Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كِتَابُ الفِتَنِ (ستكون بعدي فتنة النائم فيها خير من اليقظان، والجالس خير من القائم، والقائم خير من الساعي))(١)، ولابن أبي حاتم من حديث عبد الرحمن بن البيلماني عن عبد الله بن فروخ، عن أنس مرفوعا: ((تكون فتنة النائم فيها خير من القاعد))، ثم قال: قال أبي: هذا خطأ(٢). فصل : يريد القاعد عنها خير من القائم الذي لا يستشرفها. قال الداودي: والظاهر أنه إنما أراد أن يكون فيها قاعدًا قال: والقائم خير من الماشي في أسبابه لا يردونها، فربما وقع في شيء يكرهه أو يضره. قال: وقوله: ((من تشرف لها)) أي: دخل في شيء منها، قال: وقوله: ((تشرفه)) معناه: من دخل في شيء منها، وانتصب قبلته، ويكون من أشرف لها، الإشراف لها على حاله من خير أو شر. يقال: أشرف المريض إذا أشفى على الموت ويقال: هم على شرف من كذا. ويقال: استشرفته أي أهلكت ما أشرف منه وأصابته؛ قال: وروي في حديث: ((إن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وإنها أقرب إلى الله تعالى إذا كانت في قعر بيتها))(٣). وقوله: ( ((فمن وجد ملجأ أو معاذًا)) ) معناهما واحد، ومعاذ بالفتح، قال ابن التين: ورويناه بضمها. فصل : فإن قلت: ما معنى حديث الباب، وهل المراد به كل فتنة بين (١) رواه أحمد ١٠٦/٤. (٢) ((علل ابن أبي حاتم)) ٤١٣/٢. (٣) رواه ابن حبان ١٢/ ٤١٢ (٥٥٩٨). ٣٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = المسلمين أو بعض الفتن دون بعض؟ وعلى الأول ما تقول في الفتن الماضية وقد علمت أنه نهض فيها من أخيار الناس خلق كثير. وإن قلت: الثاني، فما المعني به، وما الدليل على ذلك؟ أجاب الطبري بأنه قد اختلف السلف في ذلك؛ فقال بعضهم: المراد به جميع الفتن وعليه الاستسلام ولزوم البيوت، وهي التي قال الشارع فيها: ((القاعد فيها خير من القائم))، وممن قعد فيها: حذيفة ومحمد بن مسلمة وأبو ذر وعمران بن حصين وأبو موسى الأشعري وأسامة بن زيد وأهبان بن صيفي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو بكرة، ومن التابعين: شريح والنخعي. ثم ذكر حجتهم من طريق النظر وهو التأويل، وإن كان خطأ كالمجتهد، والواجب إذا اقتتل حزبان من المسلمين بهذه الصفة ترك المعاونة ولزوم البيت، كما أمر الشارع أبا ذر ومحمد بن مسلمة وابن عمر وما عمل به من تقدم من الصحابة. وقال آخرون: إذا كانت فتنة بين المسلمين فالواجب لزوم البيوت، وترك معونة أحد الحزبين، نعم يدفع وإن أتى على النفس فهو شهيد. روي ذلك عن عمران بن حصين وابن عمر وعبيدة السلماني. وقال آخرون: كل فرقتين اقتتلا، فإن كانتا مخطئتين فعلى المسلمين الأخذ على أيديهم والعقوبة وإن كانت أخطأت إحداهما فالواجب الأخذ على الأولى ومعونة الثانية، روي ذلك عن علي وعمار وعائشة وطلحة ورواية عن ابن عمر، وقتل أويس القرني مع علي في الرجالة كما قاله إبراهيم بن سعد، وروى الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه قال: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت أني لم أقاتل ٣٢٣ - كِتَابُ الفِتَنِ هُذِه الفئة الباغية كما أمرني الله(١). وقال عبد الله بن عمرو: لم أضرب بسيف ولم أطعن برمح، ولكن رسول الله وسلم قال: ((أطع أباك)) فأطعته(٢). وقيل لإبراهيم النخعي: من كان أفضل علقمة أو الأسود؟ فقال: علقمة؛ لأنه شهد صفين وخضب سيفه بها. وقال: أبو أسحاق شهد مع علي وعبيدة السلماني وعلقمة وأبو وائل وعمرو بن شرحبيل. وقال ابن إسحاق: خرج مع ابن الأشعث في الجماجم ثلاث الآف من التابعين ليس في الأرض مثلهم أبو البَخْتري والشعبي وسعيد بن جبير وعبد الرحمن ابن أبي ليلى والحسن البصري. وقال آخرون: كل قتال وقع بين المسلمين ولا إمام لجماعتهم يأخذ المظلوم من الظالم فذلك القتال هو الفتنة التي أمر الشارع بالاختفاء في البيوت فيها، وكسر السيوف، سواء أكانتا مخطئتين أو إحداهما. روي ذلك عن الأوزاعي. قال الطبري: وأنا قائل بالصواب في ذلك وأجمع بين أمره بالبيوت وما عارضه من الأمر بقتال الناكثين والفاسقين والمارقين والأخذ على أيدي السفهاء والظالمين أن الفتنة أصلها البلاء والاختبار، وكان حقًّا على المسلمين إقامة الحق ونصرة أهله وإنكار المنكر كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ﴾ الآية [النور: ٤١]. فمن أعان المحقة فهو المصيب. ويستحيل عقلًا أقتتالهم وكلاهما محق. والحالة التي وصف الشارع أن: ((القاعد فيها خير من القائم)) هي حالة البطلان منهما، يعني: القاعد (١) رواه الحاكم ٥٠٢/٢، والبيهقي ١٧٢/٨. (٢) رواه أحمد ٢/ ١٦٥ بنحوه. ٣٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عنها خير من الناهض. وكذا إذا أشكل على الناظر خطأ إحداهما وإصابة الأخرى. ويحتمل أن يكون مخرج الكلام من الشارع ذلك كان في خاص من الناس على ما روي عن عمار لأبي موسى رضي الله عنهما، وتبطأ عن النهوض فيها، ونهى عن السعي إليها، وأمر بالجلوس عنها من جلة الصحابة كسعد وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وأبي مسعود الأنصاري وابن عمر وأبي موسى وغيرهم يكثر إحصاؤهم. روى أهل العراق عن علي وعبد الله أنه التّئه أمر عليًّا ظُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وعن أبي سعيد وغيره أنه العليّه قال: ((لتقاتلن على تأويله كما قاتلت على تنزيله))(١). وروى أهل الشام عن رسول الله وَ ير في معاوية: أنه الذي يقاتل على الحق، وأنه التَّ ذكر فتنة، فمر به عثمان ﴾ فقال: «هذا وأصحابه يومئذ على الحق))(٢). وكل راو منهم لرواية يدعي أنها الحق، وأن تأويله أولى. وإذا كان الأمر كذلك، علم أن القول في ذلك من غير وجه النص والاستخراج الذي لا يوجد في مثله إجماع من الأمة على معنى واحد. ولذلك قيل في قتلى الفريقين ما قيل من رجاء الفريق الآخر (الإصابة)(٣) وأمن على فريق الشبهة. (١) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٣٩/١٠ (٤٠٦٠). (٢) رواه أحمد ٢٣٦/٤. (٣) من (ص١). ٣٢٥ كِتَابُ الفِتَنِ = ١٠- باب إِذَا التَّقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ٧٠٨٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنِ الَحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابن عَمِّ رَسُولِ اللهِ مَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَّهِ: ((إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ)). قِيلَ: فهذا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: (إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ. قَالَ حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ: فَذَكَرْتُ هذا الَحَدِيثَ لأَّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوىُ هذا الحَدِيثَ الَحَسَنُ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ بهذا. وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَخْتَفِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. وَرَوَاهُ مَعْمَرٌّ، عَنْ أَيُّوبَ. وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وَقَالَ غُنْدَرُ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ. وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ. [انظر: ٣١ - مسلم: ٢٨٨٨ - فتح ١٣/ ٣١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ الحجبيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ رَجُلِ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنِ الحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابن عَمِّ رَسُولِ اللهِوَلَه فِقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((إِذَا (التقى)(١) المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ)). قِيلَ: فهُذا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ). قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هُذا الحَدِيثَ لِأَيُّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوىُ هُذَا الحَسَنُ، عَنِ الأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حرب، ثَنَا حَمَّادٌ بهذا. (١) في (ص١): تواجه. ٣٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ والعلاءُ ابْنُ زِيَادٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَن رسول الله وَلَهُ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ. وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ. وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ. الشرح: يشبه أن يكون الرجل الذي لم يسمه حماد هو هشام بن حسان أبو عبد الله القردوسي. كما قال الإسماعيلي في ((صحيحه)) حدثنا الحسن، ثنا محمد بن عبيد بن حسان، ثنا حماد بن زيد، ثنا هشام، عن الحسن، فذكره توضحه رواية النسائي عن علي بن محمد، عن خلف بن تميم، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن .. الحديث(١). ورواه البخاري في الإيمان عن عبد الرحمن بن المبارك، ثنا حماد بن زيد، ثنا أيوب ويونس، عن الحسن، عن أبي بكرة(٢)، فيجوز أن يكون أحدهما وأن يكون ما ذكره البخاري بعد. والتعليق عن مؤمل أخرجه الإسماعيلي عن أبي يعلى؛ ثنا أبو موسى، ثنا مؤمل بن إسماعيل فذكره، قال: وحدثنا موسى، ثنا يزيد بن (حيان)(٣)، ثنا مؤمل، ثنا حماد بن زيد، ثنا أيوب ويونس .. إلى آخره. قال الدار قطني: رواه أيوب ويونس وهشام ومعلَّى عن الحسن، عن الأحنف، عن أبي (١) ((المجتبى)) ٢٩/٧. (٢) سلف برقم (٣١). (٣) في (ص١): سنان. ٣٢٧ = كِتَابُ الفِتَنِ بكرة. ورواه حماد بن زيد، عن يونس وهشام فقال: عن الحسن، عن الأحنف(١). وقال أبو خلف: عبد الله بن عيسى ومحبوب بن الحسن، عن موسى، عن الحسن، عن أبي بكرة. وقال: الثوري وزائدة؛ عن هشام، عن الحسن، عن أبي بكرة، وكذلك قال أبو الربيع الزهراني عن حماد بن زيد، وقد كان حماد إذا جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد علَّى إسناد حديث أيوب، فذكر فيه الأحنف، وهما لم يذكرانه. ورواه قتادة وجسر بن فرقد ومعروف الأعور، عن الحسن، عن أبي بكرة، ولم يذكروا فيه الأحنف. والصحیح حدیث أیوب حدث به عنه حماد بن زيد ومعمر. وقول البخاري: (ورواه معمر، عن أيوب) أخرجه الإسماعيلي، عن ابن ياسين، ثنا زهير بن محمد والرمادي قالا : حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن الحسن. وفي ((مسند البزار)): حدثنا سلمة بن شيبة وأحمد بن منصور قالا: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بكرة یرفعه. وحدثنا طالوت بن عبادة، ثنا سويد بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عنه مرفوعًا بنحوه. وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه بهذا اللفظ إلا أبو بكرة، وله عنه طرق(٢). قلت: قد أخرجه النسائي من حديث محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، (١) ((علل الدار قطني)) ١٦٢/٧ -١٦٣. (٢) ((مسند البزار)) ١٠١/٩-١٠٢ (٣٦٣٧-٣٦٣٨). ٣٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - عن يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما)) الحديث(١)، وأخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف من حديث أنس مرفوعا: ((ما من مسلمين التقيا بأسيافهما إلا كان القاتل والمقتول في النار))(٢). وقوله: (قال غندر .. ) إلى آخره. قال الإسماعيلي: أخبرنا بحديث غندر أبو يعلى، ثنا أبو بكر -هو ابن أبي شيبة- ثنا غندر، ولفظه عند ابن ماجه: ((إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على أخيه بالسلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلا جميعًا))(٣). وقوله: (ولم يرفعه سفيان، عن