Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
=
= كتاب المناسك
حديث(١) ((لا تجعلوا بيوتكم قبورًا))، أي: لا تتركوا الصلاة في بيوتكم.
[٢٠٤٣] (ثنا حامد بن يحيى) بن هانئ البلخي، قال (ثنا محمد بن
معن المديني) بفتح الميم، قال (أخبرني داود بن خالد) المدني (عن ربيعة
ابن أبي عبد الرحمن) فروخ صاحب الرأي.
(عن ربيعة) بن عبد الله (ابن الهدير) بضم الهاء وفتح الدال مصغر
التيمي، له رؤية، [وذكره ابن حبان](٢) في كبار التابعين(٣).
(قال: ما سمعت طلحة بن عبيد الله) بالتصغير، ابن عثمان التيمي،
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة (يحدث عن رسول الله وَ خلال حديثًا قط)
أي: في المدة التي قضيتها (٤) من عمري (غير [حديث واحد] (٥))
بالنصب صفة لما قبله.
(قال: قلت: وما هو؟ قال: خرجنا مع رسول الله 1840 نريد قبور
الشهداء) أي: لزيارتها، فسرنا (حتى أشرفنا على حرة) بفتح الحاء
المهملة وتشديد الراء، كل أرض ذات حجارة سود يقال لها: حرة،
وذلك لشدة حرها ووهج الشمس فيها (واقم) بكسر القاف.
قال الجوهري: واقم: أطم من آطام المدينة وحرة واقم مضافة
إليها(٦). وكانت وقعة الحرة المشهورة في أيام يزيد بن معاوية في ذي
(١) من (م).
(٢) سقط من (م).
(٣) ((الثقات)) لابن حبان ١٢٩/٣.
(٤) في الأصول الخطية: قططتها. والمثبت هو الجادة.
(٥) سقط من (م).
(٦) أنظر ((الصحاح)) (أطم).

٢٤٢
الحجة عام [٦٣](١) (تدلينا منها فإذا قبور بمحنية) بفتح الميم وإسكان
الحاء المهملة وكسر النون وتخفيف المثناة تحت [يعني: بمنحنى
الوادي، وجمع محنية محاني.
قال الجوهري](٢): وهي معاطف الأودية(٣). [ومنه قول كعب: من
ماء محنية] (٤) قيل: دفن في هذِه القبور سفيان بن عيينة، والمشهور كما
قال ابن الأثير أنه مات بمكة ودفن بالحجون(٥).
فيه مشروعية الدفن بعطف الوادي إذا لم يكن الوادي يمر عليه، فإن
المار بأحد (٦) القبور(٧).
(قلنا: يا رسول الله أقبور إخواننا هذِه؟ قال: هذِه قبور أصحابنا) فيه
التفرقة بين الإخوة والصحابة؛ فإن الصحابة يشترط فيها الاجتماع بخلاف
الإخوة فلا يشترط فيها الاجتماع، ولا أن يكون في عصره كما (٨) قال:
(١) ساقطة من (م).
(٢) سقط من (م).
(٣) ((الصحاح)) (حني).
(٤) ساقطة من (م)، وجاءت في (ر) بعد قوله: (عام ٦٣). ولعل هذا هو مكانها
المناسب. وكعب هو ابن زهير، وقوله من قصيدته: (بانت سعاد).
وتمام البيت:
شجت بذي شبم من ماء محنية صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
انظر: ((جمهرة أشعار العرب)) ص (٦٣٣)، ((النهاية)) لابن الأثير (حنا).
(٥) ((جامع الأصول)» ١٢/ ٤٦٧.
(٦) في (ر): يأخذ.
(٧) كذا في الأصول، ولعله سقط شيء.
(٨) من (م).

