Indexed OCR Text

Pages 561-580

كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
٥٦١
-
(تحكم)(١) (المتأولين)(٢) وتسلط أيدي الكائدين على تبديل حرف بحرام
إلى حلال، وحلال بحرام، وكلمة عذاب برحمة، ورحمة بعذاب، ونهي
بأمر، وأمر بنهي، وأما سوى ذلك مما هو جائز في كلام العرب من
نصب وخفض ورفع مما لا (يحيل)(٣) معنى ولا حرج فيه.
وقد روى البغوي: حدثنا محمد بن زياد: حدثنا (أبو) (٤) شهاب
الحناط(٥)، حدثنا داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله وَلّ على بابه،
فقال بعضهم: إن الله قال في آية كذا كذا، وقال بعضهم: لم يقل
كذا، فخرج رسول الله ولي كأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال:
((أبهذا أمرتم؟ إنما ضلت الأمم في مثل هذا، أنظروا ما أمرتم به
فاعملوا به، وما نهيتم عنه فانتهوا))(٦).
(١) من (ص١)، وفي الأصل: حكم.
(٢) في (ص١): المغالين.
(٣) من (ص١)، وفي الأصل: (يحل).
(٤) في الأصول: ابن، وهو خطأ والمثبت من مصادر ترجمته.
(٥) هو عبد ربّه بن نافع الكناني، أبو شهاب الحناط الكوفي، نزيل المدائن، وهو
الأصغر روى عن: داود بن أبي هند والثوري والأعمش وشعبة وغيرهم، روى
عنه: سعيد بن منصور ومحمد بن زياد، وأبو نعيم الفضل بن دكين وغيرهم. أنظر
ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٨١/٦، ((تهذيب الكمال)» ٤٨٥/١٦- ٤٨٨.
(٦) لم أقف عليه بهذا الإسناد، لكن رواه بلفظه أحمد ١٩٥/٢ - ١٩٦، واللالكائي
في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (١٨٠) من طريق إسماعيل بن علية عن داود
ابن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ورواه ابن ماجه (٨٥)، وأحمد ١٧٨/٢ من طريق أبي معاوية.
ورواه أحمد ١٩٦/٢، وابن أبي عاصم في ((السنة)) ١/ ١٧٧ (٤٠٦)، والطبراني في
((الأوسط)) ٧٩/٢ (١٣٠٨)، والقطيعي في ((جزء الألف دينار)) (١٧٧)، وابن بطه =

٥٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فدل هذا أنه لم يكن في السبع التي نزل بها القرآن ما يحيل الأمر
والنهي عن مواضعه، ولا يحيل الصفات عن مواضعها؛ لأنه مأمور
باعتقادها ومنهي عن قياسها عن المعاني؛ لأنه تعالى بريء من
الأشباه والأنداد، وبقيت حركات الإعراب مستعملة لما أنفك من
سواد الخط في المجتمع عليه، وعلى هذا أستقر أمر الإعراب عند
العلماء.
فى ((الإبانة)) (١٢٧٦، ١٩٨٥)، واللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة))
(١١١٨، ١١١٩)، والبيهقي في ((القضاء والقدر)) (٤٤٠، ٤٤١) من طريق حماد
ابن سلمة كلاهما -أبي معاوية وحماد- عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده بلفظ: خرج رسول الله وَّي على أصحابه وهم
يختصمون في القدر .. الحديث.
قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١٤/١: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات،
رواه أحمد في ((مسنده)) من هذا الوجه بزيادة في آخره، وكذا رواه الحارث بن
محمد بن أبي أسامة في ((مسنده)) كما أوردته في ((زوائد المسانيد العشرة)).
وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه)) (٦٩): حسن صحيح.
تنبيه :
شارك داود في رواية هذا الحديث عن عمرو بن شعيب كلٌّ من: مطر الوراق،
وحميد، وعامر الأحول، وقتادة، وثابت، كما عند أحمد، وابن أبي عاصم،
والطبراني، والقطيعي، وابن بطه، واللالكائي، والبيهقي.

