Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ = كِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي وَهْوَ بِالْعَقِيقِ أَنْ صَلِّ في هذا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ)). وَقَلَ هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ: ((عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ)). [انظر: ١٥٣٤ - فتح ١٣ / ٣٠٥]. ٧٣٤٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: وَقَّتَ النَّبِيُّ نَّهِ قَزْنَا لَأَهْلِ نَجْدٍ، وَالْجُحْفَةَ لِأَهْلِ الشَّأْمِ، وَذَا الْخَلَيْفَةِ لأَهْلِ المَدِينَةِ. قَالَ: سَمِعْتُ هذا مِنَ النَّبِيِّ وََّ، وَبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((وَلَأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ)). وَذُكِرَ العِرَاقُ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ. [انظر: ١٣٣- مسلم: ١١٨٢ - فتح ١٣/ ٣٠٥]. ٧٣٤٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: حَدَّثَنِي سَالمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ أَنَّهُ أُرِيَ وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الْحَلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. [انظر: ٤٨٣- مسلم: ١٣٤٦ - فتح ١٣/ ٣٠٦]. ذكر فيه أحاديث فوق العشرين : أحدها : حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ النبي ◌ََّ. الحديث. فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي. إلى أن قال: ((إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا». ثانيها : حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَلَمَّا كَانَ آخِرَ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمِنَّى: لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَتَاهُ رَجُلٌ ... الحديث إلى أن قَالَ: فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ دَارَ الهِجْرَةِ. ١٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قوله: ((رعاع الناس)) أي: غوغاؤهم وسقاطهم وأخلاطهم، الواحد رعاعة، وسائر الناس همج ورعاع، ورد في حديث علي . ثالثها : حديث حَمَّدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلُه وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانٍ مِنْ كَتَّانٍ، فَتَمَخَّطَ فَقَالَ: بَخْ بَخْ، أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِي الكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَخِرُ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِنَّهِ إِلَى حُجْرَةٍ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، فَيَجِيءُ الجَائِي فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي، وَيُرى أَنِّي مَجْنُونٌ، وَمَا بِي مِنْ جُنُونٍ، مَا بِي إِلَّ الجُوعُ. المشق: بكسر الميم: المغرة وثوب ممشق مصبوغ به. رابعها : حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ قَالَ: سُئِلَ ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما -: أَشَهِدْتَ العِيدَ مَعَ النَّبِيِّ رسول الله؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلًا مكاني مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ مِنَ الصِّغَرِ، فَأَتَى العَلَمَ الذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ. الحديث. خامسها : حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ مَاشِيًا وَرَاكِبًا. سادسها : حديث عائشة رضي الله عنها قَالَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَدْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي وَلَا تَدْفِنِّي مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فِي الْبَيْتِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى. وعن هشام، عن أبيه أن عمر # أرسل إلى عائشة رضي الله عنها: ائذني لي أن أدفن صاحبي، فقالت: إني والله لا أوثرهم بأحد أبدًا. ١٠٣ = ڪِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ سابعها : حديث أنس : أَنَّهِ وَ ﴿ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ فَيَأْتِي العَوَالِيَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. زَادَ اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ: وَبُعْدُ العَوَالِي أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ. وفي إسناده أبو بكر بن أبي أويس، واسمه عبد الحميد بن عبد الله الأعشى أخو إسماعيل. ثامنها : حديث القاسم بن مالك، عَنِ الجُعَيْدِ، سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َّهِ مُدَّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ اليَوْمَ، وَقَدْ زِیدَ فِیهِ. سمع القاسمُ بن مالك الجعيدَ. تاسعها : حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عُ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ .. )) الحديث يَعْنِي: أَهْلَ المَدِينَةِ. عاشرها : حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رسول الله اللّهِ : بِرَجُلِ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ الجَنَائِزُ عِنْدَ المَسْجِدِ. الحادي عشر: حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌ّ أَنَّه وَِّ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: ((هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَا بَتَيُّهَا)). تَابَعَهُ سَهْلٌ عَهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ فِي أُحُدٍ. ١٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الثاني عشر: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عُ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ». الرابع عشر(١): حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: سَابَقَ النَّبِيُّ وَطِّ بَيْنَ الخَيْلِ، الحديث. الخامس عشر: حَدَّثَي إِسْحَاقُ، أَنَا عِيسَى وَابْنُ إِدْرِيسَ : - وهو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن، أبو محمد الأزدي الكوفي أخرج له مسلم أيضا- وَابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ : - وهو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الكوفي، وأصله من أصبهان تحولوا عنها حين فتحها أبو موسى، أخرج له مسلم أيضًا- عَنْ أَبِي حيان : -واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي الكوفي، أخرج له مسلم أيضًا- عن الشعبي -وهو أبو عمرو عامر بن شراحيل- عن ابن عمر قال: سمعت عمر # على منبر النبي مقلد. السادس عشر: حديث السائب بن يزيد: سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَّهِ: خطبنا عَلَى مِنْبَرِ رسول الله ﴾﴾. السابع عشر: حديث هشام بن عروة عن أبيه: أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قد كَانَ يُوضَعُ لِي وَلِرَسُولِ اللهِ نَّرِ هُذَا الْمِرْكَنُ فَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا. (١) هكذا في الأصل وسقط من العدَّ (الثالث عشر). ١٠٥ = ڪِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ المركز : الإجانة. الثامن عشر: حديث أنس ﴾ قَالَ: حَالَفَ النَّبِيُّ وَّهِ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَقُرَيْشِ فِي دَارِي التِي بِالْمَدِينَةِ. وَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءِ مِنْ بَنِي سُلَّيْمٍ. التاسع عشر: حديث بريد عن أبي بردة قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَام فَقَالَ لِي: أَنْطَلِقْ إِلَى المَنْزِلِ، فَأَسْقِيَكَ فِي قَدَحِ شَرِبَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَتُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ رسول اللهِ وَلَّهِ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَسَقَانِي سَوِيقًا وَأَطْعَمَنِي تَمْرًا، وَصَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِهِ. العشرون : حديث ابن عَبَّاسٍ، عن عُمَرَ ﴿ أَنه ◌َِّ قَالَ: ((أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ و رَبِّي وَهْوَ بِالْعَقِيقِ أَنْ صَلِّ فِي هُذَا الوَادِي المُبَارَكِ، قُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ)). وَقَالَ هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا عَلِيٍّ: ((عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ)). الحادي بعد العشرين : حديث ابن عمر رضي الله عنهما: وَقَّتَ النَّبِيُّ ◌َّهِ قَرْنَا لَأَهْلِ نَجْدٍ، وَبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((لأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ)). وَذُكِرَ العِرَاقُ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ. الثاني بعد العشرين: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا: عَنِ النَّبِيِّ وَّ أَنَّهُ أُرِيَ وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. ١٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الشرح : ما أجمع عليه أهل الحرمين من الصحابة، ولم يخالف صاحب من غيرها فهو إجماع كذا قيده ابن التين(١)، ثم نقل عن سحنون أنه إذا خالف ابن عباس رضي الله عنهما أهل المدينة لم ينعقد لهم إجماع قال: وإذا أجمع أهل عصر على قول حتى ينقرض ولم يتقدم فيه خلاف فهو إجماع(٢)، قال: واختلف إذا كان من الصحابة اختلاف ثم أجمع من بعدهم على أحد أقوالهم، هل يكون ذلك إجماعًا؟ والصحيح أنه ليس بإجماع(٣)، واختلف في الواحد إذا خالف الجماعة، هل يؤثر في إجماعهم، وكذلك أثنين وثلاثة من العدد الكثير (٤). قال: وقيل بأهل المدينة المقيمين بها دون الطاعنين عنها. وهذا بعيد، قد خرج منها وأقام بغيرها حتى توفي علي وعمار والأشعري وأبو مسعود بن بدر وأنس ، وكان أكثر مقام ابن مسعود العراق، وكان بها سعد والمغيرة وخلق من الصحابة أكثر من مائتي رجل، وخرج معاوية ه إلى الشام، وأبو عبيدة # وأبو الدرداء، وحذيفة # وكثير من الصحابة؟ وكان ابن عباس رضي الله عنهما ولاه علي ظه العراق ثم أقام بالطائف حتى مات بها فيبقى هؤلاء من ذلك، إلا أن أكثر الصحابة كان بالمدينة ألا تسمع قول ابن عوف (١) نقل القول الغزالي في ((المستصفى)) ص (١٤٧). (٢) أنظر: ((إحكام الفصول)) للباجي ص (٤٦٧)، ٤٨٦، ((الإحكام)) للآمدي ٣١٧/١، ((التمهيد في أصول الفقه)) ٢٥٦/٣، ((الإحكام)) لابن حزم ٤/ ٥٠٩. (٣) أنظر: ((إحكام الفصول)) للباجي ص(٤٩٢)، ((التبصرة)) للجويني ص (٣٧٨)، ((التمهيد في أصول الفقه) ٢٩٧/٣. (٤) انظر: ((أصول السرخسي)) ٣١٦/١، ((مختصر ابن الحاجب)) ٣٤/٢، ((الإحكام)) للآمدي ٢١٣/١، ((تيسير التحرير)) ٣٦/٣. ١٠٧ ـ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنّةِ لعمر رضي الله عنهما: أمهل حتى تأتي المدينة فتخلص بأصحاب رسول الله چچڑ. وقال ابن بطال: اختلف أهل العلم فيما هم فيه أهل المدينة حجة على غيرهم من الأمصار، فكان الأبهري (١) يقول: أهل المدينة حجة على غيرهم من طريق الاستنباط، ثم رجع فقال: قولهم من طريق النقل أولى من طريق غيرهم، وهم وغيرهم سواء في الاجتهاد، وهذا قول الشافعي(٢). وذهب أبو بكر بن الطيب(٣) إلى أن قولهم أولى من طريق الاجتهاد والنقل جميعًا، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنهم ليسوا حجة على غيرهم لا من طريق النقل ولا من طريق الاجتهاد(٤)، واحتج من قال: هم أولى بالاجتهاد من غيرهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل وأقاويل رسول الله ﴾ وعرفوا معاني خطابه وفحوى كلامه، فلذلك هم أولى من غيرهم بالاستنباط. (١) هو: محمد بن عبد الله، أبو بكر الأبهري ولد ٢٨٩هـ، وتوفي ٣٧٥هـ كان إمام أصحابه في وقته، حَدَّث عنه الدار قطني، والباقلاني، وابن نصر، وله تصانيف في شرح مذهب مالك. انظر: ((تاريخ بغداد)) ٤٦٢/٥، ((الوافي بالوفيات)) ٣٠٨/٣، (الديباج)) ص(٢٥٥. (٢) أنظر قول الشافعي: ((الرسالة)) ص٥٣٣-٥٣٤. (٣) محمد بن الطيب بن محمد، أبو بكر الباقلاني، كان مالكي المذهب، أشعري العقيدة، متكلمًا فيها، وكان أعرف الناس وأحسنهم خاطرًا