٢٤٣
- كتاب المناسك
﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾(١).
(فلما جئنا قبور الشهداء) لعلها التي بأحد؛ فإن النبي وَّ خرج في
آخر حياته إليها وصلى على أهل أحد كما في الصحيحين(٢). قال
العلماء: أراد بالصلاة عليهم الدعاء لهم، استدل به ابن عبد البر على
أن يكون فيمن يأتي بعض (٣) أصحابه أفضل من بعضهم(٤).
(وقال: هذِه قبور إخواننا) فيه فضيلة الجهاد بعد عصره، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر حين لا يجدون أعوانًا.
[٢٠٤٤] (ثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر
﴿يًّا: أن النبي ◌َّ- أناخ) يعني: الإبل التي معه (بالبطحاء التي بذي
الحليفة) وقد تقدم ذكرهما.
قال القاضي: المراد بالإناخة النزول بالبطحاء(6) في رجوعه من
الحج، وليس هذا من مناسك الحج، وإنما نزلها لأنها بطحاء مباركة
كما في الصحيح(٦)، قيل: ولئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا كما نهى
عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة(٧)، فربما وجد الرجل زوجته
(١) الحشر: ١٠.
(٢) البخاري (١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩٦) من حديث عقبة بن عامر.
(٣) كذا في الأصول الخطية. ولعل الصواب: بعد.
(٤) انظر: ((التمهيد)) ٢٥١/٢٠ -٢٥٢.
(٥) زاد في (ر): بذي الحليفة.
(٦) رواه البخاري (١٥٣٥)، ومسلم (١٣٤٦) من حديث ابن عمر.
(٧) رواه البخاري (٥٢٤٧)، ومسلم (٧١٥/ ١٨١) بعد حديث (١٩٢٨) من حديث
جابر.

٢٤٤
على هيئة يستقذرها من الشعث ورثاثة الهيئة، فيكون ذلك سببًا لفقد الألفة
وعدم الصحبة(١). وهذا منه ◌َله إرشاد للأزواج في حق زوجاتهم.
(فصلى بها) فيه استحباب الصلاة بالبطحاء إذا نزل، وأن لا يجاوزها
حتى يصلي فيها، وإن كان في غير (٢) وقت صلاة مكث حتى يدخل وقت
الصلاة فيصلي قال (فكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك) تبركًا بآثار النبي
وَ له. وقد استحب مالك النزول والصلاة فيه(٣).
[٢٠٤٥] (قال مالك) في ((الموطأ)): (لا ينبغي لأحد أن يجاوز
المعرس) بتشديد الراء المفتوحة.
قال القاضي: المعرس: موضع النزول.
قال أبو زيد: عرس القوم في المنزل إذا نزلوا به أي وقت كان من ليل
أو نهار.
وقال الخليل والأصمعي: التعريس: النزول آخر الليل (٤) (إذا قفل)
أي: رجع، [ولا يقال إلا في الرجوع، وربما سميت الرفقة قافلة تفاؤلاً
بالسلامة (راجعًا إلى المدينة حتى يصلي](٥) فيها ما بدا له) وأقله ركعتان.
وزاد في ((الموطأ)»: وإن مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل
الصلاة ثم يصلي ما بدا له (لأنه بلغني أن رسول الله وَّل عرس به)(٦).
(١) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٤٥٦-٤٥٧.
(٢) سقط من (م).
(٣) أنظر ((التاج والإكليل)) ١٣٦/٣.
(٤) ((العين)) للخليل ٣٢٨/١، و((إكمال المعلم)) ٤٥٦/٤.
(٥) سقط من (م).
(٦) ((الموطأ)) ٤٠٥/١.

