Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
قلبه وتنام (عينه)(١)). الحديث، فذكر النوم في أول الحديث، وقال في
آخره: (فاستيقظ وهو في المسجد الحرام).
وهذا بين لا إشكال فيه، وإلى هذا ذهب البخاري، وكذلك ترجم له
في كتاب الأنبياء وتفسير القرآن ما ذكرته في صدر هذا الباب، قال ابن
إسحاق: وأخبرني بعض آل أبي بكر الصديق أن عائشة رضي الله عنها
كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله وَه، ولكن أسري بروحه.
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عينية بن المغيرة أن معاوية بن
أبي سفيان(٢) إذا سئل عن مسرى رسول الله وَل قال: كانت رؤيا من الله
صادقة. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها؛ لقول الحسن
البصري أن هذِه الآية نزلت في ذلك يعني: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِىّ
أَرَبْنَكَ﴾؛ ولقوله ◌َ عن إبراهيم إذ قال لابنه: ﴿يَبُنَّ إِّ أَرَى فِى
اُلْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
ثم مضى على ذلك، فعرف أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظًا
ومنامًا، قال ابن إسحاق: وكان الثَّ يقول: ((تنام عيني وقلبي
يقظان))(٣). فالله أعلم أي ذلك كان، فقد جاءه وعاين فيه ما عاين من
أمر الله على أي (حالته)(٤) كان نائمًا أو يقظان، كل ذلك حق
وصدق، وذكر ابن فورك في ((مشكل القرآن))، قال: كان الكليفي ليلة
الإسراء في بيت أم هانئ بنت أبي طالب، والله أعلم.
(١) في: (ص١): (عيناه).
(٢) ورد في هامش الأصل: لعله سقط: (كان).
(٣) سبق برقم (٣٥٦٩) كتاب المناقب، باب: كان النبي ◌ّ تنام عينه ولا ينام قلبه،
من حديث عائشة بلفظ ((تنام عيني ولا ينام قلبي)).
(٤) في (ص١): حالة.

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واحتج أهل هذِه المقالة، فقالوا: ما اعتل به من قال: إن الإسراء لو
كان في المنام لما أنكرته قريش؛ لأنهم كانوا لا ينكرون الرؤيا؛ فلا حجة
فيه؛ لأن قريشًا كانت تكذب العيان، وترد شهادة الله الذي هو أكبر
شهادة عليهم بذلك، إذ قال عنهم حين أنشق القمر: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً
يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾﴾ [القمر: ٢].
فأخبر عنهم (أنهم)(١) يكذبون ما يرون عيانًا، ولذلك قال (لهم) (٢):
﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾ الآية [الحجر: ١٤]، وقال عنهم أنهم
قالوا: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى (قوله)(٣): ﴿أَوْ
تَرْقَى فِىِ السَّمَآءِ﴾ ثم قال بعد ما تمنوه: ﴿وَلَن تُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ حَتّى نُنَزِّلَ عَلَيْنَا
كِنَبًا تَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٠-٩٣]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِمْ لَيِنِ
جَآءَتْهُمْ ءَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ١٠٩]: فأخبر
تعالى أنه (يكيد) (٤) عقولهم وأبصارهم حتى ينكروا العيان القاطع
للارتياب، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَتَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَتِكَةَ﴾ الآية
[الأنعام: ١١١].
وإنما كان إنكار قريش؛ لقوله: ((أسري بي الليلة إلى بيت المقدس))
حرصًا منهم على التشنيع عليه وإثارة أسم الكذب عليه عند العامة المهولة
بمثل هذا التشنيع؛ فلم يسألوه: في اليقظة كان ذلك الإسراء أو منامًا؟
وأقبلوا على التقريع عليه وتعظيم قوله، وهذا غير معدوم من تشنيعهم،
ألا ترى تكذيبهم مثل وقعة بدر لرؤيا عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول
(١) الأصل: (أنه) والمثبت من (ص١) وهو الصواب.
(٢) في (ص١): عنهم.
(٣) من (ص١).
(٤) بياض بالأصل، والمثبت من (ص١).

