Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = ففي ((المدونة))(١) روايتان عن مالك، وأما من لم تبلغهم فلا يقاتلوا حتى يدعوا فإن شك في أمرهم، فالدعوة أقطع للشك (قال أبو حنيفة: إن بلغتهم فحسن أن يدعوا قبل القتال)(٢)، وقال الشافعي: لا أعلم أحدًا من المشركين لم تبلغه الدعوة إلا أن يكون خلف الذين يقاتلون قومٌ من المشركين خلف الترك والخوز(٣) لم تبلغهم الدعوة فلا يُقاتَلوا حتى يُدْعَوا (٤). فصل : وقوله: ( ((فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات)))، قال الداودي: يريد لا تفاجئهم في ذلك، وظاهر الحديث أنه يفعل بهم عقب معرفتهم. قال ابن العطار (٥) في ((دقائقه)): فإذا أجاب بالإسلام وأقر برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ووقف على الشرائع والأحكام وحدود الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج مع الاستطاعة إلى بيت الله الحرام، فإن لم يلتزم ذلك لم يقبل إسلامه ولا يكون بذلك مرتدًّا بخلاف من صلى ثم أرتد، فإنه إن صلى صلاة واحدة وارتد فإنه يستتاب حينئذٍ، فإن تاب وإلا قتل. (١) ((المدونة)) ٣٦٧/١. (٢) من (ص١)، وانظر ((المبسوط)) ٦/١٠. (٣) الخُوز: جيل من الناس، انظر ((الصحاح)) ٨٧٨/٣. (٤) ((الأم)) ٤ / ١٥٧. (٥) هو الإمام علاء الدين علي بن داود بن العطار الشافعي، له من المؤلفات ترجمة للنووي، وترتيب لفتاوى النووي، وله شرح على ((العمدة)) فرغ من تحقيقه الشيخ حسين عكاشة، وكتابه ((الدقائق المجموعة)) لم يُطبع. أنظر: ((تذكرة الحفاظ)) ٤/ ١٥٠٤، ((الدرر الكامنة)) ٥/٣-٧، ((معجم المؤلفين)) ٣٨٧/٢. ١٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال بعض متأخريهم: إذا أقر بالألوهية والوحدانية وأنكر الصلاة أو الصوم أو الحج كان على حكم المرتد، ولا تقبل منه جزية إن بذلها ليبقى على ما كان عليه (قبل ذلك)(١). فصل : وقوله: ( ((زكاة تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنيائهم فَتُرةُ على نُقَرَائِهم)) ) فيه دليلان: أحدهما: من له نصاب فهو غني لا يجوز له أخذ الزكاة، وهو قول مالك في رواية المغيرة، وبه قال أبو حنيفة، ولمالك عند محمد يأخذ من له أربعون دینارًا . وثانيهما: أن الزكاة لا تنقل، وإنما تصرف في فقراء الموضع الذي تؤخذ منه، فإن خالف فالأصح عدم الإجزاء عندنا، وإن كان دون مسافة القصر. وقال سحنون: إذا كان بقريته فقراء، وقال ابن اللباد: يجزئه، وهذا استحسان، وقد أشار (نحوه)(٢) ابن القصار، واختلف عندهم هل يستأجر عليها منها أو من ماله. (فصل)(٣) : قال الداودي: فيه تأخير البيان، بأن الفروض لم تلزم من لم يسمعها حتى يسمع، وأنه لا قضاءً عليه فيما يقضي. فصل : وقوله: ( ((وتوقَ كرائمَ أموالِ النَّاس))) أي: اجتنب خيار مواشيهم أن تأخذها في الزكاة، وكرائم: جمع كريمة، وهي الشاة الغزيرة اللبن، واختلف إذا كانت جيادًا كلها أو ردئية كلها وسِخالًا على (١) من (ص١). (٢) في (ص١): نحوه عند. (٣) في (ص١): قوله. ١٨٣ كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = أربعة أقوال للمالكية، ففي ((المدونة)): يأتي زكاتها من غيرها(١). وقال محمد بن عبد الحكم: لولا خلاف قول أصحاب(٢) مالك لكان بيِّنًا أن يأخذ واحدة من أوساطها، وقال مطرف في ((ثمانية أبي زيد))(٣): إذا كانت جيدة أو سِخالًا لا يأخذ منها، وإن كانت عجافًا أو ذوات عوار أو تيوسًا أخذ منها. وقال ابن الماجشون: تؤخذ من الجيد والرديء إلا أن تكون سخالا . فصل : وقوله: ( ((حق العباد على الله أن لا يعذبهم))) يريد: حقًّا عُلم من جهة الشرع بوعده تعالى لمن أطاعه بالنجاة من عذابه إلا أنه واجب عقلًا عند المعتزلة (٤). (١) ((المدونة)) ٢٦٧/١. (٢) في الأصل: لولا خلاف أصحاب قول .. ، والمثبت من (ص١). (٣) أبو زيد هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن عيسى القرطبي المالكي، نقل عن مطرف بن عبد الله اليساري، وعبد الملك بن ماجشون، برع في الفقه، ومات بقرطبة سنة تسع وخمسين ومائتين، وكتابه ((ثمانية أبي زيد)) عبارة عن ثمانية كتب من سؤاله المدنيين. انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٣٣٦/١٢، ((إيضاح المكنون)) ص٣٤٦، ((معجم المؤلفين)) ٢/ ٧٢. (٤) جعل المعتزلة أصل دينهم مبنيا على الإقرار بالنعمة ووجوب الشكر عقلا. وأهل السنة يرون أتباع أوامر الله ورسوله سواء سبقت معرفة الله بالفطرة أو الاضطرار أو بالنقل أو استدل لذلك بآيات الله ومعجزات نبيه وَله ، فهؤلاء المؤمنون استغنوا عن معرفة أيهما يجب أولًا. وكذا الحال في حق العباد على الله، سواء علمنا ذلك بالعقل أو بغيره، فقد نُقل إلينا الشرع بذلك، فعرفناه بالسمع، ونحن مكلفون باعتقاد ما في الوحيين، بصرف النظر عن فهم العقل للمسألة، إذ لو جعلنا ذلك أصلا؛ فقد تتفق العقول على مسائل ثم تختلف في أخرى، فأصبح الفصل في الرد إلى النص. ١٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقيل: إنه خرج على الجهة (المقابلة)(١) للَّفظ الأول؛ لأنه قال في أوله: ((ما حق الله على العباد؟)). ولا شك أن لله تعالى على عباده حقوقًا، فاتبع اللفظ الثاني الأول مثل: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]. فصل : ومعنى (يتقالها): يستقلها من قلَّ الشيء يَقِلُّ قِلَّةً، ولو كان من القول لكان يتقولها، وقوله: (((تعدل ثُلثَ القرآن))) أي: في الأجر، لا أن شيئًا من القرآن أفضل من شيء على أحد القولين؛ لأنه كله صفة لله تعالى(٢). وقيل: المعنى في ذلك: أن الله تعالى يتفضل بتضعيف الثواب لقارئها، ويكون منتهى التضعيف إلى مقدار ثلث ما يستحق من الأجر على قراءة ثلث القرآن من غير تضعيف أجر. وقيل: المعنى في ذلك: أن القرآن على ثلاثة أنحاء قصص وأحكام وأوصاف لله تعالى، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ تشتمل على ذكر الصفات وكانت ثلثًا بهذا الاعتبار، وقيل: معنى ثلث القرآن لشخص بعينه قصده الشارع وهو بعيد، وقيل: فضلت بذلك؛ لأنه ليس فيها شيء من العمل، إنما هي توحيد محض. وقوله الثَّه: ((سلوه)) يحتمل أن يكون سؤالهم إياه؛ لأنه الكليّا هو الذي أمره. (١) في (ص١) المقالة. (٢) بل الصواب أن هناك تفاضل؛ كما في هذا الحديث، وفي حديث الفاتحة، وليس في ذلك انتقاص من كلام الله ثق، فكلٌّ كلامٌ حسنٌ وصدقٌ. ١٨٥ كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وقوله: (لأنها صفة الرحمن) أي: لأن فيها أسماءه وصفاته، وأسماؤه مشتقة من صفاته. وقوله: (((أخبروه أنَّ الله يحبه))) أي: يريد ثوابه؛ لأنه تعالى لا يوصف بالمحبة الموصوفة فيها؛ لأنه يتقدس (عن)(١) أن يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس أو طبع فيتصف بالشوق الذي تقتضيه الجنسية والطبعية، فمعنى محبته للخلق: إرادته ثوابهم، وقيل: المحبة راجعة إلى نفس الإنابة والتنعيم لا لإرادة، ومعنى محبة المخلوقين له إرادتهم أن ينفعهم (٢) . (١) من (ص١). (٢) بل هي محبة حقيقية تليق بجلاله، وما ذكره المؤلف هنا في محبة الله تعالى هو ما عليه مذهب الأشاعرة؛ حيث ينفون هذه الصفة، وغيرها من الصفات، عن الله تعالى ويعطلونها، ويفسِّرونها إذا وردت في القرآن والسنَّة بلوازمها ومقتضياتها، من إرادة الثواب للعبد والعفو عنه والإنعام عليه كما فعل المؤلف، فينفون حقيقة صفة الله، ويحرفونها ويؤوِّلونها؛ بدعوى أنها توهم النقص في الذات العلية؛ لأن المحبة عندهم، هي: ميل القلب إلى ما يلائم الطبع، وهذا من صفات المخلوق، والله منزَّه عن ذلك الأمر الذي دعاهم إلى تأويل صفة المحبة، وحملها على الإرادة كما فعل المؤلف. والذي أوقع الأشاعرة في هذا الخطأ العقدي، هو قياسهم صفات الخالق على صفات المخلوق. ومن قواعد منهج السلف الصالح: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذات الحق لا تشبه ذوات الخلق، فكذلك صفاته. ومن قواعدهم: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر، فيثبت السلف جميع صفات الله، ويمرُّونها كما جاءت بما يليق بذاته العلِيَّة، ولا يُؤوِّلونها، ومنها: صفة المحبة. ويثبتون كذلك لوازمها من إرادة الله إكرام من يحبه وإثباته، فالله تعالى يُحِبُّ، ويُحَبُّ لذاته، وليس فقط لثوابه، كما قال: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وتأويل الأشاعرة لصفة المحبة بالإرادة، إنما هو تحريف لحقيقة الصفة، وصرف لها عن وجهها الصحيح، ويقال لهم: إنَّ المعنى الذي صرفتم اللفظ إلیه، هو نفس = ١٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ... = المعنى الذي صرفتموه عنه، فالإرادة، هي: ميل الإنسان إلى ما يلائمه، أو إلى ما ينفعه، ودفع ما يضره، وهي من صفات المخلوقين، والله منزَّه عن ذلك، فإن قال الأشاعرة: إرادة تليق به، قيل لهم: وكذلك له محبة، وصفات تليق به، فالسلامة والحكمة في منهج السلف. انظر: ((لوامع الأنوار البهية)) للسفاريني: ٢٢١/١ وما بعدها، ((شرح العقيدة الواسطية)) محمد هراس: ٤٥، ((الكواشف الجلية عن معاني الواسطية)) للسلمان: ١٨٣. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية خلاصة في هذا الموضوع نورده هنا بما يُغني عن كثرة التكرار في غير هذا الموضع، قال رحمه الله: نَعْتَقِد أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوَّلٌ لَمْ يَزُلْ وَآخِرٌ لَا يُزَالُ أَحَدٌ وَصَمَدٌ كَرِيمٌ عَلِيمٌ حَلِيمٌ عَلِيٍّ عَظِيمٌ رَفِيعٌ مَجِيدٌ وَلَهُ بَطْشٌ شَدِيدٌ وَهُوَ يُبْدِيُ وَيُعِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ قَوِيٌّ قَدِيرٌ مَنِيعٌ نَصِيرٌ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إلَى سَائِرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ النَّفْسِ وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنِ وَالْقَدَمِ وَالْيَدَيْنِ وَالْعِلْمِ وَالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالرِّضَى وَالْغَضَبَ وَالْمَحَبَّةِ وَالضَّحِكِ وَالْعَجَبِ وَاَلِاسْتِحْيَاءِ؛ وَالْغَيْرَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالسَّخَطِ وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَالْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالْعُلُوِّ وَالْكَلَامِ وَالسَّلَامِ وَالْقَوْلِ وَالنِّدَاءِ وَالتَّجَلِّي وَاللَّقَاءِ وَالنُّزُولِ؛ وَالصُّعُودِ وَالاِسْتِوَاءِ وَأَنَّهُ تَعَالَىَ فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. قَالَ مَالِكٌ: إنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ: نَعْرِفُ رَبََّا فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتِهِ عَلَى العَرْشِ بَائِنًا مِنْ خَلْقِهِ وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ الجهمية إنَّهُ هُهنا - وَأَشَارَ إلَى الأَرْضِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾ قَالَ: عِلْمُهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ. قَالَ أَحْمَدُ: ((إنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى العَرْشِ عَالِمٌ بِكُلِّ مَكَانٍ)) وَإِنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ شَاءَ وَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ كَيْفَ شَاءَ وَإِنَّهُ يَعْلُو عَلَى كُرْسِيِّهِ وَالْإِيمَانُ بِالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَمَا وَرَدَ فِيهِمَا مِنْ الآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ. وَأَنَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ يَصْعَدُ إِلَيْهِ وَتَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ وَخَلَقَ القَلَمَ وَجَنَّةَ عَدْنٍ وَشَجَرَةَ طُوبَى بِيَدَيْهِ وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدَيْهِ وَأَنَّ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ. = ١٨٧ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = = قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: ((لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِوَحْي يُتْلَى)). وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ المُعْتَقَدَ بِالدَّلَائِلِ فَقَالَ الله أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ جَاءَ بِهَا كِتَابُهُ؛ وَأَخْبَرَ بِهَا نَِيُّهُ أُمَّتَهُ؛ لَا يَسَعُ أَحَدًا مِنْ خَلَّقِ اللهِ قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ رَدُّهَا - إِلَى أَنْ قَالَ - نَحْوَ إِخْبَارِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِيَّانَا أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوْطَانِ﴾ وَأَنَّ لَهُ يَمِينَا بِقَوْلِهِ: (وَالسَّمَاوَاتُ مَظْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) وَأَنَّ لَهُ وَجْهَا لِقَوْلِهِ: ﴿ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ وَأَنَّ لَهُ قَدَمَاً لِقَوْلِهِ وَّ: ((حَتَّى يَضَعَ الرَّبُّ فِيهَا قَدَمَهُ)) يَعْنِي جَهَنَّمَ. وَأَنَّهُ يَصْحَكُ مِنْ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ؛ لِقَوْلِهِ وَلـ ◌ِلَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ: ((إنَّهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ يَضْحَكُ إلَيْهِ)) وَأَنَّهُ يَهْبِطُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَىْ سَمَاءٍ الدُّنْيَا لِخَبَرِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِذَلِكَ. وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ وَأَنَّ لَهُ إِصْبَعًا لِقَوْلِهِ: ((مَا مِنْ قَلْبِ إلَّا وَهُوَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ)). وَسِوىُ مَا نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ أَحَادِيثُ جَاءَتْ فِي الصِّحَاحِ وَاَلْمَسَانِيدِ وَتَلَقَّتْهَا الأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ نَحْوَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الذَّاتِ وَقَوْلِهِ وَِّ: ((لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللهِ)) وَقَوْلِهِ: ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ والله لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ والله أَغْيَرُ مِنِّي)) وَقَوْلِهِ: ((لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيْهِ المَدْعُ مِنْ اللّهِ وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللّهِ مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) وَقَوْلِهِ: (يَدُ اللهِ مَلْأَى)) وَقَوْلِهِ: ((إنَّ اللهَ يَقْبِضُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَرْضِينَ وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ)) وَقَوْلِهِ وَله: ((كَلَّمَ أَبَاك ◌ِفَاحًا)) وَقَوْلِهِ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ)) وَقَوْلِهِ: ((يَتَجَلَّى لَنَا رَبُّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ ضَاحِكًا)) .. وَفِي حَدِيثِ المِغْرَاجِ فِي الصَّحِيحِ: ((ثُمَّ دَنَا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىَّ)) وَقَوْلِهِ: ((كَتَّبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)) وَقَوْلِهِ: ((لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: رِجْلَهُ- فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ : قَدْ قَدْ وَفِي رِوَايَةٍ: قَطُّ قَطُّ بِعِزَّتِك)). وَنَحْوُ قَوْلِهِ: ((فَيَأْتِيهِمْ اللّهُ فِي صُورَتِهِ التِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبَُّا)) وَقَوْلِهِ وَِّ: ((يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ فَيُنَادِيِهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ أَنَا الدَّيَّنُ)). إلَى غَيْرِهَا مِنْ الأَحَادِيثِ هَالَتْنَا = ١٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = خاتمة : أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بدعاء العباد إلى دينه وتوحيده، ففعل ما لزمه من ذلك، وبلَّغ ما أمر بتبليغه، وأنزل عليه ﴿فَوَلَ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ ﴿@﴾ [الذاريات: ٥٤] = أَوْ لَمْ تَهُلْنَا بَلَغَتْنَا أَوْ لَمْ تَبْلُغْنَا أَعْتِقَادُنَا فِيهَا وَفِي الآي الوَارِدَةِ فِي الصِّفَاتِ: أَنَّا نَقْبَلُهَا وَلَا نُحَرِّفُهَا وَلَا نُكَيِّفُهَا وَلَا نُعَطِّلُهَا وَلَا نَتَأَوَّلُهَاَ وَعَلَى العُقُولِ لَا نَحْمِلُهَا وَبِصِفَاتِ الخَلْقِ لَا نُشَبِّهُهَا وَلَا نُعْمِلُ رَأْيَنَا وَفِكْرَنَا فِيهَا وَلَا نَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا نَنْقُصُ مِنْهَا بَلْ نُؤْمِنُ بِهَا وَنَكِلُ عِلْمَهَا إِلَىْ عَالِمِهَا كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَهُمْ القُدْوَةُ لَنَا فِي كُلِّ عِلْم. وعَنْ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: لَا نُزِيلُ صِفَةً مِمَّا وَصَفَ اللهُ بِهَا نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهَا الرَّسُولُ عَنْ جِهَتِهَا لَا بِكَلَامِ وَلَا بِإِرَادَةٍ إِنَّمَا يَلْزَمُ المُسْلِمَ الأَدَاءُ وَيُوقِنُ بِقَلْبِهِ أَنَّ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِّ إِنَّمَا هِيَ صِفَاتُهُ وَلَا يَعْقِلُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكُ مُقَرَّبُ تِلْكَ الصِّفَاتِ إلَّ بِالْأَسْمَاءِ التِي عَرَّفَهُمْ الرَّبُّ ◌َ﴾. وعَنْ مَالِكٍ والأوزاعيِ وَسُفْيَانَ وَاللَّيْثِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الأَحَادِيثِ فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ: ((أَمِرُوهَا كَمَا جَاءَتْ)). وَكَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ -صَاحِبٍ أَبِي حَنِيفَةَ- أَنَّهُ قَالَ فِي الأَحَادِيثِ التِي جَاءَتْ: ((إنَّ اللهَ يَهْبِطُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)) وَنَحْوَ هُذا مِنْ الأَحَادِيثِ: إنَّ هُذِه الأَحَادِيثَ قَدْ رَوَاهَا الثِّقَاتُ فَنَحْنُ نَرْوِيِهَا وَنُؤْمِنُ بِهَا. وَلَا نُفَسِّرُهَا [أي لا نكيفها]. انتهى بتصرف من ((مجموع الفتاوى)) ١٨١/٤ - ١٨٦. ١٨٩ - كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ٢- باب قَوْلِ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ اُلْحُسْنَىّ [الإسراء: ١١٠] ٧٣٧٦- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((لَا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ)). [انظر: ٦٠١٣ - مسلم: ٢٣١٩ - فتح ١٣ / ٣٥٨]. ٧٣٧٧- حَدَّثَنَا