٢٤٥
= كتاب المناسك
(قال أبو داود: سمعت محمد بن إسحاق) بن يسار (المدني) نسبة إلى
المدينة، صاحب ((المغازي)) ([قال]: المعرس على ستة أميال من المدينة)
وهو نصف بريد وفرسخان.
(ثنا أحمد بن صالح) المعروف بابن الطبري (قال: قرأت على عبد الله
ابن نافع) الصائغ (قال: ثنا عبد الله بن عمر(١) يعني: العمري) بضم
المهملة وفتح الميم.
(عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَّليو كان إذا قدم
يعني من الحج بات بالمعرس حتى يغتدي)(٢) أي: حتى(٣) يصلي الفجر
بها، وهي صلاة الغداة، والسنة في كيفية نوم المسافر ما رواه أبو قتادة أنه
الشّا كان إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبل
الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه. أخرجه مسلم (٤)، وأخرجه
الحاكم في ((المستدرك)) وقال: هو صحيح على شرط مسلم، ولم يروه
مسلم ولا البخاري(٥). وعُدَّ هذا من وهم الحاكم؛ لأن مسلمًا رواه،
اُنتھی.
وإنما نام كذلك قبل الصبح لئلا يستغرق في النوم فتفوته صلاة الصبح
(١) في الأصول الخطية: نافع. والمثبت هو الصواب.
(٢) هذا الحديث ليس في مطبوع ((سنن أبي داود))، وأورده المزي في ((تحفة الأشراف)»
١٠٨/٦ (٧٧٣٠) وعزاه لأبي داود فقط، وقال: هذا الحديث في رواية أبي الحسن
ابن العبد وأبي بكر بن داسه، ولم يذكره أبو القاسم. ا.هـ
(٣) سقط من (م).
(٤) ((صحيح مسلم)) (٦٨٣) (٣١٣).
(٥) ((المستدرك)) ٤٤٥/١.

٢٤٦
أو أول وقتها، والله أعلم (١).
(١) جاء بعدها في (م): وهذا آخر كتاب المناسك والحمد لله، ويتلوه كتاب النكاح إن
شاء الله تعالى.
وكان الفراغ من رقمه في شهر جمادى الأول سنة أحد وثمانين ومائة وألف من
هجرته وية، بقلم أفقر العباد إليه وأحوجهم إلى ما لديه، الراجي عفو ربه، الفقيه
الفقير إلى الله سبحانه حسين بن علي بن عبد الهادي الخولاني، غفر الله له
ولوالديه، ولمالكه ولمن قرأ فيه، وللناظر فيه، ولكافة المسلمين بحق محمد وآله
اَلر، والحمد لله رب العالمين.
مما نسخ بعناية سيدي العلامة الفهامة فخر الإسلام عبد الله بن محيي الدين ... .

طِكِتَابُ النِّكَاجْ

٢٤٩
- كتاب النكاح :
١٢- النَّكَاحُ
١- باب التَّخرِيضِ عَلَى النّكاحِ
٢٠٤٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ،
عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: إِنِي لَأَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنَّى إِذْ لَقِيَهُ عُثْمانُ فاسْتَخْلاهُ،
فَلَمّا رَأَىْ عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَالَ لِي: تَعالَ يا عَلْقَمَةُ. فَجِئْتُ فَقَالَ لَهُ:
عُثْمَانُ: أَلَا نُزَوَّجُكَ يا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِجَارِيَةٍ بِكْرٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا
كُنْتَ تَغْهَدُ؟ فَقالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذاكَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: (( مَنِ
اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَّهُ وِجاءٌ))(١).
وَبِسْمِ اللَّهِ الرََِّ أ
كتاب النكاح
(١) رواه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠).

