Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
من أن علمه تعالى محدث، وأنه لا يعلم الشيء قبل وجوده، وقد نبه
الله تعالى على خلاف هذا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية
[لقمان: ٣٤]، وجميع الآيات الواردة بذلك، وأخبر الشارع بمثل ذلك
في حديث ابن عمر وعائشة ﴿، فلا يلتفت إلى من رد نصوص
الكتاب والسنة.
فصل :
وقول عائشة رضي الله عنها السالف واحتجاجها بالآية سلف جوابه،
وقال الداودي: إنما أنكرت ما قيل عن ابن عباس أنه رآه بقلبه، وأما معنى
الآية: لا تحيط به الأبصار، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَّءَ الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾﴾ [الشعراء: ٦١]، فأخبر أنهما ترائيا .
وقوله: ﴿إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ﴾. يعنون: محاطًا بنا، والله تعالى يُرى في
المعاد، وما ينكر إذا رُئِيَ أي في المعاد أن يراه من شاء الله أن يراه،
والنفي لا يكون إلا بتوقيف، و(أما)(١) منعها حجة (هي)(٢) خلاف
ما تبين لنا .
وذُكر عن ابن عباس أنه الكليئه رأى الله تعالى بعيني بصره(٣). خلاف
ما ذكر عنه الداودي أنه رآه بقلبه، ولعله سَبْقُ قلم، وإنما هو بعينه، وهو
الأزل، فأحدث لنفسه علمًا.
قال: وقال هشام في مناظرته لأبي الهذيل: إن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه،
قال: وكان داود الجواربي من كبار متكلميهم يزعم أن ربه لحم ودم على صورة
الآدمي - عياذًا بالله من ذلك وتعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. أنظر:
((سير أعلام النبلاء)) ١٠/ ٥٤٣ - ٥٤٤ (١٧٤).
(١) في (ص١): إنما.
(٢) من (ص١).
(٣) عزاه السيوطي في (الدر المنثور)) ١٥٩/٦ لابن مردويه عن ابن عباس أن النبي وَيلة.
رأى ربه بعينه. ولا يصح.

٢٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الذي أنكرته عائشة رضي الله عنها(١)، وقال أبو الحسن الأشعري: هي
فضيلة خص بها من بين سائر الأنبياء، ولا بأس أن تكون الملائكة يرونه
بأبصار قلوبهم، وذلك غير ممتنع.
واختلف جوابه وجواب غيره من مشيخة أهل السنة: هل رؤيته تعالى
في القيامة جزاء أم تفضل؟ ونفس (رؤيته)(٢) سبحانه ليست لذة؛ لأن ذاته
ليست ذاتا يلتذ بها، وإنما يصحب رؤيته اللذة، وقيل: معنى لا تدركه
الأبصار: لا تدركه جسمًا ولا جوهرًا ولا عرضًا ولا كشيء من
المدركات، وقيل: لا تدركه الأبصار، وإنما يدركه المبصرون،
وقيل: لا تدركه في الدنيا .
فصل :
قولها: (من حدثك أن محمدا يعلم الغيب فقد كذب).
قال الداودي: ما أظنه محفوظًا، وإنما المحفوظ: من حدثك أن
محمدًا كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب(٣)، وإنما قالت ذلك؛ لأن
الرافضة كانت تقول: إنه الَّ خص عليًّا بعلم لم يعلمه غيره، وأما
علم الغيب فما أحد يدعي لرسول الله وقيل أنه كان يعلم منه إلا ما علَّمه
الله تعالى.
(١) في الحديث المتقدم عند البخاري (٧٣٨٠).
(٢) في الأصل: لذته والمثبت من (ص١).
(٣) سلف هذا الحديث بهذا اللفظ (٤٦١٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ
أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيٌِّ﴾، ورواه مسلم أيضًا بهذا اللفظ (١٧٧) كتاب: الإيمان، باب:
معنى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ وهل رأى النبيِ وَلَه ربه ليلة الإسراء؟