٤٨٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
الله وَيّه، إذ قالت: رأيت كأن صخرة أنحدرت من أبي قبيس فانفلقت،
فما تركت دارًا بمكة إلا دخلت منها فلقة، فلما رأوا قبح تأويلها عليهم
قالوا: يا بني عبد المطلب، ما أهل بيت في العرب أكذب منكم،
أما كفاكم أن تدعو النبوة في رجالكم حتى جعلتم منكم نبية، فشنعوا
رؤياها (١)، وأخبروا عنها بالنفي طمعًا في إثارة العامة عليهم، فكذلك
كان قولهم في (الإسراء)(٢).
فصل :
قال الخطابي: ليس في هذا الكتاب حديث (أشبع)(٣) ظاهرًا من
هذا الحديث، قال: ولذلك سردته كاملًا في كتابي ليعتبر الناظر أوله
بآخره، فلا يشكل عليه - بإذن الله- معناه وذلك أنه ذكر في أول
الحديث: جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد
الحرام، فيما يرى قلبه. وقال في آخره: فاستيقظ (ورؤيا)(٤) الرؤيا
أمثلة تضرب لتتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى
التعبير في مثله، وبعضها كالمشاهدة والعيان.
ثم القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم
يعزها إلى رسول الله وَلّة، ولا رواها عنه، ولا أضافها إلى قوله،
فحاصل الأمر في الذكر، وإطلاق اللفظ على الوجه الذي قد تضمنه
(١) رواه الطبراني ٣٤٤/٢٤-٣٤٨، والحاكم ١٩/٣، وسكت عنه وتعقبه الذَّهبي
فقال: حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عبَّاس ضعيف. وقال الهيثمي في ((المجمع))
٧٠/٦ فيه عبد العزيز بن عُمران وهو متروك.
(٢) في (ص١): (مسراه).
(٣) كذا بالأصل، وفي ((الأعلام)) ٤/ ٢٣٥٢: (أشنع).
(٤) كذا بالأصل، وفي ((الأعلام)): (وبعض).

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
الخبر أنه روي إما من أنس وإما من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر،
فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ في مثل هذه الأحاديث إذا رواها من
حيث لا يتابعه عليها سائر الرواة، وأيهما صح القول عنه، وأضيف
إليه، فقد خالفه فيه عامة السلف المتقدمين وأهل السنة منهم ومن
المتأخرين. والذي قيل في الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الذي دنا جبريل من محمد. أي: تقرب، وهو على
التقديم والتأخير، أي: تدلى فدنى، وذلك أن التدلي سبب للدنو.
وقيل: تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع كما رآه رسول الله
وَالر، متدليًا كما رآه، وكان ذلك من آيات قدرة الله حين أقدره على
أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء ولا يمسك بشيء.
وقيل: دنا جبريل وتدلى محمد ساجدًا لربه شكرًا على ما أناله من
كرامته، ولم يثبت فيه شيء مما روي عن السلف أن التدلي مضاف إلى
الله تعالى عن صفات المخلوقين.
قال: وروي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك بن عبد الله،
فلم يذكر هُذِه الألفاظ السبعة؛ فإن ذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من
قبل شريك.
قال: وفي هذا الحديث (لفظة) (١) أخرى تفرد بها شريك أيضًا
لا يذكرها غيره، وهي قوله: (وهو مكانه). والمكان لا يضاف إلى
الله، إنما هو مكان الشيء في مقامه الأول الذي يقيم فيه(٢).
(١) من (ص١).
(٢) انتهى كلام الخطابي في ((أعلام الحديث)) ٢٣٥٢/٤-٢٣٥٥ .

٤٨٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
-
٣٨- باب كَلَامِ الَّبِّ وََّ مَعَ أَهْلِ الجَنَّةِ
٧٥١٨ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ
بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ ◌َّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّ اللهَ
يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ: فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي
يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ
تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ،
وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ
بَعْدَهُ أَبَدًا)). [انظر: ٦٥٤٩ - مسلم: ٢٨٢٩، ٢٨٥٩ - فتح: ١٣ / ٤٨٧].
٧٥١٩ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ ((أَنَّ رَجُلًا
مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ: أَوَ لَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ:
بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ
وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيِرُهُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابن آدَمَ، فَإِنَّهُ
لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ)). فَقَالَ الأَغْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تَجِدُ هذا إِلَّ قُرَشِيّاً أَوْ أَنْصَارِيّاً
فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَزِعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابٍ زَرْعٍ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَِّ. [ انظر:
٢٣٤٨، ٢٣٤٨ - فتح: ١٣ / ٤٨٧].
ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ
تعالى يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ
وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ)). الحديث.
وحديث أبي هريرة : أنه ﴿ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ
أَهْلِ البَادِيَةِ: ((إنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ: أَوَ
لَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى)). الحديث.