٢٥٠
باب التحريض على النكاح
[٢٠٤٦] (ثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي مولاهم، الكوفي، شيخ
الشيخين (عن جرير) بفتح الجيم، بن عبد الحميد الضبي الراوي (عن)
سليمان (الأعمش، عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس بن
عبد الله النخعي، يكنى أبا شبل، كان يشبَّه بعبد الله بن مسعود (قال:
إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود بمنى) وللبخاري عن علقمة: كنت
مع عبد الله بن مسعود فلقيه عثمان بمنى(١). وللنسائي: ابن مسعود لقي
عثمان(٢). كذا في ((جامع الأصول)) (٣) ولم أجده في ذا الباب (إذ لقيه
عثمان ، فاستخلاه) أي: أنفرد به في موضع خالٍ، فيه الخلوة عند
استكتام السر إذا احتيج إلى ذلك.
(فلما رأى عبد الله) بن مسعود (أن ليست له) أي (حاجة) لعثمان (فقال
لي: تعال) بفتح اللام، فعل أمر من تعالى: أرتفع. وأصله أن الرجل
العالي كان ينادي السافل فيقول: تعالى. يعني: ارتفع عندي، ثم كثر
حتى أستعمل في معنى: هلم. مطلقًا، سواء كان موضعه أعلى أم
أسفل، فهو في الأصل لمعنى خاص، ثم استعمل في معنى عام، قال
الله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِنَبِ تَعَالَوْا﴾(٤).
(١) ((صحيح البخاري)) (٥٠٦٥).
(٢) ((سنن النسائي) ١٧٠/٤.
(٣) ((جامع الأصول)) ٤٢٦/١١.
(٤) آل عمران: ٦٤.

٢٥١
= كتاب النكاح
(يا علقمة، فجئت فقال: ألا نزوجك؟) لابن مسعود، وهو المراد
بقوله: ألا نزوجك (يا أبا عبد الرحمن) وظاهر هذه الرواية أن قوله:
ألا نزوجك جارية بكرًا؟ كان بحضور علقمة، وظاهر رواية البخاري
أنه قال في غيبة علقمة وغيره، بل حين أنفرد به، ويحتمل أنه قاله
مرتين، مرة في غيبته ومرة في حضوره ليجمع بين الروايتين؛ فإن رواية
البخاري: فخليا(١)، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن
نزوجك بكرًا؟ فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة إلى هذا، أشار
إلي، فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك ..
(جارية) أصل الجارية السفينة، سميت بذلك؛ لسرعة جريها، ثم
قيل للأمة والبنت التي تصلح للزواج، والخدمة جارية على التشبيه
بالسفينة لجريها في أشغال مواليها، والبنت في حوائج والديها
وزوجها، ويؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد تزوج أمرأة أن يسأل عن
حالها في حركتها هل هي نشاط وسرعة وتثبيط وتثاقل عن الحركة وعن
حال أبويها هل هي ممهنة بالخدمة وبالصلاة أو لا تمكن من فعل شيء
بسبب الدلال.
(بكرًا) فيه استحباب تزوج البكر، كما سيأتي في الحديث بعده،
وللنسائي: ألا نزوجك جارية شابة (٢) (لعله) هاء ضمير القصة والشأن
وهو مخالف للقياس من خمسة أوجه في عوده على ما بعده لزومًا،
وأن مفسرة لا تكون إلا جملة، كما في قوله: أن (يرجع إليك من
(١) كذا أكثر روايات البخاري. ورواية الأصيلي: فخلوا. قال ابن التين: وهي الصواب.
(٢) (سنن النسائي)) ١٠١/٦.

٢٥٢
نفسك ما كنت تعهد) أي: من نشاطك وقوة شبابك، ولعل المراد بالرجوع
هنا التذكر، كما في رواية البخاري والنسائي، والمراد: يتذكر ما كان
يعهد من النشاط والقوة بذكر نعم الله تعالى عليه في حال الشباب،
ولا ينسى نعم الله عليه، بل يشكر الله على النعم السالفة والحاضرة.
وفيه استحباب تحصيل ما يُذَكِّره النعم إذا نسيها كأخ نصوح، أو معلم
شفيق مرشد، وزوجة ديِّنة تذكره نعم الله وتعينه على الطاعة، لا زوجة
تشغله عن الله تعالى، فمثل هذا يستحب نكاحها، وفيه أن على
الخليفة أن(١) يتفقد أحوال الرعية لاسيما العاملين والأولياء
والصالحين، وأن يعرض عليهم ما يحتاجون إليه من زواج وغيره، وأن
يدفع عن المحتاج ما يحتاجه من صداق وغيره.
(وقال عبد الله بن مسعود: والله لئن قلت ذاك، لقد سمعت رسول الله
(* يقول) زاد البخاري: ((يا معشر الشباب))(٢) (من استطاع) وفي رواية
له عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله،
فقال عبد الله: كنا مع النبي ◌َ﴿ شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله
ور: ((يا معشر الشباب من استطاع))(٣) (منكم) أصل أستطاع، أستطوع
استثقلت الحركة على الواو فنقلت إلى الساكن قبلها، ثم قلبت الواو ياء،
ومعناه: أطاق وقدر، فليست السين فيه للطلب.
(الباءة) بالمد والهاء على الأفصح، المشهورة، وفيها لغة بالقصر
(١) ليست في النسخة الخطية. ذكرناها ليستقيم الكلام.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٥٠٦٥ - ٥٠٦٦).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٥٠٦٦).