٢٠٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
٥- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٢]
٧٣٨١- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ
سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ◌ِيَّ فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللهِ. فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َّةَ: ((إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، ولكن قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ
وَالطََِّّاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى
عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)).
[انظر: ٨٣١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح ١٣ / ٣٦٥].
ذكر فيه حديث شقيق بن سلمة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﴾: كُنَّا نُصَلِّي
خَلْفَ النَِّّ وََّ فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ بَهِ: ((إِنَّ اللهَ هُوَ
السَّلَامُ، ولكن قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله.))
الشرح :
السلام هو: السالم من العيوب والنقائص والآفات الدالة على
حدث بمعنى السلامة من ذلك كله.
والمؤمن: المصدق، أي: صدق نفسه وأنبياءه، وقيل: يؤمن
(من)(١) الخوف، ومنه: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤].
وغرضه في هذا الباب إثبات اسمًا من أسمائه تعالى، فالسلام اسم
من أسمائه تعالی.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ [يونس: ٢٥]. (مختلف في تأويله
فقيل معناه: والله يدعو إلى دار السلامة)(٢) يعني: الجنة؛ لأنه لا آفة فيها
(١) من (ص١).
(٢) من (ص١).

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ولا كدر، فالسلام على هذا والسلامة بمعنى، كاللذاذ واللذاذة،
والرضاع والرضاعة.
وقيل: السلام اسم الله تعالى. قال قتادة: الله السلام وداره
الجنة(١)، وقال الخطابي: السلام هو الذي سلم الخلق من ظلمه.
فأما المؤمن فعلى وجهين:
أحدهما: أن تكون صفة ذات وهو أن يكون متضمنا لكلام الله تعالى
الذي هو تصديقه لنفسه في إخباره، ولرسله في صحة دعواهم الرسالة
عليه، وتصديقه هو قوله، وقوله هو صفة من صفات ذاته لم يزل
موجودًا به حقيقة في كونه قائلًا متكلمًا مؤمنًا مصدقًا .
الثاني: أن يكون متضمنًا صفة فعل هي أمانة رسله وأوليائه المؤمنين
به من عقابه وأليم عذابه من قولك: أمنت فلانًا من كذا، وأمنته منه
كأكرمت وكرمت، وأنزلت ونزلت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ
خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، وقد سلف.
وقال الحليمي في ((منهاجه)): معناه: لا ينقص المطيعين يوم
الحساب من طاعته شيئًا ويثيبهم عليه؛ لأن الثواب لا يعجزه ولا هو
مستكره عليه فيضطر إلى كتمان (الأعمال)(٢) أو جحدها، وليس
ببخيل فيبخله استكثار الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان بعضها،
ولا يلحقه نقص لما يثيب فيحبس بعضه؛ لأنه ليس منتفعا بملكه حتى
إذا نفع غيره به زال انتفاعه عنه بنفسه، ولا ينقص المطيع من حسناته
شيئًا لا يزيد به العصاة على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم
(١) رواه الطبري ٥٤٨/٦ (١٧٦١٩-١٧٦٢٠)، وابن أبي حاتم ١٩٤٣/٦ (١٠٣٢٩).
(٢) في (ص١): بعض الأعمال.

٢٠٥
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
عقابًا على ما أستحقوه؛ لأن واحدًا من الكذب والظلم ليس جائزًا عليه،
وقد سمى عقوبة أهل النار جزاء فما لم يقابل منها ذنبًا لم يكن جزاء،
ولم يكن (وفاقًا)(١) يدل ذلك على أنه لا يفعله(٢).
فصل :
والمهيمن في الآية راجع إلى معنى الحفظ والرعاية، وذلك صفة
فعل له تعالى، وقد روينا من طريق البيهقي إلى ابن عباس رضي الله
عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] قال: مؤتمنًا
عليه (٣)، وفي رواية علي بن أبي طلحة (عنه)(٤): المهيمن: الأمين،
القرآن أمين على كل كتاب قبله(٥)، وقال مجاهد: الشاهد على ما قبله
من الكتب(٦)، وقيل: الرقيب على كل شيء والحافظ له، وقال بعض
أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء والرعاية له، وأنشد:
ألا إن خيرَ الناسِ بعد نبيه مُهَيْمِنْهُ التَّلِه في العُرف والنُّكْر
يريد: القائم على الناس بعده بالرعاية له(٧) .
وفي ((المحكم)) المهيمن - بكسر الميم وفتحها (٨). قال القزاز:
وقالوا في قول العباس في رسول الله اليه :
(١) في الأصل، (ص١): (وفا ما)، والمثبت من ((الأسماء والصفات)) للبيهقي.
(٢) انظر: ((الأسماء والصفات)) للبيهقي ١٦٦/١.
(٣) ((الأسماء والصفات ١٦٧/١ (١٠٨).
(٤) من (ص١).
(٥) ((الأسماء والصفات)) ١٦٧/١ (١٠٩).
(٦) ((الأسماء والصفات)) ١٦٧/١-١٦٨ (١١٠).
(٧) نقله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) ٤/ ٣٨٠٠ عن ابن الأنباري.
(٨) ٤ / ٢٤٠.

