Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
=
٢٧ - باب نَهْى النَّبِيِّ ﴾ على التَّعْرِيمِ
إِلَّ مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ
وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا: ((أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ)). قَالَ
جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، ولكن أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ. [انظر: ٧٣٦٧]
وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنِ أَتُّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
٧٣٦٧- حَدَّثَنَا الَكِّيُّ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، عَنِ ابن ◌ُرَيْجٍ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا ابن جُرَئِجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ،
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي أُنَّاسِ مَعَهُ قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ وَّ في الحجّ
خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ - قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ :- فَقَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ
مِنْ ذِي الِحِجَّةِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ وَ أَنْ نَحِلَّ وَقَالَ: ((أَحِلُّوا وَأَصِيبُوا مِنَ
النِّسَاءِ)). قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَغْزِمْ عَلَيْهِمْ ولكن أَخَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ: لَا
لمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّ خْسْ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِي عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيْنَا
المَذْيَ. قَالَ: وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَحَرَّكَهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُمْ
أَنِي أَتْقَاكُمْ لله وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَذْبِي ◌َلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، فَلَوِ
اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا أَسْتَذْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ)). فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. [انظر: ١٥٥٧ -
مسلم: ١٢١٦ - فتح ١٣ / ٣٣٧].
٧٣٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ،
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ المُزَنُّ، عَنِ النَّبِيِّ بَيِّ قَالَ: ((صَلَّا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ)) . -قَالَ في
الثَّالِثَةِ - (َِنْ شَاءَ)). كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. [انظر: ١١٨٣ - فتح ١٣/ ٣٣٧].
وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا: ((أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ)). هذا سلف
مسندًا، ويأتي في الباب مسندًا أيضًا كما ستعلمه.
قَالَ جَابِرٌ عه: وَلَمْ يُعزم عَلَيْهِمْ، ولكن أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ.

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنِ اتِبَاعِ الجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. وهذا تقدم
مسندًا في الجنائز(١).
حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زكريا ثَنَا ابن جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قال: سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما فِي أَنَّاسِ مَعَهُ قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ
رَسُولِ اللهِ وَّه .. الحديث. وفيه: ((وَأَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ)).
وحديث الحُسَيْنِ -هو ابن ذكوان المعلم - عَنِ ابن بُرَيْدَةَ هو عبد الله،
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ المُزَنِيُّ - هو ابن مغفل رضي الله عنهما، عَنِ رسول الله
وَلِّ قَالَ: ((صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ))، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: ((لِمَنْ شَاءَ).
كَرَاهِيَةً أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
وهذا سلف أيضًا.
الشرح :
ادعى ابن بطال أنه وقع في بعض الأمهات باب النهي عن التحريم،
قال: وصوابه (على) يعني أنه محمول على التحريم إلا ما علمت إباحته
على حديث أم عطية (٢).
واختلف العلماء في هذا الباب:
فذكر ابن الباقلاني عن الشافعي: أن النهي عنده على التحريم
والإيجاب، وقاله كثير من الناس، وقال الجمهور من أصحاب مالك
وأبي حنيفة والشافعي، وكذلك الأمر عند الدهماء من الفقهاء وغيرهم
موضوع الإيجاب المأمور وحتمه إلا أن يقوم دليل على الندب،
(١) سبق برقم (١٢٧٨) باب: أتباع النساء الجنائز.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٣٩٧.