٢٥٣
-- كتاب النكاح
ولغة بلا هاء مع المد، ولغة باهة بالهاء عوض الهمزة، وأصلها لغة
الجماع مأخوذة من المباءة وهي المنزل؛ لأن من تزوج أمرأة بوأها
منزلًا، والمراد بالباءة هنا على الأصح المعنى اللغوي، وإنما يتحقق
قدرته بالقدرة على مؤنته وهي مؤن النكاح، وقيل: بل أطلق اللفظ هنا
على نفس المؤن من مجاز الملازمة، ولو كان المراد الجماع لم يقل:
((ومن لم يستطع فعليه بالصوم))؛ لأن العاجز عن الجماع لا يحتاج
الصوم، إنما يحتاجه من يقدر عليه، لا على مؤنته، فیکسر به شهوته،
وأجيب بأن المراد: وإن لم يستطع الجماع لعدم قدرته على مؤنه فهو
عاجز حكمًا وإن كان قادرًا حسًّا، يدل عليه قوله في الرواية المتقدمة:
كنا شبابًا لا نجد شيئًا. ويرجح الأول رواية النسائي: ((يا معشر
الشباب عليكم بالباءة))(١). ويرجح الثاني رواية النسائي: ((من كان ذا
طول فليتزوج))(٢).
وفي بعض شروح ((التنبيه)) أنها بالمد: القدرة على المؤن، وبالقصر:
الوطء، وبالجملة فالمراد واحد، وإنما الخلاف في التعبير عنه هل هو من
مجاز الاستعارة بإطلاق الباءة على المؤن، أو من حمل الاستعارة على
معناها اللغوي، وهو القدرة شرعًا.
(فليتزوج) معنى التفعل هنا بمعنى الاتخاذ كيتختم إذا اتخذ خاتمًا،
أي: فليتخذ له زوجة، وليس في كلام العرب: تزوجت بامرأة، وأما قوله
تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾(٣) على التضمين، أي: قرناهن بهن، (فإنه
(١) ((سنن النسائي)) ١٦٩/٤.
(٣) الدخان: ٥٤.
(٢) ((سنن النسائي)) ٤/ ١٧١.

٢٥٤
أغض للبصر) أفعل تفضيل إما بمعنى غاضٍّ، كما أشار إليه ابن دقيق
العيد، أو للتفضيل على أنه من غض طرفه أي حفظه، وكل شيء كففته
فقد غضضته، وأريد بالبصر هنا الطرف؛ لرواية النسائي: (( فإنه أغض
للبصر وأحصن للفرج)) (١).
فإن قيل: هل لا يكون غض البصر إلا بهذين الأمرين؟
فالجواب: إن هذين أكثره، وقد يكون غض البصر بأن يغطي رأسه
حتى لا يرى أحدًا إن كان المعني الجارحة، وإن كان المعني الجارحة
مع سكون الفكر في ذلك، فهذا قد يزيله نوع آخر، مثل شدة الخوف
والتألم، كما روى الثوري أنه كان إذا مر به خاطر لغير الله يضرب
نفسه بقضيب، فربما كان يقطع في اليوم الواحد جملة من القضبان.
(ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ذهب بعضهم إلى أنه إغراء
للغائب(٢)، كقوله: ﴿عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ﴾(٣) وسهَّل ذلك تَقَدَّم
المغرى به في: (( من استطاع منكم الباءة))، فصار كالحاضر، وكأنه
قيل: فإن لم تستطيعوا فعليكم بالصوم، ذهب ابن عصفور إلى أن الباء
زائدة في المبتدأ، والتقدير: فعليه الصوم، فهو خبر لا أمر، وضعف
باقتضائه حينئذٍ الوجوب؛ لأن ذلك ظاهر هذِه الصيغة ولا قائل به،
وذهب ابن حزم إلى أنه من إغراء المخاطب بتأويل، فقال: ولعل
مراده: ومن لم يستطع فدلوه على الصوم. وأوله بعضهم بتقدير:
(١) (سنن النسائي)) ٤/ ١٧١.
(٢) انظر: ((إحكام الأحكام)) ٣٩٩/١.
(٣) البقرة: ١٥٨.