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
حتى أُحتوى بيتُك المُهَيمنُ مِن خِندَف علياءَ تحتَها النُّطُقِ (١)
إنما أراد: حتى أحتويت أنت، ثم أقام البيت أي: يا أمين، وهو
كان اسمه(٢).
قال عياض: قد سمى الله نبينا أمينًا فقال: ﴿قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ
[التكوير: ٢١] وسماه العباس مهيمنًا .
فصل :
معنى منعه القَيّة من قوله: السلام قد بينه بقوله: ((إنَّ الله هو السلام)).
ويستحيل أن يقال السلام على الله؛ لاستحالة القول: الله على الله،
وعلى قول من جعل السلام بمعنى السلامة، يستحيل أيضًا أن يدعى
له تعالى بالسلامة .
فصل :
وقوله: ((التحيات لله .. )) إلى آخره هو صرف منه القيّمة لهم عما يستحيل
الكلام به إلى ما يحسن، وجمل لما في ذلك من الإقرار لله تعالى بملك
(١) البيت في ((تهذيب اللغة)) ٤/ ٣٨٠٠، ((اللسان)) ٤٧٠٥/٨ (همن).
(٢) قال في ((لسان العرب)) مادة (همن): معناه حتى أحتويتَ يا مُهَيْمِنُ من خِنْدِفَ علياء
يريد به النبي و له فأقام البيت مقامه؛ لأَن البيت إذا حَلَّ بهذا المكان فقد حَلَّ به
صاحبُه، قال الأَزهري: وأراد ببيته شَرَفَه والمهيمن من نعته كأَنه قال حتى أُخْتَوى
شَرَفُك الشاهدُ على فضلك علياءَ الشَّرَفِ من نسب ذوي خِنْدِف أَي ذِرْوَةَ الشَّرَف
من نسبهم التي تحتها النُّطْقُ وهي أَوساطُ الجبال العالية، جعل خِنْدِفَ نُطْقًا. قال
ابن بري في تفسير قوله: بيتُك المهيمنُ. قال: أَي بيتُك الشاهدُ بشرفك وقيل أَراد
بالبيت نفسه لأَن البيت إذا حَلَّ فقد حلَّ به صاحبه، وفي حديث عكرمة كان عليّ
الَُّ أَعْلَم بالمُهَيْمِنَاتِ أَي القَضِايا من الهَيْمنَة وهي القيام على الشيء، جعل الفعل
لها وهو لأَربابها القوّامين بالأُمور. وروي عن عمر أنه قال يومًا: إنِّي داعٍ فَهَيْمِنُوا ،
أَي إني أَدْعُو الله فأَمِّنُوا، قلب أَحد حرفي التشديد في أَمِّنُوا ياء فصار أَيْمِنُوا، ثم
قلب الهمزة هاء وإحدى الميمين ياء، فقال: هَيْمِنُوا.

٢٠٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
كل شيء، وشرعه ما شرعه لعباده فيما أوجبه عليهم من الصلوات
المفروضة وندبه إليهم من النوافل، والتقرب (إليه)(١) بالدعاء، والكلام
الطيب الذي وصف تعالى أنه يصعد إليه بقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
ج
الطَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
فصل :
التحيات جمع: تحية، وهى العبادة أو الملك وهو قول زهير:
من كلِّ ما نالَ الفتى
قد نلته غير التّحية
وهي البقاء والسلام يعني الملك، والزاكيات: صالح الأعمال،
والطيبات: طيب القول، وقال ابن عباس: الأعمال الزكية. وقوله :
((والصلوات الله)) أي: لا ينبغي أن يراد بها غيره.
فصل :
تشهد ابن مسعود ه هذا، قد أسلفنا أنه أخذ به أحمد وأبو حنيفة،
وأخذ الشافعي بتشهد ابن عباس، ومالك بتشهد عمر څته.
(١) في (ص١): إليهم.