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الشرح :
قد تقدم كلام الرب جل جلاله مع الأنبياء والملائكة، وفي هذا
الحديث إثبات كلام الله تعالى مع أهل الجنة، (بقوله)(١): ( ((إن الله
تعالى يقول .. ))) الحديث. فإن قال قائل: إن في هذا الحديث ما يدل
على وهنه وسقوطه، وهو قوله: ( ((أحل عليكم رضواني فلا أسخط
عليكم بعده أبدًا)))؛ لأن فيه ما يوهم أن له أن يسخط على من صار
في الجنة.
وقد نطق القرآن بخلاف ذلك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ
وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وأنهم خالدون
في الجنة أبدًا، فكيفٍ يحل عليهم رضوانه، وقد أوجبه لأهل الجنة
بقوله: ﴿خَلِيْنَ فِهَا أَبَدًّا رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [البينة: ٨]، فيقال له: لما ثبت
أن الله تفضل للعباد، وأخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنعم عليهم
بخلق الحياة وإدامة الصحة (والالتذاذ)(٢) بنعمه وكان له تعالى
ألا يخرجهم ويبقيهم على العدم، ثم لما خلقهم كان له ألا يخلقهم
أحياء (متلذذين)(٣)، وأن لا يديم لهم الصحة.
فكان تعالى في مجازاة المحسنين، وإنجاز ما وعدهم من إحسانه
متفضلًا عليهم، ولم يجب عليه تعالى لأحد شيء يلزمه، إذ ليس فوقه
تعالى مَن شرع له شرعًا وألزمه حكمًا، وللمتفضل أن يتفضل
وألا يتفضل، كما أن له أن يُتعبد عبادة بلا جزاء ولا شكور
(١) في (ص١): لقوله.
(٢) في (ص١): الاستلذاذ.
(٣) في الأصل: (ملتذين)، والمثبت من (ص١).

٤٨٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
(تسخيرًا)(١) كسائر المخلوقات، وله أن يجازي مدة بمدة، ومدة العمل
في الدنيا متناهية، فيقطع ما تفضل به من المجازاة على ما تفضل به
عليهم من العمل والمعونة، وعلموا أن آدم التقيي كُلّف في الجنة
باجتناب أكل الشجرة، فجاز عليه التكليف وجواز المعصية، فزاد الله
سرورهم بأن آمنهم ما كان له أنْ يفعله فيهم، وَرَفَعه عنهم بالرضوان
عنهم، وإسقاط التكليف لهم، وعصمهم من جواز المعصية عليهم،
فلو عَبَدَ اللهَ العبدُ ألف سنة بعد تقدم أمرٍهٍ إليه، بذلك لَمَا وَجَبَ له
عليه جزاءً علىَ عِبَادَةٍ.
فكيف يجب له ثوابٌ وأقل نعمة من نعمه تستغرق جميعَ أفعاله التي
يقرب بها إليه، فحلول رضوانه عليهم أَنْعم لنفوسهم من كل ما خَوّلهم في
جناته تعالى فسقط اعتراضهم وصَحّ معنى الحديث.
فصل :
وأدخل حديث (الزارع)(٢) في الجنة (لتكليم) (٣) الله له، وقوله:
( ((دونك يا ابن آدم؛ فإنه لا يشبعك شيء))) فإن ظن من لم ينعم
النظر أن قوله: ( ((لا يشبعك شيء))) معارض لقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ
أَلَّا تَجُوعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى (٣٨)﴾ [طه: ١١٨] فليس كما ظَنّ؛ لأن نفي الشبع
لا يوجبُ الجوعَ؛ لأن بينهما واسطة الكفاية والشبع، وأكل أهل
الجنة لا عن جوع أصلًا؛ لنفي الله الجوع عنهم.
واخْتُلف في الشبع فيها، والصواب (أنه)(٤) لا يشبع؛ لأنه لو كان
(١) في (ص١): سخرًا.
(٢) في (ص١): الزرع.
(٣) في (ص١): لتكلم.
(٤) في (ص١): أن.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فيها لمنع طول الأكل المستلذ منها مدة الشبع، وإنما أراد بقوله:
( ((لا يشبعك شيء))): ذم ترك القناعة بما كان فيه وطلب الزيادة،
أي: لا تشبع عينك ولا نفسك شيء.
فصل :
قال الداودي: قوله: (في)(١): استحصاد الزرع أي: يحصد بنفسه.
وقوله: ((وتكويره)). يعني: اجتماعه كما تجمع الأندر، وهذا قليل
في قدرة الله تعالى، قال: وقوله: (لا تجد هذا إلا قرشيًّا) وهم؛ لأنه لم
يكن لأكثرهم زرع(٢)، قلت: وفيه معه ذكر الأنصار -كما سلف- وهم
أصحاب زرع.
(١) من (ص١).
(٢) عقب الحافظ في ((الفتح)) ٤٨٨/١٣ عليه بقوله: وتعليله يرد على نفيه المطلق فإذا
ثبت أن لبعضهم زرعًا صدق قوله أن الزارع المذكور منهم .