وأجودهم لسانًا له التصانيف الكثيرة فى الرد على المخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية .. وغيرهم. انظر: ((تاريخ بغداد)) ٣٧٩/٥، ((شذرات الذهب)) ١٦٨/٣. (٤) أنظر: ((الفصول في الأصول)) ٣٢١/٣-٣٢٦. ١٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = واحتج أصحابنا فقالوا: من قال هذا القول فقد قال بالتقليد، وقد أخذ علينا النظر في أقاويل الصحابة والترجيح في اختلافهم، فإذا قام لنا الدليل على أحد القولين وجب المصير إليه، وإذا صح هذا بطل التقليد، وإنما هم أولى من غيرهم من طريق النقل؛ لصحة عدالتهم ومعايشتهم التنزيل ومشاهداتهم للعمل، فأما الاستنباط فالناس كلهم فيه سواء(١). فصل : غرض البخاري في الباب كما قال المهلب: تفضيل المدينة بما خصها الله من معالم الدين، وأنها دار الوحي ومهبط الملائكة والرحمة، وبقعة شرفها الله تعالى بسكنى رسوله وجعل فيها قبره ومنبره وبينهما روضة من رياض الجنة، وجعلها كالكير تنفي الخبث وتخلص الباقي حتى لا يشوبهم ميل عن الحق. ألا ترى قول ابن عوف ضى لعمر : إنها دار الهجرة والسنة، وإن أهلها أصحاب رسول الله وَ﴿ الذين خصَّهم الله بفهم العلم وقوة التمييز والمعرفة بإنزال الأمور منازلها. فصل : وأما حديث أبي هريرة عليه فإنما ذكر وقوعه بين المنبر وحجرة عائشة رضي الله عنها اللذين هما من معالم الدين وروضة من رياض الجنة، إعلامًا منه لصبره على الجوع في طلب العلم، ولزوم الشارع حتى حفظ من العلم، ما كان حجة على الآفاق ببركة صبره على المدينة. (١) أنظر: ((البحر المحيط)) للزركشي ٤٤٠/٦-٤٤٤، ((أعلام الموقعين)) ٢٧٤/٢ - ٢٧٨. ١٠٩ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنّةِ = فصل : والوعك في حديث جابر # الحمى، قاله ابن فارس قال: ويقال مغث المرض(١)، وفي ((الصحاح)): الوعك مغث الحمى(٢). وقوله: (أقلني بيعتي) كأنه كان بويع على الهجرة والإقامة بالمدينة، فخروجه من المدينة شبيه بالارتداد، وكانت الهجرة فرضًا على كل من أسلم إلى أن فتحت مكة، وقيل: كانت على أهل الحاضرة دون البادية، وقيل: كانت واجبة على كل أهل. و(الكير) هنا الفرن الذي يحمى ليخرج خبث الحديد قاله القزاز. قال: وفيه لغتان: كير وكور، وفي ((الصحاح)) قال أبو عمرو: الكير: كير الحداد، وهو زق أو جلد ذو حافات، وأما المبني من الطين فهو الكور (٣). والذي يظهر في الحديث أنه المبني؛ لأنه الذي يخرج الخبث، وقال أبو عبد الملك: يعني نار الكير، يريد: الذي يخرج الشرار ويحبس الخيار، قال: ((وينصع طيبها)) معناه: يفوح وينتشر، قال: ويروى ((وينضخ)) بالضاد والخاء المعجمتين أي: يكون طيبها عليها كالخلوق، ومنه قوله تعالى: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٩٦]، أي: تنضخان من الماء، وهو أكثر من النضح، قال: ورواية ثالثة -بالحاء المهملة- وهو ما زق منه، يقال: نضحت عليه الماء، وقد أتى: ((تنضح)) بمثناة فوق، و((طيبها)) بفتح الطاء والباء، وقال أبو الحسن: ((تنضح)) بالتاء، والذي روي لنا من ((الموطأ)) وينصع (١) ((مجمل اللغة)) ٣٩٠/٤ مادة (وعك). (٢) ((الصحاح)) ٤ / ١٦١٥. (٣) ((الصحاح)) ٨١١/٢. مادة (كير). ١١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == بالياء(١) و((طيبها)) (بضم الياء، وكسر الباء)(٢)، وكذا فسره الجوهري(٣)، وقد سلف كل ذلك وأعدناه لبعده. فصل : وأما قول ابن عباس رضي الله عنهما: (شهدت العيد ولولا مكاني من الصغر ما شهدته)(٤) فمعناه: أن صغير أهل المدينة وكبيرهم ونساءهم وخدمهم ضبطوا العلم والسنن معاينة منهم في مواطن العمل من شارعها المبين عن الله، وليس لغيرهم هذِه المنزلة. وأما إتيانه التَّ قباء، فمعناه معاينته ماشيًا وراكبًا في قصد مسجد قباء وهو معلم من معالم الفضل ومشهد من مشاهده، وليس ذلك لغير المدينة فكان يعم أهل المدينة ومن حولها بالوصول إليهم لينالوا بركته. فصل : وأما حديث عائشة رضي الله عنها وأمرها أن تدفن مع صواحبها كراهة أن تُزَكَّى بالدفن في بيتها مع رسول الله وَّلال و صاحبيه؛ لئلا يظن أحد أنها أفضل الصحابة