٢٥٥
= كتاب النكاح
فأشيروا عليه بالصوم، فحذف فعل الأمر وجعل: ((عليه)) عوضًا منه.
على أن ابن(١) مالك لم يدخل مثل هذا الإغراء، بل ذكره من أحكام
اسم الفعل إذا كان أصله الجار والمجرور أو الظرف، نحو: عليك وإليك
وعندك، بمعنى: الزم، وإليك بمعنى تنح، وفيه دليل على أن الصوم يقطع
مادة النكاح ويضعفها، وهذا أمر منه ولو للشباب كما في رواية البخاري
وغيره أن الشاب له من شهوة النكاح ما قد يغلب عليه، بخلاف الكبير،
فإن تلك المادة الكبرى ليست عنده. وفيه دليل على أن المرء مأمور بعمل
الأسباب؛ لأن النبي وَل أمر بالتسبب في دفع حرارة ما يجده الإنسان مما
أشرف إليه بالتأهل.
(فإنه له وجاء) بكسر الواو وتخفيف الجيم مع المد، وهو رض
الخصيتين، فإن نزعتا نزعًا فهو الخصاء، وأما ما في حديث ابن حبان
بعد قوله: ((وجاء)) وهو الإخصاء، فإما من تفسير بعض الرواة، وإما
مرفوع لكن على المجاز والمشابهة لتقاربهما في المعنى.
قال القرطبي: وقاله بعضهم بفتح الواو والقصر، وليس بشيء،
انتهى(٢). وذكر ابن سيده الوجهين، قال ابن دقيق العيد: وهو من
مجاز المشابهة، الوجاء قطع الفعل، وإعدام الشهوة قطع له أيضًا(٣).
(١) سقطت من الأصل.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٨٥.
(٣) ((إحكام الأحكام)) ١/ ٣٩٠.

٢٥٦
٢- باب ما يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ تَزْوِيجِ ذاتِ الدِّينِ.
٢٠٤٧- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنا يَخْيَى - يَعْنَي: ابن سَعِيدٍ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قالَ: ((تُنْكَحُ
النِّساءُ لأَرْبَع لِمالِها وَلِحَسَبِها وَلِجَمالِها وَلِدِينِها فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ
يَداكَ))(١).
باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين
[٢٠٤٧] (ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد) القطان، قال (ثني عبيد
الله) بالتصغير بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن سعيد
بن أبي سعيد) المقبري (عن أبيه) أبي سعيد بن كيسان (عن أبي هريرة څه،
عن رسول الله وَّ قال: تنكح النساء لأربع: لمالها) وفيه دليل على أن
للرجل الاستمتاع بمال الزوجة، وأنها تقصد لذلك، وإلا فكانت
كالفقيرة، فإن طابت به نفسها فهو حلال، وإن منعت فله بقدر ما بذل
من الصداق.
قال النووي: الصحيح في معنى الحديث، أخبر بما يفعله الناس في
العادة؛ فإنهم يقصدون هذِه الخصال الأربع، وخيرها(٢) ذات الدين
فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين، لا أنه أمر بذلك (٣).
قال عياض في ((الإكمال)): قال الإمام: ظاهر هذا حجة لقولنا أن
(١) رواه البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦).
(٢) في ((شرح النووي)): آخرها عندهم.
(٣) ((شرح النووي)) ١٠/ ٥١-٥٢.