١٦٣
كِتَابُ الاسْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
=
وحكى أبو التمام المالكي عن مالك: أن الأمر عنده على الوجوب(١)،
وإلى هذا ذهب البخاري في هذا الباب: أن الأمر والنهي على الوجوب
إلا ما قام الدليل على خلاف ذلك، وذهبت الأشعرية إلى أن النهي
لا يقتضي التحريم بل يتوقف فيه إلى أن يرد الدليل(٢).
قال ابن الباقلاني: وقال هذا فريق من الفقهاء، وقال كثيرون من
أصحاب الشافعي: إن الأمر موضوع للندب إلى الفعل فإن أقترن به
ما يدل على كراهية تركه من ذم أو عقاب كان واجبًا.
وقال كثير من الفقهاء: واستشهد عليه الشافعي بقوله تعالى:
﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأمثاله مما ورد الأمر به على
سبيل الندب، وقد دل بعض كلامه على أن مذهبه الوقف، وقال
الأشعري وكثير من الفقهاء والمتكلمين: أنه محتمل للأمرين، وهذا
الذي يقول به حجة الجماعة على أن النهي على التحريم أنه موجب
اللغة ومقتضاها، وأن من فعل ما نهي عنه استحق اسم العصيان؛ لأنه
لا ينهى إلا عن قبيح قبل النهي وعما هو له كاره.
وقد فهمت الأمة تحريم الزنا، ونكاح المحرمات، والجمع بين
الأختين، وتحريم بيع الغرر وبيع ما لم يقبض بمجرد نهي الله ونهي
رسوله عن ذلك لا لشيء سواه.
وأما الحجة لوجوب الأوامر: فإن الله تعالى أطلق أوامره في كتابه
ولم يقرنها بقرينة، وكذلك فعل رسوله، فعلم أن إطلاق الأمر يقتضي
وجوبه، ولو افتقر إلى قرينة لقرنت به، والعرب لا تعرف القرائن،
(١) انظر: ((إحكام الفصول)) ص ١٩٥.
(٢) انظر: ((كشف الأسرار)) ٢٥٨/١.

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وإنما هو شيء أحدثه المتأخرون من المتكلمين فلا يجوز أن يقال: إن
لفظ الأمر لا تأثير له في اللغة وإنما يحتاج إلى قرينة، وقد قال
تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣]، فوجب
بهذا الوعيد حمل الأمر على الوجوب، وحجة من قال بالوقف
وطلب الدليل على أن المراد بالأمر أن الأمر قد يرد على معان-
أوضحناها في الأصول نحو الثلاثين معنى- فالواجب أن ننظر، فإن
وجدنا ما يدل على غير الواجب حمل عليه، وإلا فظاهره الوجوب؛
لأن قول القائل: أفعل، لا يفهم منه لا تفعل ولا أفعل إن شئت إلا أن
يصله بما يفعل به التخيير، وإذا عدم ذلك وجب تنفيذ الأمر.
واحتجوا على وجوب طلب الدليل والقرينة على المراد بالأمر
فقالوا: أتفق الجميع على حسن الاستفهام على معنى الأمر إذا ورد
هل هو على الوجوب أو على الندب، ولو لم يصلح استعماله فيه
لقبح الاستفهام عنه؛ لأنه لا يحسن أن يستفهم هل أريد باللفظ
ما لا يصلح إجراؤه عليه إذ لا يصلح إذا قال القائل: هل رأيت إنسانًا
أو حمارًا؟ وحسن أن يقال له: أذكر أم أنثى؟ لصلاح وقوعه عليهما،
وقد ثبت قبح الاستفهام مع القرائن الدالة على المراد بالمحتمل من
اللفظ، وإنما يسوغ الاستفهام مع التباس الحال وعدم القرائن الكاشفة
عن المراد(١).
قال ابن بطال: وما ذكره البخاري في الباب من الآثار تبطل هذا
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٣/١٠ -٣٩٥ وانظر المسألة في ((أصول السرخسي)) ١٤/١،
((إحكام الفصول)) ص ١٩٥ وما بعدها، ((لباب المحصول)) ٢/ ٥٢٠ وما بعدها،
(الإحكام)) للآمدي ٢١٠/٢، ((البحر المحيط)) للزركشي ٣٦٥/٢، ((العدة))
٢٢٤/١، ((مختصر الروضة)) ص (١٩٨).

١٦٥
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
=
القول، فإنه الكلية حين أمرهم بالحل وإصابة النساء بين لهم أن [أمره](١)
إياهم بإصابة النساء ليس على العموم ولا بيانه ذلك؛ لكانت إصابتهم
للنساء واجبة عليهم، وكذلك بين لهم نهيه النساء عن أتباع الجنائز أنه
لم يكن نهي عزم ولا تحريم [ولولا](٢) بيانه ذلك لفهم من النهي
بمجرده التحريم، وكذلك بين لهم أيضًا أن أمره لهم بالصلاة قبل
المغرب وأمره لهم بالقيام عن القراءة عند الاختلاف، ((هلموا أكتب
لكم كتابًا لن تضلوا بعده)). ليس على الوجوب؛ لأنه الشَّيْل أمرهم
بالائتلاف على ما دل عليه القرآن، وحذرهم الفرقة فإذا حدثت شبهة
توجب المنازعة أمرهم بالقيام عن الاختلاف، ولم يأمرهم بترك قراءة
القرآن إذا اختلفوا في تأويله؛ لإجماع الأمة على قراءة القرآن لمن
فهمه ولمن لم يفهمه، فدل أن قوله: ((قوموا عنه)) على وجه الندب
لا على وجه التحريم للقراءة عند الاختلاف.
وكذلك رأي عمره في ترك كتاب رسول الله وَّيّة حين غلبه الوجع
من أجل تقدم العلم عنده وعند جماعة المؤمنين أن الدين قد أكمله الله،
وأن الأمة قد أكتفت بذلك ولا يجوز أن يتوهم أن هناك شيئا بقي على
رسول الله وَّلل تبليغه فلم يبلغه؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة:
٦٧]، ولقوله: ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ
[الذاريات: ٥٤]، وقد
(٥٤
أنبأنا الله تعالى أنه أكمل الدين فقال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
وإذا ثبت هذا بان أن قوله: ((هلم أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده)).
محمول على ما أشار به عمر من أنه قول من قد غلبه الوجع واشتغل
(١) في الأصل: (أمرهم).
(٢) في الأصل: ولا، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٣٩٠/١٠.

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بنفسه، واكتفى بما أخبر الله به من إكمال الدين، وبان بهذا مقدار علم
عمر ه على ابن عباس رضي الله عنهما، فكل أمر الله والرسول لم يكن
واجبًا على العباد، وقد جاء معه من بيان النبي بتصريح أو بدليل ما فهم
منه أنه على غير اللزوم، وقد فهم الصحابة [ذلك] من فحوى خطابه،
وكل أمر عَرِي مخرجه عن الوجوب وجب حمله على الوجوب، إذ
[لو] لم يكن مراد الله به غير الوجوب لبينه نبيه لأمته، فوجب أن
يكون ما عري من بيانه أنه على غير الوجوب غير مفتقر إلى طلب
دليل أو قرينة أن المراد به الوجوب؛ لقيام لفظ الأمر بنفسه، وكذلك
ما عري من نهيه من دليل يخرجه عن التحريم وجب حمله على
التحريم كحكم الأمر سواء، على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٥/١٠-٣٩٧.

١٦٧
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالُّنَّةِ
=
٢٨- باب قَوْلِ اللّه ◌َلْ:
﴿وَشَاوِرُهُمْ فِ اُلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
وَأَنَّ المُشَاوَرَةَ قَبْلَ العَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ، لِقَوْلِهِ رَتْ: ﴿فَإِذَا عَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ وَ هِ لَمْ
يَكُنْ لِيَشَرِ التَّقَدُّمُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَشَاوَرَ النَّبِيُّ وَ أَصْحَابَهُ
يَوْمَ أُحُدٍ فِي المُقَامِ وَالْخُرُوجِ، فَرَأَوْا لَهُ الخُرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ
الأُمَتَهُ وَعَزَمَ قَالُوا لَهُ: أَقِمْ. فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ العَزْمِ وَقَالَ:
(لَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ إذا لبس لَامَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ)).
وَشَاوَرَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ رضي الله عنهما فِيمَا رَمَى به أَهْلُ الإِفْكِ
عَائِشَةَ رضي الله عنها فَسَمِعَ مِنْهُمَا، حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ فَجَلَدَ
الرَّامِينَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ ولكن حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ.
وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ بَعْدَ رسول الله وَّه يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ
العِلْم فِي الأُمُورِ المُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا، فَإِذَا وَضَحَ
الكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ أَقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ بََّ،
وَرَأَىْ أَبُو بَكْرٍ ﴾ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ عُمَرُ ﴾: كَيْفَ
تُقَاتِلُ الناسِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ
النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلَّا اللهُ. فَإِذَا قَالُوا: لا إله إِلَّا
اللهُ. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على
الله)؟ !. فَقَالَ أَبُو بَكْرِ ﴾: والله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ
رَسُولُ اللهِ وَلَهَ. ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ [انظر: ١٣٩٩] فَلَمْ يَلْتَفِتْ
أَبُو بَكْرِ ه إِلَى مَشُورَةٍ، إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللهِ وَّ
فِي الذينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وَأَحْكَامِهِ. وَقَالَ الَيْهُ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)). [انظر: ٣٠١٧]
وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةٍ عُمَرَ عَهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا،
وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ. [انظر: ٤٦٤٢]
٧٣٦٩- حَدَّثَنَا الأَوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، حَدَّثَنِي
عُزْوَةُ، وَابْنُ المُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها - حِينَ
قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ- قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ بَّهِ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ
حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا، وَهُوَ يَسْتَشِيْرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ
◌ِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَأَمَّا عَلِيٍّ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ،
وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. فَقَالَ: ((هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟)). قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَمْرًا
أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنَّ، تَنَامُ عَنْ عَجِيْنِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِ الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ
عَلَى اِنْبَرِ فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ والله
مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّ خَبََّ)). فَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ. [انظر:
٢٥٩٣- مسلم: ٢٧٧٠ - فتح ٣٣٩/١٣].
٧٣٧٠- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ أَبِ زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ، عَنْ
هِشَامٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بََّ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى
عَلَيْهِ وَقَالَ: (مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُ؟)).
وَعَنْ عُزْوَةَ قَالَ: لَا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالْأَمَرِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى
أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا وَأَزْسَلَ مَعَهَا الغُلَامَ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ
نَتَكَلَّمَ بهذا، سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح ١٣/ ٣٤٠].
ثم ساق قطعة من قصة الإفك من حديث الزهري عن عُرْوَة، وَابْن
المُسَيَّبِ وَعَلْقَمَة بْنِ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْد اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها - حِينَ
قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ ما قالوا -: وَدَعَا رَسُولُ اللهِنَّهِ عليًّا وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ

١٦٩
ـ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
حِينَ أَسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا، وَهْوَ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا
أُسَامَةُ فَأَشَارَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَأَمَّا عَلِيٍّ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ
اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ .. الحديث.
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ.
وحديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. بقطعة منه.
الشرح :
قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أي: يتشاورون،
واللأمة: الدرع مهموز والميم مخففة، جمعها: ألؤم على غير قياس
كأنه جمع لؤمة.
وقوله: (كانت الأئمة بعد رسول الله وَ له يستشيرون) يُقال: شاورته
في الأمر واستشرته بمعنی.
وقوله: (الأمناء من أهل العلم. فبذلك تواصى العلماء والحكماء)،
قال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى
الله، فإذا أشار أحد برأيه، سأله: من أين قاله؟ فإن اختلفوا أخذ بأشبههم
قولًا بالكتاب والسنة ولا يحكم بشيء حتى يتبين له حجة يجب الحكم
بها، ومشاورته التّ عليًّا وأسامة؛ لقربهما منه وثقته بهما، وليس كل
ما أشير به على المستشير يلزمه إذا تبين له الصواب في غيره.
وقوله: (فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة) هي بسكون الشين وفتح
الواو، ويقال أيضًا: بضم الشين وسكون الواو وهي المشورة.
ومعنى قوله: ( ((من بدل دينه فاقتلوه))) أي: تمادى عليه، خلافًا لما
يحكى عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه يقتل على كل حال ولا تقبل توبته.
وقد سلف رده.
وقوله: (حتى أستلبث الوحي). أي: أبطأ، والداجن قال ابن

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
السكيت: شاة داجن إذا ألفت البيوت واستأنست، قال: ومن العرب من
يقولها بالهاء، وكذلك غير الشاة، واستشارته القفيها فيمن سب عائشة رضي
الله عنها أراد أن ينتصف له غيره لئلا تنفر قلوب قوم، فقال له سعد بن
معاذ: إن كان منا قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فيه
بأمرك .. الحديث(١)، وإنما كان يشاور في أمر الجهاد فيما ليس فيه
حكم بين الناس؛ لأنه لا يشاور في شيء إنما يلتمس العلم فيه منه،
وقال قوم: له أن يشاور في الأحكام، وقال الداودي: هذِه غفلة عظيمة
لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] الآية.
فصل :
اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله رسوله أن يشاور فيه
أصحابه: فقالت طائفة: في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو تطييبًا
لنفوسهم وتألفًا لهم على دينهم، وأمر أن يسمع منهم ويستعين بهم
وإن كان الله أغناه عن رأيهم بوحيه، روي عن قتادة والربيع وابن
إسحاق، وقال آخرون: فيما لم يأت فيه وحي؛ ليبين لهم صواب
الرأي، روي عن الحسن البصري والضحاك قالا: [ما] (٢) أمر الله نبيه
بالمشاورة لحاجة إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة
من الفضل، قال الحسن: وما تشاور قوم إلا هُدوا لأرشد أمورهم،
وقال آخرون: إنما أمر بها مع غناه عنهم؛ لتدبيره تعالى وسياسته إياه
ليستن به من بعده ويقتدوا فيما ينزل بهم من النوازل(٣).
قال الثوري: وقد سن رسول الله وَله الاستشارة في غير موضع
44
(١) سلف برقم (٤٧٥٠) كتاب التفسير، سورة النور.
(٢) ليست في الأصل، والمثبت من ((تفسير الطبري)).
(٣) أنظر ((تفسير الطبري)) ٤٩٥/٣-٤٩٦.

١٧١
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنّةِ
=
استشار أبا بكر وعمر في أسارى بدر، وأصحابه يوم الحديبية.
وأما قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، قال
قتادة: أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله(١)،
قال المهلب: وامتثل هذا رسول الله وَ له من أمر ربه تعالى فقال: ((ما
ينبغي لنبي لبس لامته .. )) إلى آخره، يعني أي ليس ينبغي له إذا عزم أن
ينصرف؛ لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله مع العزيمة، فلبسه لأمته
دال على العزيمة، وفي أخذه الَّ بما يراه الله من الرأي بعد المشورة
حجة لمن قال من الفقهاء: أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد فيما
لا وحي عندهم فیه. وقد سلف بيانه قبلُ.
وفيه من الفقه أيضًا أن للمستشير والحاكم أن يعزم من الحكم على
غير [ما](٢) قال به مشاوره إذا كان من أهل الرسوخ في العلم وأن يأخذ
بما يراه كما فعل البيئة في مسألة عائشة رضي الله عنها فإنه شاور عليًّا
وأسامة وقد سلف، فلم يأخذ بقول أحدهما وتركها عند أهلها حتى
نزل القرآن فأخذ به، وكذلك فعل الصديق فإنه شاور أصحابه في
مقاتلة مانعي الزكاة وأخذ بخلاف ما أشاروا به عليه من الترك لما كان
عنده متضحًا من قوله التَّه: ((إلا بحقها)) وفهمه هُذِه الآية مع ما يعضدها
من قوله القَّ: ((من بدل دينه فاقتلوه)).
فصل :
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣/ ٤٩٧ (٨١٣٢)، وأورده السيوطي في (الدر)) ٢/ ١٦٠
وعزاه أيضًا لابن المنذر.
(٢) في الأصل: (من) والمثبت هو الملائم للسياق.