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦- باب قَوْلُ اللهِ تَعَالَى:
[الناس: ٢]
٢
﴿مَلِكِ النَّاسِ
فِيهِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَجِهِ. [انظر: ٤٧١٢]
٧٣٨٢- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ،
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: «يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ،
وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟)). وَقَالَ
شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَخْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. [انظر:
٤٨١٢- مسلم: ٢٧٨٧ - فتح ١٣/ ٣٦٧].
ثم ساق حديث يونس، عن الزهري، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾،
عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ
ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكَ، أَيْنَ مُلُولُكُ الأَرْضِ؟)). وَقَالَ شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ
مُسَافِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
الشرح:
(4) هو داخل في معنى ما أمرهم به
قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ
الشارع من قولهم: التحيات لله، يريد: الملك لله، وكأنه إنما أمرهم الله
بالاعتراف بذلك بقوله: قل يا محمد: أعوذ برب الناس ملك الناس،
ووصفه تعالى بأنه ملك الناس على وجهين: أن يكون راجعًا إلى
صفة ذاته وهو القدرة؛ لأن الملك بمعنى: القدرة. أو إلى صفة
فعل، وذلك بمعنى القهر والصرف لهم عما يريدون إلى ما أراده،
فتكون أفعال العباد ملكًا لله تعالى لإقداره لهم عليها، وقال ابن
التين: ملك ومالك يضاف إليه الشيء نحو الملك، وليس معناه هنا
قادرًا؛ لأن المغصوب ماله مالك غير قادر عليه.

٢٠٩
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
فصل :
وفيه إثبات اليمين الله تعالى صفة من صفات ذاته ليست بجارحة،
خلافاً لما يعتقده المجسمة في ذلك؛ لاستحالة وصفه تعالى بالجوارح
والأبعاض واستحالة كونه جسما (١). وقد تقدم حل شبههم في ذلك،
فاليمين: القدرة(٢) كما قاله المبرد، وأنشد مقالة الشماخ:
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاها عَرابَةُ باليمينِ(٣)
وأنكر هذا بعضهم، وقال: هو خلاف ظاهر القرآن ، والقرآن على
ظاهره ما أحتمل الظاهر (٤).
فصل :
ومعنى يقبض: يجمع وتصير كلها شيئًا واحدًا، وقيل يقبضها :
يملكها(٥)، كما تقول: هذا في قبضتي.
(١) كذا الصواب، فإثبات الصفة لا يعني إثبات الجارحة، وقد تقدم الكلام على مسألة
الجسم.
(٢) الصواب إثبات اليمين دون تأويل أو تكييف، والقرآن على ظاهره ما أحتمل الظاهر
كما سيأتي من كلام المصنف. ومسألة اليمين مثل مسألة اليد، بل هي نفس المسألة، وقد
امتلأ كتابُ الله بذكر اليد وأنه خلق بيده، وأن يداه مبسوطتان، وأن الملك بيده، ومن
ذلك قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [ص: ٧٥] بتثنية اليد، ولو صحَّ أن
معناه بقدرتي لقال إبليس : وأنا أيضا خلقتني بقدرتك فلا فضل له عليَّ بذلك. وسيأتي
قريبًا نقل المصنف من ابن بطال لمذهب الحق. وكذا في الأحاديث الصحيحة كقوله وَله :
((وكلتا يديه يمين)) رواه مسلم (١٨٢٧)، فاليد واليمين ثابتة له سبحانه ولكنها لا تشبه
المخلوقين، وهي يمين تليق بكماله وجلاله، وعليه فلا يصح تأويلها بالقدرة.
(٣) هذا بيت للشماخ، انظر: ديوانه ص٩٧، و(تهذيب اللغة)) (غوب) ٢٢١/٢،
و((الخصائص)) لابن جني ٢٥٢/٣.
(٤) هذا هو الصواب كما أشرنا في تعليق سبق قريبا.
(٥) هُذا أيضا الصواب إمراره على ظاهره دون تأويل.

٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٧- باب قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾
[المنافقون: ٨] وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ ﴾: قَالَ النَّبِيُّ بَ: «تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ
بِعِزَّتِكَ)). [انظر: ٤٨٤٨] وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّه :
(يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ،
فَيَقُولُ: رَبِّ أَصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ
غَيْرَهَا)) [انظر: ٦٥٧٣]
وقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((قَالَ اللهُ تعالى:
لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ))(١). [انظر: ٦٥٧٣]
وَقَالَ أَيُّوبُ العَيْهِ: (وَ عِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتَِكَ)). [انظر: ٢٧٩].
٧٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ
اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يَقُولُ: ((أَعُوذُ
بِعِزَّتِكَ الذِي لَا إله إِلَّا أَنْتَ، الذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ)).
[مسلم: ٢٧١٧ - فتح ١٣ / ٣٦٨] .
٧٣٨٤- حَدَّثَنَا ابن أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: (يُلْقَى فِي النَّارِ)). وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ،
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ. وَعَنْ مُعْتَمِرٍ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ،
(١) في هامش الأصل: سقط من الناسخ فيما يظهر لا من المؤلف: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((قَالَ اللهُ وَتَ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)).