٢٥٧
== كتاب النكاح :
المرأة إذا دفع إليها في الصداق الزوج ليسارها، أو لأنها تسوق إلى بيته
من الجهاز ما جرت عادة أمثالها به، وجاء الأمر بخلافه، أن للزوج مقالًا
في ذلك، ويحط من الصداق الزيادة؛ لاستباحة البضع، كمن اشترى
سلعتين فاستحقت الأدنى منهما، فإنه إنما ينقضي في البيع في قدر
= (١)
المستحقة خاصة
(وحسبها) قال الهروي: أحتاج أهل العلم لمعرفة الحسب مما يعتبر
في مهر مثل المرأة، قال شمر: الحسب: الفعل الجميل للرجل وآبائه،
مأخوذ من الحساب، إذا حسبوا مناقبهم، وذلك أنهم إذا تفاخروا أعد
كل منهم مناقبه ومآثر آبائه، وفي حديث آخر: ((كرم الرجل: دينه،
وحسبه: خلقه)) (٢). (وجمالها) حسن الوجه مطلوب؛ إذ به يحصل
التحصن، والطبع لا يكتفي بالدميمة غالبًا، (ودينها) والحث على الدين
كما سيأتي، وأن المرأة لا تنكح لجمالها؛ ليس زجرًا عن رعاية
الجمال، بل هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع عدم الدين
وقلة الصلاة، ويدل على الالتفات إلى معنى الجمال أن الألفة والمودة
تحصل به غالبًا، وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب الألفة، ولذلك
استحب النظر، ومعلوم أن النظر لا يعرف به الخلق والدين والمال،
وإنما يعرف به الجمال والقبح، وروي أن رجلًا تزوج على عهد عمر،
وكان قد خضب لحيته، فنصل عليه خضابه، فاستعدى عليه أهل
(١) ((إكمال المعلم) ٣٤٦/٤.
(٢) أخرجه أحمد ٣٦٥/٢، وصححه ابن حبان (٤٨٣)، والحاكم ١٢٣/١، ١٦٢/٢
من حديث أبي هريرة. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٢٣٦٩).

٢٥٨
المرأة، وقالوا: حسبناه شابًّا. فأوجعه عمر ضربًا، وقال: غررت القوم.
(فاظفر) أنت (بذات الدين) قال الرافعي في ((أماليه)): الدين يمكن
حمله هنا على الملة والتوحيد، ولكن الأظهر حمله على الطاعات
والأعمال الصالحة والعفة التي هي من واجب الملة، وفي الحديث
الحث على استحباب الدينة فهي أولى من الفاسقة، والمسلمة أولى
من الكتابية، نعم لو كانت المسلمة تاركة للصلاة، قال الزركشي:
ويحتمل أن الذمية الكتابية أولى؛ لأن نكاحها مجمع على صحته
وتاركة الصلاة باطل عند قوم بناء على ارتدادها، فإن كانت ضعيفة
الدين في صيانة نفسها وزوجها وأزرت بزوجها فإن سلك فيها سبيل
الغيرة والحمية لم يزل في بلاء ومحنة وإن سلك سبيل التهاون كان
نقصًا في دينه، وإنما بالغ في الحث على الدين؛ لأنها حينئذٍ تكون
عونًا له على الدين وإن لم تكن متدينة كانت شاغلة عن الدين ومشوشة
له إذ يأمرها بالصلاة فلا تطيع أو تطيع في حضوره دون غيبته.
(تربت يداك) ترب الرجل إذا افتقر، وأترب إذا استغنى، وهذه
الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب
ولا وقوع الأمر به كما يقولون: قاتله الله. وقيل: معناها: لله درك. وقال
بعضهم: هو دعاء على الحقيقة، فإنه قد قال لعائشة: ((تربت يداك))،
لأنه رأى الفقر خيرًا لها، والأول أوجه.

٢٥٩
= كتاب النكاح
٣- باب في تَزْوِيجِ الأَبْکارِ.
٢٠٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، أَخْبَرَنا الأَغْمَشُ، عَنْ سالم بْنِ
أَبِي الَجَعْدِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَةِ: (( أَتَزَّوَّجْتَ؟)). قُلَّتُ:
نَعَمْ. قَالَ: ((بِكْرًا أَمْ تَيِّبًا)). فَقُلْتُ: ثَيِّبًا. قالَ: ((أَفَلا بِكْرٌ تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ))(١).
باب تزويج الأبكار
[٢٠٤٨] (ثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم
الضرير (أنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي
مولاهم، الكوفي (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري،
شهد العقبة مع أبيه وهو صبي، وشهد ما بعد أحد، أستغفر له رسول
الله وَله (قال: قال لي رسول الله: أتزوجت؟) بإثبات همزة الاستفهام،
وسبب استفهامه ما في الصحيحين عن جابر: كنا مع رسول الله رَّ في
غزاة فلما أقفلنا تعجلت على بعير لي، فقال: (( ما يعجلك؟)) فقلت:
إني حديث عهد بعرس، فقال: ((أتزوجت؟)).
(قلت: نعم، قال: بكرًا أم ثيبًا؟) منصوب بفعل مقدر، تقديره:
تزوجت بكرًا أم ثيبًا، ومن حذف الفعل ﴿أَنتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾(٢). أي:
وأتوا خيرًا لكم. (قلت) تزوجت (ثيبًا، قال: أفلا بكرًا)(٣) منصوب
(١) رواه مختصرا ومطولا البخاري (٢٠٩٧، ٢٣٠٩، ٢٩٦٧، ٤٠٥٢، ٥٠٧٩،
٥٠٨٠، ٥٢٤٥، ٥٢٤٧، ٥٣٦٧، ٦٣٨٧)، ومسلم بإثر (١٤٦٦).
(٢) النساء: ١٧١.
(٣) وردها بعدها في الهامش: نسخة: بكر.

٢٦٠
بفعل محذوف، تقديره: أفلا تزوجت بكرًا، رواية البخاري: ((فهلا
جارية)) (١) (تلاعبها وتلاعبك)(٢) قال عياض عن بعضهم: يحتمل أن
يراد بقوله: تلاعبها من اللعاب بكسر اللام، ويدل عليه ما في بعض
طرق مسلم: ((فأين أنت من العذارى ولعابها)) (٣) وما جاء في الحديث
الآخر: ((إنهن أطيب أفواهًا وأنتق أرحامًا)) (٤). ورواية أبي ذر في
البخاري من طريق المستملي: ((ولعابها)) بضم اللام.
قال القاضي: قال أكثر المتكلمين على الحديث: حملوا الملاعبة من
اللعب بدليل قوله في الحديث: ((وتضاحكها وتضاحكك)) وفي كتاب أبي
عبيد: (( وتداعبها وتداعبك))(٥).
ثم قال عياض: وفي الحديث فضل تزويج الأبكار لاسيما للشباب،
وفيه سؤال الإمام رعيته عن أمورها وتفقدهم في مصالحهم، وأن مقصود
النكاح الاستمتاع والاستلذاذ، وبقدر ذلك تكون الألفة وذلك في الأبكار
أوجد، وفيه جواز ملاعبة الأهل والترغيب فيها (٦).
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٣٠٩).
(٢) أخرجه مسلم (٧١٥/ ١١١).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٧١٥/ ٥٥).
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٨٦١) من حديث عويم بن ساعدة. وقد حسنه الألباني في
((صحيح ابن ماجه)) (١٥٠٨).
(٥) ((غريب الحديث)) ٣٣٣/١.
(٦) ((إكمال المعلم)) ٤ /٣٤٨.