بعد رسول الله وَّةٍ وصاحبيه، ألا تسمع قول مالك للرشيد حين سأله عن منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله وَلايهم في حياته، فقال له: منزلتهما منه في حياته؛ كمنزلتهما منه بعد مماته. فزكاهما بالقرب منه في البقعة المباركة التي خلق الله منها خير البرية ((الموطأ)) ص٥٥٣ (٤) كتاب: الجامع، باب: في سكنى المدينة والخروج منها. (١) (٢) كذا العبارة بالأصل، ولعل صوابها: بكسر الياء وضم الباء. (٣) ((الصحاح)) (١/ ١٧٣ مادة (طيب). (٤) كذا ساقه نقلًا من ((شرح ابن بطال)) وصواب العبارة أن تكون: ولولا مكاني من رسول الله ﴾ ما شهدته من الصغر، والذي في متن الحديث في الباب: ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر. ١١١ كِتَابُ الاعْتِصَام بالكِتَاب وَالسُّنّةِ - وأعاده فيها بعد مماته، فقام لمالك الدليل من دفنهما معه على أنهما أفضل أصحابه؛ لاختصاصهما بذلك. فصل : واحتج الأبهري على أن المدينة أفضل من مكة بأنه العليه مخلوق من تربة المدينة وهو أفضل البشر فكانت تربته أفضل الترب (١). فصل : وفيه: تواضع عائشة رضي الله عنها أيضًا بأن لا ترى نفسها أهلاً للدفن مع رسول الله وَّر، وإيثارها بالمكان لعمر لا ينافي هذا، وقد تكون نوت أن تقبر بالمكان الذي قبر به من وراء أبيها و يقرب برسول الله ◌َّ وبقي مكان آخر، فنظرت في أمرها وقالت: لا أُزَكَّى به، وقولها: (وكان الرجل إذا أرسل إليها من الصحابة قالت: لا والله لا أوثرهم بأحد أبدًا) أي: لا آثرت أحدًا بإقباره معهم، قال ابن التين: كذا وقع وصوابه: لا أوثر أحدًا، ولم يظهر لي وجه صوابه. فصل : (الرعاع) بفتح الراء وهم الأحداث الطغام قاله الجوهري(٢) وقد أسلفناه قريبًا بزيادة، وقوله: (فيطير بها كل مطير). أي: تتأول على خلاف وجهها. فصل : قد أسلفنا تفسير (المشق) وأنه الصبغ، و(بَخْ بَخْ) بإسكان الخاء، فإن وصلت خفضت ونونت، فقلت: بَخ بَخ. وربما شددت كالاسم، (١) أنظر الستة فصول السابقة في ((شرح ابن بطال)) ٣٧٠/١٠-٣٧١. (٢) ((الصحاح)) ١٢٢٠/٣ مادة (رعع). ١١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال الجوهري: وهي كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وقد تكون للمبالغة (١)، عبارة ابن بطال: هي كلمة تقال عند الإعجاب بالتخفيف (٢) والتثقيل(٢). فصل : قوله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في العيد (فصلى ثم خطب) هو ما عليه جماعة العلماء أن الخطبة بعدها(٣)، واختلف فيمن أحدثها قبل؟ فقيل: مروان، وهو ما سبق، وقال مالك في (مبسوطه)): عثمان، وفعله؛ ليدرك الناس الصلاة(٤). وروي عن يوسف ابن عبد الله بن سلام: إن أول من فعله عمر بن الخطاب ض# لما رأى الناس ينقصون إذا صلى فحبسهم للخطبة (٥). فصل : (ولم يذكر أذانًا ولا إقامة) وعليه جماعة الفقهاء والصدر الأول(٦)، واختلف فيمن أحدث ذلك، فقال أبو قلابة: عبد الله بن الزبير(٧)، وقال ابن المسيب: معاوية(٨)، وقال ابن حبيب: هشام(٩)، وقال (١) ((الصحاح)) (١/ ٤١٨ مادة (بخخ). (٢) ((شرح بن بطال)) ١٠/ ٣٧٥. (٣) انظر: ((المبسوط)) ٣٧/٢، ((المنتقى)) ٣١٧/١، ((أسنى المطالب)) ٢٨٠/١، ((الفروع)) ١٤٣/٢. (٤) أنظر: ((المنتقى)) ٣١٧/١. (٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٩٢ (٥٦٨٤). (٦) أنظر: ((المبسوط)) ٣٨/٢، ((المنتقى)) ٣١٥/١، ((المجموع)) ٢١/٥. (٧) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٩١ (٥٦٦٢) عن عطاء عن ابن الزبير. (٨) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٩١ (٥٦٦٤). (٩) انظر: ((المنتقى)) ٣١٤/١. ١١٣ ـ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَاب وَالسُّنّةِ القنازعي(١): زياد(٢)، وقال الداودي: مروان. وقوله: (فأمر بلالاً، فأتاهن) في أكثر الأحاديث أنه العقلية أتاهن ومعه بلال(٣). فصل : وأما حديث أنس : أنه القّه كان يصلي العصر فيأتي العوالي والشمس مرتفعة. فمعناه: أن بين العوالي وبين مسجد المدينة للماشي معلم من معالم ما بين الصلاتين يستغني الماشي فيها يوم الغيم عن معرفة