Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
- كتاب الصوم
سلمة: ((إلا أن يوافق ذلك(١) صومًا كان يصومه أحدكم)) (فليصم ذلك
الصوم) فيه حجة على أصحاب داود حيث قالوا: لا يصح صومه
أصلًا، ولأنه صوم يوم من شعبان فصح صومه كاليوم الذي قبله.
والحكمة في النهي عن الصوم ليتقوى بالفطر ليدخل في رمضان بقوة
ونشاط.
[٢٣٣٦] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن جعفر) ربيب شعبة
الهذلي مولاهم البصري، جالس شعبة نحوًا من عشرين سنة المعروف
بغندر، أشترى مرة سمكًا وقال لأهله: أصنعوه، ونام، فأكل عياله
السمك ولطخوا يده، فلما أنتبه قال: هاتوا السمك، قالوا: قد أكلت.
قال: لا، قالوا: فشم يدك، ففعل فقال: صدقتم لكنني ما شبعت.
(حدثنا شعبة، عن توبة) بفتح المثناة وبعد الواو موحدة (العنبري) ثقة
(عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي
بكر الصديق القرشي التابعي (٢).
(عن أم سلمة، عن النبي ◌ِّر أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا
شعبان) تعارضه رواية ابن عباس في الصحيحين: ما صام رسول الله وَال
(١) المثبت من (ل).
(٢) أبو سلمة ليس كما قال المؤلف إنما هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي
الزهري، المدني، قيل اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل (و قيل اسمه وكنيته واحد)،
وهو الذي روى له أبو داود في ((السنن)) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٣/ ٣٧٠. أما عبد
الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي فلم يكنى بأبي سلمة، وكذلك لم
يروي له أبو داود في ((السنن)) إنما روى له في ((الناسخ والمنسوخ)) وفي ((القدر))
أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٩٨/١٥.

٣٠٢
شهرًا كاملًا غير رمضان(١)، وغير ذلك فنحتاج(٢) في هذا الحديث إلى
تأويل أن المراد بالشهر(٣) التام معظمه، ونقل الترمذي عن ابن المبارك
أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال(٤): صام
الشهر، ويقال: قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض
أمره. قال الترمذي: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك(٥).
وحاصله: أن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى ومخصصة لها، وأن
المراد بالتام الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال.
واستبعده الطيبي؛ لأن كلَّا وتامًا تأكيد لإرادة الشمول، ودفع التجوز
فتفسيره بالبعض منافٍ له، قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله
تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان، وقيل:
المراد بقولها تامًّا أنه كان يصوم من أوله تارةً ومن آخره تارة ومن
أثنائه طورًا، فلا يخلي شيئًا منه من صيام ولا يخص بعضه بصيام دون
(٦)
بعض (٦).
وقال ابن المنير: يحمل التام على المبالغة، والمراد: الأكثر(٧).
(يصله برمضان) ورواية النسائي عن عائشة: كان أحب الشهور إلى
(١) البخاري (١٩٧١)، ومسلم (١١٥٧).
(٢) في (ر): ليحتاج.
(٣) في (ر): أشهر.
(٤) زاد في (ر): ما، وهو خطأ.
(٥) ((سنن الترمذي)) ١١٤/٣.
(٦) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر ٢١٤/٤.
(٧) المصدر السابق.

٣٠٣
- كتاب الصوم
رسول الله وَيقر أن يصوم شعبان كان يصله برمضان(١). وعن أم سلمة: ما
رأيت رسول الله وَ* يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان(٢).
وكان النبي ◌َّلا يصل صيام شعبان برمضان لكن يفصل بينهما بيوم أو
یومین یفطر لیکون فاصلا بينهما کما کان يصل رمضان بما بعده غير يوم
العيد لقربهما من رمضان، لكن الصيام في شعبان أفضل لكثرة الصيام فيه
أکثر من شوال.
فظهر بهذا أن أفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله أو بعده،
وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منزلة صيام التطوع من
رمضان بمنزلة الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض
بالفضل وهي مكملة لنقص الفرائض، فكذلك صيام ما قبل رمضان
وما بعده أفضل من صيام ما بعد منه ويكون قوله: أفضل الصيام بعد
.(٣)(٤) محمول على التطوع المطلق الصيام، فأما ما
رمضان المحرم (٣)
كان قبل رمضان وبعده فإنه يلتحق به في الفضل كما أن قوله في
الحديث: ((أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل)) إنما أريد منه الليل
على التطوع المطلق دون السنن الرواتب عند جمهور العلماء خلافًا
لبعض الشافعية كالنووي وغيره (٥).
(١) ((السنن الصغرى)) ١٩٩/٤.
(٢) عند النسائي أيضا في ((الصغرى)) ١٥١/٤، ٢٠٠.
(٣) رواه مسلم (١١٦٣).
(٤) في (ر) العموم، والمثبت من (ل).
(٥) انظر: ((المجموع)) للنووي ٤٨/٤.

