Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
= كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
أو يتوب عليهم أو يعذبهم، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير على هذا
القول، وقيل (أو) هنا بمعنى: حتى، وصُوِّب الأول؛ لأنه لا أمر إلى
أحد من الخلق.

١٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٨- باب قَوْلِ اللّه تَعَالَى:
﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلَا﴾ [الكهف: ٥٤]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ يِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
[العنكبوت: ٤٦]
٧٣٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
أَخْبَرَنِي عَلِّ بْنُ حُسَيْنِ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِّ بْنَ أَبِي
طَالِبٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ وَ
فَقَالَ لَهُمْ: ((أَلَا تُصَلُّونَ؟)). فَقَالَ عَلِيٍّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ،
فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ
شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ
جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يُقَالُ: مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهْوَ طَارِقٌ. وَيُقَالُ:
الطَّارِقُ النَّجْمُ، وَالثَّاقِبُ: المُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ. [انظر: ١١٢٧- مسلم:
٧٧٥- فتح ١٣ / ٣١٣].
٧٣٤٨- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
بَيْنَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نََّ فَقَالَ: (انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ)). فَخَرَجْنَا مَعَهُ
حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الِدْرَاسِ فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َ لهَ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ بَهُودَ، أَسْلِمُوا
تَسْلَمُوا)). فَقَالُوا: بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: ((ذَلِكَ أُرِيدُ،
أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا)). فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَّا القَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((ذَلِكَ
أُرِيدُ)). ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ: ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لله وَرَسُولِهِ، وأني أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ
مِنْ هذِهِ الأَرَضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِغْهُ، وَإِلَّ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَزَضُ لله
وَرَسُولِهِ)). [انظر: ٣١٦٧ - مسلم: ١٧٦٥ - فتح ١٣ / ٣١٤].

١٢٣
= كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
ذكر فيه حديث محمد بن سلام - بالتخفيف - أنا [عَتَّابُ](١) بْنُ بَشِيرِ،
وهو: أبو الحسن الحراني، مولى بني أمية -عَنْ إِسْحَاقَ ، وهو ابن راشد
أخو النعمان بن راشد الجزري الحراني، مولى بني أمية، أنفرد به
وبالذي قبله- عن الزهري أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، عن حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ
أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أخبره أنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ
رَسُولِ اللهِ وَي* فقال لهم: ((ألا تصلون)) فقال علي: فقلت: يا رسول
الله، إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله وَاية . .
حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ وَهْوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ
وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَنَ آلْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلَا﴾ [الكهف: ٥٤].
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهْوَ طَارِقٌ. وَيُقَالُ: الطَّارِقُ النَّجْمُ،
وَالثَّاقِبُ: المُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ.
وحديث أبي هريرة : قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ خَرَجَ علينا النبي
وَِّ فَقَالَ: ((انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ)). فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أتينا بَيْتَ المِدْرَاسِ،
الحديث بطوله
الشرح :
معنى طرقه: جاءه ليلًا، قال ابن فارس: وحكى بعضهم أن ذلك قد
يقال في النهار أيضًا (٢)، وقوله: (ولم يرجع إليه شيئًا) هو بفتح الياء؛
لأنه ثلاثي في المشتهر من اللغات.
وقراءته الَّار: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾. إنما كره من احتجاجه؛
لأن المسلم ينبغي له أن يعترف بالتقصير لأن له في فعله اكتسابًا عليه يُجزئ.
(١) وقع في الأصل: غياث.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٥٩٥/٢ مادة (طرق).

١٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ـ
قوله: (فقال التَّ لليهود: ((أسلموا تسلموا))). كذا في الأصول.
((أريد)) بالراء، ووقع في كتاب أبي الحسن بالزاي والذي أعرفه بالراء.
ومعنى: ((أسلموا تسلموا)) أي: في الدنيا من السيف وفي الآخرة من
عذاب الله، وقوله: ((أريد أن أجليكم)) أي: أطردكم من تلك الأرض
وكان خروجهم إلى الشام.
قال الجوهري: جلوا عن أوطانهم وجلوتهم أنا يتعدى ولا يتعدى،
وأجلوا عن البلد وأجليتهم أنا كلاهما بالألف، وأجلوا عن القتيل لا غير.
آنفرجوا(١)، زاد في ((الغريبين)) وجلّا بالتشديد عن وطنه.
فصل :
الجدال لغة: المدافعة، فمنه مكروه ومنه حسن، فما كان منه تثبيتًا
للحقائق وتبيينًا للسنن والفرائض فهو الحسن، وما كان منه على معنى
الاعتذار والمدافعات للحقائق فهو المذموم.
وأما قول علي ◌ّه فهو من باب المدافعة. واحتج الشارع عليه بالآية.
ووجه هذِه الآية في الاعتصام أنه العَيْئُ عرض على علي وفاطمة
رضي الله عنهما الصلاة فاحتج عليه علي بقوله: إنما أنفسنا بيد الله.
فلم يكن له أن يدفع ما (دعاه)(٢) الشارع إليه، وهذا هو نفس الأعتصام
بسنته القَّا؛ فلأجل تركه الاعتصام (بقول)(٣) ما دعاه إليه من الصلاة
قال التَّ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ ولا حجة لأحد في ترك أمر
الله وأمر رسوله بمثل ما احتج به علي
(١) ((الصحاح)) ٦/ ٢٣٠٤ مادة (جلا).
(٢) في الأصل: (ادعاه) والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٣) كذا بالأصل، ووقع في ((شرح ابن بطال)) (بقبول) وأشار بهامشه أنه في نسخة
(بقول) فلعل المصنف نقل منها.

١٢٥
= ڪِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
وموضع الترجمة من حديث أبي هريرة # أن اليهود لما بلغهم
(أن)(١) النبي ◌َّي ما ألزمهم العمل به والإيمان بموجبه قالوا له: قد
بلغت يا أبا القاسم. رادين لأمره في عرضه عليهم الإيمان، فبالغ في
تبليغهم وقال ((ذلك أريد)) ومن روى: ((ذلك أريد)) بمعنى: أريد بذلك
بيانا بتكرير التبليغ، وهذه مجادلة من رسول الله وَّ لأهل الكتاب
بالتي هي أحسن.
وقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقالت: هي (مجملة)(٢)
ويجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى
الله والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان. وقوله تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] معناه: إلا الذين نصبوا
للمؤمنين الحرب، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.
هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير(٣). وقال ابن زيد: معناه: لا تجادلوا
أهل الكتاب -يعني: إذا أسلموا وأخبروكم بما في كتبهم إلا بالتي
هي أحسن- في المخاطبة، إلا الذين ظلموا بإقامتهم على (الأمر) (٤)،
فخاطبوهم بالسيف(٥). وقالوا: هي محكمة. وقال قتادة: هي منسوخة
بآية القتال(٦).
(١) كذا بالأصل، والصواب حذفها.
(٢) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) (محكمة).
(٣) رواه الطبري عنهما في ((تفسيره)) ١٤٩/١٠ (٢٧٨١٦ - ٢٧٨٢٠).
(٤) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) (الكفر).
(٥) السابق ١٥٠/١٠ (٢٧٨٢١).
(٦) السابق ١٥٠/١٠ (٢٧٨٢٢).

١٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٩- باب قول اللّه تَعَالَى:
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا﴾ [البقرة: ١٤٣]
وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ * بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ، وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ
٧٣٤٩- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا
أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َ: «يُجَاءُ بِنُوحِ يَوْمَ القِيَامَةِ
فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ. فَتُسْأَلُ أُمَّتُّهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا
جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُال: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فقال رسول الله ◌ََّ فَيُجَاءُ
بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ)). ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا﴾ قَالَ: عَدْلًا.
﴿لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَّه عَنِ
النَّبِيِّ ◌َثُّهَ. [انظر: ٣٣٣٩ - فتح ١٣ / ٣١٦].
ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري عظُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّن :
((يُجَاءُ بِنُوحِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ.
فَتُسْأَلُ أُمَّتُهَ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ
شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ)). ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ
اللهِ وَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا﴾ قَالَ: عَدْلًا. ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الخُدْرِيِّ عَنِ رسول الله وَلّ بهذا.
الشرح :
معنى هذا الباب الاعتصام بالجماعة، ألا ترى قوله تعالى:
﴿ لَنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولا يجوز أن يكون شهيدًا