الشمس، وذلك معدوم في سائر الأرض، فإذا كانت مقادير الزمان مقصبة بالمدينة لمكان بادٍ للعيان ينقله العلماء إلى أهل الإيمان ليمتثلوه في أقاصي البلدان، فكيف يساويه أهل بلدة غيرها، وكذلك دعاؤه لهم بالبركة في مكيالهم خصهم من بركة دعوته ما أضطر أهل الآفاق إلى القصد إلى المدينة في ذلك المعيار المدعو له؛ بالبركة؛ ليمسكوه وجعلوه سنة في معايشهم وهو ما فرض الله عليهم لعيالهم وظهرت البركة لأهل بلد في ذلك المكيال، ومعنى: ((اللهم بارك لهم في مكيالهم، وصاعهم ومدهم)) ما يكال بها وأضمر ذلك لأنه مفهوم الخطاب مثل: ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢] وكان مدهم صغيرًا لقلة الطعام عندهم، فدعا لهم ليبارك لهم فيه. (١) القنازعي: هو عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن القنازعي، القرطبي، المالكي، أبو المطرف، قال الذهبي : كان إمامًا متقنًا حافظًا، متألهًا خاشعًا، متهجدًا مفسرًا، بصيرًا بالفقه واللغة، وكان زاهدًا ورعًا، مجاب الدعوة، صاحب تصانيف. انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ١٧/ ٣٤٢ (٢١٢)، ((شذرات الزهب)) ١٩٨/٣، ((معجم المؤلفين)) ١٢٣/٢ (٧٠٥٣). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٩١ (٥٦٦٨) عن حصين. (٣) سلف برقم (٩٨) كتاب: العلم، باب: عظة الإمام النساء. ١١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : وبُعد العوالي أربعة أميال أو [ثلاثة](١)، كما ذكر البخاري عن يونس ولعل هذا كان في نهار الصيف، وفيه دليل على أبي حنيفة القائل: أن العصر وقته إذا صار ظل كل شيء مثليه (٢)؛ لأنه يبعد أن يصلي العصر ثم يمشي أربعة أميال والشمس مرتفعة بعد أن صار الظل مثليه بعد ظل الزوال. فصل : وأما رجمه لليهوديين عند موضع الجنائز فإن الموضع قد صار علمًا الإقامة الحدود وللصلاة على الجنائز خارج المسجد وبه قال مالك فهمًا من الحديث. فصل : قوله: ((هذا جبل يحبنا ونحبه)). لا أنه حقيقة كحنين الجذع آية لنبوته، وقيل: مجاز. أي: يحبنا أهله مثل ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. فصل : وأما مقدار ممر الشاة بين الجدار والمنبر فذلك معلم للناس وسنة ممثلة في موضع المنابر؛ ليدخل عليها من ذلك الموضع فينقضي من القبر و ويُنظف. فصل : وقوله: ((روضة من رياض الجنة)). يجوز أن تكون حقيقة وأنها تنقل إلى الجنة أو العمل فيها موصل إلى الجنة، واحتج به في ((المعونة))(٣) (١) وقع في الأصل: أربعة. (٣) ((المعونة)) ٦٠٦/٢. (٢) أنظر: ((المبسوط)) ١٤٢/١. = ١١٥ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنّةِ = على تفضيل المدينة؛ لأنه قد علم أنه إنما خص ذلك الموضع منها بفضيلة على نفسها وكان بأن يدل على فضلها على ما سواها أولى، المراد منه القبر كما في الرواية الأخرى أو الحجرة التي يسكنها؛ لأنها قبره. فصل : وأما ذكر ما بين الحفياء وثنية الوداع فمساقة ذلك سنة ممتثلة ميدانا بالخيل المضمرة، وقوله: ضمر منها. يقال: ضمر القوم بفتح الميم وبضمها لغة، وأضمرته وضمرته، فيصح أن تقرأ ضمرت بفتح الضاد والميم أو فتحها وضم الميم أو ضم الضاد وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، قال ابن التين: وهو الذي قرأنا. فصل : والمركن بكسر الميم شبه تنور من خزف يستعمل للماء كما قاله ابن بطال(١) ، وعبارة الأصمعي فيما حكاه ابن التين أنه الإجانة التي تغسل فيها الثياب، قوله: فيشرع فيها جميعًا. يقال: شرعت الدواب في الماء. أي: دخلت فيه. فصل : وأما خطبة عمر وعثمان رضي الله عنهما على منبر رسول الله وَالاله فإن: ذلك سنة ممتثلة، وأن الخطبة تكون على المنابر؛ لتوصيل الموعظة إلى أسماع الناس إذا أشرف عليهم، وكذلك مِركن عائشة رضي الله عنها التي كانت تشرع فيه مع رسول الله وَطّ الغسل، ومقدار ما يكفيهما من الماء ولا يوجد ذلك المركز إلا بالمدينة، وكذلك (١) (شرح ابن بطال)) ١٠/ ٣٧٥. ١١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = محالفته التقلي بين قريش والأنصار بالمدينة معروف يثبت بدعائه جواز