٤٨٩
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
٣٩ - باب ذِكْرِ اللّهِ بِالأَمْرِ وَذِكْرِ العِبَادِ بِالدُّعَاءِ
وَالتَّضَُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِبْلَاغِ
لِقَوْلِهِ وَى: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
نُج﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، ﴿غُمَّةٌ﴾
[يونس: ٧١]: هَمٌّ وَضِيقٌ.
قَالَ نُجَاهِدٌ: ﴿ اقْضُوْاْ إِلَىَّ﴾ [يونس: ٧١] مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يُقَالُ: آفْرُقِ: اقْضِ. وَقَالَ
يُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]
إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ،
وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَهُ. ﴿النَّبَلِ اُلْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢]: القُرْآنُ ﴿صَوَابًا﴾ [النبأ:
٣٨] حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ. [فتح: ٤٨٩/١٣]
الشرح :
معنى قوله: (باب ذكر الله بالأمر) أي: ذكر الله لعباده يكون مع أمره
لهم بعبادته (والتزام طاعته) (١) أو بعذابه إذا عصوه، ويكون مع رحمته
وإنعامه عليهم إذا أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه. قال ابن عباس في
قوله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: إذا ذكر اللهَ العبدُ وهو
على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره على معصيته ذكره بلعنته، وعنه:
ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته،
ولا كافر إلا ذكره بعذابه، قال سعيد بن جبير: أذكروني بالطاعة
أذكركم بالمغفرة (٢).
(١) من (ص١).
(٢) رواه الطبري في ((التفسير)) ٢/ ٤٠ (٢٣١٨).

٤٩٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقوله: (وذكر العباد بالدعاء والتضرع) أي: في الغفران والتفضل
عليهم بالرزق والهداية.
وقوله: (والرسالة والإبلاغ) معناه: وذكر الله الأنبياء بالرسالة
والإبلاغ لما أرسلهم به إلى عباده بما يأمرهم به من عبادته وينهاهم ..
وقوله: (﴿وَأَتَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾) [يونس: ٧١] بهذا ذكر الله لرسوله
نوحًا العنه بما بلغ من أمره وتذكيره قومه بآيات الله څ، وكذلك فرض
على [كل](١) نبي تبليغ كتابه وشريعته.
ولذلك ذكر قوله تعالى: (﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾﴾ [التوبة: ٦] الذي أمر بتلاوته عليهم وإنبائهم به.
وقال مجاهد: ( ﴿النَّبَاءِ الْعَظِيمِ﴾: القرآن)(٢)، وسمي نبأ؛ لأنه منبأ
به وهو متلو لرسول الله وَّر، ولهذا ذكر في الباب هذِه الآية؛ من أجل
أمر الله محمدًا القَيّة بإجارة المشرك حتى يسمع الذكر.
وقوله: ((صَوَابًا﴾: حقًّا)، (يريد قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ
أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾)(٣) يريد: وقال (حقًّا)(٤) في الدنيا وعمل به
فذلك الذي يؤذن له في الكلام بين يدي الله بالشفاعة لمن أذن له.
وكان يصلح أن يذكر في هذا الباب قوله التَّه عن ربه ◌َّ: (من
ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ
خير منه)) أي: من ذكرني في نفسه متضرعًا (داعيًا)(٥) ذكرته في نفسي
(١) زيادة يقتضيها السياق، من ((شرح ابن بطال)) ٥١٩/١٠.
(٣) من (ص١).
(٢) ((تفسير مجاهد)) ٧١٩/٢.
(٤) في الأصل: صوابًا، والمثبت من (ص١).
(٥) في (ص١): راغبا.