١٢٧
= كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنّةِ
غير مقبول القول، ولما كان الشارع واجبًا أتباعه وجب أتباع قولهم؛ لأن
الله تعالى جمع بينه وبينهم في قبول قولهم وزكاهم، وأحسن الثناء عليهم
بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾ يعني: عدلًا.
والاعتصام بالجماعة كالاعتصام بالكتاب والسنة؛ لقيام الدليل على
توثيق الله ورسوله صحة الإجماع وتحذيرهما من مفارقته بقوله تعالى:
﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية [النساء: ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠] وهاتان الآيتان قاطعتان على
أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد أخبر الكثيف بذلك (فهمًا)(١) له
من كتاب ربه تعالى فقال: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))(٢). فلا يجوز
أن يكون أراد جميعها من عصره إلى قيام الساعة؛ لأن ذلك لا يفيد
شيئًا؛ لأن الحكم لا يعرف إلا بعد أنقراض جميعها، فعلم أنه أراد
أهل الحل والعقد من كل عصر.
فصل :
ما فسر به الوسط بالعدل، روي مرفوعًا كما أفاده ابن التين،
وأصله أن أحمد الأشياء أوساطها، وفي بقية حديث نوح في غير هذا
الموضع، ((فيقول قوم نوح: كيف يشهدون علينا، ونحن أول الأمم
وهم آخر الأمم، فتقولون: نشهد أن الله وم بعث إلينا رسولًا، وأنزل
(١) في الأصل: (فيما) والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٥٣) من حديث أبي مالك الأشعري، والترمذي (٢١٦٧) من
حديث ابن عمر، وابن ماجه (٣٩٠) من حديث أنس بن مالك. وقال ابن حجر في
((التلخيص)): هذا حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال. أهـ
وانظر تمام تخريجه في (التلخيص الحبير)) ١٤١/٣ (١٤٧٤)، و((كشف الخفاء))
٣٥٠/٢ (٢٩٩٩).

١٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
إلينا كتابًا، فكان فيما أنزل إلينا خبركم))(١).
وعبارة الداودي: ((يقال لهم تشهدون ولم تحضروا؟ فتقولون:
أخبرنا نبينا.)) وهو قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
(١) رواه بنحوه ابن ماجه (٤٢٨٤)، وأحمد ٥٨/٣.

١٢٩
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
=
٢٠- باب إِذَا اجْتَهَدَ العَامِلُ أَوِ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ
خِلَافَ الرَّسُولِ مِنْ غَيْ عِلْمٍ، فَحُكُمُهُ مَرْدُودٌ
لِقَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهْوَ رَدِّ).
[انظر: ٢٦٩٧ ]
٧٣٥٠، ٧٣٥١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ
المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يُحَدِّثُ، أَنَّ أَبَا
سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهَ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيِّ الأَنَّصَارِيَّ
وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ: ((أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ
هَكَذَا؟)). قَالَ: لَا، والله يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِّ: (لَا تَفْعَلُوا، ولكن مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هذا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هذا،
وَكَذَلِكَ الِمِيزَانُ)). [انظر: ٢٢٠١، ٢٢٠٢ - مسلم: ١٥٩٣ - فتح ١٣ / ٣١٧].
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ
المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ
المُسَيَّب يُحَدِّثُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُذْرِيَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما
حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيِّ الأَنْصَارِيَّ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى
خَيْبَرَ، فقدم بتمرٍ ... )) الحديث.
الشرح :
قال الجياني: كذا رواه إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري،
وسقط من كتاب الفربري من هذا الإسناد سليمان بن بلال، وذكر
أبو زيد المروزي أنه لم يكن في أصل الفربري، وكذلك لم يكن في
كتاب ابن السكن ولا عند أبي أحمد، وكذلك قال أبو ذر عن

١٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مشايخه، ولا يتصل السند إلا به، والصواب رواية النسفي(١). وأخو
إسماعيل: هو أبو بكر عبد الحميد بن أبي أويس الأعشى الأصبحي
حليف بني تيم، وعبد المجيد كنيته: أبو محمد أو أبو وهب. وسهيل
هذا تزوج الثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن
عبد شمس، وهي مولاة الغريض، فقال فيهما عمر بن عبد الله بن أبي
ربيعة بن المغيرة المخزومي الساعدي :
عمرك الله كيف يلتقيان
أيها المنكح الثريا سهيلًا
وسهيل إذا أستقل يماني
هي شامية إذا ما استقلت
وعاش أبوها إلى زمن معاوية وورث دار عبد شمس وكان أقعدهم
[نسبًا] (٢)، فحج معاوية في خلافته فدخل ينظر إلى الدار، فخرج عبد الله
(بمحجن)(٣)؛ ليضربه وقال: (لا أسمع الله يطلبك)(٤) أما تكفيك
الخلافة وحتى تطلب الدار، فخرج معاوية يضحك(٥).
وأخو بني عدي الأنصاري هو سواد بن غزية البلوي حليف بني
عدي بن النجار استعمله رسول الله وَ ليل على خيبر، شهد بدرًا، وأسر
يومئذ خالد بن هشام أخا أبي جهل عمروٍ والعاصي قُتلا يوم بدر،
والحارث فرّ يومئذٍ ثم أسلم عام الفتح. وسواد: هو الذي طعنه رسول
الله ◌َيقر بمخصرته ثم أعطاها إياه، وقال: ((استقد بها))(٦).
(١) (تقييد المهمل)) ٧٥٣/٢-٧٥٤.
(٢) ليست في الأصل والمثبت من ((أسد الغابة)).
(٣) وقع في الأصل (بن جحش) خطأ، والمثبت من ((أسد الغابة)).
(٤) كذا بالأصل، وفي ((أسد الغابة)) (لا أشبع الله بطنك).
(٥) انظر: ترجمته في ((أسد الغابة)) ٢٠٢/٣ (٢٨٦٨).
(٦) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ١٤٠٤/٣ (٣٥٥٠)، وابن الأثير في ((أسد
الغابة)) ٤٨١/٢، وانظر ((سيرة ابن هشام)) ٢٦٦/٢.

١٣١
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
فصل :
الجنيب نوع جيد معروف من أنواع التمر. والجمع رديء قال
الأصمعي: كل لون من النخل لا يعرف اسمه فهو جمع(١)، وفي
(الصحاح)): الجمع: الدقل، يقال: ما أكثر الجمع في أرض بني فلان
من النخل [لنخل] (٢) خرج من النوى لا يعرف اسمه(٣)، وقال القزاز:
الجمع: اختلاط أجناس التمر، والجنيب: ما (تعدها)(٤) في الجودة.
فصل :
وقوله فيه: ((لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه
مثل هذا، وكذلك الميزان)) يعني: وزنًا بوزن فيما يوزن، فكل ما يوزن
يباع مثلًا بمثل مثل ما يكال، وأما التمر فمكيل ولا يباع وزنًا بوزن؛
لاختلاف نواه، وقوله: ( (لا تفعلوا)))، ولم يذكر النسخ، وفي مسلم
(هو الربا، فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا [من] هذا))(٥).
فصل :
قد تقدم هذا الباب في كتاب الأحكام، وسلف هذا التعليق مسندًا،
ووجه دخوله هنا: أن الواجب على من حكم بغير السنة جهلًا وغلطًا ثم
تبين له أن سنة الرسول خلاف حكمه، فإن الواجب عليه الرجوع إلى
حكم السنة وترك ما خالفها [امتثالاً](٦) لأمره تعالى بوجوب طاعته
(١) أنظر ((تهذيب اللغة)) ٦٥٣/١ مادة (جمع).
(٢) من ((الصحاح)) وليست في الأصل.
(٣) ((الصحاح)) ١١٩٨/٣. مادة (جمع).
(٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: تعداها.
(٥) مسلم (١٥٩٤) كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل.
(٦) ليست بالأصل والمثبت من ((شرح ابن بطال)).

١٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وطاعة رسوله أن لا يحكم بخلاف سنته، وهذا هو نفس الاعتصام
بالسنة، وقد سلف الكلام في هذا الحديث، وأنه العقلية أمر برد هذا
البيع وفسخه في كتاب البيوع فأغنى عن إعادته.

١٣٣
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
-
٢١- باب أَجْرِ الحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ
٧٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِنْرَاهِيمَ بْنِ الَحَارِثِ، عَنْ بُشرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى
عَمْرِو بْنِ العَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((إِذَا حَكَمَ
الَحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)). قَالَ:
فَحَدَّثْتُ بهذا الحَدِيثِ أَبًا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ المُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلىالله
وسام
مِثْلَهُ. [مسلم: ١٧١٦ - فتح ١٣ /٣١٨].
ذكر فيه حديث أَبِي قَيْسٍ -واسمه سعد(١) كما قاله مسلم(٢) - مَوْلَى
عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﴿ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَل
يَقُولُ: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَإِذَا حَكَمَ
فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)). قَالَ: فَحَدَّثْتُ بهذا الحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ
عَمْرِو بْنِ حَزْم فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ﴾.
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ المُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ مِثْلَهُ.
(١) بهامش الأصل: اسمه عبد الرحمن بن ثابت كما قاله ( ... ) عن ابن يونس. [قلت
أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٢٠٤/٣٤ (٧٥٧٨)].
(٢) قال ابن حجر في ((الفتح)) ٣١٩/١٣: وحكى الدمياطي أن اسمه سعد، وعزاه
المسلم في ((الكنى))، وقد راجعتُ نسخًا من ((الكنى)) لمسلم فلم أر ذلك فيها، منها
نسخة بخط الدارقطني الحافظ.

١٣٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الشرح :
حديث أبي هريرة ﴾ هذا(١).
والاجتهاد استفراغ وسع الحاكم العالم في طلب حكم الحادثة.
وقوله ((ثم أخطأ فله أجر)) احتج به من قال: إن الحق في واحد وإنه
ليس كل مجتهد مصيبًا وهي مسألة خلافية طويلة الذيل.
وهُذا إذا كان العالم متبحرًا في العلم بنفسه يرى نفسه أهلًا لذلك
ويراه الناس، فأما المقصر فلا يسوغ له أن يدخل نفسه في شيء من
ذلك، فإن فعل، هلك قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾
[الإسراء ٣٦]، وفي حديث أبي داود وغيره من حديث بريدة ((القضاة
ثلاثة: أثنان في النار وواحد في الجنة))(٢).
ولذا قال ابن المنذر: إنما يكون الأجر للحاكم إذا كان عالمًا
بالاجتهاد والسنن، فأما من لم يعلم ذلك فلا يدخل في معنى الحديث
-ثم استدل بحديث أبي هريرة ع هذا- وإنما يؤجر على اجتهادٍ
في طلب الصواب لا على الخطأ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى:
(١) كذا بالأصل لم يتم الكلام وبعده بياض، وكتب بالهامش: ( ... ) في الأصل الذي
كتبت منه [وروي عن أبي] بكر عمرو بن حزم عن أبي هريرة فأخرجه [الترمذي] في
الأحكام عن حسين بن مهدي، والنسائي في القصاص [عن إسحاق بن منصور]
كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن سفيان الثوري، [عن يحيى بن سعيد] عن
أبي بكر به، قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، [لا نعرفه من] حديث
الثوري إلا من حديث عبد الرزاق، عن معمر ( ... ) عبد الله بن أبي بكر عن أبي
سلمة المرسلة. [قلت: أنظر الترمذي (١٣٢٦) والنسائي ٢٢٤/٨].
(٢) رواه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥). وصححه
الألباني في ((صحيح الجامع)) (٤٤٤٦).