٢١١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
عَنِ النَّبِّ وََّ قَالَ: ((لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا
رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ
وَكَرَمِكَ. وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِىَ اللهُ لَهَا خَلْقًّا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ
الجَنَّةِ)). [انظر: ٤٨٤٨- مسلم: ٢٨٤٨ - فتح ٣٦٩/١٣].
ثم ساق حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّه وَ﴿ كَانَ يَقُولُ:
((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الذِي لَا إله إِلَّا أَنْتَ، الذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ
يَمُوتُونَ)).
وشيخه فيه أبو معمر، واسمه: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج
ميسرة المنقري، مولاهم أبو معمر المقعد، مات سنة أربع وعشرين
ومائتين.
وحديث أنس ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّ قَالَ: ((يلقى في النار)) وفي لفظ:
(لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَهي تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ
العَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ
وَكَرَمِكَ. وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِىَ اللهُ لَهَا خَلْقًّا، فَيُسْكِنَهُمْ
فَضْلَ الجَنَّةِ)).
وشيخ البخاري في هذا ابن أبي الأسود وهو أبو بكر عبد الله بن
محمد بن حميد (بن)(١) الأسود بن أبي الأسود البصري الحافظ،
قاضي همذان، وجده حميد ابن أخت ابن مهدي، مات ببغداد سنة
ثلاث وعشرين ومائتين.
إذا عرفت ذلك فالكلام في وجوه:
(١) في الأصل: (أبي) والصواب ما أثبتناه.

٢١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
أحدها :
العزيز متضمن للعزة، ويجوز أن تكون صفة ذات بمعنى: القدرة
والعظمة، وأن تكون صفة فعل بمعنى: القهر لمخلوقاته والغلبة لهم،
ولهذا صح إضافته تعالى أسمه إليها فقال: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾
[الصافات: ١٨٠] والمربوب: مخلوق لا محالة، وقال ابن سحنون:
العزة في هذِه الآية هى التي جعل في العباد وهى مخلوقة، وقال
الحليمي: معناه: الذي لا يوصل إليه، ولا يمكن إدخال مكروه عليه،
فإن العزيز في لسان العرب من القوة وهي الصلابة. فإذا قيل: الله
عزيز، فإنما أراد به الاعتراف بالقدم الذي لا يتهيأ معه بعزة عما لم
يزل عليه من القدرة والقوة، وذلك عائد إلى تنزيهه عما يجوز عن
المصنوعين بأعراضهم بالحدوث في أنفسهم للحوادث.
وقال الخطابي: العزيز المنيع الذي لا يغلب، والعز قد يكون بمعنى
الغلبة، يقال منه: عزّ يعُزّ بضم العين، وقد يكون بمعنى الشدة والقوة،
فيقال منه: عز يعَز بفتح العين، وقد يكون بمعنى: نفاسة القدر يقال منه:
عز يعِز بكسر العين فيها، فيتأوّل معنى العزيز على هذا أو أنه لا يعازه
شيء وإنه لا مثل له.
ثانیھا :
الحكيم متضمن (الحكمة)(١) وهو على وجهين أيضًا: صفة ذات
تكون بمعنى العلم، والعلم من صفات ذاته(٢)، والثاني: أن يكون
بمعنى الإحكام للفعل والإتقان له، وذلك من صفات الفعل وإحكام
(١) في (ص١): لمعنى الحكمة.
(٢) أنظر ما تقدم.