منصور) قال الإسماعيلي: أوقفه عنه الفاريابي ويعلى بن زيد. ورفعه عنه مؤمل، أخبرنا القاسم وأحمد بن محمد بن عبد الكريم، عن منصور، عن ربعي، عن أبي بكرة، عن رسول الله وَ له قال: ((إذا التقيا المسلمان بسيفيهما)) الحديث. وفي الباب غير حديث أبي بكرة. ففي الترمذي من حديث الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة يرفعه: ((من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة)) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، مستغرب من حديث الحذاء، وروى أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة نحوه، ولم يرفعه، وزاد فيه: (وإن كان لأبيه وأمه)) (٤). (١) ((المجتبى)) ١٢٤/٧. (٢) ابن ماجه (٣٩٣٦). (٣) السابق (٣٩٦٩). (٤) الترمذي (٢١٦٢). ٣٢٩ = ڪِتَابُ الفِتَنِ وفي ((علل ابن أبي حاتم)): سألت أبي عن حديثٍ رواه حماد بن زيد، عن يونس وأيوب، عن محمد، عن أبي هريرة : ((إن الملائكة تلعن أحدكم إذا أشار إلى أخيه بحديدة)). فقال أبي: قد رواه حماد بن سلمة، عن أيوب ويونس، عن محمد، عن أبي هريرة مرفوعًا. قلت لأبي: فأيهما الصحيح الموقوف أو المسند؟ قال: المسند أصح(١). وسألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره بلفظ: ((وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) فقال أبي: هذا حديث لم يروه إلا ابن عون وهشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة رفعه. ولا أعلم أحدًا رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، وهو منكر بهذا الإسناد (٢). فصل : ولهذا الحديث أيضًا قعد من قعد من الصحابة عن الدخول في الفتنة ولزموا بيوتهم، وفسر أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنه ليس على الحتم بأنهما في النار، وإنما معناه أنهما يستحقانها إلا أن يشاء الله أن يغفر لهما؛ لأنه التّ سماهما مسلمين، وإن قتل أحدهما صاحبه. ومذهب جماعة أهل السنة إن شاء الله تعالى في وعيده لعصاة المؤمنين بالخيار بين العفو والعقوبة. وقد أسلفناه واضحًا في كتاب الإيمان. (١) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢/ ٢٥٧ (٢٢٦٦). (٢) السابق ٤٢٠/٢-٤٢١ (٢٧٦٧). ٣٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : وفيه أيضًا دليل أنه إذا التقى المسلمان بسيفيهما، واختلفت طائفتان على التأويل في الدين ولم يتبين البغي من أحدهما أنه يجب (القعود)(١) عنهما وملازمة البيوت، ولهذا تخلف محمد بن مسلمة وسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وحذيفة وجماعة عن تلك المشاهد؛ لأنه لم يتبين لهم ما قام فيه المقتتلون وأخذوا بقوله: ((تكون فتن القاعد فيها خير من القائم)) فأما إذا ظهر البغي في إحداهما لم يحل لمسلم أن يتخلف عن قتال الباغية؛ لقوله تعالى : ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ ولو أمسك المسلمون عن ذلك لبطلت فريضة من فرائض الله، وهذا يدل أن قوله: ((فالقاتل والمقتول في النار)) ليس في أحد من أصحاب محمد وَلّر؛ لأنهم إنما قاتلوا على التأويل، وكلاهما عندنا محمودة مجتهدة برة تقية، وقد قعد عنها أصحاب رسول الله وَله، ولم يروا في ذلك بيانًا، وهم كانوا أولى بمعرفة الحق، فكيف يحكم لأحد الفريقين على الآخر، ألا ترى أنه الكليّ شهد لعلي وطلحة والزبير بالشهادة، فكيف يكون شهيدًا من يحل دمه، وكيف يحكم لأحد الفريقين على الآخر وكلاهما شهداء؟! روى خالد بن خداش عن الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َلُه قال: كان النبي وَل وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير على حراء، فقال العَيْه: ((اسكن حراء فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد))(٢)، وكل أصحاب رسول الله وَل يجب على المسلم توقيرهم (١) في الأصل: العقوبة، والمثبت من (ص١)، وهو الصحيح. (٢) رواه مسلم (٢٤١٧). ٣٣١ = كِتَابُ الفِتَنِ والإمساك عن ذكر زللهم ونشر محاسنهم، وكل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور، وإن كان بعضهم أفضل من بعض وأكثر سوابق. فصل : وقيل: معنى الحديث التحذير من الوقوع في الفتن التي لا يعلم حقيقة الظالم فيها من المظلوم، فكان الصحابة في ذلك بين متأول يرى نفسه على حق، وآخر يرى أنه أحق منه في تأويله، وآخر كاف عن الدخول فيها. فصل : وقوله: ( ((كان حريصًا على قتل صاحبه)) ) جعله مأثومًا بالحرص، وهذا احتج به القاضي ابن الطيب؛ لأنه يقول: من عزم على المعصية ووطن عليها مأثوم في اعتقاده وعزمه. والفقهاء على خلافه لا يرون عليه شيئًا، وتأولوا هذا الحديث على أن الإثم متعلق فيه بالفعل؛ لأنه قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما)) فتعلق بالفعل والمقاتلة، وهو الذي وقع عليه أسم الحرص هنا. واحتج الفقهاء بقوله القليفي: ((من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه))(١)، وانفصل عن ذلك على أنه لم يوطن نفسه على فعلها، وإنما مرَّ ذلك بتفكيره من غير استقرار. وهذا محمول عنه بقوله: ((وما (حدثت)(٢) به أنفسها))(٣)، وأما ما نواه ووطن نفسه عليه فهو مؤاخذ به بدليل هذا الحديث، وبقوله: ((إنما الأعمال بالنيات))(٤)، والنية (١) سلف برقم (٦٤٩١)، ورواه مسلم (١٣١). (٢) بياض بالأصل، والمثبت من (ص١). (٣) سلف برقم (٥٢٦٩)، ورواه مسلم (١٢٧). (٤) سلف برقم (١)، ورواه مسلم (١٩٠٧). ٣٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عمل، وبقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤]، وقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهُ﴾. وقوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وقوله في قوم [النمل: ٥٠] ٥٠ صالح: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( فأهلكهم بذلك. واختلف قول مالك في الطلاق بالنية، وإن أصبح ينوي الفطر ولم يأكل، فشك ابن القاسم في الكفارة، وقال أشهب: القضاء استحسان بلا كفارة (١). فصل : قوله: ((فكلاهما في النار)) (كلا) عند البصريين في تأكيد (الأمرين)(٢) نظير (كل) في المجموع، وهو اسم مفرد غير مبني(٣). وخالف فيه الفراء فقال (٤): إنه مبني، وهو مأخوذ من كل، وخففت اللام وزيد الألف للتثنية، وضعفه البصريون؛ لأنه لو كان مبنيًّا لوجب أن تنقلب ألفه في النصب والجر مع الأسم الظاهر في قولك: رأيت (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥/٢-١٦. (٢) في (ص١): الأثنين. (٣) يرى البصريون أن (كلا) فيها إفرادٌ لفظيٍّ وتثنية معنوية، بينما يرى الكوفيون أن فيها تثنية لفظية ومعنوية؛ وأصل (كلا) عندهم -أعني الكوفيين- (كل) فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية. وأصل الألف عند البصريين كألف (عصا ورحا). انظر: ((الإنصاف)) لابن الأنباري ص ٣٥٥-٣٦١، ((معاني القرآن)) للفراء ٢/ ١٤٢، ((المقتضب)) ٢٤١/٣. (٤) ((معاني القرآن)) ١٤٢/٢. ٣٣٣ كِتَابُ الفِتَنِ = كلا الرجلين. ولأن معنى (كلا) مخالف لمعنى (كل)(١)؛ لأن (كلا) للإحاطة وكلَّا يدل على شيء مخصوص. (١) لأن الحمل في (كلا) على اللفظ أكثر من المعنى، وساق البصريون على ذلك دلائل عقلية مقرونة بأخرى نقلية. أنظر: ((الإنصاف)) لابن الأنباري ص٣٥٨، ((المقتضب)) ٢٤١/٣. ٣٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١١- باب كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةً؟ ٧٠٨٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابن جَابِرٍ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الحَضْرَمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا إِدْرِيسَ الَخَوْلَانِّ، أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنِ الَخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرِّ، فَجَاءَنَا اللهُ بهذا الخَثِ، فَهَلْ بَعْدَ هذا الَخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ)). قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: ((قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ)). قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الَخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَىَ أَبْوَابٍ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ: ((هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنِّنَا)). قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنٍ إِنْ أَذْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: ((تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)). قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: ((فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)). [انظر: ٣٦٠٦- مسلم: ١٨٤٧ - فتح ٣٥/١٣] ذكر فيه حديث حذيفة : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ بَّهِ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ .. الحديث. كما سلف في باب علامات النبوة. وهو علم من أعلام نبوته، وذلك أنه العقلية أخبر حذيفة بأمور مختلفة من الغيب لا يعلمها إلا من أوحي إليه بذلك من أنبيائه الذين هم صفوة خلقه، وفيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وترك القيام على أئمة الحق، ألا ترى أنه القي وصف (أئمة) (١) أزمان الشر فقال: ((دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)). (١) من (ص١). ٣٣٥ = كِتَابُ الفِتَنِ فوصفهم بالجور والباطل والخلاف لسنته؛ لأنهم لا يكونون دعاة على أبواب جهنم إلا وهم على ضلال، ولم يقل: فيهم من تعرف منهم وتنكر، كما قال في الأولين، وأمر مع ذلك بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ولم يأمر بتفريق كلمتهم وشق عصاهم. فصل : اختلف أهل العلم في معنى أمره القلي بلزوم الجماعة، ونهيه عن الفرقة، وصفة الجماعة التي أمر بلزومها -كما حكاه الطبري- فقال بعضهم: هو أمر إيجاب، والجماعة هي السواد الأعظم، وقالوا: كل ما كان عليه السواد الأعظم من أهل الإسلام من أمر دينهم، فهو الحق الواجب، والفرض الثابت الذي لا يجوز لأحد من المسلمين خلافه، وسواء خالفهم في حكم من الأحكام، أو في إمامهم القيم بأمورهم وسلطانهم فهو مخالف للحق؛ ذكر من ذلك: روى ابن سيرين قال: لما قتل عثمان # أتيت أبا مسعود الأنصاري، فسألته عن الفتنة فقال: عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد وَير على ضلالة، والجماعة حبل الله، وإن الذي تكرهون من الجماعة خير من الذي تحبون من الفرقة(١). واحتجوا برواية ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: ((إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)). ومن حديث راشد بن سعد، عن عوف بن (١) لم أقف على هذا الأثر عن أبي مسعود الأنصاري، وقد روي عن ابن مسعود، رواه الطبري في «تفسيره)) ٣٨٠/٣ (٧٥٧٧)، والآجرى في ((الشريعة)) (١٤)، والحاكم في ((المستدرك)) ٥٥٥/٤، كلهم عن ثابت بن قطبة، عنه. ٣٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = مالك ه مرفوعًا: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فرقة واحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، واحدة وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار)). قيل: من هم؟ قال: ((الجماعة))(١). وقال أبو زرعة في ((تاريخه)): حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمهم ضررًا قوم (يقيسون)(٢)). الحديث مردود قال: وهذا حديث صفوان، وأنكره يحيى بن معين، وقال ابن عدي: موضوع(٣). وذكره الحاكم في ((مستدركه)) من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: ((تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .. )) الحديث، ثم قال: هذا حديث (كبير) (٤) في الأصول، وقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وعوف بن مالك، وعبد الله بن عمرو عن رسول الله وَلّر، وقد احتج مسلم بمحمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة واتفقا جميعًا على الاحتجاج بالفضل بن موسى رواية عن محمد بن عمرو(٥). قلت: وتابعه النضر بن شميل أخرجه الآجري في ((الشريعة)) (٦) ثم رواه من حديث ابن عمرو وأنس وعلي وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان (٧)، وأخرجه اللالكائي في ((سننه)) من حديث (١) ((سنن ابن ماجه)) (٣٩٩٢). (٢) في الأصل: (يسقون)، والمثبت من ((الكامل)) لابن عدي. (٣) ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٤٩٧/٤، وتكملة الحديث: ((يقيسون الرأي؛ يستحلون به الحرام، ويحرمون به الحلال)). (٤) في ((المستدرك)): كثر. (٦) ((الشريعة)) (١٩). (٥) ((المستدرك)) ٦/١. (٧) السابق ص١٩-٢١. ٣٣٧ ـ كِتَابُ الفِتَنِ أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعًا، وروى معتمر بن سليمان (المري)(١) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر (مرفوعًا: ((لا تجتمع) أمتي على ضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة هكذا فاتبعوا السواد الأعظم؛ فإنه من شذ شذ في النار))(٢). وقال آخرون: الجماعة التي أمر الشارع بلزومها هى جماعة أئمة العلماء، وذلك أن الله سبحانه جعلهم حجة على خلقه، وإليهم تفزع العامة في دينها وهم تبع لها، وهم المعنيون بقوله: ((إن الله لن يجمع أمر أمتي على ضلالة)». ذكر من قال (ذلك)(٣): روى المسيب بن رافع قال: كانوا إذا جاءهم شيء ليس في كتاب ولا في سنة رسول الله وَّل سموه صوافي الأمراء، فجمعوا له أهل العلم، فما أجتمع عليه رأيهم فهو الحق. وسئل ابن المبارك عن الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم، فقال: أبو بكر وعمر. فلم يزل (ينزل)(٤) حتى انتهى إلى محمد بن ثابت ابن واقد. قلت: هؤلاء قد ماتوا، فمن الأحياء؟ قال أبو حمزة: (السكري)(٥). (١) في الأصل: (الرقي)، والمثبت من (ص١) وهو الصواب. (٢) رواه الحاكم ١١٥/١، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٧/٣ كلاهما عن المعتمر، عن أبيه، عن عبد الله بن دينار به، ورواه الطراني في ((الكبير)) ١٢/ ٤٤٧ عن المعتمر، عن مرزوق مولى آل طلحة، عن عمرو بن دينار به، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢١٨/٥: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات رجال الصحيح خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة. (٣) من (ص١). (٤) في الأصل: يقولها والمثبت من (ص١) وهو الصواب. (٥) في (ص١): السكوني. ٣٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال آخرون: الجماعة التي أمر الشارع بلزومها هم جماعة الصحابة الذين قاموا بالدين بعد مضيه حتى أقاموا عماده وأرسوا أوتاده وردوه - وقد كاد المنافقون أن ينتزعوا أواخيه(١) ويقلبوه من أواسيه(٢) إلى (نصاه)(٣) - وسلكوا في الدعاء منهاجه، فأولئك الذين ضمن الله لنبيه أن لا يجمعهم على ضلالة، ولو كان معناه لا يجمع الله في زمن من الأزمان من يوم بعثه إلى قيام الساعة على ضلالة بطل معنى قوله: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) (٤)، وشبهه من الأخبار المروية عنه الَّه: أن من الأزمان أزمانًا تجتمع فيها أمته على ضلالة وكفر. وقال آخرون: إنها جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمر واجب على أهل الملل أتباعها، فإذا كان فيهم مخالف منهم فليسوا مجتمعين، ووجب تعرف وجه الصواب فيما اختلفوا فيه، والصواب في ذلك كما قال الطبري: إنه أمر منه بلزوم إمام جماعة المسلمين، والنهي عن فراقهم فيما هم عليه مجتمعون من تأميرهم إياه، فمن خرج من ذلك فقد نكث بيعته ونقض عهده بعد وجوبه، وقد قال الشّة: ((من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا عنقه كائنًا من كان))(٥). (١) جمع أخيَّة وأخيه، عودٌ يجعل في الجدار ويعرَّض ويدفن طرفاه فيه، ويصير وسطه كالعروة تشد إليه الدابة. أنظر: ((لسان العرب)) ٤٢/١ مادة أخا. (٢) جمع آسية وهي الدعامة والسارية. أنظر: ((لسان العرب)) ٨٣/١ مادة أسا. (٣) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) نصا به. (٤) رواه مسلم (٢٩٤٩) بلفظه، وقد سلف عند البخاري برقم (٧٠٦٧) بلفظ: ((من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)). (٥) رواه مسلم (١٨٥٢) كتاب: الإمارة، باب: حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع. ٣٣٩ = كِتَابُ الفِتَنِ حديث أبي بكرة حجة في ذلك؛ لأنه العَّة أمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، فبان أن الجماعة المأمور باتباعها هى السواد الأعظم مع الإمام الجامع لهم، فإذا لم يكن لهم إمام، وافترق الناس أحزابًا فواجب اعتزال تلك الفرق كلها، على ما أمر به الشارع أبا ذر، ولو بأن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت، فذلك خير له من الدخول بين طائفة لا إمام لها خشية ما يئول من عاقبة ذلك من فساد الأحوال باختلاف الأهواء وتشتت الآراء (١). فصل : ذكر صاحب ((البديع في تفضيل مملكة الإسلام))، وهو الإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر النيسابوري عن طائفة من المرجئة والكرامية: أن كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع جميعًا إلا الزنادقة، واحتجوا بحديث: («تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، أثنتان وسبعون في الجنة وواحدة في النار))(٢). والمشهور عكسه وهو: أثنان وسبعون في النار. إلا أن الثاني أصح إسنادًا فإن صح الأول فالهالك هم الباطنية، وإن صح الثاني فالناجية هم السواد الأعظم، وهم أتباع المذاهب الأربعة وهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحاب الحديث. وفي بعض الروايات: ((وتفترق المجوس على سبعين فرقة، فرقة ناجية والباقية في النار)) وهذا يؤيد قول من قال: إن للمجوس كتابًا وهم جماعة من الصحابة. وقال الجورقاني في ((موضوعاته)) في الحديث الأول: ليس له أصل. وقال في حديث أنس: ((كلهم في النار إلا فرقة واحدة))، (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٦/١٠. (٢) رواه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ٢٠١/٤، والجورقاني في ((الأباطيل والمناكير)) ٢٩١/١، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٤٣٨/١ من حديث أنس بن مالك. ٣٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال: هو حديث حسن غريب مشهور، رواته كلهم ثقات أثبات، وقد رواه عن رسول الله وَله: سعد بن أبي وقاص وعلي وأبو الدرداء وعوف بن مالك وابن عمر وجابر وأبو هريرة (ومعاوية)(١) وأبو أمامة، وواثلة، وعمرو كلهم عن رسول الله وَله، وقالوا فيه: واحدة في الجنة وهي الجماعة (٢). فصل : قال الإمام أبو محمد الحسن بن أحمد بن إسحاق السري في كتابه (افتراق الأمة)): أهل السنة والجماعة فرقة، والخوارج خمس عشرة فرقة، والشيعة ثلاث وثلاثون، والمعتزلة ستة، والمرجئة اثنا عشر، والمشبهة ثلاثة، والجهمية فرقة واحدة، والنجارية واحدة، (والضرارية واحدة والكلابية واحدة)(٣)، وأصول الفرق عشرة: أهل السنة، والخوارج، والشيعة، الجهمية، والضرارية، والمرجئة، والنجارية، والكلابية، والمعتزلة، والمشبهة. وذكر أبو القاسم الفوراني في كتابه ((فرق الفرق)): إن غير الإسلاميين الدهرية والهيولى أصحاب العناصر الثنوية (والدناصية)(٤) والمانوية والطبائعية والفلكية والقرامطة. فصل : (الدخن) سلف بيانه وكلام أهل اللغة فيه في باب: علامات النبوة، (١) من (ص١). (٢) ((الأباطيل والمناكير)) ٢٩٩/١، ٣٠٢، ٣٠٤. (٣) من (ص١). (٤) علق في هامش الأصل: لعله: الديصانية.