١٣٥
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَاب وَالسُّنَّةِ
=
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨](١).
قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود(٢). وذكر أبو التمام
المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين،
وليس ذلك في جميع أقاويل المجتهدين(٣)، وبه قال أكثر الفقهاء (٤)،
وحكى ابن القاسم: أنه (سمع)(٥) مالكًا عن اختلاف الصحابة، فقال:
مخطئ ومصيب وليس الحق في جميع أقاويلهم(٦).
وقال أبو بكر بن الطيب: اختلفت الروايات عن أئمة الفتوى في هذا
الباب كمالك وأبي حنيفة والشافعي: فأما مالك، فالمروي عنه منعه
المهدي من حمله الناس على العمل والفتيا [بما](٧) في ((الموطأ)) وقال
له: دع الناس يجتهدون، وظاهر هذا إيجابه على كل مجتهد القول بما
يؤديه الاجتهاد إليه، ولو رأى أن الحق في قوله فقط، أو قطع عليه لكان
الواجب عليه المشورة على السلطان العمل به، ويبعد أن يعتقد مالك
أن كل مجتهد مأمور بالحكم والفتيا باجتهاده، وإن كان مخطئًا في
ذلك، وذكر عن أبي حنيفة والشافعي القولين جميعًا (٨).
(١) أنظر: ((المستصفى)) ٣٤٢-٣٤٥، ((البحر المحيط)) للزركشي ٢٢٩/٨-٢٣٢.
(٢) رواه البغوي في ((تفسيره)) ٣٣٣/٥.
(٣) أنظر: ((إحكام الفصول)) للباجي (٧٠٧).
(٤) أنظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص ٣٣٠/٣-٣٣٢، عند تفسيره لقوله تعالى:
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾، ((الفصول في الأصول)) ١٢/٤، ٢٩٢ -
٢٩٥، ((المستصفى))، ص٣٤٧ وما بعدها، ((البحر المحيط)) ٢٧٦/٨ -٢٨٠،
((العدة)) ١٥٤٠/٥، ((أعلام الموقعين)) ١٦١/٢ - ١٦٢.
(٥) كذا في الأصل وفي ((شرح ابن بطال)): (سأل) وهو أنسب للسياق.
(٦) انظر: ((إحكام الفصول)) ص (٧٠٧).
(٨) أنظر: ((إحكام الفصول)) ص ٧٠٧-٧٠٨.
(٧) من ((شرح ابن بطال)).

١٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واحتج من قال أن الحق في واحد بحديث الباب كما سلف، وهو
نص على أن [في](١) المجتهدين والحاكمين مخطئًا ومصيبًا، قالوا:
والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون الشيء حلالا حرامًا
وواجبًا وندبا، ويلزم الحاكم اعتقاد كونه حلالًا إذا رأى ذلك بعض
أهل الاجتهاد وحرامًا إذا رأى ذلك غيره، وأن تكون الزوجة محللة
محرمة والمال ملك الإنسان وغير ملك له، إذا اختلف في ذلك أهل
الاجتهاد، واحتج من قال: كل مجتهد مصيب، فقالوا: أتفق الكل
من الفقهاء على أن فرض كل عالم الحكم والفتيا بما (أدله)(٢)
الاجتهاد إليه، وما هو الحق عنده وفي غالب ظنه وأنه حرام عليه
أن يفتي ويحكم بقول مخالفة، فلو كان في الأقاويل المختلف فيها
ما هو خطأ وخلاف دين الله لم يجز أن تجتمع الأمة على أنه فرض
القائل به؛ لأن إجماعها في ذلك إجماع على خطأ، وقد نهى الله
عنه وشرع خلافه.
ولو جاز كون أحدهما مخطئًا؛ لأدى ذلك إلى أن الله أمر أحدهما
بإصابة عين الباطل، وفي هذا القول تأدية إلى أن الله أمر بالباطل،
وإذا فسد هذا مع كونه مأمورًا بالاجتهاد وجب كونه بفتواه ممتثلا أمره
وطائعا له ومصيبًا عند الله، فثبت أن الحق مع كل واحد منهما بدليل
قوله تعالى: ﴿لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف ٢٨]، ومع قيام الدليل على
أن طاعة الباري إنما كانت طاعة لأمره بها، كما أن المعصية كانت
معصية لنهيه عنها.
(١) من ((شرح ابن بطال)).
(٢) كذا في الأصل وفي ((شرح ابن بطال)): (أداه).