٤٩١
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
مجيبًا مشفقًا، فإن ذكرني في ملأ من الناس بالدعاء والتضرع ذكرته في
ملأ من الملائكة الذين هم أفضل من ملأ الناس -كما وقع في كتاب ابن
بطال على ما نقله عن الجمهور- بالمغفرة والرحمة والهداية، يفسره قوله
التّ في حديث التنزل: ((هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له،
هل من تائب فأتوب عليه))(١)، هذا ذِكْرُ الله تعالى العباد بالنعم والإجابة
(٢)
لدعائهم(٢) .
فصل :
اختلف في الأفضل من الذكر قيل: بالقلب أو باللسان، قاله
الداودي. والصواب أن الذكر باللسان وقوله: ((لا إله إلا الله مخلصًا
من قلبه)) أعظمُ من ذكره بقلبه، ووقوفه عند السيئة فيذكر بلسانه
-عندما يهم العبد بالسيئة- فيذكر مقام ربه فيكف.
فصل :
وقوله: ﴿﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُجٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾)
[يونس: ٧٢] معنى ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى﴾، أي: كوني فيكم، وقوله:
﴿وَتَذْكِيرِى بِئَايَتِ اللَّهِ﴾. يعني: عظمة إياه من قوله: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَأَحْمِعُواْ أَنَْكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، قال الفراء: (أي)(٣) وادعوا
شركاءكم؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، وإنما الإجماع للإعداد
والعزيمة على الأمر، قال الشاعر:
ورأيت بعلك في الورى متقلدًا سيفًا ورمحًا(٤)
(١) حديث النزول سبق برقم (٧٤٩٤).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٥٢٠/١٠.
(٤) ((معاني القرآن)) للفراء ٤٧٣/١.
(٣) من (ص١).

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أي: وحاملًا رمحا؛ لأن الرمح لا يتقلد.
وقال المبرد: هو محمول على المعنى؛ لأن معنى الجمع والإجماع
واحد(١)، وقال الشيخ أبو الحسن: المعنى مع شركائكم قال: وقول
الفراء لا معنى له؛ لأنه يذهب إلى أن المعنى: وادعوا شركاءكم
ليعينوكم، فإن معناه معنى مع، وإن كان يذهب إلى الدعاء فقط
ولا معنى له لدعائهم لغير نبي، وقرأ الجحدري بوصل الألف وفتح
الميم، وقرأ الحسن: فأجمعوا(٢)، وهذا يدل أنهما لغتان بمعنى.
فصل :
وقوله: ﴿﴿غُنَّةُ﴾ [يونس: ٧١]: هَمٌّ وضيق). قيل المعنى: ليكن
أمركم ظاهرًا، يقال: القوم في غمة إذا غطي عليهم أمرهم والتبس،
ومنه غمه (الهلال)(٣) أي: غشيه ما غطاه، والغَمُّ من هذا إنما هو من
أغشى القلب من الكرب وطبعه، وأصله مشتق من الغمامة.
وقوله: ﴿﴿ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ﴾: ما في أنفسكم). أي: افعلوا
ما بدا لكم، قال الكسائي: وتقرأ أفضوا بقطع الألف.
(١) ((الكامل)) للمبرد ٥٤٤/١.
(٢) ((المحتسب)) ٣١٤/١، وانظر ((تفسير الطبري)) ٦/ ٥٨٥ (١٧٧٧٥).
(٣) في الأصل: الهلاك ولعله تحريف من الناسخ، وانظر: ((فتح الباري)) ٤٩٠/١٣.