المحالفة في الإسلام على أمر الدين والتعاضد فيه على المخالفين، وقد سلف في كتاب الأدب ما يجوز من الحلف في الإسلام وما لا يجوز في باب: الإخاء والحلف فراجعه منه. وكذلك وادي العقيق المبارك بوحي الله إلى رسوله وأن الله أنزل فيه بركة إحلال الاعتمار في أشهر الحج وكان محرمًا قبل ذلك على الأمم وأمره بالصلاة فيه؛ لبركته وليس ذلك مأمورًا به إلا في هذا الوادي الذي يقصده أهل الآفاق للصلاة فيه والتبرك به، وكذلك توقيته المواقيت لأهل الآفاق معالم للحج والعمرة ترفقًا من الله بعباده وتيسيرًا عليهم مشقة الإحرام من كل فج عميق، فهُذِه بركة من الله في الحجاز موقوفة للعباد لیس في غيره من البلاد. وجعل الله بطحاء العقيق المباركة مهلًا لرسوله ولأهل المدينة وهي آخر جزائر المدينة على رأس عشرة أيام من مكة، وغيرها من المواقيت على رأس ثلاثة أيام من مكة فضل كبير لأهل المدينة بحمله دق عليهم من مشقة الإحرام أكثر مما حمل على غيرهم وذلك لعلمه بصبرهم على العبادة واحتسابهم لتحملها، وكذلك صبرهم على لأواء المدينة وشدتها حرصًا على البقاء في منزل الوحي ومنبت الدين؛ ليكون الناس في موازينهم إلى يوم القيامة كما صاروا إلى موازينهم بإدخالهم أولا في الدين؛ لما وضع فيهم أولا من القوة والشجاعة التي تعاطوا بها مفارقة أهل الدنيا وضمنوا على أنفسهم نصرة نبيّ الهدى فوفى الله بضمانهم ونصرهم على أعدائهم، وتمت كلمة الله ودينه لهم فكانوا أفضل الناس؛ لقربه بهم وعلمه بأحواله وأحكامه وآدابه وسيره، ووجب لمن كان على مذاهب أهل المدينة حيث كان من الأرض نصيب وافر من بركة ١١٧ = كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الدينة، واستحقوا أن يكونوا من أهلها؛ لاتباعهم سنن رسوله الثابتة عندهم من علمائها المتبعين لهم بإحسان قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] والمرء مع من أحب ووجب أن يكون لأهل مكة من ذلك نصيب؛ لأن عندهم معالم فريضة الحج كلهم، وقد عاينوا من صلاته وأقواله في المرات أمته التي دخلها ما صاروا به عالمين ولهم من بركة ذلك أوفر نصيب وحظ جزيل. فصل : قرن بإسكان الراء، وضبطه ابن التين بالفتح وعن بعضهم إذا أفردت فتحت وإذا أضيفت سكنت، قال: وقرن مكان أو جبل كانت فيه وقعة لغطفان على بني عامر، يقال له يوم قرن، ويلملم أسم جبل. وسميت الجحفة بذلك من قولهم: أجحفهم الدهر. أي: استأصلهم وذلك أن العماليق أخرجوا أخوة عاد من يثرب، فنزلوا مهيعة فجاء سيل فأجحفهم، فسميت الجحفة بذلك. وقوله: (وذكر العراق. فقال: لم يكن عراق يومئذٍ) يريد بأنها لم تكن فتحت، وفي حديث جابر عته، مهل أهل العراق من ذات عرق(١)، وفي حديث عائشة رضي الله عنها كذلك(٢) ، وقوله: (وهو في معرسه) هو الموضع الذي يعرس فيه، يقال: مُعَرَّس ومُعْرَس، والتعريس نزول القوم في السفر معرسة في آخر الليل يقفون وقفة للاستراحة ثم يرتحلون وأعرسوا لغة فيه قليلة. (١) رواه مسلم (١٨/١١٨٣) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة. (٢) رواه أبو داود (١٧٣٩)، والنسائي ١٢٣/٥. ١١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٧- باب قَوْلِ اللّهِ رَّ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ٧٣٤٦- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌ََّ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبََّا وَلَكَ الحَمْدُ)). فِي الأَخِيرَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانَا وَقُلَانَا)). فَأَنْزَلَ اللهُ رَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ . [انظر: ٤٠٦٩- فتح ١٣/ ٣١٢]. ١٣٨ ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ وَلَ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ)). فِي الآخرة، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا)). فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ ليس لك من أمر خلقي شيء، وإنما أمرهم والقضاء فيهم بيدي دون غيري، وأقضي الذي أشاء من التوبة على من كفرني وعصاني، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم، وإما في الآجل بما أعددت لأهل الكفر بي. ففيه من الفقه: أن الأمور المقدرة لا تغير عما أحكمت عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ﴾ [ق: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [الرعد: ٣٩] فإنما هو في النسخ أن ينسخ مما أمر به ما يشاء ﴿وَيُثَبِّتَ﴾. أي: ويبقي من أمره ما يشاء، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما(١). وقيل: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ مما يكتبه الحفظة على العباد مما لم يكن خيرًا أو شرًّا كل يوم أثنين وخميس، ويثبت ما سوى ذلك، عن ابن عباس أيضًا. (١) ((تفسير الطبري)) ٤٠٢/٧ (٢٠٤٨٩-٢٠٤٩٣). ١١٩ = كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ وقيل: ﴿يَمْحُواْ﴾. أي: من أتى أجله محي ومن لم يمض أجله أثبته، عن الحسن(١). ﴿وَعِندَهُ, أُمُّ الْكِتَبِ﴾ يعني أصله وهو اللوح المحفوظ. ولا شك أن الدعاء جائز من جميع الأمم، لكن ما ختم الله به من الأقدار على ضربين: منه ما قدر وقضى إذا دعا وتضرع إليه صرف عنه البلاء. ومنه ما حكم الله بإبقائه وهو على ما حكم في هذا الحديث. وقال لنبيه وَله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ في الدعاء على هؤلاء؛ لأن منهم من قضيت له بالتوبة، ومنهم بالعذاب فلا بد منه، لكن لانفراد الله بالمشيئة وتعذر علم ذلك على العقول جاز الدعاء لله إذ الدعوة من أوصاف العبودية، فعلى العبد التزامها، ومن صفة العبودية الضراعة والمسكنة، ومن صفات الملك الرأفة والرحمة، ألا ترى قوله التعليل: ((لا يقولن أحدكم اللهم إن شئت فأعطني وليعزم المسألة فإنه لا مكره له))(٢) إذا كان السائل إنما يسأل الله حيث له أن يفعل لا من حيث له أن يترك الفعل. وهذا الباب وإن كان متعلقًا بالقدر فله مدخل في كتاب الاعتصام؛ لدعائه التكّهي لهم، أي: للإيمان الذي هو الاعتصام به لمنع القتل وحقن الدم. فصل : وقوله: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) في الآخرة. يريد: في الركعة (١) ((تفسير الطبري)) ٤٠٢/٧-٤٠٣ (٢٠٤٩٤-٢٠٤٩٧). (٢) سبق برقم (٦٣٣٩) كتاب: الدعوات، باب: ليعزم المسألة، ورواه مسلم (٢٦٧٩) كتاب: الذكر والدعاء، باب: العزم بالدعاء، من حديث أبي هريرة. ١٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الأخيرة، وقال مالك: لا يقول الإمام ربنا ولك والحمد(١)، وقال عيسى بن دينار وابن نافع بقوله، وفي هذا الحديث زيادة: (اللهم)). ودليل مالك قوله في الحديث الآخر، ((وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد))(٢) واعتذر الداودي فقال: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث. وهو عجيب؛ فقد أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسلمة(٣)، عن مالك(٤) وإنما تركه مالك للخبر الآخر ويمكن أن يكون قوى أحدهما بعمل أهل المدينة، واختيار ابن القاسم أن يقول المأموم: ربنا ولك الحمد، وأختار أشهب: لك الحمد. واختلف قول مالك في ذلك(٥). فصل : وقوله في الآية إنها نزلت لما دعا التَّة في الفجر: ((اللهم العن فلانًا)) وقيل: إنه الثّهل أستأذن أن يدعو في استئصالهم فنزلت. علم تعالى أن منهم من سيسلم وأكد ذلك بالآية التي بعدها. وقال أنس : كسرت رباعيته فأخذ الدم بيده وجعل يقول: ((كيف يفلح قوم دموا وجه نبيهم)) فنزلت(٦) وانتصب ﴿يَتُوبَ﴾ بالعطف بأو على ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾، والمعنى على هذا: ليقتل طائفة أو يخزيهم بالهزيمة (١) ((المدونة)) ٧٣/١. (٢) سلف برقم (٦٨٩) كتاب: الآذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. (٣) هكذا في الأصل، وعند البخاري: عن عبد الله بن يوسف. (٤) سبق برقم (٦٨٩) كتاب: الآذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. (٥) أنظر: ((المنتقى)) ١٦٤/١. (٦) رواه مسلم (١٧٩١) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد، وقد سبق معلقًا بنحوه قبل حديث (٤٠٦٩) كتاب: المغازي، باب: ليس لك من الأمر شيء.