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقول البخاري: فإذا وضح الكتاب والسنة. يعني: وُجِدَ فيها نص لم
يتعدوه، وإلا قال الشافعي: وإنما يؤمر الحاكم بالمشورة؛ لأن المشير
يُنبه لما يغفل عنه ويدله على ما يجهله، فأما أن يقلد مشيرًا فلم يجعل
الله هذا لأحد بعد رسوله (١).
فصل :
قال أبو الحسن القابسي قوله: (فجلد الرامين لها). لم يأت فيه
بإسناد، وذكره غيره مسندًا. قلتُ: قد أسلفته مسندًا.
وقوله: (فسمع منهما) يعني سمع قول علي وأسامة رضي الله عنهما
على اختلافهما فيه.
وقوله (ولم يلتفت إلى تنازعهم). يعني: عليًّا وأسامة، وأراد
تنازعهما، وأظن الألف سقطت من الكتاب(٢).
آخر الاعتصام ولله الحمد
(١) ((الأم)) ٦/ ٢٠٧.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٩٨/١٠-٤٠٠.

٠
٩٧
كِتَابُ التَّوْعَخِيُّ
*

M
O
W
◌َ الَّـ
Σ
٩٧- ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
غالب أحاديثه سلفت.
١- باب مَا جَاءَ في دُعَائِهِ وَلَّهِ أُمَّتَهُ
إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى
٧٣٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ نَخْیَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ بَعَثَ مُعَاذَا إِلَى
اليَمَنِ. [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح ١٣ /٣٤٧].
٧٣٧٢- وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَخْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَّا مَعْبَدٍ
-مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ - يَقُولُ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسِ يَقُولُ لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ وَلَ مُعَاذَا
نَحْوَ اليَمَنِ قَالَ لَهُ: ((إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْم مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ
مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُؤَخِّدُوا اللهَ تَعَالَى، فَإِذَاً عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ
عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللّهَ اُفْتَرَضَ

١٧٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا
بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ)). [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩- فتح
١٣ / ٣٤٧] .
٧٣٧٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ
وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمِ سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ
(يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِيَ مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟)). قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((أَنْ
يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟)). قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: ((أَنْ لَا يُعَذَّبَهُمْ)). [انظر: ٢٨٥٦ - مسلم: ٣٠ - فتح ١٣/ ٣٤٧].
٧٣٧٤- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِ صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ:
﴾ [الإخلاص: ١] يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ في
فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ - وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالَّهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّه: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا
لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ)).
زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ،
أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ. [انظر: ٥٠١٣- فتح ١٣/ ٣٤٧].
٧٣٧٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ
ابن أَبِ هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرَّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَّهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِئْتِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ - وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بََّ- عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ بَعَثَ
رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِ فَيَخْتِمُ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
[الإِخلاص: ١] فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وََّ، فَقَالَ: ((سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ
يَصْنَعُ ذَلِكَ؟)). فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ
وَّة: ((أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ)). [مسلم: ٨١٣ - فتح ١٣ / ٣٤٧].

