعليقه بعد ذكر
الحديث: اختلفوا في الأيام الثلاثة، فمنهم من قال: أراد به الأيام
البيض. ومنهم من قال: لا، بل هي أوائل كل عشر. و(أول) بالنصب
بدل من ثلاثة (٣). كل (اثنين من الشهر والخميس) قال المتولي من
أصحابنا: صوم ثلاثة أيام من كل شهر سنة، ومتى يستحب؟ قيل:
أيام البيض، وقيل: الأثنين والخميس والاثنين، (فإن كان أوله
الخميس أو الأربعاء مثلًا فإن الخميس يليه، فيحتمل أن يبدأ بصيام
الخميس وبعده الاثنين](٤) الآخر من كل شهر، أي: لهذا الحديث؛
فإنه فسر الأيام البيض بهذا، وهذا(٥) إذا كان أول الشهر(٦) الاثنين
والخميس الآخر، وقد يؤخذ هذا من لفظ الحديث.
[٢٤٣٨] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن أبي
صالح) باذام مولى أم هانئ (ومجاهد ومسلم) بن عمران (البطين) بفتح
(١) رواه مسلم (١١٣٤ / ١٣٤) من حديث ابن عباس.
(٢) ((المجموع شرح المهذب)) ٤٣٣/٦.
(٣) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) ٥٢/٨.
(٤) زيادة من (ل).
(٥) في (ر): هو. والمثبت من (ل).
(٦) في (ر): الأشهر. والمثبت من (ل).

٥٥٧
= كتاب الصوم
الباء (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال رسول الله: ما من أيام العمل
الصالح فيها) يدخل فيه الصيام والذكر والقراءة والصدقة وغير ذلك من
الأعمال الصالحة، لكن ورد في خصوص صيام أيامه وقيام لياليه
وكثرة الذكر فيه أحاديث؛ فمنها ما خرجه الترمذي(١) وابن ماجه(٢) من
رواية النهاس بن قهم، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة،
عن النبي ◌ّلي قال: ((ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من
عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها سنة، وكل ليلة منها بقيام
ليلة القدر)). لكن النهاس بن قهم ضعفوه(٣)، وذكر الترمذي عن
البخاري أن الحديث مروي عن قتادة، عن سعيد مرسلًا (٤). وروئ
ثوير(٥) بن أبي فاختة(٦) -وفيه ضعف- عن مجاهد، عن ابن عمر
قال: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر، [فإن
العمل فيها يعدل عمل سنة(٧). (أحب إلى الله) وأحب هو خبر المبتدأ
الذي هو العمل](٨) وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل كما في رواية
البخاري(٩) (من) متعلق بأحب (هذِه الأيام يعني أيام العشر) أي: عشر
(١) ((سنن الترمذي)) (٧٥٨).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٧٢٨).
(٣) زيادة من (ل). وانظر: الكلام على النهاس في ((تهذيب الكمال)) ٢٨/٣٠-٣٠.
(٤) ((سنن الترمذي)) ١٣١/٣.
(٥) في الأصلين: ثور. والمثبت من مصادر التخريج.
(٦) في (ر): خاصة. والمثبت من (ل).
(٧) أنظر: ((علل الدارقطني)) ١٧/٩، ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٧٦/١٢.
(٨) زيادة من (ل).
(٩) ((صحيح البخاري)) (٩٦٩).

٥٥٨
ذي الحجة، وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من
العمل في غيره من أيام السنة كلها صار العمل فيه وإن كان مفضولًا
أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلًا، ولهذا (قالوا: يا رسول
الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله) ثم
استثنى جهادًا واحدًا هو أفضل الجهاد فقال (إلا رجل) قال الزركشي:
فیه وجهان:
أحدهما: إن الاستثناء متصل أي: إلا عمل رجل؛ لأنه استثناء من
العمل.
وثانيهما : إنه منقطع، أي: لكن رجل يخاطر بنفسه فلم يرجع بشيء
(خرج) إلى الجهاد (بنفسه وماله) رواية البخاري: ((إلا رجل خرج يخاطر
بنفسه وماله))(١). ومعنى ((يخاطر بنفسه)) أي: يكافح العدو بنفسه وجواده
وسلاحه ويوقع نفسه في الهلاك تقربًا إلى الله، فهذا أفضل الجهاد
والعمل فيه أفضل في هذه الأيام وفي غيرها من غيره (فلم يرجع من
ذلك) أي: مما خرج به (بشيء) وقوله: يرجع يحتمل أن يكون معناه
لا يرجع بشيء من ماله ويرجع هو بنفسه، ويحتمل أن يكون معناه لا
يرجع هو ولا شيء مما خرج به بأن يرزقه الله الشهادة في سبيل الله؛
فإنه ◌َلو سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: ((أن يعقر جوادك، ويهراق
دمك)). رواه ابن حبان من رواية جابر (٢) وسمع رسول الله وَ له رجلًا
يقول: اللهم آتني أفضل ما يؤتى عبادك الصالحين فقال له: ((إذن يعقر
(١) ((صحيح البخاري)) (٩٦٩).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) (٤٦٣٩).

٥٥٩
== كتاب الصوم
جوادك وتستشهد))(١).
فهذا الجهاد بخصوصه مفضل على العمل في العشر، وأما بقية أنواع
الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله منها،
وكذلك سائر الأعمال.
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (١١١٣).

٥٦٠
٦٣ - باب في فِطْرِ العَشْرِ
٢٤٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ
عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلّهِ صَائِمًا العَشْرَ قَطُّ (١).
باب في فطره
أي: في فطر عشر ذي الحجة.
[٢٤٣٩] (حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم)
النخعي (عن) ابن أخته (٢) (الأسود) بن يزيد بن قيس من بني بكر بن
النخعي (عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله وَلل صائمًا العشر قط)
هذا معارض للحديث المتقدم: كان يصوم تسع ذي الحجة، وتقدم
جواب النووي عنه.
واختلف جواب الإمام(٣) أحمد عن هذا الحديث؛ فأجاب مرة بأنه
قد روي خلافه وذكر حديث حفصة (٤)، وأشار إلى أنه اختلف في إسناد
حديث عائشة، وأجاب غيره بأنه أختلف حديث عائشة وحفصة عيًّا في
النفي والإثبات، والإثبات(٥) مقدم؛ لأن معه علمًا خفي عن النافي.
(١) رواه مسلم (١١٧٦).
(٢) هكذا بالأصل، والصواب عكسه أن إبراهيم ابن أخت الأسود. أنظر: ((تهذيب
الكمال)» ٢٣٣/٣.
(٣) زيادة من (ل).
(٤) قبل السابق.
(٥) زيادة من (ل).