٣٠٤
١٢ - باب في كَراهِيَةٍ ذَلِكَ
٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا قُتِيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ نُحَمَّدٍ قالَ قَدِمَ عَبّادُ بنُ
كَثِيرِ المَدِينَةَ فَمَالَ إِلَى تَجْلِسِ العَلاءِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هذا يُحَدِّثُ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرِرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ قالَ: ((إِذا أَنْتَصَفَ شَعْبانُ فَلا
تَصُومُوا)). فَقالَ العَلاءُ: اللَّهُمَّ إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي، عَنْ أَبِي هُرِيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِنَّ بِذَلِكَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَواهُ الثَّوْرِيُّ وَشِبْلُ بنُ العَلاءِ وَأَبُو عُمِيْسٍ وَزُهْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ
العَلاءِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لا يُحَدِّثُ بِهِ، قُلْتُ لِأَحَدَ: لمَ؟ قالَ: لأنَّهُ كانَ
عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيِ وَّرَ كَانَ يَصِلُ شَعْبانَ بِرَمَضانَ وقالَ عَنِ النَّبِيِ وَّ خِلافَهُ.
قالَ أَبُو داوُدَ: وَلَيْسَ هذا عِنْدِي خِلافَهُ وَلَمْ يَجِئْ بِهِ غيْرُ العَلاءِ عَنْ أَبِيهِ(١).
باب في كراهية ذلك
[٢٣٣٧] (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي مولى الحجاج بن يوسف،
(حدثنا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي، قال الذهبي: صدوق من
علماء المدينة(٢).
(قال: قدم عباد بن كثير) الثقفي العابد بمكة، كان شيخًا صالحًا(٣).
(١) رواه الترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١)، وأحمد ٤٤٢/٢.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٢٥).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) ٦٣٣/٢.
(٣) كان شيخا عابدًا لكنه متروك الحديث. قاله البخاري، والنسائي. أنظر: ((تهذيب
الكمال)» ١٤٥/١٤.

٣٠٥
- كتاب الصوم
(المدينة فمال إلى مجلس العلاء) بن عبد الرحمن، قال أحمد: العلاء ثقة
لا ينكر من حديثه إلا هذا (١). (فأخذ بيده فأقامه) من مجلسه (ثم قال:
اللهم إن هذا يحدث عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب المدني.
(عن أبي هريرة أن رسول الله وَلي قال: إذا أنتصف شعبان فلا تصوموا)
أخذ به جماعة من العلماء منهم الشافعي وأصحابه، ونهوا عن أبتداء
التطوع بالصيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة، ووافقهم بعض
المتأخرين من الحنابلة، وهذا في غير يوم الشك، فإن وصله بما قبله
جاز، وقطع المتولي بأنه يجوز ولا يكره. وأجاب المتولي عن الحديث
بجوابين: أحدهما: أنه ضعيف.
والثاني: أنه محمول على من يخاف عليه الضعف بصومه فيعجز عن
صيام رمضان فيدعه ليتقوى به (٢).
وكأنه أشار إلى تضعيفه، وليس كذلك، فقد رواه أصحاب السنن
منهم الترمذي(٣)، وصححه ولم يضعفه أبو داود، ورواه أحمد (٤)
والنسائي(٥) وابن حبان في ((صحيحه)) (٦) والحاكم(٧) من حديث العلاء
(١) أنظر: ((المحرر في الحديث)) لابن عبد الهادي ص ٣٧٨.
(٢) أنظر: ((المجموع)) للنووي ٣٩٩/٦.
(٣) ((سنن الترمذي)) (٧٣٨)، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا
من هذا الوجه.
(٤) ((المسند)) ٢/ ٤٤٢.
(٥) ((السنن الكبرى)) (٢٩١١).
(٦) ((صحيح ابن حبان)) (٣٥٨٩)، (٣٥٩١).
(٧) ذكره في ((المدخل إلى الإكليل)) ص ٣٩، و((معرفة علوم الحديث)) ص ٩٢.

٣٠٦
ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي وَ له.
وقال الطحاوي: هو منسوخ(١).
وأما حديث أم سلمة قبله وحديث مسلم والبخاري: كان يصوم
شعبان کله.
فأجيب عنه بأنه كان يصوم نصف الدهر، ولم يتيسر له صيام يوم
وإفطار يوم، فكان يصوم ما تيسر له، فإذا دخل شعبان فصل إتمام
صوم النصف فتارة يحتاج إلى صيام كله وتارة يحتاج إلى صيام أكثره،
والحديث محمول على ذلك، وهذا يوافق ما قاله ابن المنير في
الجمع بين الحديثين كما تقدم.
(فقال العلاء: اللهم إن [أبي حدثني](٢) عن أبي هريرة عن النبي وَل
بذلك)(٣) فيه التثبت عند إنكار ما يرويه وإعادة روايته تأكيدًا ودفعًا لما
يتوهم غيره.
(١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٨٢/٢-٨٧.
(٢) في (ر) حديثي، والمثبت من المطبوع من نسخ أبي داود.
(٣) في المطبوع من نسخ أبي داود زيادة: قال أبو داود: رواه الثوري، وشبل بن
العلاء، وأبو عُمَيس، وزهير بن محمد عن العلاء. وكان عبد الرحمن لا يحدث به
قلت لأحمد: لم قال؛ لأنه كان عنده أن النبي ◌َّ و كان يصل شعبان برمضان وقال
عن النبي ◌َّ خلافه.
قال أبو داود وليس هذا عندي خلافه ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه.

٣٠٧
كتاب الصوم
١٣ - باب شَهادَةِ رَجُليْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلالِ شَوّالٍ
٢٣٣٨- حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَخْيَى البَزّازُ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ
سُلْيْمانَ، حَدَّثَنَا عَبّادٌ، عَنْ أَبي مالِكِ الأَشْجَعيّ، حَدَّثَنَا حُسيْنُ بنُ الحارِثِ الَجَدَلِيُّ مِنْ
جَدِيلَةٍ قَيْسٍ أَنَّ أَمِيرَ مَكََّ خَطَبَ ثُمَّ قالَ: عَهِدَ إِليْنا رَسُولُ اللهِ وَلَ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ
فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شاهِدا عَدْلٍ نَسَكْنا بِشَهادَتِهِمَا فَسَأَلَّتُ الْحُسيْنَ بْنَ الحَارِثِ مَنْ أَمِيرُ
مَكَّةَ قَالَ: لا أَدْرِي. ثُمَّ لَقِيَنِي بَعْدُ فَقَالَ: هُوَ الحَارِثُ بْنُ حاطِبٍ أَخُو نُحَمَّدِ ابْنِ
حاطِبٍ ثُمَّ قالَ الأَمِيرُ: إِنَّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ باللهِ وَرَسُولِهِ مِنّ وَشَهِدَ هذا مِنْ رَسُولٍ
اللهِ وَلَّ. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَجُلٍ قَالَ الْحُسيْنُ: فَقُلْتُ لِشَيْخِ إِلى جَنْبِي: مَنْ هذا الذي
أَوْمَأَ إِليْهِ الأَمِيرُ؟ قالَ: هذا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ. وَصَدَقَ كانَ أَعْلَمَ باللهِ مِنْهُ فَقَالَ: بِذَلِكَ
أَمَرَنا رَسُولُ اللهِ وَلِيَ(١).
٢٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ وَخَلَفُ بنُ هِشام المُقْرِئُ قالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعيِّ بْنِ حِراشٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِِّ قالَ: أَخْتَلَفَ
النّاسُ في آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضانَ فَقَدِمَ أَعْرابِيّانِ فَشَهِدا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِّ بِاللهِ لأَهَلاً
الهِلالَ أَمْسٍ عَشِيَّةً فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ النّاسَ أَنْ يُقْطِرُوا. زادَ خَلَفٌ فِي حَدِيثِهِ وَأَنْ
يَغْدُوا إِلى مُصَلاَّهُمْ(٢).
(١) رواه ابن قانع في ((معجم الصحابة)) (١٩٢)، والدارقطني ١٦٧/٢، والبيهقي
٢٤٧/٤، وابن الجوزي في ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) (١٠٧٣).
قال الدارقطني: هذا إسناد متصل صحيح.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٢٦).
(٢) رواه أحمد ٣١٤/٤.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٢٧).

٣٠٨
باب شهادة رجلين على رؤية هلال شوال
[٢٣٣٨] (حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز) بزاءين
معجمتين (أنبا سعيد بن سليمان) القيسي(١)، قال أبو حاتم: لعله أوثق
من عفان(٢). قال أحمد العجلي: هو واسطي ثقة(٣)، قيل: مات وله
مائة سنة، سنة ٢٢٥.
(حدثنا عباد) بن العوام الكلابي (عن أبي (٤) مالك) سعد بن طارق بن
أشيم (الأشجعي، حدثنا حسين بن الحارث) أبو القاسم (الجدلي) بفتح
الجيم والدال المهملة ([من](٥) جديلة قيس) عيلان بعين مهملة ثم
مثناة تحت، احتراز من جديلة طيء، والجديل القبيلة النسبة إليهم
جدلي مثل ثقفي نسبة إلى ثقيف.
(أن أمير مكة) الحارث بن حاطب بالحاء والطاء المهملتين بن
الحارث بن معمر القرشي الجمحي، خرج مع أبيه مهاجرًا إلى أرض
الحبشة، وقيل: ولد(٦) بأرض الحبشة هو وأخوه محمد بن حاطب،
واستعمل عبد الله بن الزبير الحارث على مكة سنة ست وستين،
(خطب، ثم قال: عهد إلينا) وفي رواية: أمرنا (رسول الله وَ ل أن
(١) في (ل): الضبي. وكلاهما في اسمه.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٢٦/٤ (ت ١٠٧).
(٣) (معرفة الثقات)) للعجلي ١/ ٤٠٠ (٥٩٦).
(٤) في (ل): ابن، وهو خطأ.
(٥) من المطبوع.
(٦) سقط من المخطوط. والمثبت كما في ((الطبقات)) لابن سعد ٧٦/٢.

٣٠٩
= كتاب الصوم
ننسك) بفتح أوله وضم السين وكسرها، لغتان مشهورتان، والنسك
العبادة (لرؤيته)(١) واللام للتعليل، والمراد بالنسك هنا الصيام عند
رؤية الهلال كما تقدم (فإن لم نره وشهد شاهدا عدل) أي: برؤيته
(نسكنا) بفتح النون والسين، أي: صمنا رمضان (بشهادتهما) أخرجه
الدار قطني(٢) والبيهقي(٣) وصححاه.
وقال أبو مالك (فسألت الحسين بن الحارث من أمير مكة؟ فقال: لا
أدري) فيه أنه يستحب لمن سئل عما لا يعلمه أن يقول: لا أدري؛ فإنها
نصف العلم (ثم لقيني بعد) بضم الدال بنيت لقطعها عن الإضافة لشبهها
بحيث، والتقدير: بعد ذلك.
(فقال: هو الحارث بن حاطب) (٤) بالحاء والطاء المهملتين كما تقدم
(أخو محمد بن حاطب) قيل: ولد هو وأخوه بالحبشة كما تقدم (ثم قال
الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله) أي: بأحكام الله (ورسوله مني) فيه أن
من سئل شيئًا وعلم من هو أعلم به منه يدل عليه السائل ويأمره بسؤاله،
(وشهد هذا) أي: حضر وعلم (من رسول الله) أي: ما لم أعلمه (وأومأ)
بهمز آخره أي: أشار. قال الجوهري: ولا تقل: أومیت(٥). (بیده إلى
رجل، قال الحسين) بن الحارث (فقلت لشيخ إلى جنبي) قال
الجوهري: يقول: قعدت إلى جنب فلان وإلى جانب فلان بمعنَى (٦).
(١) بعدها في الأصل: نسخة: للرؤية.
(٢) ((سنن الدارقطني)) ٢/ ١٦٧ وقال: هذا إسناد متصل صحيح.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٢٤٧/٤.
(٤) في (ر) الخاطب.
(٦) ((الصحاح في اللغة)) ١١٥/١.
(٥) ((الصحاح في اللغة)) ٩٤/١.

٣١٠
(من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر) بن الخطاب
﴿، قال (وصدق) الأمير قد (كان) عبد الله بن عمر (أعلم بالله)
ورسوله (منه) وممن في زمانه.
(فقال) عبد الله بن عمر (بذلك أمرنا رسول الله وَله) وقد استدل بهذا
الحديث من قال: لا يثبت هلال رمضان إلا بشهادة عدلين، ونص عليه
الشافعي في البويطي، ونقل الربيع عن الشافعي أنه رجع إلى أنه لا يقبل
أقل من شاهدين، وهو القياس(١). هذا لفظه، ولا دليل فيه على هلال
رمضان؛ لأن هذا الحديث إنما هو في هلال شوال كما بوب عليه
المصنف وهو المراد بالنسك.
قال النووي: وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، ومالك،
والأوزاعي، والليث والماجشون(٢).
قال أصحابنا: وإذا شرطنا عدلين فلا مدخل للنساء والعبيد في هذِه
الشهادة، ويشترط لفظ الشهادة، ويختص بمجلس القاضي، ولكنها
شهادة حسبة لا ارتباط لها بالدعوى(٣).
[٢٣٣٩] (حدثنا مسدد وخلف بن هشام المقرئ قالا: حدثنا أبو عوانة)
الوضاح مولى يزيد بن عطاء (عن منصور، عن ربعي بن حراش) بالحاء
المهملة.
(١) في ((الأم)) ٢٣٣/٣: قال الشافعي بعدُ: لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان.
وقد قال بعض أصحابنا لا أقبل عليه إلا شاهدين وهذا القياس ..
(٢) ((المجموع)) ٢٨٢/٦.
(٣) انظر: ((المجموع)) ٦/ ٢٧٧.

٣١١
= كتاب الصوم
(عن رجل من أصحاب النبي وَّر) رواه ابن ماجه من رواية أبي(١)
بشر، عن أبي (٢) عمير بن أنس بن مالك ﴾(٣).
قال أبو حمد الحاكم: كان أبو عمير أكبر أولاد أنس واسمه
عبد الله (٤)، ولا التفات إلى قول ابن عبد البر: أبو عمير هذا
مجهول(٥)، فقد روى عنه ابن ماجه هذا الحدیث، ولیس له عنده غیر
هذا الحديث، وله في ((سنن أبي داود)) حديث واحد، قال فيه: قال أبو
بشر: فأخبرني أبو عمير: إن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه
كان يومئذٍ مريضًا لجعله رسول الله وَي مؤذنًا، وقال في أول الباب:
عن أبي عمير بن أنس بن مالك ، عن عمومة له من الأنصار .. إلخ،
قال: وهذا جميع ما له عندهم.
(قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا
عند النبي ◌ّة) ولفظ رواية ابن ماجه: عن أبي عمير بن أنس قال:
حدثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله قالوا: أغمي علينا
هلال شوال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند
النبي ◌َله.
ورواه أحمد والنسائي وابن حبان كذا ابن ماجه(٦). قال البيهقي:
(١) و(٢) في (ر) ابن، والمثبت من (ل).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (١٦٥٣).
(٤) ((تهذيب الكمال)) (٣٤/ ١٤٢) ت (٧٥٤٥).
(٥) ((التمهيد)) ٣٦٠/١٤.
(٦) ((مسند أحمد)) ٥٨/٥، ((سنن النسائي)) (١٥٥٧)، ((صحيح ابن حبان)) (٣٤٥٦)،
((سنن ابن ماجه)) (١٦٥٣).

٣١٢
إسناده صحيح(١)، وصححه ابن المنذر، رواه ابن حزم (٢).
(بالله) أي: حلفًا بالله؛ لأن اليمين تسمى شهادة كما قال تعالى
فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍ بِاللَّهِ﴾(٣).
وقد يستدل به على جواز حلف (٤) الشاهد بالله إذا لم يحلف ليكون
ذلك أقوى في شهادته وأوقع في النفوس.
(لأهلا) اللام جواب القسم، أي: لقد أهلا أي: رأيا (الهلال) يقال:
أهللنا الهلال واستهللناه بمعنى رأيناه، وسمي الهلال؛ لأن الناس يرفعون
أصواتهم عند رؤيته بالإخبار عنه (أمس) مبني على الكسر؛ لأن المراد به
اليوم الذي قبل يومك، فبني لتضمنه معنى حرف التعريف، ولشبهه الضمير
في التعريف بغير أداة (عشية) أي: عشية أمس، وهو غير منصرف للعلمية
والتأنيث، وانصرف بكرة وعشيًّا لأنه غير علم.
(فأمر رسول الله وَ له الناس أن يفطروا) فيه دليل على اشتراط شاهدين
في هلال غير رمضان، وبه قال العلماء إلا أبو ثور؛ فإنه قال: يقبل في
هلال شوال واحد كما تقدم.
وفيه دليل على أنه يكفي في شاهدي شوال العدالة الظاهرة؛ لأن
النبي وقال﴿ لم يسأل عن حال الأعرابيين الذين شهدا، وللقائل باشتراط
العدالة الباطنة أن يجيب أن الأعرابيين صحابيان، والصحابة ﴿ كلهم
عدول.
(١) ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي ١٠٨/٥.
(٢) ((المحلى)) ٩٢/٥.
(٣) النور: ٦.
(٤) زاد هنا: ((رواية)) ولا وجه لها.

٣١٣
= كتاب الصوم
قال في ((شرح المهذب)): والأصح قبول رواية المستور الحديث،
وكذا الأصح قبول قوله هنا (١).
أي: بناء على القول بأن شهادة رمضان رواية لا شهادة.
(زاد خلف) بن هشام (في حديثه: وأن يغدوا) أي أمر رسول الله
الناس (إلى مصلاهم) توضحه رواية ابن ماجه: فأمرهم رسول الله أن
يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد.
قال ابن الرفعة: وظاهر قوله: أمرهم أن يخرجوا ([إلى مصلاهم من
الغد])(٢) أنهم يخرجون لصلاة العيد وهو بين في رواية هشيم، ولا يجوز
أن يحمل على أنه أمرهم بالخروج ليدعوا ولیری کثرتهم بلا خلاف، بل
ليخرجوا ليقضوا صلاة العيد.
وفيه دليل على أن صلاة العيد تقضى، وفيه خلاف لأصحابنا مبني
على أن النوافل المؤقتة تقضى أم لا؟
فإن قلنا: لا، لم تقض صلاة العيد، وإن قلنا: تقضى؛ على أن
صلاة العيد هل هي بمنزلة صلاة الجمعة في الشرائط والأحكام إن
قلنا: نعم. لم يقض، وإن قلنا: لا -وهو المذهب- قضوها(٣).
والحديث حجة لذلك، وهذا الحديث يبين حديث أبي هريرة
المذكور في باب: إذا أخطأ القوم الهلال في قوله: (( وفطركم يوم
تفطرون)) كما صرح به الأصحاب أن يوم الفطر ليس هو أول يوم
(١) ((المجموع)) ٦/ ٢٧٧.
(٢) في (ر) من الغد إلى مصلاهم، والمثبت من (ل).
(٣) أنظر: ((روضة الطالبين)) للنووي ٧٨/٢.

٣١٤
شوال مطلقًا، بل اليوم الذي يقطع فيه الناس، وكذا يوم النحر ويوم عرفة
هو اليوم الذي يظهر للناس أنه يوم عرفة سواء كان تاسعًا أو عاشرًا
للحديث المتقدم(١).
قال الشافعي في ((الأم)) عقب روايته للحديث: فبهذا نأخذ، وإنما
كلف العباد بالظاهر ولم يظهر إلا يوم أفطروا (٢). أي: وكذا صلاة
عيدهم يوم يعيدون لا اليوم الأول من شوال، وظاهر الحديث أن
شهادة الأعرابيين كانت آخر النهار قبل غروب الشمس، وقد صرح
بذلك في الرواية المتقدمة: فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا.
وإلى العمل بهذا ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق
وابن المنذر من أصحابنا(٣) وصوبه الخطابي(٤)، وحكي عن أبي حنيفة
أنها لا تقضى(٥).
وفصل جمهور الشافعية بين ما إذا شهدوا يوم الثلاثين برؤية الهلال
في الليلة الماضية قبل الزوال؛ فإننا نفطر ونصلي العيد إذا بقي من الوقت
ما يسع جمع الناس وإقامة الصلاة فيه وإن شهدوا بين الزوال وغروب
الشمس أو قبل الزوال بيسير بحيث لا يمكن فيه الصلاة أفطرنا
للحديث وفاتت الصلاة على الصحيح الذي قطع به الجمهور.
(١) ((المجموع)) للنووي ٢٩/٥.
(٢) ((الأم)) ٢٣٠/١.
(٣) ((الإشراف على مذاهب العلماء)) ١١٢/٣ -١١٣.
(٤) («معالم السنن)) ٢/ ٨٧.
(٥) ((معالم السنن)) ٨٨/٢.

٣١٥
- كتاب الصوم :
والوجه الثاني: أن صلاة العيد تقضى للحديث.
قال الخطابي: سنة النبي ◌َّ# أولى، وحديث أبي عمير صحيح،
فالمصير إليه واجب(١).
ولأنها صلاة مؤقتة فلا تسقط بفوات الوقت كسائر الفرائض وقياس
من قال: لا يقضى على الجمعة؛ لأنها معدول بها عن الظهر بشرائط منها
الوقت، فإذا فات واحد منها رجع إلى الأصل.
(١) ((معالم السنن)) ١/ ٢٥٢.