١٧٧
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
ذكر فيه حديث بعث معاذ : ((إِنَّكَ تَأْتِي عَلَى قَوْم مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ،
فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَخِّدُوا اللهَ)) الحديث بطوَّله، وقد سلف في
الزكاة(١).
وحديث معاذ : «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟ أَنْ يَعْبُدُوهُ
وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ .. )) الحديث.
وحديث أبي سعيد الخدري : أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ [الإخلاص: ١] يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رسول الله
﴿﴿ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا - فَقَالَ وَرَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ)).
زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ -يعني شيخ البخاري - عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -أي: كما أسلفه في الأول، وزاد
قال: أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ.
وحديث عائشة رضي الله عنها: أَنَّه وَّهِ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ.
الحديث سلف(٢).
ووجه ذكره هذِه الأحاديث هنا ما اشتملت عليه من التوحيد، وكذا
ذكره ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾؛ لأنها سورة تشتمل على توحيد الله
وصفاته الواجبة له وعلى نفي ما يستحيل عليه من أنه لم يلد ولم يولد
ولم یکن له کفوًا أحد.
وتضمنت ترجمة الباب: أن الله واحد، وأنه ليس بجسم؛ لأن
الجسم ليس بشيء واحد، وإنما هي أشياء كثيرة مؤلفة، في نفس
(١) سلف برقم (١٣٩٥) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة.
(٢) سلف معلقًا قبل حديث (٥٠١٣) كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ @

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الترجمة الرد على الجهمية في قولها: إنه تعالى جسم. تعالى الله عن
قولهم، والدليل على استحالة كونه جسمًا: أن الجسم موضوع في
اللغة للمؤلف المجتمع وذلك محال عليه تعالى؛ لأنه لو كان كذلك
لم ينفك عن الأعراض المتعاقبة عليه الدالة بتعاقبها عليه على حدثها
لفناء بعضها عند مجيء أضدادها، ومالم ينفك عن المحدثات فمحدث
مثلها، وقد قام الدليل على قدمه تعالى، فبطل كونه جسمًا(١).
(١) بَيَّن المصنف المراد بالجسم هنا وهو المؤلف المجتمع، أو بمعنى آخر المركب
الذي كان متفرقا، وهذا باطل في حقه سبحانه كما ذكر المصنف. وعلى وجه
العموم فإن هذه اللفظة لا يصح نسبتها إلى الله بصرف النظر عن معناها. فمن قصد
بها أن المقصود بالجسم كونه قائما بنفسه، أو من تُرفع إليه الأيدي، فبرغم كون
ذلك خطأ من جهة اللغة، فإن المعنى مقبول واللفظ مردود، والصواب ترك
استخدامه في هذا المقام.
وينبغي التنبيه أن الكثير من هذه المسائل تسلل إلى المسلمين من الفلاسفة
والملاحدة، وليست هذه المصطلحات من هدي السلف، ولم يتكلم بها النبي ◌َّ
ولا صحابته الكرام، ولا مفر لأهل السنة أن يوضحوها ويبينوا ما فيها من حق
وباطل، فأصل المسألة مأخوذ من الفلاسفة الذين قالوا أن الصفة لا تقوم
إلا بجسم، والجسم مركب، والتركيب خمسة أنواع كلها يجب نفيها عن الله،
واعتمد على كلامهم ابن سينا وأتباعه كالرازي وغيره وبنوا عليه النفي والتعطيل.
انظر: ((الرسالة الصفدية)) ص١٣٣ -١٣٥ (نشر أضواء السلف).
ومسألة الكلام في الجسم عند الماتردية ومن قلدهم مطية لإنكار كثير من الصفات،
ويقدمون لذلك مقدمات يمكن التسليم بها؛ إلا أنهم يسيرون بها بعد ذلك إلى
التأويل. فهم يقولون: ((ولذلك بطل القول فيه بالجسم والعرض إذ
هما تأويلا الأشياء، وإذا ثبت ذا بطل تقدير جميع ما يُضاف إليه من الخلق
ويُوصف به من الصفات بما يفهم منه لو أضيف إلى الخلق ووصف به وفي ذلك
ظهور تعنت المشبهة، وذلك سبب إلحاد من ألحد)). إلى غير ذلك من أقوالهم التي
تؤدي إلى جحد صفات الله تعالى.
انظر: ((تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة)) ص٣٢٦ مكتبة الرشد.

١٧٩
= كِتَابُ التَّوْحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
فصل :
ينبغي أن يعتقد أن الله تعالى في عظمته لا يشبه شيئًا من مخلوقاته
ولا يُشبَّهُ به، وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخلق والمخلوقات
فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي؛ إذ صفات القديم(١) بخلاف
صفات المخلوق، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فكذلك صفته
لا تشبه صفات المخلوقين؛ إذ صفاتهم لا تنفك عن الأعراض،
والأعراض هو تعالى منزه عنها .
قال بعضهم: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة
عن الصفات.
وقال الواسطي: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله
فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ اللفظ، وجلَّت
الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة(٢)، كما استحال أن يكون
للذات المحدثة صفة قديمة، من أطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره
(١) إطلاق اسم (القديم) على الله تعالى مشهور عند أكثر أهل الكلام، وتأثر بهم
الكثير حتى قال الطحاوي في عقيدته المشهورة: (قديم بلا ابتداء)، وأرادوا
بذلك التقدم على الحوادث كلها، والمعنى الذي أرادوه صواب، لكن الأسم
خطأ، فالقِدَم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، كما أنَّ هذا
الأسم لم يرد به نص، وأسماؤه سبحانه توقيفية، لذا أنكره كثير من السلف
والخلف، وأولى منه اسم (الأول) فقد جاء به النص القرآني، وهو يُشعر أنَّ
ما بعده آيلٌ إليه. على أن كثير من أهل العلم أطلقوا (القِدَم) على صفات الله
وأفعاله، بمعنى أنها غير مخلوقة أو حادثة. والكلام على الفرع يختلف عن الكلام
على الأصل.
(٢) بعض هذِه الألفاظ يستخدمها أهل الكلام في نفي أفعال الله ، باعتبار أن هذا
الفعل (الصفة) حادث، والله منزه عن الحوادث، وهذا بعيد عن الصواب إن قُصد
به إنكار الصفة، وانظر التعليق الآتي آخر هذا الباب.

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فهو مشبه، ومن أطمأن إلى النفي المحض فهو معطل، وإن (اعترف)(١)
بموجود، اعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد.
وقال ذو النون(٢): حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله في الأشياء
بلا علاج، وصنعه لها بلا مزاج، وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه،
وما تصور في وهمك فالله بخلافه.
فصل :
قوله الكليفلا لمعاذ: («فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله)).
يريد: وينزعون عن مقالتهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله،
ويقرون أن الله واحد لا شريك له، وذلك كله راجع إلى التوحيد.
فصل :
وفيه: الدعوة قبل القتال، واختلف فيمن بلغته الدعوة، هل يدعى
أم لا؟
(١) في (ص١): قطع.
(٢) ذو النون المصري: ثوبان بن إبراهيم الأخميمي المصري، أبو الفياض،
أو أبو الفيض: أحد الزهاد العباد المشهورين. من أهل مصر. نوبي الأصل من
أخميم بجنوب مصر، من الموالي. كانت له فصاحة وحكمة وشعر.
وقل ما روى من الحديث، ولا كان يتقنه. وقال الدارقطني: روى عن مالك
أحاديث فيها نظر.
وكان واعظا. وهو أول من تكلم بمصر في (ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية)
فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم. واتهمه المتوكل العباسي بالزندقة، فاستحضره
إليه وسمع كلامه. ثم أطلقه، فعاد إلى مصر. (ت ٢٤٥ هـ)
انظر: ((حلية الأولياء)) ٣٣١/٩، ٣٩١ و٣/١٠، ٤، ((تاريخ بغداد)» ٣٩٣/٨،
((سير أعلام النبلاء)) ١٥/٣، ((طبقات الأولياء)) ٢١٨، ٢٢٣، ((طبقات الصوفية))
١٥، ٢٦، ((طبقات الشعراني)) ٨١/١، ٨٤، ((الرسالة القشيرية)) ص٢١١،
(الأعلام» للزركلي ١٠٢/٢ .