١٣٧
كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
وقد أجاب الشافعي عن هذا الحديث في ((الرسالة)) فقال: لو كان
في الاجتهاد خطأ وصواب في الحقيقة لم يجز أن يثاب على أحدهما
أكثر مما يثاب على الآخر؛ لأن الثواب لا يجوز فيما لا يسوغ ولا في
الخطأ الموضوع إثمه عنا (١).
وقال ابن الطيب: هذا الخبر يدل على أن كل مجتهد [مصيب أولى
وأقرب؛ لأن المخطئ لحكم الله والحاكم بغيره مع الأمر له به لا يجوز
أن](٢) يكون مأجورًا على الحكم بالخطأ بل أقصى حالاته أن يكون إثمه
موضوعًا عنه، فأما أن يكون بمخالفة حكم الله تعالى مأجورًا فإنه باطل
باتفاق، والشارع قد جعله مأجورًا، فدل ذلك على أن هذا ليس بخطأ في
شيء وجب عليه ولزمه الحكم به(٣).
ويحتمل أن يكون معناه: إذا أجتهد في الحكم والطلب للنص
فأصابه وحكم بموجبه فله أجران: أحدهما: على البحث والطلب،
والآخر: على الحكم بموجبه، وأراد بقوله: ((إن حكم فأخطأ)). أي:
أخطأ الخبر بأن لم يبلغه مع الاجتهاد في طلبه ثم حكم باجتهاده
المخالف لحكم النص كان مخطئًا للنص ومصيب لا محالة في
الحکم؛ لأن الحکم بالاجتهاد عند ذلك فهو فرضه.
ولهذا كان يقول عمر ظه عندما كان يبلغه الخبر: لولا هذا لقضينا
فيه برأينا ولم يقل (له) (٤) أحد الصحابة: فلو قضيت فيه برأيك لو لم
يبلغك الخبر لكنت بذلك عاصيًا، وَلِمَ أردت أن تقضي بالرأي وهذا
(١) ((الرسالة)) ص٤٩٦.
(٢) ليست بالأصل، وأثبتناها من ((شرح ابن بطال)) ٣٨٣/١٠ لتكملة السياق.
(٣) السابق.
(٤) في الأصل: (به) والتصويب من ((شرح ابن بطال)).

١٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الخبر كان موجودًا.
فدل إمساك الكل عن ذلك أن فرض الحاكم والمجتهد الحكم والفتيا
برأيه، وإن خالف موجب الخبر، فإذا بلغه تغير عند ذلك فرضه ولزمه
الحكم بموجبه. ولا نقول: إن كل مجتهد مصيب إلا في الفروع
ومسائل الاجتهاد التي يجوز للعامي فيها التقليد، فأما القول بوجوب
الصلوات الخمس والصيام والحج وكل فرض ثبت العمل به بالتواتر
والاتفاق فأصل من أصول الدين يحرم خلافه كالتوحيد والنبوة وما
يتصل بها(١).
(١) بلفظه من ((شرح ابن بطال)) ٣٨١/١٠-٣٨٤.