٥٦٣
كِتَابُ التَّوْحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
٥٤- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
[القمر: ١٧]
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ
وَقَالَ بَّهِ: (كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)). يُقَالُ: مُيَسَّرٌ: مُهَيَّأْ .
وقال مجاهد(١): يسرنا القرآن للذكر بلسانك هَوَّنَّا قِراءَتَهُ عليك.
وَقَالَ مَطَرِّ الوَرَّاقُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ
(١٧)
[القمر: ١٧] قَالَ: هَلْ مِنْ طَالِبٍ عِلْمِ فَيُعَانَ عَلَيْهِ.
٧٥٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ يَزِيدُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بنُ عَبْدِ
اللهِ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِيمَا يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: ((كُلِّ مُيَسَّرٌ لِمَا
خُلِقَ لَهُ)). [انظر: ٦٥٩٦ - مسلم: ٢٦٤٩ - فتح ١٣ / ٥٢١].
٧٥٥٢- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ
وَالأَغْمَشِ سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيّ ◌َهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ
كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا، فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الأَرَضِ فَقَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
إِلَّا كُتِبَ مَفْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ)). قَالُوا: أَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ
مُيَسَّرٌ ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّى (@) الآية [الليل: ٥])). [انظر: ١٣٦٢ - مسلم: ٢٦٤٧ - فتح
١٣ / ٥٢١] .
ثم ساق حديث عِمْرَانَ ﴾: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِيمَا يَعْمَلُ
العَامِلُونَ؟ قَالَ: ((كُلِّ مُيَسَرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)).
وحديث علي : أَنَّهُ بِّهِ كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا، فَجَعَلَ يَنْكُتُ
(١) ورد في هامش الأصل: كلام مجاهد كنت أحفظه وراجعت نسخه ... صحيحه فلم
أجده فإن كان في الأصل الذي شرح منه فذاك وقد أسنده فيما يأتي فيه الأصل،
وإلا فهو تفسير المؤلف والله أعلم.

٥٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فِي الأَرْضِ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ
الجَنَّةِ)). قَالُوا: أَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلِّ مُيَسَّرٌ ﴿فَمَا مَنْ أَعْطَى﴾.
[الليل: ٥])).
الشرح:
قد سلف الكلام في معنى هذه الأحاديث في كتاب: القدر فراجعه،
وتيسير القرآن للذكر: تسهيله على اللسان ومسارعته إلى القراءة حتى إنه
ربما سبق اللسان إليه في القراءة فيجاوز الحرف إلى ما بعده وتحذف
الكلمة حرصًا على ما بعدها، وقوله: ﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]
أي: متفكر ومتدبر لما يقرأ ومستيقظ لما يسمع، فأمرهم أن يعتبروا
وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن هلك من الأمم قبلهم، وأصله:
(مذتكر)(١) مفتعل من الذكر، أدغمت الذال في التاء ثم قلبت دالًا ،
وأدغمت الذال في الدال؛ لأنها أشبه بالذال من التاء.
فصل :
قوله: ( ((ميسر لما خلق له))). قد أسنده فيما مضى ويأتي، وقول
مجاهد أخرجه ورقاء، عن ابن جريج عنه (٢).
وأثر مطر أخرجه الحاكم في ((المدخل إلى معرفة الإكليل)): حدثنا
أحمد بن محمد، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا يزيد بن موهب، ثنا
(١) في الأصل: مذتكير.
(٢) كذا بالأصل: عن ابن جريج عنه.
وفي ((تفسير مجاهد)) ٢/ ٦٣٧، وابن جرير ٥٥٥/١١: ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح
عن مجاهد: ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِكْرِ﴾. قال: هوّناه.
وعزاه الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣٧٨/٥ للفريابي في ((تفسيره)) بمثل ما في ((تفسير
مجاهد) وابن جرير.

٥٦٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر به(١)، أنبأنا أبو النون
الدبوسي(٢) عن ابن المقير عن الحافظ السلامي إجازة عن زاهر
الشحامي، عن البيهقي، عن الحاكم به.
فصل :
الجنازة بفتح الجيم وكسرها، والكسر للسرير، والفتح للميت، قاله
أبو عبيد(٣)، وقال غيره عكسه، وقال الهروي: يقال بالفتح والكسر وقد
سلف ذلك غير مرة، وفي ((الصحاح)): الجنازة واحدة الجنائز، قال:
والعامة تقول: واحد الجنازة بالفتح، قال: والمعنى الميت على
السرير فإذا لم يكن عليه ميت فهو سرير ونعش(٤).
وقوله: (فجعل ينكت). بضم الكاف أي: يضرب في الأرض فيؤثر
فيها .
الآية [الليل: ٥]، قال ابن عباس
وقوله: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى (
رضي الله عنهما: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾﴾ [الليل: ٦]: بالخلف(٥)، وقال
مجاهد: بالجنة (٦)، وقال عطاء: بلا إله إلا الله.
(١) ((المدخل إلى معرفة الإكليل)) ص ٢٣. وفيه: عن مطر الوراق في قوله تعالى: ﴿أَوْ
أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ قال: إسناد الحديث. وورد في هامش الأصل: وقد رأيت أثر مطر
في ((سنن الدارمي)) في أوائله في باب: فضل العلم والعالم قال: أخبرنا محمد بن
كثير، عن ابن شوذب، عن مطر فذكره. أنظر [((سنن الدارمي)) ٣٦٤/١ (٣٥٨)].
(٢) ورد بهامش الأصل: يونس بن إبراهيم بن عبد القوي بن داود ( .. ) الدبوسي. [انظر
ترجمته في: ((الدرر الكامنة)) ٤٨٤/٤].
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٣٠٦/١.
(٤) ((الصحاح)) ٨٧٠/٣.
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦١٢/١٢ (٣٧٤٣٨).
(٦) المصدر السابق ٦١٣/١٢ (٣٧٤٥١).

٥٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
﴾(١)
وروى محمد بن إسحاق: أن هذا القول في أبي بكر الصديق ضـ
ومعنى اليسرى: للحال اليسرى، وقوله: (﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ﴾). هو
،
أبو سفيان(٢) .
فصل :
لا بأس أن نذكر طرفًا مما أسلفناه على حديث عمر مع هشام رضي
الله عنهما السالف في الباب قبله.
قال بعض العلماء: الخلاف الذي وقع بينهما غير معلوم،
وقيل: ليس في السورة عند القراء اختلاف فيما ينتقص فيها من كتب
المصحف سوى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقرئ:
(سرجًا)(٣) على أنه جمع سراج وباقي ما فيها من اختلاف القراءة
لا يخالف خط المصحف.
فصل :
مما أسلفنا هناك من الأحرف السبعة: القراءات، قاله الخليل (٤).
أو سبعة أنحاء كل نحو منها جزء من أجزاء القرآن لا نحا غيره (٥)،
وذهبوا إلى [أن](٦) كل حرف منها صنف من الأصناف نحو قوله
تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] أي: نوع من
(١) ((السيرة)) لابن إسحاق ص ١٧١ - ١٧٢.
(٢) رواه عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر كما في ((الدر المنثور)) ٦/ ٦٠٥ من
طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٣) ((الحجة للقراء السبعة)) لأبي الحسن الفارسي ٣٤٧/٨، ((الكشف عن وجوه القرآت
السبع» لمکيِّ ١٤٦/٢
(٤) انظر: ((البرهان في علوم القرآن)) ٢١٤/١.
(٥) كذا بالأصل.
(٦) زيادة يقتضيها السياق.

٥٦٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
الأنواع التي يعبد عليها، فمنها ما هو محمود، ومنها ما هو بخلاف
ذلك، مراده أن منها زجرًا وأمرًا وحلالًا وحرامًا ومحكمًا ومتشابهًا
وأمثالًا، أو سبع لغات مفترقات في القرآن على لغات العرب كلها
يمنها ونزارها؛ لأنه القَّ لم يجهل شيئًا منها فكان أوتي جوامع
الكلم، وهذا قول أبي عبيد في تأويل هذا الحديث(١).
وقيل: هَذِه (اللغات) (٢) السبعة في مضر، ودليل ذلك قول عثمان
طه: نزل القرآن بلسان مضر. وقبائل مضر: كنانة وأسد وهذيل وتميم
وضبة وقيس فهي سبع قبائل(٣) تستوعب سبع لغات، وأنكر آخرون أن
تكون كلها في مضر، وقالوا: في مضر شواذ لا يجوز قراءة القرآن بها
(مثل) (٤) كشكشة (قيس)(٥)، وعنعنة تميم، وكشكشة (قيس) (٦) يجعلون
كاف المؤنث شيئًا، يقولون: يا هذِه (ادعي)(٧) لي ربش: أي: ربك،
وعنعنة تميم يقولون في أن: عن، وبعضهم يبدل السين تاء فيقولون
في الناس: النات(٨) .
وأنكر أكثر العلماء أن معنى سبعة أحرف: سبع لغات؛ لأنه من
كانت لغته شيئًا قد حمل عليها لم ينكر عليه، وفي فعل عمر ظه
(١) ((غريب الحديث)) ٤٥١/١-٤٥٢.
(٣) كذا بالأصل، والمذكور ست قبائل.
(٢)
في الأصل: اللغة.
(٤) من (ص١).
(٥) في الأصل: قريش، والمثبت من ((التمهيد)) ٢٧٧/٨، و((تفسير القرطبي)) ٣٩/١،
و((البرهان في علوم القرآن)) ٢٢٠/١.
(٦) التخريج السابق.
(٧) في الأصل: أدعو، والمثبت هو الصواب.
(٨) انظر: ((التمهيد)) ٢٧٧/٨-٢٧٨، ((تفسير القرطبي)) ٣٩/١، ((البرهان في علوم
القرآن)» ٢١٩/١-٢٢٠.

٥٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
دليل، (لأن)(١) عمر ﴾ قرشي عدوي، وهشام بن حكيم قرشي أسدي،
ومحال أن ينكر عمر لغته، كما محال أن يقرئ أحدًا بغير ما يعرفه من
لغته.
والأحاديث الصحاح بمثل خبر عمر﴾. وقالوا: معنى سبعة
أحرف. أي: أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو:
أقبل(٢) وتعال وهلم(٣).
وذكر الشيخ أبو الحسن في ((تمهيده)): إجازة مالك القراءة بما روي
عن عمر : (فامضوا إلى ذكر الله)، ولم يقرأه أحد من القراء الذين
ذكرهم ابن مجاهد، ثم قال: ليس معنى قول مالك هذا الإطلاق أن
تتخذ القراءة، (بهذا) (٤) سنة. إنما معناه: لا حرج على من قرأ بشيء
وقد قرأ به.
وقيل: أراد مالك لا بأس أن يقرأ الإمام على المعنى ليبين معنى
فَاسْعَوْا﴾ .
وقيل: إنما جاز لهم ذلك في وقت خاص (للضرورة)(٥)؛ وذلك أنه
كان يشق على من له لغة أن يتحول عنها، فوسع لهم اختلاف اللفظ مع
اتفاق المعنى حتى كثر من كتب منهم، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول
الله ◌َّ فارتفع حكم السبعة الأحرف(٦).
(١) في الأصل: أن، والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) في الأصل: (بل) والمثبت من ((التمهيد)).
(٣) أنظر: ((التمهيد)) ٢٨١/٨.
(٤) في الأصل: فهذا، والمثبت هو المناسب للسياق.
(٥) من (ص١) وبيض لها في الأصل.
(٦) انظر: ((التمهيد)) ٢٩٤/٨.

٥٦٩
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وروي عن ابن زياد عن مالك في معنى سبعة أحرف قال: هو مثل:
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿غَفُورًا رَحِيًّا﴾، ونحو هذا يقول: يقرأ مكان هذا
ما لم يجعل آية رحمة آية عذاب.

٥٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥٥- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿بَلْ هُوَ قُزْءَانٌ تَجِيدٌ
٢١
فِي لَوْجِ مَّحْفُوظ
(٢٢)
[البروج: ٢١ - ٢٢]
﴾﴾ [الطور: ١ - ٢].
﴿وَالُورِ ﴿ وَكِتَبٍ مَسْطُورٍ
قَالَ قَتَادَة: ﴿مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٌ، ﴿فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ﴾ [الزخرف: ٤]
جُمْلَةِ الكِتَابِ وَأَصْلِهِ، ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ [ق: ١٨] مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ
شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:
يُكْتَبُ الخَيْرُ وَالشَّرُّ. ﴿يُحَرَفُونَ﴾ [النساء: ٤٦] يُزِيلُونَ،
وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللهِ، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ
يَتَأَوَّلُونَ عَلَى غَيْرٍ تَأْوِيلِهِ، دِرَاسَتُهُمْ: تِلَاوَتُهُمْ. ﴿وَعِيَةٌ ﴾
[الحاقة: ١٢]: حَافِظَةٌ، وَتَعِيْهَا: تَحْفَظُهَا. ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ. ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: هذا
القُرْآنُ فَهْوَ لَهُ نَذِيرٌ.
٧٥٥٣ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطِ: حَدَّثَنَا مُغْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا
عِنْدَهُ: غَلَبَتْ - أَوْ قَالَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي. فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ)).
[انظر: ٣١٩٤ - مسلم: ٢٧٥١ - فتح ١٣ / ٥٢٢].
٧٥٥٤- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِ غَالِبٍ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ،
سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَبَا رَافِعٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه يَقُولُ: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ
رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. فَهْوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ)). [انظر: ٣١٩٤ - مسلم:
٢٧٥١ - فتح ١٣ / ٥٢٢].

٥٧١
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقال لِي خَلِيفَةُ: ثَنَا مُعْتَمِرٌ قال: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي
رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ قَالَ: ((لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ
كَتَبِّ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ - أَوْ قَالَ: سَبَقَتْ- رَحْمَتِي غَضَبِيٍ. فَهْوَ عِنْدَهُ
فَوْقَ العَرْشِ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا مُعْتَمِرٌ، قال
سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: ثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَبَا رَافِعٍ حَدَّثَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهَ يَقُولُ: ((إِنّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ
الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. فَهْوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ)) .
الشرح :
(٣)) [البروج: ٢١] أي: كريم على الله،
قوله: ( ﴿بَلْ هُوَ قُزْءَانٌ تَجِيدٌ
وقرأ محمد البناني بخفض ﴿تَجِيدٌ﴾ أي: قرآن رب مجيد، وقيل: معنى
﴿تَجِيدٌ﴾: أحكمت آياته وبينت وفصلت.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الله اللوح المحفوظ من درة
بيضاء، دفتاه یاقوتة حمراء، قلمه نور، وکتابه نور، ينظر الله (إليه)(١) كل
يوم ثلاثمائة وستين نظرة يحيي في كل نظرة ويميت، ويعز ويذل، ويفعل
ما يشاء في لوح محفوظ وهو أم الكتاب عند الله(٢).
وقرأ نافع (محفوظ) بالرفع على أنه نعت لقرآن، المعنى: بل هو
قرآن مجيد محفوظ، وقرأه غيره بالخفض بعد اللوح.
وقوله: (﴿وَالُورِ ) وَكِتَبٍ مَسْطُورٍ
﴾ [الطور: ١ - ٢] قيل:
الطور جبل بالشام.
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) سبق تخريجه، في أثناء شرحه لباب: كل يوم هو في شأن.

٥٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأثر قتادة أخرجه عبد الرزاق(١) عن معمر عنه، وفي بعض نسخ
البخاري قال: يسطرون. يكتبون في أم الكتاب، والكتاب: القرآن في
أيدي السفرة، قاله الحسن.
وقال الزجاج: الكتاب ههنا على ما أثبت على بني آدم من
(٢)
أعمالهم(٢) .
وقوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَبِ﴾ جملة الكتاب وأصله. هذا قول قتادة(٣)،
ونظيره: إنه لقرآن مجيد في لوح محفوظ، وقيل: ﴿وَإِنَّهُ فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ﴾
يعني ما قدر من الخير والشر.
وأثر ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه علي بن أبي طلحة الشامي
في ((تفسيره)) عنه(٤)، وما ذكره في ﴿يُحَرَفُونَ﴾ هو رأيه وهو أحد
القولين(٥) وتجويز أصحابنا الاستنجاء بأوراق التوراة والإنجيل معللين
بتبديلهما يخالفه.
(١) عبد الرزاق في ((تفسير القرآن العزيز)) ١٩٩/٢ (٢٩٩٨).
(٢) أنظر: ((زاد المسير)) ٤٦/٨.
(٣) رواه ابن جرير في ((تفسيره)) ١٦٦/١١.
(٤) ((صحيفة عليّ بن أبي طلحة)) ص ٤٦٢ (١١٨٦).
(٥) ورد في هامش الأصل: ولابن القيم في المسألة ثلاثة أقوال في ((إغاثة اللهفان))
ونقل هذا المذهب عن البخاري واختيار الرازي وطائفة أخرى من أهل الحديث
والفقه والكلام. ثم قال: وسمعت شيخنا - يعني: ابن تيمية- يقول: وقع النزاع في
هُذِه المسألة بين بعض الفضلاء وبين غيره فاختار هذا المذهب فأنكر عليه فأحضر
لهم خمسة عشر نقلا، إلى أن قال ابن القيم: وتوسطت طائفة ثالثة فقالوا: وزيد
فيها وغيرٌ ألفاظ يسيرة ولكن أكثرها باق، وممن اختار هذا القول شيخنا. يعني:
ابن تيمية أبا العباس.
[انظر: ((إغاثة اللهفان)) ٣٥٢/٢-٣٥٤].

٥٧٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ هذا القرآن. أي: ومن بلغهم هذا القرآن
وإنما حذف الهاء من بلغ؛ لطول الأسم. ذكره النحاس. وقيل: من
بلغ أي: مبلغ الحُلم، كما تقول فلان: قد بلغ(١) .
وقوله: ((لما قضى الله الخلق)) قيل: لما فرض، وقيل: لما خلق،
مثل: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ وقوله: ((فهو عنده فوق العرش)). قيل:
معناه دون العرش.
قال الداودي: يحتمل أن يكون في اللوح المحفوظ، ويحتمل أن
يكون فيه وفي کتاب غيره.
قال المهلب: وما ذكره الَّ من سبق رحمة الله لغضبه فهو ظاهر؛
لأن مَن غَضِب الله عليه من خلقه لم يخيبه في الدنيا من رحمته ورأفته
بأن رزقه وخوله في نعمه مدة عمره، أو وقتًا من دهره، ومگَّنه من
آماله وملاذِه، وهو لا يستحق بكفره ومعاندته لربه غير أليم العذاب،
فكيف رحمته بمن آمن به، واعترف بذنوبه، ورجا غفرانه، ودعاه
تضرعًا وخفية؟ وقد قال بعض المتكلمين: إن رحمته تعالى لم تنقطع
عن أهل النار المخلدين الكفار؛ إذ من قدرته تعالى أن يخلق
لهم عذابًا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفًا بالإضافة إلى
ذلك العذاب.
فصل :
وقوله: (وقال لي خليفة: ثنا معتمر) تقدم معنى ذلك في غير
موضع، ورواه عن المعتمر -عند الإسماعيلي - عاصمُ بن النضر.
قال الإسماعيلي: ثنا إبراهيم بن هاشم والحسن بن سفيان عنه.
(١) ((معاني القرآن)) ٤٠٦/٢.

٥٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وأبو رافع اسمه نفيع الصائغ، كان بالمدينة ثم تحول إلى البصرة،
قيل: إنه أدرك الجاهلية، وروى عنه الحسن وبكر وثابت وغيرهم
عندهما .
فصل :
محمد بن أبي غالب السالف هو القومسي الطيالسي، روى عنه
البخاريُّ وأبو داود وهو حافظ ثبت، مات سنة خمسين ومائتين(١)،
وأما محمد بن أبي غالب صاحب هشيم، فشيخ عبد الله بن أحمد(٢)،
وأما محمد بن إسماعيل فهو ابن أبي سمينة بصري ثقة، روى عنه
أبو داود بغير واسطة، والبخاري بواسطة كما ترى، مات سنة ثلاثين
ومائتين(٣) .
(١) أنظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٢٦٥/٢٦-٢٦٧.
(٢) أنظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٢٦٧/٢٦-٢٦٨.
(٣) أنظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٤٧٩/٢٤-٤٨٢.

٥٧٥
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
٥٦- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
٩٦
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
[الصافات: ٩٦]
﴾ [القمر: ٤٩].
٤٩
﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: ((أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)) [انظر: ٢١٠٥].
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية [الأعراف: ٥٤].
قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: بَيَّنَ اللهُ الخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ
اٌْخَلْقُ وَالْأَمْ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَسَمَّى النَّبِيُّوَّهِ الإِيمَانَ عَمَلًا.
وقَالَ أَبُو ذَرِّ ﴾ وَأَبُو هُرَيْرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ باللهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ)). [انظر: ٢٥١٨، ٢٦]
وَقَالَ: ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُوْيَعْمَلُونَ﴾﴾)). [السجدة: ١٧].
وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ
عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ، وَالشَّهَادَةِ، وَإِقَامٍ
الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلًا.
٧٥٥٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيّ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هذا الحَيِّ مِنْ جُزْمٍ وَبَيْنَ
الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقُرَّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيْهِ لَمْ
دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ كَأَنَّهُ مِنَ الَوَالِي، فَدَعَاهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِّ رَأَيْتُهُ
يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِزْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَ اكُلُّهُ. فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ، إِنْ أَتَيْتُ النَّبِيَّ
وَّهِ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، قَالَ: ((والله لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا
أَحْمِلُكُمْ)). فَأَتِ النَّبِيُّ ◌ِيّهَ بِنَهْبٍ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: ((أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟)).

٥٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرِى، ثُمَّ أَنْطَلَقْنَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللهِ وَه
لَا يَحْمِلُنَا، وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ ◌ِّ يَمِينَهُ، والله لَا نُفْلِحُ
أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: (لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، ولكن اللهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي
والله لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ
وَتَحَلَّلْتُهَا)). [انظر: ٣١٣٣ - مسلم: ١٦٤٩ - فتح ١٣ / ٥٢٧].
٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو
◌َجْرَةَ الضُّبَعِيُّ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: قَدِمَ وَقْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ◌َِ
فَقَالُوا: إِنَّ بَيْتَنَا وَبَيْنَكَ المُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّ فِي أَشْهُرِ حُرُمٌ، فَمُزْنَا
بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ، إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الَجَنَّةَ، وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: ((آمُرُكُمْ
بِأَرْبَعِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ؟
شَهَادَّةُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ المَغْنَم
الخُمُسَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالظُّرُوفَ
المُزَفَّتَةِ، وَالْحَنْتَمَةِ)). [انظر: ٥٣- مسلم: ١٧ - فتح ١٣ / ٥٢٧].
٧٥٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هذِه الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ
القِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)). [انظر: ٢١٠٥ - مسلم: ٢١٠٧ - فتح ١٣ / ٥٢٨].
٧٥٥٨- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن
عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َلِّ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هذِه الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ
القِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)). [انظر: ٥٩٥١ - مسلم: ٢١٠٨ - فتح ١٣ / ٥٢٨].
٧٥٥٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُزْعَةَ،
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عُه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّه يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ رََّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مَّنْ
ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِبَرَةَ)). [انظر: ٥٩٥٣- مسلم:
٢١١١ - فتح ١٣ /٥٢٨].

٥٧٧
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
ثم ساق حديث أبي موسى قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وََّ فِي نَفَرٍ مِنَ
الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، قَالَ: ((والله لَا أَحْمِلُكُمْ)). وذكر الحديث إلى
قوله: (لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، ولكن اللهَ حَمَلَكُمْ .. )) إلى آخره.
ثم ساق حديث ابن عباس رضي الله عنهما في وفد عبد القيس
بطوله .
وحديث عائشة رضي الله عنها: أَنَّه ◌َ لَ قَالَ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هذِه
الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)).
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا مثله.
وحديث أبي هريرة عه: سَمِعْتُ رسول الله وَلَ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ: وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ
شَعِیَرةً».
الشرح:
*) [الصافات: ٩٦] قيل:
١٩٦
قوله تعالى: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
أي: وما تعملون منه الأصنام، وهي: الخشب والحجارة وغيرهما .
وقال قتادة: وما تعملون بأيديكم(١).
وقيل: يجوز أن تكون (ما) نفيًا أي: وما تعملون لكن الله خالقه،
ويجوز أن تكون مصدرية، أي: وعملكم، ويجوز أن تكون استفهامًا
بمعنى التوبيخ(٢).
وغرضه في هذا الباب: إثبات أفعال العباد وأقوالهم خلقًا لله كسائر
الأبواب المتقدمة، واحتج بالآية المذكورة ثم فصل بين الأمر بقوله
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠/ ٥٠٤ (٢٩٤٦٢).
(٢) انظر: ((معاني القرآن)) للنحاس ٤٥/٦-٤٦.

٥٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
للشيء: كن (فيكون)(١) وبين خلقه؛ قطعًا للمعتزلة القائلين بأن الأمر هو
الخلق، وأنه إذا قال للشيء: كن. معناه: أنه كَوّنه، نفيا منهم للكلام عن
الله تعالى خلافًا لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]،
وقد سلف بيان الرد عليهم في باب المشيئة والإرادة، ثم زاد في بيان
الأمر، فقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتِ جَزَاءٌ﴾ [الأعراف:
٥٤] فجعل الأمر غير خلقه لها، وغير تسخيرها الذي هو عن أمره، ثم
ذكر قول ابن عيينة أنه فصل بين الخلق والأمر، وجعلهما شيئين
بإدخاله حرف العطف بينهما، والأمر منه تعالى قول وقوله صفة من
صفاته غير مخلوق.
ثم بين ذلك أن قول الإنسان بالإيمان وغيره قد سماه الشارع عملًا
حين سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: ((إيمان بالله)). والإيمان: قول
باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح، وكذلك أَمْره وفد
عبد القيس لما سألوه أن يدلهم على ما إنْ عملوه دخلوا الجنة، فأمرهم
بالإيمان بالقلب والشهادة باللسان وسائر أعمال الجوارح، فثبت أن
كلام ابن آدم بالإيمان وغيره عمل من أعماله وفعل له، وأن كلام الله
35 المنزل بكلمة الإيمان غير مخلوق، ثم بين لك أن أعمالنا كلها
مخلوقة له تعالى خلافًا للقدرية الذين يزعمون أنها غير مخلوقة لله
تعالى بقوله في حديث أبي موسى رضى الله عنه: ( ((لست أنا
حملتكم))) على الإبل، بعد أن حلف لهم أن ما عندي ما أحملكم
عليه، وإنما الله الذي حملكم عليها ويسرها لكم، فأثبت ذلك كله فعلًا
لله تعالى، وهذا بین لا إشكال فيه.
(١) من (ص١).