٢١٣
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
الله تعالى لمخلوقاته فعل من أفعاله، وليس إحكامه لها شيئًا زائدًا على
قط(١) بل إحكامه لها جعلها نفسًا وذواتًا على ما ذهب إليه أهل السنة أن
خلق الشيء وإحكامه هو نفس الشيء، وإلا أدى القول بأن الإحكام
والخلق غير المحكم المخلوق إلى التسلسل إلى مالا نهاية له،
والخروج إلى مالا نهاية له إلى الوجود مستحيل، فبان الفرق بين
الحالف بعزة الله التي هي صفة ذاته، وبين من حلف بعزته التي هي
صفة فعله أنه حانث في حلفه بصفة الذات دون صفة الفعل، بل هو
منهي عن الحلف بصفة الفعل؛ لقول القائل: وحق السماء، وحق
زيد؛ لقوله الشّها: ((مَنْ كان حالِفًا فليحلفْ بالله))(٢).
وقد تضمن كتاب الله العزة التي هي بمعنى: القوة، وهو قوله:
﴿فَعَزَّزْنَا بِشَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] أي: قوينا، والعزة التي هى الغلبة والقهر،
وهو قوله: ﴿وَعَزَِّ فِ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] أي: قهرني وغلبني.
ثالثها :
القَدَم لفظ مشترك يصلح استعماله في الجارحة وفيما ليس بجارحة،
فيستحيل وصفه تعالى بالقدم الذي هو الجارحة؛ لأن وصفه بذلك يوجب
أن يكون جسمًا والجسم مؤلف حامل للصفات وأضدادها غير متوهم
خلوه منها، وقد بان أن التضادات لا يصح وجودها معا، إذا استحال
هُذا ثبت وجودها على طريق التعاقب وعدم نقضها عند مجيء بعض،
وذلك دليل على حدوثها، وما لا يصح خلوه من الحوادث فواجب
كونه محدثًا، فثبت أن المراد بالقدم في هذا الحديث: خلق من خلقه
(١) هكذا في الأصل، (ص١) وفي (شرح ابن بطال)) ٤١٢/١٠: (ذواتها).
(٢) سلف برقم (٢٦٧٩) كتاب: الشهادات، باب: كيف يستحلف، ومسلم (١٦٤٦/
٣) كتاب: الأيمان، باب: النهى عن الحلف بغير الله تعالى. من حديث ابن عمر.

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بقدم علمه أنه لا يملأ جهنم إلا به، (١) قاله ابن بطال.
ثم قال: وقال النضر بن شميل: القدم ههنا هم الكفار الذين سبق
في علم الله أنهم من أهل النار، وأنه يملأ النار بهم حتى ينزوي بعضها
إلى بعض من الملء؛ لتضايق أهلها فتقول: قط قط. أي: امتلأتُ، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] (أي:
سابقة صدق)(٢) وقال ابن الأعرابي: القدم هنا هو المتقدم في الشرف
والفضل، و((قد قد)) و((قط قط)) بمعنى: حسبي، أي: كفاني، وقال:
قدني وقطني بمعنى(٣) .
وقال ابن التين: ((تقول وعزتك)). فيه: جواز اليمين بصفة الله تعالى
وهو مشهور مذهب مالك. قال: وروينا ((قط قط)) بكسر الطاء غير منون
(قط) إذا كان بمعنى: حسب وهو الاكتفاء، فهي ساكنة تقول: رأيته مرة
واحدة فقط، وقال الراجز:
مهلًا رويدًا قد ملأت بطنى (٤)
امتلأ الحوض، وقال: قطني
وقيل: هو بكسر الطاء منون.
(١) هذا كلام نفاة الصفات من الأشاعرة والماتردية ومن وافقهم، أما أن القَدَم بمعنى
الجارحة فهذا يستحيل وصفه تعالى به، لكن لا ننفي القدم بل نثبت ما أثبته الله
لنفسه دون نفي أو تكييف، فالمعنى معلوم والكيف مجهول، والقول بالجارحة
تكييف، والقول بالتأويل نفي، وكلاهما مذموم. وأهل السنة يثبتون ما أثبته الله
لنفسه ويردون الکیفیة إلى ما يليق بجلاله.
(٢) من (ص١).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٤١٢-٤١٤.
(٤) هذا البيت غير منسوب، وهو في ((تفسير الطبري)) ٥١٠/١، ((معاني القرآن))
للزجاج ٣٦/١، و((الأمالي الشجرية)) ٣١٣/١، و((المقاصد النحوية)) ٣٦/١،
و ((الخصائص)) ٢٣/١، وروي: سلًا رويدًا.