أَبُو النُّغْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ عَاصِمِ الأخْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ نََّ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدى بَنَاتِهِ يَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي المَوْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «ارْجِعْ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ له مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلِ مُسَمَّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)). فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ أَنَّهَا أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ◌ََّ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنِّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ (مَا هذا؟] قَالَ: ((هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)). [انظر: ١٢٨٤ - مسلم: ٩٢٣ - ٣٥٨/١٣]. ذكر فيه حديث زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ)). وأبو ظبيان أسمه حصين بن جندب بن عمرو (المذحجي)(١) الجنبي، أخرجا له. (١) في الأصل المدلجي، والمثبت من (ص١)، وانظر ((تهذيب الكمال)) ٦/ ٥١٤ (١٣٥٥). ١٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما السالف في الجنائز(١)، وفي آخره: ((وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)). وغرضه في هذا الباب إثبات الرحمة، وهى صفة من صفات ذاته لا من صفات أفعاله، والرحمن وصف به نفسه تعالى، وهو متضمن لمعنى الرحمة، كتضمن وصفه لنفسه بأنه عالم وقادر وحي وسميع وبصير ومتكلم ومريد للعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة التي جميعها صفات ذاته لا صفات أفعاله؛ لقيام الدليل على أنه تعالى لم يزل ولا يزال حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا متكلمًا مريدًا، ومن صفات ذاته الغضب والسخط (٢). (١) سلف برقم (١٢٨٤) باب: قول النبي ◌َّلّ: ((يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه)). (٢) تَقسيم الصفاتِ إلى صفاتِ ذاتٍ وصفاتِ أفْعالٍ والمبالغة في الفصل بينهما اتُخذت وسيلة لتأويل بعض الصفات عند كثير من المتكلمين. وحجة القائلين بخلق القرآن أنهم يرون الكلام صفة ذات وليست صفة فعل. قال ابن تيمية في معرض رده على القائلين بخلق القرآن: قال أحمد : كلام اللّهِ مِنْ اللّهِ ليْس بِبائِنٍ عنْه .. وأيْضًا فلوْ كان مخلوقًا فِي غيْرِهِ لمْ يكنْ كلامه؛ بلْ كان يكون كلامًا لِذلِك المخْلوقِ فِيهِ وكذلِك سائِر ما وصف بِهِ نفْسه مِنْ الإِرادةِ والْمحبّةِ والْمُشِيئةِ والرِّضى والْغضبِ والْمُقْتِ وغيْرِ ذلِك مِنْ الأمورِ لو كان مخلوقًا فِي غيْرِهِ لمْ يكنْ الرّبّ تعالى متّصِفًا بِهِ بلْ كان يكون صِفةً لِذلِك المحلِّ؛ فإِنّ المعْنى إذا قام بِمحلٌّ كان صِفةً لِذلِك المحلِّ ولمْ يكنْ صِفةً لِغِيْرِهِ فيمْتَنِعِ أنْ يكون المخْلوق أوْ الخالِقِ موصوفًا بِصِفةٍ موجودةِ قائِمةٍ بِغِيْرِهِ؛ لِأنّ ذلك فِظْرِيٌّ فما وصف بِهِ نفْسه مِنْ الأفْعالِ اللّازِمةِ يمْتِنِعِ أنْ يوصف الموصوف بِأمْرِ لمْ يقمْ بِهِ. وزعم بعضهم أنّ الفاعِل لا يقوم بِهِ الفِعْل وكان هذا مِمّا أنْكره السّلف وجمهور العقلاءِ وقالوا لا يكون الفاعِل إلّ منْ قام بِهِ الفِعْل وأنّه يفرّق بيْن الفاعِلِ والْفِعْلِ والْمِفْعولِ وذكر البخارِيّ فِي ((كِتابِ خلْقِ أفْعالِ العِبادِ)» إجْماع العلماءِ على ذلِك . والّذِين قالوا إنّ الفاعِل لا يقوم بِهِ الفِعْل وقالوا مع ذلِك إنّ اللّه فاعِل أفْعالِ العِبادِ كأبِي الحسنِ وغيْرِهِ وأنّ العَبْد لمْ يفْعِلْ شيْئًا وإِنّ جميع ما يخْلقه العبْد فِعْلٌ له وهمْ = ١٩١ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = والمراد: برحمته تعالى: إرادته لنفع من سبق في علمه أنه ينفعه ويثيبه على أعماله فسماها رحمة(١). والمراد بغضبه وسخطه إرادته لإضرار من سبق في علمه إضراره، وعقابه على ذنوبه، فسماها غضبًا وسخطًا(٢). ووصف نفسه بأنه راحم ورحيم ورحمن وغاضب وساخط بمعنى أنه مريد لما تقدم ذكره، وإنما لم يعرف بعض العرب من أسماء الله تعالى أن أسماءه كلها واجب استعمالها ودعاؤه بها سواء؛ لكون كل اسم منها راجعًا إلى ذات واحدة وهو الباري تعالى وإن دل كل واحد منها على صفة من صفاته تعالى يختص الاسم بالدلالة عليها، وأما الرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده يتراحمون بها فهي من صفات أفعاله، ألا تراه أنه قد وصفها بأن الله تعالى خلقها في قلوب عباده، وجَعْلُهُ يصِفُونه بِالصِّفاتِ الفِعْلِيّةِ المنْفصِلةِ عنْه ويقسِّمون صِفاتِهِ إلى صِفاتِ ذاتٍ وصفاتٍ = أفْعالٍ مع أنّ الأفْعالِ عِنْدهمْ هِي المفْعولات المنْفصِلة عنْه فلزِمهمْ أنْ يُوصف بِما خلقه مِنْ الظُّلْمِ والْقبائِحِ مع قوْلِهِمْ إنّه لا يوصف بِما خلقه مِنْ الكلام وغيْرِهِ فكان هذا تناقضًا مِنَّهمْ تسلّطَتْ بِهِ عليْهِمْ المعْتِزِلة. ولمّا قرّروا ما هو مِنْ أَصوَلِ أهْلِ السّنّةِ وهو أنّ المعْنى إذا قام بِمحلِّ أَشْتَقّ له مِنْه اسْمٌ ولمْ يشْتَقّ لِغِيْرِهِ مِنْه اسْمٌّ كاسْمِ المتكلِّم نقض عليْهِمْ المعتزِلة ذلِكِ بِاسْم الخالِقِ والْعادِلِ فلمْ يجِيبوا عنْ النّقْضَِ بِجوابٍ سدِيدٍ. وأمّا السّلف والْأئِمّة فَأَصْلهمْ مطّرِدٌ. ((مجموع الفتاوى)) ١٢/ ٢٩٧، ٣١٣. (١) بل هي رحمة حقيقية تليق بجلاله. (٢) أهل السُّنَّة يُثبتون صفاته سبحانه دون تأويل، ولا يعني اشتراكها مع صفات المخلوقين في المسمى أن ذلك تشبيه، فإن الاسم وإن اشتركَ في أصلِ مَعْنى الصفة، فإنه لا يدل على الاشتراك في الكيفية، ولا ريب أنَّ الكيفية التي يتضمنها الأسم في حقه 88 تختلف عنها في حق الخلق كاختلاف ذات الله عن ذات خلقه تماما. ١٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - لها في القلوب خلق منه تعالى لها فيه، وهُذِه الرحمة رقة على المرحوم، والله تعالى أن يوصف بذلك(١). فصل : روي أنه لما نزلت: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنّ﴾ قالوا: أندعو أثنين؟! فأعلم الله سبحانه أن لا يدعى غيره، فقال: ﴿أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، قال: هل تعلم أحدًا اسمه الرحمن سواه(٢). وأصل الله: لاه عند سيبويه، ثم أدخلت عليه الألف واللام، فجرى مجرى الاسم العلم كالقياس، إلا أنه يخالف الأعلام من حيث كان صفة(٣)، وهو مشتق من الألوهية. والرحمن والرحيم مشتقة من الرحمة، وقيل: (هما أسمان) (٤) على حالهما من غير اشتقاق. وقيل: يرجعان إلى الإرادة، فرحمته: إرادته التنعيم من خلقه(٥). (١) ليس من لوازم الرحمة تكييفها بذلك، فهي رحمة تليق بجلاله سبحانه، وقد تقدم القول بأنه يُمْتَنِعِ أنْ يكون المخلوق أوْ الخالِقِ موصوفًا بِصِفةٍ موجودةٍ قائِمةٍ بِغِيْرِهِ. (٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٧/ ٢٤١٤ (١٣١٧٧)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٧٥/٢ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ١٤٣/١-١٤٤ (١٢٣)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥٠٣/٤ لعبد بن حميد وابن المنذر. (٣) ((الكتاب)) لسيبويه ١٩٥/٢. (٤) من (ص١). (٥) رحمة الله تشمل الرحمة بمعناها الحقيقي كما تقدم، ولا يمنع أيضا أنها تشمل إرادة التنعيم لكن لا يصرفها ذلك عن المعنى الحقيقي. ١٩٣ كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = وقيل: هما راجعان إلى ترك عقاب من يستحق العقاب. وقيل: أصله إلاه على فِعَال بمعنى: مفعول؛ لأنه مألوه أي: معبود، مثل إمام بمعنى: مؤتم، يقال: ألاه بالفتح إلاهةً أي: عبد عبادةً، فلما أدخلت عليه الألف واللام حذف الهمزة تخفيفًا؛ لكثرته في الكلام، ولو كانت عوضًا منها لما اجتمعا في المعوض منه في قولهم: الإلاه فقطعت الهمزة في النداء، تفخيمًا لهذا الاسم. قال أبو علي: الألف واللام عوض من الهمزة بدليل أستجازتهم لقطع الهمزة الموصولة الداخلة على لام التعريف في القسم (١)، وذلك قولهم: أبألله لتفعلن، ويا ألله اغفر لي(٢). وقال الأشعري: إله أنه قادر على اختراع الأجسام والأعراض، فعلى هذا يكون صفة ذات(٣)، وكذلك (على)(٤) قول من قال: هو الذي ولهت العقول في معرفته، وقيل: هو من يقدر على كشف الضر والبلوى، وأنكر بعضهم قول من قال: إلاه بمعنى معبود معللًا بأن الأصنام معبودة وليست بآلهة. فصل : إرساله الَّه إلى ابنته أولًا في حديث أسامة: أن لله ما أخذ، ولم يمض أول مرة؛ لأنه كان شفيقًا رفيقًا فترى ما به (من)(٥) الرقة (فتنزجر)(٦) منها، وكان عزمها عليه؛ لأن تخلفه عنها أشد من (١) هكذا في الأصل، (ص١)، والأولى: (القسم والنداء). (٢) انظر: ((الصحاح)) ٦/ ٢٢٢٣ مادة (أله). (٣) أنظر ما تقدم أول هذا الباب. (٤) من (ص١). (٦) في (ص١): فيشتد حزنها. (٥) من (ص١). ١٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = مصيبتها. ثانيها: وأن في مجيئه عزاء من ذلك. ومعنى: (ونفسه تقعقع) أي: تضطرب وتتحرك، وقال الداودي: يعني صارت في صدره وكانت منه كالفواق، والشَّن - بالفتح: القربة الخَلَق و(الشَّنَّةُ)(١) أيضًا، وكأنها صغيرة. فصل : وقول سعد ه: ما هذا يا رسول الله. فيه: استعمال الإشارة، وهى لغة العرب، وعاتبه ابن عوف ع (أيضًا)(٢) في