٣١٦
١٤ - باب في شَهادَةِ الواحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضانَ
٢٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرّانِ، حَدَّثَنا الوَلِیدُ یغني: ابن أبي ثَوْرِ ح
وَحَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْحُسيْنُ - يَغْنِي: الْجُعْفي -، عَنْ زائِدَةَ -المَغْنَى-، عَنْ
سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ جاءَ أَعْرابِي إِلى النَّبِي ◌َِّ فَقَالَ إِنَّ رَأيْتُ
الهِلالَ - قالَ الحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ يَعْني رَمَضانَ - فَقالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لا إله إلَّا
اللهُ؟ )). قالَ: نَعَمْ. قالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ )). قالَ: نَعَمْ. قالَ: ((يا
بِلالُ أَذْنْ فِي النّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا))(١).
٢٣٤١ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمّادٌ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ أَنَّهُمْ شَكُوا فِي هِلالِ رَمَضانَ مَرَّةً فَأَرَادُوا أَنْ لا يَقُومُوا وَلا يَصُومُوا فَجَاءَ أَغْرابي
مِنَ الَحَرَّةِ فَشَهِدَ أَنَّهُ رَأى الهِلالَ فَأُتي بِهِ النَّبِيِ نَِّ فَقَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنْ لا إله إلَّ اللهُ
وَأَنّي رَسُولُ اللهِ؟ )). قالَ: نَعَمْ. وَشَهِدَ أَنَّهُ رَأى الهِلالَ فَأَمَرَ بِلالاً فَنادىُ في النّاسِ أَنْ
يَقُومُوا وَأَنْ يَصُومُوا.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً وَلْ يَذْكُرِ القِيامَ أَحَدٌ إلَّ
حَمّدُ بْنُ سَلَمَةَ(٢).
٢٣٤٢ - حَدَّثَنَا نَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيُّ -وَأَنَا
لَجِدِيثِهِ أَتْقَنُ - قالا: حَدَّثَنَا مَزْوانُ -هُوَ ابن ◌ُحَمَّدٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ يَخْيَى
بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سالمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: تَرائى النّاسُ
(١) رواه الترمذي (٦٩١)، والنسائي ١٣١/٤-١٣٢، وابن ماجه (١٦٥٢)، وابن
خزيمة في ((صحيحه)) (١٩٢٣)، وابن حبان (٣٤٤٦).
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٠٢).
(٢) رواه النسائي ١٣٢/٤. وانظر السابق.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٠٣).

٣١٧
= كتاب الصوم
الهِلالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ أَنِي رَأيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النّاسَ بِصِيامِهِ(١).
باب إجازة شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان
[٢٣٤٠] (حدثنا محمد بن بكار بن الريان) براء وياء مثناة تحت،
الرصافي مولى بني هاشم، قال الدارقطني وغيره: ثقة (٢). (حدثنا
الوليد) بن عبد الله [(يعني ابن](٣) أبي ثور) الهمداني بإسكان الميم،
ضعفه أحمد، وقال ابن معين: ليس بشيء(٤).
(وحدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن الخلال شيخ الشيخين،
(حدثنا حسين) بن علي بن الوليد الجعفي قال أحمد: ما رأيت أفضل
منه(٥) (عن زائدة) بن قدامة (المعنى(٦)) بفتح النون.
(عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي
: فقال: إني رأيت الهلال) فيه دليل على أن الشاهد للهلال إذا قال:
أشهد أني رأيت الهلال صحت شهادته، وتوقف في هذه المسألة ابن
أبي الدم من أصحابنا، فقال تفقهًا: إن شهد أن هذِه أول ليلة من
(١) رواه الدارمي (١٧٣٣)، وابن حبان (٣٤٤٧)، والطبراني في «الأوسط)) ٤/ ١٦٥،
والدار قطني ١٥٦/٢، والبيهقي ٢١٢/٤، وابن الجوزي في ((التحقيق)) (١٠٧٠).
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود)) (٢٠٢٨).
(٢) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٥٢٨/٢٤.
(٣) من (ل).
(٤) ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٧٦/٧، ((ميزان الاعتدال)) ٣٤٠/٤.
(٥) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٤٥١/٦.
(٦) في (ر) المعين، والمثبت من (ل).