٢١٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
وقال الدارقطني: قوله: ((قط قط)) يحتمل: أن تستجير النار ممن
دخلها، وقول النار: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. قيل: إنها تدعو
بالمزيد غيظًا، وقيل: معناه: وهل فيَّ مزيد، أي: قد امتلأت.
ثم حكى في القدم أقوالًاً(١):
أحدها: عن (الحسن)(٢): يجعل الله فيها الذين قدمهم من شرار
خلقه، فهم الذين قدم الله للنار، كأن المسلمين قدم للجنة.
فمعنى القدم على هذا المتقدم أي: سبق في علم الله أنهم من أهل
النار، وهذا قد سلف عن النضر.
ثانيها: أنهم قوم يخلقون يوم القيامة يسميهم الله قدمًا .
ثالثها: المعنى: قدم بعض خلقه فأضيف إليه، كما يقال: ضرب
الأمير اللص فيضاف الضرب إليه على معنى أمره وحكمه.
وقال الداودي: قيل معناه: وعد الصدق الذي وعد لعباده أن ينجي
منهم المتقين قال تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾ [يونس: ٢].
وقال بعض المفسرين: قدم صدق محمد وَالرَ(٣).
(١) كل هُذِه الأقوال صرف للمعاني الواضحة الصريحة، ونفي لما وصف الله به نفسه،
ولما وصفه رسوله، ولا حاجة لأن نشق على أنفسنا بالتخبط بين التأويلات ونترك
العقيدة الصافية النقية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر وجوب الإيمان
بصفة اليد وعدم تأويلها ونقل كلام المتقدمين من سلف الأمة قال: ويدل على
إيطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم
يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق إليه
لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة. ((مجموع الفتاوى)) ٨٧/٥-٩٠.
(٢) في (ص١): الحسين.
(٣) سلف معلقًا بصيغة الجزم عن زيد بن أسلم قوله، كتاب: التفسير سورة يونس.

٢١٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال: فإن كان كذلك فهي الشفاعة التي تكون منه، فيأمر الله
الملائكة أن يخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان،
وهذا من المقام المحمود الذي وعده، وهذا خلاف نص الحديث؛
لأن فيه أن رب العالمين يضع فيها قدمه بعد أن قالت: ﴿هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾؛
وكيف ينقص منها وهي تطلب الزائد، وإنما ينزوي بما جعل فيها ليس
بما يخرج منها، وفي هذا الخبر دلالة على من تأول في الخبر الآخر
((حتى يضعَ الجبارُ فيها قدمه)) أن الجبار إبليسُ وشيعته (١)؛ لأنه أول
من تكبر، وكذلك رد من قال: يراد به غير الله من المتجبرين.
فصل :
قوله: ((فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)) أي: تنضم وتختلف، وقوله: ((قد
قد)» بمعنى: حسب وهو مثل بمعنى قط، وهو ساكن الدال، قال الراجز:
قَدْنِيَ من نصر الحُبَيْبَيْن قَدِي(٢) .
قال ابن التين: ورويناه قد قِد بكسر القاف، وفي رواية أبي ذر
بفتحها .
فصل :
قوله: ((وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ)). أي: يبقى فيها فضيلة، ورويناه بضم
الضاد، يقال: فَضَل يفضُل مثل دَخَل يَدخُل، ولغة ثانية: فَضِل يفضَل
مثل حذِر يحذَر، وثالثة: فضِل يفضُل وهو شاذ لا نظير له، قال
سيبويه: هُذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين يقال: وكذلك نعم
(١) هذا من أشنع التأويل، وسياق الكلام لا يدل عليه، والرواية السالفة صريحة (رب
العالمين) ولو كان الأمر كذلك لذكرهم بلفظ (المتجبرين) و(أقدامهم).
(٢) البيت لحميد الأرقط، وتمامه: ليسَ الإمامُ بالشحيح الملحدِ. أنظر: ((لسان
العرب)) ٣٥٤٥/٦ مادة [قدد]، ((إصلاح المنطق)) ص ٣٤٢.

٢١٧
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
-
ينعم ومنه كدت ويكاد، قال القزاز: قال كراع: يجئ في اللغة فعل يفعُل
سوى فضل يفضل وحضر يحضُر، وقال غيره: هو فيهما فعَل يريد
بالفتح، يفعل بالضم.
وقوله: ((«فيسكنهم فضلَ الجنَّةِ))). قال ابن بطال: اختلفت الرواية
فيه (أفضل الجنة) أو (فضل الجنة)، فمن روى (فضل الجنة) يعني:
ما فضل منها وبقي، ومن روى (أفضل) فمعناه: فاضلها. وفاضل
وفضل عائدان إلى معنى واحد، وليس معنى أفضل من كذا الذي هو
بمعنى المفاضلة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةِ﴾ [الروم: ٢٧]
على أحد التأويلين. قال الشاعر: لعمرك ما أدري وإني لأوجل.
يريد: لوجل(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٤١٤.