==
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
٤٩٣
٤٠- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]
وقَوْلِهِ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] وَقَوْلِهِ:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقوله:
﴿ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، إلى
13t
لشـ
[الزمر: ٦٥ - ٦٦]
ينَ
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
[يوسف: ١٠٦] ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧] وَ﴿مِّنْ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ،
وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ
وأكسابهم، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدََّهُ نَقْدِيرًا﴾.
[الفرقان: ٢] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا (تَتَنزَّلُ)(١) المَلَائِكَةُ إِلَّا
بِالْحَقِّ: بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِّقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ﴾
[الأحزاب: ٨]: المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ، ﴿وَإِنَّا لَهُ
لَحَفِظُونَ﴾: عِنْدَنَا ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ القُرْآنُ [الزمر: ٣٣]:
وَصَدَّقَ بِهٌ﴾ [الزمر: ٣٣] المُؤْمِنُ، يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: هُذا
الذِي أَعْطَيْتَنِي، عَمِلْتُ بِمَا فِهِ.
٧٥٢٠- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟
قَالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ)). قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: ((ثُمَّ
(١) كذا بالأصل وفي اليونينية: (تنزل).

٤٩٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)). قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ(١)؟ قَالَ: ((ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ
بِحَلِيلَةِ جَارِكَ)). [انظر: ٤٤٧٧ - مسلم: ٨٦- فتح: ١٣ / ٤٩١].
ثم ساق حديث عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾: سَأَلْتُ النَّبِيَّ
وَلَى: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ)).
الحديث، وقد سلف غير مرة.
غرضه في هذا الباب إثبات الأفعال كلها لله م كانت من المخلوقين
خيرًا أو شرًّا فهي لله ول خلق وللعباد كسب(٢) ولا ينسب شيء إلى غير
الله فيكون شريكًا له وندًا مساويًا (له)(٣) في نسبة القول إليه ونبه الله تعالى
عباده على ذلك بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:
٢٢] أنه الخالق لكم ولأفعالكم وأرزاقكم ردًا على من زعم من القدرية
أنه يخلق أفعاله فمن علم أن الله خلق كل شيء فقدره تقديرًا، فلا ينسب
شيئًا من الخلق إلى غيره، فلهذا ذكر هذه الآيات في نفي الأنداد والآلهة
المدعوة معه، فمنها ما حذر به المؤمنين، ومنها ما وبخ به الكافرين
الضالين، ثم أثنى على المؤمنين بقوله: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَهِ
إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] كما يدعو عبدةُ الأوثانِ الأوثانَ لترزقهم
وتعافيهم، وهي لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا.
(١) في الأصل: أيّ.
(٢) إن فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله، ليس هو نفس
فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، وإلى هذا المعنى أشار
الطحاوي بقوله: وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد.
فأثبت للعباد فعلًا وكسبًا، وأضاف الخلق إلى الله تعالى، والكسب هو الفعل الذي
يعود على فاعله منه نفع أو ضرر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّْ﴾
[البقرة: ٢٨٦]. انظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) لابن أبي العز ص ٤٤٨.
(٣) من (ص١).

٤٩٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
وقوله: (أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل الله ندًا وهو خلقك)))،
معناه: رَزَقَكَ بدليل قوله: ((ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك))،
كيف تقتله وقد خلق رزقه فلا يأكل من رزقك شيئًا؟ فمن خلقك
وخلقه ورزقك ورزقه أحق بالعبادة من الند الذي أتخذت معه شريكًا .
ثم (لِمَ) (١) تزاني حليلة جارك، وقد خلق لك زوجة فتقطع بالزنا
الرحم والنسب، وقاطع الأرحام تسبب إلى قطع الرحمة من الله
والتراحم بين الناس، ألا ترى غضب القبائل لبني عمها من أجل
الرحم، وأن الغدر وخسيس الفعل منسوب إلى أولاد الزنا؛ لانقطاع
أرحامهم.
فصل :
وقتله ولده مخافة أن يطعم معه يعني الموءودة، وهي من أعظم الذنب.
والحليلة: الزوجة، والحليل: الزوج، ووقع في ابن التين أنه بالخاء
المعجمة، وأن الشيخ أبا الحسن قال: الذي أعرفه بالمهملة، والخليلة:
الصديقة. وجعل هذا من أعظم الزنا؛ لأن فيه خيانة الجار.
فصل :
قوله تعالى: ﴿لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] الخطاب له
والمراد غيره، وقد أدعى نسخها بالآية الأخرى: (﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ
عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ وقيل: هذِه ناسخة لها، من هذا المعنى
أختلف إذا حج ثم أرتد ثم راجع الإسلام هل يلزمه حج لعموم
﴿لَيَحْبَطَنَ عَمَلُكَ﴾ أو يجزئه؟ وإنما يحبط لو مات كافرًا كما هو مفسر
في الآية الأخرى)(٢) ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] واختلف إذا
(١) من (ص١)
(٢) من (ص١).

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
عقد على نفسه أيمانًا، ثم أرتد ثم راجع الإسلام هل هي منعقدة عليه أم
لا، وهل تبطل ردته أخطاءه؟
فصل :
وقوله وما ذكر في خلق أفعال العباد وأكسابهم، قد علمت ما فيه،
وللبخاري فيه مصنف سماه ((خلق أفعال العباد))، والحاصل من مذهب
الأشعري أن العباد لهم كسب في أفعالهم وأنهم لا يخترعون ولا يجبرون(١).
ومذهب المعتزلة: أن العباد يخلقون أعمالهم بحسب قصدهم
وإرادتهم .
ومذهب الجبرية: أن العبد مكره على الفعل مجبر عليه.
فإن قالوا: أخبرونا عن الصفة التي يكون الكسب عليها للمكتسب
أهي متعلقة بقدرة كسبه وحده(٢)، فيكون له مقدورًا لا يكون مقدورًا
(١) من المعلوم أن الطوائف كلها متفقة على الكسب، ومختلفون في حقيقته كما قال
ابن القيم في كتابه الماتع ((شفاء العليل)) فذكر قول القدرية ثم الجبرية.
ثم قال: وقال الأشعري في عامة كتبه: معنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة
محدثة، فمن وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة
محدثة فهو مکتسب.
وذكر شيخ الإسلام أن الأشعري جعل أفعال العباد فعلا لله، ولم يقل هي فعلهم
-في المشهور عنه- إلا على وجه المجاز، بل قال: هي كسبهم، وفسر الكسب
بأنه ما يحصل في محل القدرة المحدثة مقرونًا بها.
ثم قال: وأكثر الناس طعنوا في هذا الكلام، وقالوا: عجائب الكلام ثلاثة: طفرة
النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري، وأُنشد في ذلك:
معقولة تدنو إلى الأفهام
مما يقال ولا حقيقةَ تحتَهُ
الکسب عند الأشعري والحال عند
البهشمي وطفرة النظام
انظر: ((منهاج السنة)) ٤٥٩/١، ((شفاء العليل)) ٣٨٩/١-٣٩٢.
(٢) كذا في الأصول.

٤٩٧
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
لله تعالى وحده فيكون تعالى هو المكتسب(١) (في الكسب)(٢) وذلك يرد
مذهبكم أنها مقدوره لله تعالى وللمكتسب، فيكونان شريكين في
الکسب.
قال القاضي جوابًا عن هذا: صفة الكسب حاصلة بقدرة العبد فقط،
فإن قالوا: جاء من هذا إثبات مقدور العبد غير مقدور لله تعالى، يقال
لهم: هذا الإطلاق باطل؛ لأنه يوهم أن نفس الكسب وحدوثه ليس
بمقدورٍ لله تعالى وذلك باطل؛ لأنه لا كسب للإنسان إلا والله تعالى
قادر على إحداثه وإخراجه من العدم إلى الوجود، فكيف يسوغ مع
ذلك أن يقال: مقدور العبد غير مقدورٍ لله تعالى، وليس هذا موضع
بسط المسألة، ومحلها علم الأصول.
فصل :
ما ذكره في تفسير قوله: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّفَ بِهٌِ﴾ هو أحد
الأقوال. ثانيها : أن الذي جاء به جبريل وصدق به النبي عليهما السلام.
ثالثها : أن الذي جاء بالصدق محمد ﴾الا وصدق به المؤمن وقيل:
الصدیق .
(١) كذا هُذِه الفقرة بالأصل ولعل فيها نقص أشكل المعنى أو تحريف. والله أعلم.
(٢) من (ص١).

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤١- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ
الآية [فصلت: ٢٢]
٧٥٢١- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي
مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ◌َّهُ قَالَ: أَجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٍّ - أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ -
كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟
قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَزْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا. وَقَالَ الآخَرُ إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا
جَهَزْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ
عَلَيْكُمْ سَمْعَكُمْ وَلَا أَبْصَارَكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ. [انظر: ٤٨٦١- مسلم: ٢٧٧٥ -
فتح: ١٣ / ٤٩٥] .
ذكر فيه حديث أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: أَجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ
ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٍّ - أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٍّ - كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ
قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وقَالَ الآخَرُ:
يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا فَأَنْزَلَ اللهُ رَكَّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَتِرُونَ﴾ الآية [فصلت: ٢٢].
الشرح :
أبو معمر أسمه: عبد الله بن سخبرة (١)، أتفقا عليه، مات في ولاية
عبيد الله بن زياد بالكوفة، ولأبيه سخبرة الأزدي(٢) صحبة ورواية،
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) ورد بهامش الأصل: قال الذهبي في ((تذهيبه)) في سخبرة هذا : وليس بالأزدي وقد تبع
في ذلك المزي وقد اعترضه الحافظ مغلطاي فقال: بل هو الأزدي وذكر ذلك عن
جماعة من الحفاظ وعددهم في الرد والله أعلم. [((إكمال تهذيب الكمال)) ٢١٢/٥].

٤٩٩
- ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
روی له الترمذي.
وغرض البخاري في الباب: إثبات السمع لله والعلم بثبات الكلام له
من هذِه الآية ومن سائر الآيات في الأبواب المتقدمة.
وإذا ثبت أنه سميع فواجب كونه سامعًا بسمع كما أنه لما ثبت كونه
عالمًا وجب كونه عالمًا بعلم خلافًا لمن أنكر صفات الله من المعتزلة،
وقالوا: معنى وصفه بأنه سامع للمسموعات بمعنى وصفه أنه عالم
بالمعلومات ولا سمع له ولا هو سامع حقيقة.
وهذِه شناعة ورد لظواهر كتاب الله تعالى ولسنن رسوله مَلآ،
ويوجب كون المخلوق أكمل أوصافًا من الخالق تعالى؛ لأن السامع
ما يسمع الشيء ويعلمه حقيقة وكذلك البصير ما يرى الشيء ويعلمه
حقيقة، فلو كان البارئ تعالى سامعًا لما يسمعه ويعلمه بمعنى أنه
عالم فقط لكنا أكمل وصفًا منه تعالى حيث أدركنا الشيء من جهة
السمع والعلم، وإدراكه من جهة العلم فقط، ومن أدرك الشيء من
وجهين أولى بصفة الكمال من مدركه من وجه واحد، وهذا يوجب
عليهم أن يكون خالقهم بصفة الأصم الذي يعلم الشيء ولا يسمعه،
تعالى عن ذلك.
فصل :
وفي حديث الباب من الفقه: إثبات القياس الصحيح وإبطال
الفاسد، ألا ترى أن الذي قال: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن
أخفينا قد أخطأ في قياسه؛ لأنه شبه الله تعالى بخلقه الذين يسمعون
الجهر ولا يسمعون السر، والذي قال: إن كان يسمع إن جهرنا فإنه
يسمع إن أخفينا، أصاب في قياسه حين لم يشبه الله تعالى بالمخلوقين

التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ونُزه عن مماثلتهم، فإن قلت: فإن أصاب في قياسه فكيف جعله الشارع
من جملة الذين شهد لهم بقلة الفقه؟ قيل له: لما لم يعتقد حقيقة ما قال
وشك فيه، ولم يقطع على سمع الله بقوله: إن كان يسمع؛ لم يحكم له
بالفقه وسوى بينهم في أنه قليل فقه قلوبهم.
فصل :
((كثيرة شحم بطونهم)). ضبطناه بضم ((كثيرة)) وتنوين ((شحم)) ورفع
((بطونهم))، وكذا ((قليلةُ فقٍ قلوبُهم)).
وقال ابن التين: رويناه: ((كثيرةٌ شحمُ))، وهو يجوز على المعنى
أي: كثرت شحوم بطونهم، وأصوب من ذلك أن يرفع «كثيرةُ)) بأنه
خبر مبتدأ مقدم، والمبتدأ ((بطونُهم)) ويخفض شحمًا بالإضافة،
((وقليلة فقه قلوبهم)) على هذا .
فصل :
قوله: (ولا يسمع إن أخفينا) قال أبو عبيدة: هو من الأضداد يقال:
خفي وأخفى إذا أظهر وإذا أسر، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ
أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] أي: أظهرها، وقيل المعنى: أكاد أزيل عنها
خفاها، أي: غطاها .
قيل: أشكيته أي: أزلته عما يشكو قاله في (الصحاح))(١).
(١) ((الصحاح)) ٢٣٢٩/٦-٢٣٣٠.