٣١٨
رمضان كفى استنادًا إلى رؤية الهلال، فإن قال: أشهد أني رأيت الهلال،
ففيه نظر، انتهى. وهو يشير إلى أنه لا يصح كقول المرضعة: أرضعته؛
لأنها شهادة على فعل نفسها.
قال: فإن قال: رأيت هلال رمضان هذا من هذِه السنة في وقت
كذا، وبذلك أشهد. قبل.
وقال ابن الأستاذ في ((شرح الوسيط)): هل يقول: أشهد أني رأيت
الهلال، ويجوز للحاجة، أو يقول: أشهد أن الليلة من رمضان لم أر من
تعرض له. قال: والظاهر عندي هو الأول.
وفي ((أدب الشاهد)) لابن سراقة: يقول: أشهد أيها القاضي أني رأيته
والحديث حجة لهُذِه الشهادة، وقد ذكر في ((الإشراف)) صفة أداء الشهادة
على الهلال فيقول: رأيته في ناحية المغرب، ويذكر غلظ الهلال ودقته
وصغره وكبره وتدويره أو تنويره، وأنه بحذاء الشمس أو في جانب
منه، وأن ظهره إلى الجنوب أو إلى الشمال، وكان في السماء غيم أو
لم یکن.
في الحديث دليل على أن لفظ الشهادة لا يشترط، وهذا على(١)
قولنا أنها رواية، وإن قلنا: شهادة. اشترط، والأصح لا يشترط.
(قال الحسن في حديثه: يعني) بالهلال هلال (رمضان) فإنه لا يقبل
في هلال غير رمضان إلا عدلان. (قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال:
نعم. قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم) فيه دليل على
اشتراط العدالة الظاهرة وهي الإسلام دون العدالة الباطنة، لكن
(١) من (ل).

٣١٩
- كتاب الصوم
الاحتجاج على قبول المستور بحديث هذا الأعرابي ليس بجيد؛ لأنه
صحابي، والصحابة كلهم عدول.
قال أصحابنا: ينبغي للقاضي إذا شهد عنده شاهد بالرؤية أن يأمر
الناس بالصيام بظاهر العدالة ثم يبحث عن عدالته الباطنة إذا لم يعلمها
منه، والمراد بالعدالة الباطنة: هي التي يرجع فيها القاضي إلى قول
المزكين(١).
(قال: يا بلال، أذن في الناس أن) وفي رواية: ((فليصوموا)) (يصوموا)
فيه دليل على ما تقدم أن الإمام يأمر أحدًا أن ينادي في الناس أن يصوموا
(غدًا) وظاهر الحديث أن الذي يأمره القاضي يكون ممن يؤذن للصلوات
وصحح الحديث ابن حبان(٢) وابن خزيمة (٣) والحاكم (٤) وأخرجه
الدار قطني بلفظ: أن أعرابيًّا جاء ليلة رمضان .. الحديث(٥) وفيه عند
أبي يعلى: أبصرت الهلال الليلة (٦) وفيه عندهما: فأمر أن ينادي في
الناس أن يصوموا غدًا.
[٢٣٤١] (حدثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري، (حدثنا
حماد، عن سماك بن حرب، عن عكرمة: أنهم شكّوا) بتشديد الكاف
(١) قاله إمام الحرمين في ((نهاية المطلب)) ١٦/٤.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) (٣٤٤٦).
(٣) ((صحيح ابن خزيمة)) (١٩٢٣).
(٤) ((المستدرك)) ٤٢٣/١.
(٥) ((السنن)) ١٥٩/٢.
(٦) ((مسند أبي يعلى)) (٢٥٢٩).

٣٢٠
المضمومة (في هلال رمضان مرة) هكذا رواه أبو داود مرسلًا، ورواه ابن
خزيمة(١) وابن حبان(٢) والدار قطني(٣) والبيهقي (٤) والحاكم(٥) من طرق
موصولًا ومن طرق مرسلًا، قال النسائي: إنه أولى بالصواب(٦).
والمذهب الصحيح أن الحديث إذا روي مسندًا ومتصلًا احتج به؛ لأن
مع من وصله زيادة وزيادة الثقة مقبولة.
(فأرادوا أن لا يقوموا) لعل المراد به قام رمضان وهو التراويح أو ما
في معناه (ولا يصوموا) في غد (فجاء أعرابي من الحَرَّة) بفتح الحاء
المهملة كل أرض ذات حجارة سود يقال لها: حرة. وذلك لشدة حرها
من وهج الشمس (فشهد) في غير حضرة النبي وَّر (أنه رأى الهلال)
هذا ظاهر بالتلفظ بالشهادة، وهو قول الشافعي.
(فأُتي به النبي ◌َّر فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال:
نعم) فيه دليل على أنه لابد في صحة الإسلام من الشهادتين معًا ويكفيان،
أما من خص الرسالة فلا يكفي في إسلامه حتى يقول: محمد رسول الله
إلى جميع الخلق.
وفيه دليل على أنه لو قيل للكافر: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
(١) ((صحيح ابن خزيمة)) (١٩٢٣).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) (٣٤٤٦).
(٣) («السنن)) ١٥٩/٢.
(٤) ((السنن الكبرى)) ٤/ ٢١٢.
(٥) ((المستدرك)) ٤٢٣/١.
(٦) الحديث في ((السنن)) ١٣٢/٤ بدون ذكر العبارة، لكن الزيلعي ذكرها في ((نصب
الراية)) ٢/ ٤٤٣.