البكاء مع نهيه عليه، فأجاب بأنها رحمة(٣). (١) في الأصل، (ص١): (الشن)، والصواب ما أثبتناه، وانظر ((الصحاح)) ٢١٤٦/٥. (٢) من (ص١). (٣) سلف برقم (١٣٠٣) كتاب: الجنائز، باب: قول النبي ◌َّ: ((إنا بك لمحزونون)). ١٩٥ = كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ٣- باب قَوْلِ اللّهِ تبارك وتَعَالَى: ٥٨ ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ [الذاريات: ٥٨] ٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي ◌َمْزَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبٍِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّ: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذىْ سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)). [انظر: ٦٠٩٩ - مسلم: ٢٨٠٤ - فتح ١٣ / ٣٦٠]. ذكر فيه حديث أبي موسى الأشعري : «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)). وفي إسناده أبو حمزة بالحاء والزاي وهو: محمد بن ميمون السكري المروزي(١) . وهذا الباب تضمن من صفاته تعالى صفة فعل وصفة ذات، فصفة الفعل ما تضمنه أسمه الذي أجراه تعالى عليه، وهو قوله تعالى: ﴿اَلََّّقُ﴾ والصفة الرزق، والرزق فعل من أفعاله؛ لقيام الدليل على استحالة كونه تعالى فيما لم يزل رزاقا؛ إذ رازق يقتضي مرزوقًا، والباري تعالى قد كان بلا مرزوق فمحال كونه تعالى فاعلًا للرزق (٢) فيما لم يزل، فثبت أن ما لم يكن، ثُمَّ كان محدث مخلوق، فرزقه إذًا صفة من صفات أفعاله. (١) أنظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ٥٤٤/٢٦ - ٥٤٥ (٥٦٥٢). (٢) هذا من تخبط الأشاعرة والماتردية وانسياقهم وراء المنطق اليوناني، وقول المصنف (لقيام الدليل) يقصد الدليل العقلي عند المتكلمين، وانظر ما تقدم أول کتاب التوحيد ص ١٨٥ . ١٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وأما وصفه تعالى بأنه الرزاق فلم يزل تعالى واصفًا لنفسه بأنه الرزاق، ومعنى ذلك: أنه سيرزق إذا خلق المرزوقين، وأما صفة الذات فالقوة والقدرة آسمان مترادفان على معنى واحد (١)، والباري تعالى لم يزل قادرًا قويًّا ذا قدرة وقوة، وإذا كان معنى القوة والقدرة لم تزل موجودة قائمة به موجبة له حكم القادرين، والمتين معناه الثابت الصحيح (الوجود)(٢). فصل : ومعنى قوله التَّل: ((ما (أحد)(٣) أصبر على أذى سمعه من الله)) ترك المعاجلة بالنقمة و(العفو) (٤)؛ (لا أن)(٥) الصبر منه تعالى معناه كمعناه منا (٦)، كما أن رحمته تعالى لمن يرحمه ليس معناها معنى الرحمة منا؛ لأن الرحمة مفارقة وميل طبع إلى (نفس)(٧) المرحوم، والله تعالى عن وصفه بالرقة وميل الطبع؛ لأنه ليس بذي طبع، وإنما ذلك من صفات المحدثين (٨). (١) قال ابن عثيمين: القدرة يقابلها العجز، والقوة يقابلها الضعف، والفرق بينهما: أن القدرة يوصف بها ذو الشعور، والقوة يوصف بها ذو الشعور وغيره. ثانيًا : القوة أخص فكل قوي قادر وليس كل قادر قويًّا. مثال ذلك: تقول: الريح قوية، ولا تقول: قادرة، لكن ذو الشعور تقول: إنه قوي وإنه قادر. ((شرح الواسطية)) ١/ ١٦٠. (٢) في (ص١): الموجود. (٤) في (ص١): العقوبة. (٣) في (ص١): أجد أحد. (٥) في الأصل، (ص١): (لأن)، والمثبت هو الصواب، وانظر ((شرح ابن بطال)) ١٠ / ٤٠٥. (٦) الصبر منه سبحانه صبرا يليق بجلاله ولا يشبه صبر المخلوقين. (٧) في (ص١): نفع. (٨) تقدم الكلام على هذه المسألة، والرحمة من الله صفة ذات وصفة فعل تليق بجلاله سبحانه ولا يلزمنا تكييفها. ١٩٧ = كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وقوله: ((على أذى سمعه)) معناه: أذى لرسله وأنبيائه والصالحين من عباده؛ لاستحالة تعلق أذى المخلوقين به تعالى؛ لأن الأذى من صفات النقص التي لا تليق بالله تعالى؛ إذ الذي يلحقه بالعجز والتقصير على الانتصار ويصبر جبرًا هو الذي يلحقه الأذى على الحقيقة، والله تعالى لا يصبر جبرًا، وإنما يصبر تفضلا، فالكناية في الأذى راجعة إلى الله تعالى، والمراد بها أنبياؤه ورسله؛ لأنهم جاءوا بالتوحيد لله ونفي الصاحبة والولد عنه، فتكذيب الكفار لهم في إضافة الولد لله تعالى أذى لهم وردّ ما جاءوا به (١)، فلذلك جاز أن يضاف الأذى في ذلك إلى الله تعالى؛ إنكارًا لمقالتهم وتعظيمًا لها، إذ في تكذيبهم للرسل في ذلك إلحاد في صفته تعالى، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] تأويله: إن الذين يؤذون أولياء الله وأولياء رسوله. ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه في الإعراب، والمحذوف مراد نحو قوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يعني: أهلها(٢). فصل : تضمن هذا الباب الرد على من أنكر أن الله تعالى صفة ذات هي قدرة وقوة؛ لاعتقادهم بأنه تعالى قادر بنفسه لا بقدرة، والله تعالى قد (١) وهي أيضا أذى لله بمعنى وصفه بما لا يليق به سبحانه، ولا يعني ذلك أن يصاب بضر نتيجة الأذى، تعالى سبحانه عن ذلك علوا كبيرا. (٢) مسألة المجاز فيها تفصيل طويل، وقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْبَةَ﴾ يفهم منه العربي أنه يسأل أهل القرية، فهو المعنى الظاهر من الكلام حتى لو سماه أهل اللغة مجازًا، فليس كل ما سموه مجازًا يخالف ظاهر القرآن، وهو المعنى المتبادر للذهن بمجرد سماع الكلام. ١٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = نص على أن له قدرة، بخلاف ما يعتقده القدرية من أنه قوي بنفسه لا بقوة(١). وفيه: رد على المجسمة القايسين الغائب على الشاهد، قالوا: كما لم نجد قويا ولا ذا قوة فيما بيننا إلا جسمًا كذلك الغائب حكمه حكم الشاهد، فيقال لهم: إن كنتم على الشاهد تعولون وعليه تعتمدون في قياس الغائب عليه، فكذلك لم تجدوا جسمًا إلا ذا أبعاض وأجزاء مؤلفة يصح عليه الموت والحياة والعلم والجهل والقدرة والعجز(٢) فاقضوا على أن الغائب حكمه حكم هذا، فإن مروا عليه ألحدوا وأبطلوا الحدوث والمحدث، وإن أبوه نقضوا ما استدلوا به ولا أنفكاك لهم عن أحد الأمرين، ومن هذه الجهة دخل على المعتزلة الخطأ في قياسهم صفات الله تعالى على صفات المخلوقين والله تعالى لا يشبه المخلوقين؛ لأنه الخالق، ولا خالق له، وقد أعلمنا الله تعالى بالحكم في ذلك فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ فكيف يشبه الخالق بالمخلوق، ومن ليس كمثله شيء كمن له مثل من الأشياء المخلوقة، وهذا مما لا يخفى فساده وإبطاله. (١) أنظر التعليق المتقدم ص ١٨٦ - ١٨٨، ١٩٠. (٢) أنظر ما تقدم ص ١٨٥- ١٨٨. ١٩٩ كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ٤- باب قَوْلُهُ تَعَالَى: [الجن: ٢٦] ٢٦ ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، و﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] ﴿إِلَيْهِ يُّرَدُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] قَالَ يَحْيَى: الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا . ٧٣٧٩- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّ اللهُ: لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّ اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّ الله). [انظر: ١٠٣٩ - فتح ١٣/ ٣٦١]. ٧٣٨٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا بَهَ رَأىَ رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّ الله. [انظر: ٣٢٣٤ - مسلم: ١٧٧ - فتح ١٣/ ٣٦١]. ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ .. )) الحديث. وقد سلف(١). وذكره هنا بلفظ: وقال خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما به. (١) سلف برقم (١٠٣٩) كتاب: الاستسقاء، باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله. ٢٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وحديث عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ. غرضه في هذا الباب إثبات علم الله تعالى صفة (له)(١) أبدًا؛ إذ العلم حقيقة في كون العالم عالمًا؛ إذ من المحال كون العالم عالمًا ولا علم له، وكذلك سائر أوصافه المقتضية للصفات التي هي حقيقة في ثبات الأوصاف المجراة عليه تعالى من كونه حيًّا قادرًا وما شابه ذلك خلافًا لما تقوله القدرية من أنه عالم قادر حي بنفسه لا بقدرة ولا بعلم ولا بحياة، ثم إذا ثبت كون علمه قديمًا وجب تعلقه لكل معلوم على حقيقته. وقد نص تعالى على إثبات علمه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، [لقمان: ٣٤] وبقوله: ﴿أَنَزَلَهُ بِعِلْمِةٍ،﴾ وغيرهما من الآيات السالفة، فمن دفع علم الباري تعالى الذي هو حقيقة في كونه عالمًا، وزعم أنه عالم بنفسه لا بعلم فقد رد نصه تعالى على إثبات العلم الذي هو حقيقة في كونه عالمًا، ولا خلاف في رد نصه على أنه ذو علم وبين رد نصه على أنه عالم، فالنافي لعلمه كالنافي لكونه عالمًا، وأجمعت الأمة على أن من نفى كونه عالمًا فهو كافر، فينبغي أن يكون من نفى كونه ذا علم كافرًا، ومن نفى أحد الأمرين كمن نفى الآخر، والقول في العلم بهذا كاف من القول به في جميع صفاته. وتضمن هذا الباب الرد على هشام بن الحكم(٢) ومن قال بقوله (١) في (ص١): لذاته. (٢) هو هشام بن الحكم الكوفي الرافضي المشبه المعثر، له نظر وجدل وتواليف كثيرة، وقال ابن حزم: جمهور متكلمي الرافضة كهشام بن الحكم وتلميذه أبي علي الصكاك وغيرهما يقولون: بأن علم الله محدث، وأنه لم يعلم شيئًا في =