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٨- باب قَوْلِه تَعَالَى:
﴿وَهُوَ اُلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
[الأنعام: ٧٣]
٧٣٨٥- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن جُرَيْجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ
طَاؤُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ:
((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ،
قَوْلُكَ الحَقُّ ، وَوَعْدَُ الحَقُّ، وَلِقَاؤُلَكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ
حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبَِكَ
خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ
وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إله لِي غَيْرُكَ)).
حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهُذَا وَقَالَ: ((أَنْتَ الحَقُّ،
وَقَوْلُكَ الحَقُّ)».
أي: أبدعها وأنشأها (بحق)(١)، وقال الداودي: أي للحق، قال
ابن التين: والله أعلم بما أراد.
قلت: ثم ساق حديث ابن عباس رضي الله عنهما السالف في
الدعاء(٢): كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» بطوله.
وقوله: ((رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) كقوله: خالق السموات
والأرض، و((أنت الحق))، يجوز أن يكون اسمًا راجعًا إلى ذاته فقط
(١) من (ص١).
(٢) سلف برقم (٦٣١٧) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء إذا أنتبه بالليل.

٢١٩
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
أي: أنت الموجود الثابت حقًّا الذي لا يصح عليك تغيير ولا زوال،
ويجوز أن يكون راجعًا إلى صفة ذاته كأنه الثابت أي قال لها: كوني
فكانت، وقوله صفة من صفات ذاته عند أهل الحق والسنة على
ما سيأتي بيانه بعد (١).
وقال الحليمي: تسميته بالخق مما لا يسع إنكاره، ويلزم إثباته
والاعتراف به ووجوده جل وعلا أولى ما يجب الاعتراف به -يعني
(عند)(٢) ورود أمره بالاعتراف به- ولا يسع جحوده(٣).
وقوله: ((أَنْتَ نُورُ)) كقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
وواجب صرفه عن ظاهره؛ لقيام الدليل على أنه لا يجوز أن يوصف
بأنه نور (٤)، والمعنى: أنت نورهما بأن خلقهما دلالة لعبادك على
وجودك وربوبيتك بما فيه من دلالة الحدث المفتقرة إلى محدث،
فكأنه نورهما بالدلالة عليه منهما وجعل في قلوب الخلائق نورًا
يهتدون إليه، وقال ابن عباس: الله نورهما، أي: هاديهن(٥).
(١) بل الصواب عند أهل السنة والجماعة أن قولَ الله تعالى صفة ذات وصفة فِعل،
وانظر ما تقدم أول كتاب التوحيد.
(٢) من (ص١).
(٣) أنظر: ((الأسماء والصفات)) للبيهقي ٤٥/١.
(٤) بل الدليل قائم على أنه وصف نفسه بذلك سبحانه، نورا يليق بجلاله.
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٣٢٠ (٢٦٠٨٥)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢٥٩٣/٨
(١٤٥٥٠) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: هادي أهل السموات
والأرض. وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٩٧/٦ وزاد نسبته لابن المنذر
والبيهقي في ((الأسماء والصفات)).
قال الإمام ابن القيم في كتابه ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) ص (٨-٩): وقد فُسِّر
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ بكونه منور السموات والأرض، وهادي =

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
= أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض.
وهذا إنما هو فعله، وإلَّا فالنور الذي هو من أوصافه قائم منه، ومنه اشتق له اسم
النور، الذي هو أحد أسمائه الحسنى.
والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة
مفعول إلى فاعله.
فالأول كقوله رَك: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا﴾ [الزمر: ٦٩].
فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء، ومنه قول النبي وَّ في
الدعاء المشهور: ((أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلّني، لا إله إلا أنت))، وفي الأثر
الآخر: ((أعوذ بوجهك، أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات)).
فأخبر وسلو أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله، كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق
يوم القيامة بنوره.
وفي ((معجم الطبراني)) و((السنَّة)) له، وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما،
عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور
السموات والأرض من نور وجهه.
وهُذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أقرب إلى تفسير الآية من قول من
فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض.
وأما من فسَّرها بأنه منور السموات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود.
والحق أنَّه نور السموات والأرض بهذِه الاعتبارات كلها.
وفي ((صحيح مسلم)) وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قام
فينا رسول الله وَ﴿ بخمس كلمات، فقال: ((إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام،
يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النَّهار وعمل النَّهار قبل عمل
الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)).
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله وَل: هل
رأيت ربك؟ قال: ((نور، أنَّى أراه)).
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- يقول: معناه: كان ثمَّ نور، أو حال
دون رؤيته نور، فأنَّى أراه؟. قال: ويدل عليه: أنَّ في بعض الألفاظ الصحيحة:
هل رأيت ربك؟ قال: ((رأيت نورًا)).
=