٥٧٩
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
وأما قوله في حديث عائشة رضي الله عنها ((يقال للمصورين: أحيوا
ما خلقتم)) فإنما نسب خلقها إليهم، توبيخًا لهم وتقريعًا لهم،
في مضاهاتهم الله تعالى في خلقه فبكتهم بأن قال لهم: فإذ قد
شبهتم مخلوقات الله تعالى فأحيوا ما خلقتم كما أحيا هو تعالى
ما خلق فينقطعون بهذه المطالبة (حتى)(١) لا يستطيعون نفخ الروح
في ذلك.
ومثل هذا قول أبي هريرة : ((قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب
يخلق كخلقي)) يريد: يصور صورة تشبه خلقي، فسمى فعل الإنسان في
تصوير مثالها خلقًا له؛ توبيخًا له على تشبهه بالله تعالى فيما صور وأحكم
وأتقن على غير مثال أحتذاه، ولا من شيء قديم أبتدأه، بل أنشأ من
معدوم، وابتدع من غير معلوم، وأنتم صورتم من خشب موجود،
وحجر غير مفقود، على شبه معهود، مضاهين له وموهمين الأغمار
أنكم خلقتم كخلقه، فاخلقوا أقل مخلوقاته وأحقرها الذرة
(المتغذية)(٢) في أدق من الشعر، وأنفذ منكم نفذًا في نحت الحجر
فتتخذه مسكنًا وتدخر فيه قوتها نظرًا في معايشها، أو أخلقوا حبة من
هُذِهِ الأقوات التي خلقها الله تعالى لعباده، ثم يخرج منها زرعًا
لا يشبهها نباته، (ثم)(٣) يُطلع منها بقدرته من جنسها بعد أن أعدم
شخصها عددًا من غير زرع نباتها الأخضر قدرة بالغة لمعتبر، وإعجازًا
لجميع البشر (٤).
(١) في هامش الأصل: لعله: حين.
(٢) كذا بالأصل، وفي ابن بطال: المتعدية.
(٣) في الأصل: يوم، والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٥٥٣-٥٥٥.

٥٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
قال الداودي: قال في القدر طائفتان: طائفة تقول: الله سبحانه ليس
له في العباد شيء، واختلف هؤلاء: هل عَلِمَ اللهُ أفعالَ العباد قبل أن
يخلقهم؟ وقال عبد الصمد ابن أخت عبد الواحد في طائفة يسيرة،
وهم المعتزلة (المحض)(١): أن الله تعالى خلق العباد وخلق أفعالهم،
ودليلهم هذه الآية وغيرها .
قال بعض الجهلة: إنما عَمَلُ الصانع فيها، وهو الذي أخبر الله
تعالى أنه خلقهم وخلق أعمالهم. وخالفت القدرية أهل الحق، وذلك
أن القدرية يقولون: الاستطاعة قبل الفعل، وقالت أهل السنة:
الاستطاعة معه؛ لأنه إذا شغل نفسه بالترك لم يستطع أن يفعل شيئًا
وضده، وإذا أخذ في الفعل فارق الترك، وكانت الاستطاعة مع
الفعل، ووقت الله تعالى الأوقات؛ إذ خلق أولها ولم تكن مؤقتة في
الأزل إلا من حين أقتت لم يكن لها في الأزل مؤقتًا، ولو كان ذلك
لكان الصانع محدثًا تعالى عن ذلك.
وقوله للمصورين: ((أحيوا ما خلقتم))) فإنما للمصورين الصنعة ليس
خلق الأجسام، وقد سبق عن ابن عيينة: بين الله الخلق من الأمر، يريد:
أن الخلق هو المخلوق، والأمر كلامه تعالى وليس بمخلوق، وهو قوله :
[الرحمن: ٦٨]
٦٨
كن، وقيل: هو مثل قوله: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرَُّانٌ (
وقيل: المعنى وتصريف الأمر.
وقيل: الخلق: كل شيء خلق، والأمر يعني: قضاه في الخلق الذي
هو في اللوح المحفوظ، وقيل: الخلق الدنيا، والأمر الآخرة.
(١) كذا بالأصل.