١٣٩
ـ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
٢٢- باب الحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ:
إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ◌َ كَانَتْ ظَاهِرَةَ، وَمَا كَانَ بَعْضُهُمْ
﴿ وَأُمُورِ الإِسْلَامِ
يَغِيبُ مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيّ
٧٣٥٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنِ ابن جُرَيْجِ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ، عَنْ
عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولَا فَرَجَعَ، فَقَالَ
عُمَرُ: أَلْ أَسْمَغْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ؟ آتِّذَنُوا لَهُ. فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا
صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بهذا. قَالَ: فَأْتِنِي عَلَى هذا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لِأَفْعَلَنَّ بِكَ. فَانْطَلَقَ
إِلَى تَجْلِسٍ مِنَ الأَنَّصَارِ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ إِلَّ أَصَاغِرُنَا. فَقَامَ: أَبُو سَعِيدِ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ
قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بهذا. فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلََّّ هذا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ◌ِلَ! أَلَّهَانِيِ الصَّفْقُ
بِالأَسْوَاقِ. [انظر: ٢٠٦٢ - مسلم: ٢١٥٣ - فتح ١٣ /٣٢٠].
٧٣٥٤- حَذَّثَنَا عَلِيَّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الأَغْرَجِ يَقُولُ:
أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الَحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللهِ مِ﴾،
والله المَوْعِدُ، إِي كُنْتُ أَمْرًا مِسْكِينَا أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ وََّ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ
الْمُهَاجِزُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنَّصَارُ يَشْغَلُهُمُ القِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ،
فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَالَ: «مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي
ثُمَّ يَقْبِضْهُ، فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي). فَبَسَطْتُ بُزْدَةً كَانَتْ عَلَّيَّ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ
بِالْحَقٌّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ. [انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح ١٣ / ٣٢١].
ذكر فيه حديث أُسْتَنْذَان أَبي مُوسَى عَلَى عُمَرَ، وطلب عمر ◌ُه من
یشهد له فجاء أبو سعيد
◌َنْه.
وحديث أبي هريرة : كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ وَلَ عَلَى مِلْءٍ بَطْنِي،
وَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.

١٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الشرح :
هذا الباب يرد على الرافضة وقوم من الخوارج زعموا أن أحكامه
الَّ وسننه منقولة عنه نقل تواتر، وأنه لا سبيل إلى العمل بما لم
ينقل نقل تواتر، وقولهم في غاية الجهل بالسنن وطرقها فقد صحت
الآثار أن الصحابة أخذ بعضهم السنن من بعض، ورجع بعضهم إلى
ما رواه غيره عن رسول الله وهر، وانعقد الإجماع على القول بالعمل
بأخبار الآحاد (١)، وبطل قول من خرج عن ذلك من أهل البدع(٢)،
هذا الصديق على مكانته وسبقه لم يعلم النص في الجدة حتى أخبره
محمد بن مسلمة والمغيرة بالنص فيها، فرجع إليه(٣).
وأخذ الفاروق بما رواه عبد الرحمن بن عوف في حديث الوباء
فرجع إليه (٤)، وكذلك أخذ أيضًا بما رواه أبو موسى # من دية
(١) قال الغزالي في ((المستصفى)) ص١١٨: هو رأي جماهير من سلف الأمة عن
الصحابة والتابعين، والفقهاء والمتكلمين.
ونقل البعلي في ((مختصر الروضة)) ص١٠٢، عن أبي الخطاب، قال: العقل
يقتضي قبول خبر الواحد؛ لأمور ثلاثة:
أحدها: أنَّا لو قصرنا على العمل على القطع، تعطلت الأحكام لندرة القواطع،
وقلة مدارك اليقين. الثاني: أن النبي ◌َّلّ مبعوث إلى الأمة كافة، ولا يمكنه مشافهة
الجميع، ولا إبلاغهم بالتواتر. الثالث: أنَّا إذا ظننا صدق الراوي، ترجح وجود
أمر الشارع والاحتياط العمل بالراجح.
وانظر: ((التمهيد)) ٤٤/٣، ٧٨، ٨٣ وما بعدها، ((شرح الكوكب المنير)) ٣٤٨/٢.
(٢) أنظر: ((المعتمد)) ١٠٦/٢، ((الإحكام)) ٩٤/١.
(٣) رواه أبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠٠)، (٢١٠١)، وابن ماجه (٢٧٢٤) وقال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (١٦٨٠).
(٤) سبق برقم (٥٧٢٩) كتاب: الطب، باب: ما يذكر في الطاعون، ورواه مسلم
(٢٢١٩) كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة.