Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كِتَابُ الفِتَنِ
الزمان، ويخلف له هنا من الناس لا عقول لهم)). ثم قال الأشعري: والله
إني لأظنها تدركني وإياكم، وايم الله لي ولكم منها مخرج إن أدركتنا مما
عهد إلينا نبينا ألا نخرج منها كما دخلنا فيها (١). وعند ابن أبي حاتم:
((ولكن قتلكم أنفسكم)). وقال أبوه: هو وَهَمُ(٢).
فصل :
قد سلف في تقارب الزمان هل هو أعتدال الليل والنهار، أو إذا دنا
قيام الساعة أو الساعات والأيام والليالي تقصر. وقال الطحاوي: قد
يكون معناه تقارب أحوال أهله في ترك طلب العلم خاصة والرضا
بالجهل وذلك؛ لأن الناس لا يتساوون في العلم؛ لتفاوت درجه قال
تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
وإنما يتساوون إذا كانوا جهالًا. وقال ابن بطال: معناه - والله أعلم-
تفاوت أحواله في أهله في قلة الدين؛ حتى لا يكون فيها من يأمر
بمعروف ولا ينهى عن منكر؛ لغلبة الفسق وظهور أهله، وقد جاء في
الحديث («لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا فإذا تساووا هلكوا)، يعني
لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف لله؛ يلجأ
إليهم عند الشدائد ويستشفى بآرائهم، ويتبرك بدعائهم، ويؤخذ بقولهم
وآثارهم. وذكر الخطابي أن حديثه الآخر أنه: ((يتقارب الزمان حتى
تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم
كالساعة)) (٣)، فإن حماد بن سلمة قال: سألت عنه أبا سليمان فقال:
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٣٩٥٩).
(٢) ((علل ابن أبي حاتم)) ٤٢٦/٢.
(٣) رواه الترمذي (٢٣٣٢)، من حديث أنس، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي))
(١٩٠١).

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ذلك من أستلذاذ العيش، يريد - والله أعلم - خروج المهدي ووقوع الأمنة
في الأرض ببسطه العدل فيها، فيستلذ العيش عند ذلك وتستقصر مدته،
ولا يزال الناس يستقصرون أيام الرخاء وإن طالت، ويستطيلون [أيام](١)
المكروه وإن قصرت، والعرب في مثل هذا كقولهم: مرَّ بنا يوم كعرقوب
القطا قصرًا(٢).
فصل :
الزمن بفتح الميم جمعه (أزمان)(٣) وهو شاذ؛ لأن فعلا بالفتح
لا يجمع على أفعال إلا حروفًا يسيرة (٤) زمن وأزمن، وحبل وأحبل،
وعصب وأعصب.
فصل :
وقوله: ((من شرار الناس .. )) إلى آخره. هو إخبار عن أن الكفار
والمنافقين شرار الخلق، وهم حينئذ أحياء إذ ذاك؛ قاله ابن التين.
قال ابن بطال: وهو وإن كان لفظه العموم فالمراد به الخصوص،
ومعناه أن الساعة تقوم في الأغلب والأكثر على شرار الناس؛ بدليل
قوله التليف: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها من
ناوأها حتى تقوم الساعة)) (٥)، فدل هذا الخبر أن الساعة أيضًا تقوم
(١) لسيت في الأصول، وأثبتناها من ((شرح ابن بطال))، وعنه نقل المصنف.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٣/١٠.
(٣) في (ص١): أزمن.
(٤) في هامش الأصل كتب: سقط من هنا شيء
(٥) سلف برقم (٣٦٤٠)، ورواه مسلم (١٩٢١) من حديث المغيرة بن شعبة، ورواه
مسلم (١٥٦) من حديث جابر بن عبد الله، ورواه مسلم (١٠٣٧) من حديث
ثوبان، ورواه مسلم (١٧٤/١٠٣٧) من حديث معاوية.

٣٠٣
- كِتَابُ الفِتَنِ
على قوم فضلاء، وأنهم في صبرهم على دينهم كالقابض على الجمر،
وقد ذكر الكثيفلا فضلهم في أحاديث جمة(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ١٣-١٤.

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٦- باب لَا يَأْتِي زَمَانْ إِلَّا الذِي بَعْدَهُ شَرَّ مِنْهُ
٧٠٦٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا
أَنَّسَ بْنَ مَالِكِ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الَحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي
عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ)). سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ وََّ.
[فتح ١٩/١٣]
٧٠٦٩- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ،
حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِيِ عَتِيقٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ
الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَتِ: أَسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ وَ لَيْلَةً
فَزِعًا يَقُولُ: ((سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ؟
مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ - يُرِيدُ: أَزْوَاجَهُ - لِكَيْ يُصَلِينَ؟ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي
الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ)). [انظر: ١١٥ - فتح ٢٠/١٣]
ذكر فيه حديث الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ
مَا نَلْقَىْ مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: ((اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّ الذِي
بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ)). سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِّكُمْ وَهُ.
وحديث هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أَسْتَيْقَظَ
رَسُولُ اللهِ وَّ﴿ لَيْلَةٌ فَزِعًا يَقُولُ: ((سُبْحَانَ اللهِ! وَمَاذَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ
الخَزَائِنِ؟ .. )). الحديث
وقد سلف في كتاب الصلاة في باب تحريضه على صلاة الليل(١).
وقوله: ( ((شر منه))) كذا وقع في الأصول وهو الفصيح، وأورده ابن
التين بلفظ ((أشر)) وقال: كذا وقع على وزن أفعل. قال الجوهري: فلان
(١) سلف برقم (١١٢٦) كتاب التهجد، باب تحريض النبي وَل على صلاة الليل
والنوافل من غير إيجاب.

٣٠٥
ـ كِتَابُ الفِتَّنِ
شر الناس، ولا يقال: أشر الناس إلا في لغة رديئة (١).
والخزائن جمع خزانة: وهو الموضع أو الوعاء الذي يخزن فيه
الشيء، سمي بذلك، لأنه يستر المخزون فيه، ومنه قيل للقلوب:
خزائن؛ لغوصها واستتارها.
وقوله في آخره: ( (رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ)) ) أي:
كاسية من النعم عارية من الشكر، فهي عارية في الآخرة من الثواب.
وقال الداودي: يعني أهل الزيف والسرف عارية يوم القيامة، قال:
ويحتمل أن يريد عارية في النار.
فصل :
حديث أنس من علامات النبوة؛ لإخباره بتغير الزمان وفساد
الأحوال، وذكر غيب لا يعلم بالرأي، وإنما يعلم بالوحي، ودل
حديث أم سلمة على الوجه الذي يكون به الفساد، وهو ما يفتح الله
عليهم من الخزائن، وأن الفتن مقرونة بها، ويشهد لصحة ذلك قول
[العلق: ٦-٧] فمن
الله: ﴿كَلَّا إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيَطْفَىٌ ﴾ أَنْ زَّوَاهُ أَسْتَغْفَ
فتنة المال ألا ينفق في طاعة الله، وأن يمنع حق الله، ومن فتنته
السرف في إنفاقه، ألا ترى قوله: ((رب كاسية في الدنيا عارية في
الآخرة».
قال المهلب: فأخبر أن ما فتح من الخزائن فتنة الملابس، فحذر
رسول الله ﴿ أزواجه وغيرهن أن يفتتن في لباس رفيع الثياب التي
(١) ((الصحاح)) ٢/ ٦٩٥ مادة: (شرر)، وقرأ أبو قلابة شذوذًا (الكذاب الأَشَرُّ) قال ابن
جني في ((المحتسب)) ٢٩٩/٢: لأن أصل قولهم هذا خير منه، وهذا شر منه: هذا
أخير منه وأشر منه؛ فكثر استعمال هاتين الكلمتين، فحذف الهمزة منهما، ويعدل
ذلك قولهم: الخوری والشُّری. اهـ

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
تفتن النفوس في الدنيا رقيقها وغليظها، وحذرهن التعري يوم القيامة منها
ومن العمل الصالح، وحضهن بهذا القول أن يقدمن ما فتح الله عليهن من
تلك الخزائن للآخرة، وليوم يحشر الناس فيه عراة، فلا يكسى إلا الأول
فالأول في الطاعة والصدقة والإنفاق في سبيل الله، فمن أراد أن يسبق
إلى الكسوة فليقدمها لآخرته ولا يذهب طيباته في الدنيا، وليرفعها
إلى يوم الحاجة.
فصل :
وقوله: ( ((من يوقظ صواحب الحجرات)) ) ندب بعض خدمه لذلك
كما قال يوم الخندق: ((من يأتيني بخبر القوم))(١)؛ فلذلك قال: من سهل
عليه في الليل أن يدور على أزواجه فيوقظهن للصلاة والاستعاذة بالله مما
أراه من الفتن النازلة كي يوافقن الوقت المرجو فيه الإجابة، فأخبرنا أن
حين نزول البلاء (ينبغي) (٢) الفزع إلى الصلاة والدعاء فیرجی كشفه،
لقوله تعالى ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية
[الأنعام: ٤٣].
فصل :
هذا كله والذي قبله في الباب الماضي من أعلام النبوة، وقد رأينا
هُذِهِ الأشراط عيانا، وأدركناها فقد نقص العلم لا بل قد ذهب، وظهر
الجهل لا بل كثر وفشا، وألقي الشح في القلوب، وعَمَّتِ الفتن، وكثر
القتل، والنساء كاسيات عاريات.
(١) سلف برقم (٢٨٤٦) كتاب الجهاد والسير، باب فضل الطليعة.
(٢) ساقطة من الأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ١٥/١٠.

٣٠٧
=
كِتَابُ الفِتَنِ
٧- باب قَوْلِ النّبِيّ
صلىالله
ـته:
وسلم
((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا))
٧٠٧٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ إِلَ قَالَ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّ)).
[انظر: ٦٨٧٤ - مسلم: ٩٨ - فتح ٢٣/١٣]
٧٠٧١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)). [مسلم: ١٠٠ -
فتح ٢٣/١٣]
٧٠٧٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمٍَ، عَنْ هَمَّامِ، سَمِعْتُ أَبَا
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّمَ قَالَ: ((لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي
لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)). [مسلم: ٢٦١٧ - فتح ١٣/ ٢٣]
٧٠٧٣- حَدَّثَنَا عَلَيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ،
سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَه:
((أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا؟)). قَالَ: نَعَمْ. [انظر: ٤٥١- مسلم: ٢٦١٤ - فتح ٢٣/١٣]
٧٠٧٤- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینَارٍ، عَنْ جَابِرِ
أَنَّ رَجُلاً مَرَّ فِي المَسْجِدِ بِأَسْهُم قَدْ أَبْدِى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا، لَا يَخْدِشُ
مُسْلِمًا. [انظر: ٤٥١ - مسلم: ٢٦١٤ - فتح ١٣/ ٢٤]
٧٠٧٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو ◌ُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ لَ قَالَ: ((إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ
نَبْلٌ فَلْيُمْسِلْ عَلَى نِصَالِهَا - أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ - أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ
المُسْلِمِينَ مِنْهَا شَىءٌ)). [انظر: ٤٥٢- مسلم: ٢٦١٥ - فتح ٢٤/١٣]
ساقه من حديث ابن عمر وأبي موسى عش

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثم ساق من حديث محمد - هو ابن سلام- إلى أبي هريرة مرفوعًا
قَالَ: (لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسَّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ
يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)».
وحديث جابر: مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ اللهِ وَه :
(أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا)). قَالَ: نَعَمْ.
وفي لفظ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ فِي المَسْجِدِ بِأَسْهُم قَدْ أَبْدِى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَنْ
يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا، لَا يَخْدِشُ مُسْلِمًا.
وحديث أبي موسى مرفوعًا: ((إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي
سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِْكْ عَلَى نِصَالِهَا - أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ - أَنْ
يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْهَا شَىء)».
الشرح:
معنى ( (فليس منا)))، أي ليس من شريعتنا، فليس متبعًا لها
ولا سالكًا سبيلنا؛ لقوله الَّه: ((ليس منا من شق الجيوب))(١)
ونظائره؛ لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ولا يخذله
ولا يسلمه، وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً(٢)، فمن
خرج عليهم بالسيف بتأويل فاسد رآه فقد خالف ما سنه الشارع من
نصرة المؤمنين وتعاون بعضهم لبعض، وقيل: يعني إذا كان مستحلا،
ويحتمل أن يريد أنه ليس بكامل الإيمان، والفقهاء يجمعون على أن
الخوارج من جملة المؤمنين لاجتماعهم كلهم على أن الإيمان لا يزيله
(١) سلف برقم (١٢٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ليس منا من شق الجيوب.
ورواه مسلم (١٠٣) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود ..
(٢) أنظر ما سلف برقم (٤٨١)، ورواه مسلم (٢٥٨٥).

٣٠٩
كِتَابُ الفِتَنِ
إلا الشرك بالله ورسوله والجحد لذلك، وأن المعاصي غير الكفر لا يكفر
مرتكبها، وفي ((مستدرك الحاكم)) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله وَل لعبد الله بن مسعود ((أتدري ما حكم الله فيمن
بغى من هذِه الأمة؟)) قال ابن مسعود: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإن
حكم الله فيهم ألا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ولا يذفف على
جريحهم)). وعلته كوثر بن حكيم وهو ضعيف(١)، وفي رواية للبيهقي:
(ولا يقسم فيئهم))(٢)، وذكره ابن بطال عن كتاب ((الكف عن أهل
القبلة)) لأسد بن موسى، عن هشيم، ثنا كوثر بن حكيم، ثنا نافع،
عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا به، وبالزيادة الأخيرة. ثم قال:
وبهذا عمل علي بن أبي طالب ورضيت الأمة أجمع بفعله هذا فيهم.
وقال الحسن بن علي: لولا علي بن أبي طالب ما تعلم الناس كيف
يقاتلون أهل القبلة، فقاتلهم على ما كان عنده من العلم فيهم عن
رسول الله ◌َّة، فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم، فموارثتهم
قائمة، ولهم حكم الإسلام(٣).
فصل :
ونهيه عن الإشارة بالسلاح، وأمره بأن يمسك نصالها من باب
الأدب وقطع الذرائع ألا يثير أحد به خوف ما يؤول منه ويخشى من
نزغ الشيطان.
(١) ((المستدرك)) ١٥٥/٢، وسكت عنه الحاكم، وقال الحافظ الذهبي في ((تلخيصه)):
کوثر متروك.
(٢) ((سنن البيهقي)) ٨/ ١٨٢.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٦/١٠-١٧.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
وقوله: ( ((فيقع في حفرة من النار)) ) أي: إن أنفذ الله عليه وعيده،
وهو مذهب أهل السنة.
وقوله: ( ((ينزع))) بالعين المهملة، وذكره ابن بطال بالمعجمة(١)،
فقال: ومن رواه به، فقال صاحب ((العين)): نزغ بين القوم نزغًا: حمل
بعضهم على بعض لفساد ذات بينهم، ومنه نزغ الشيطان(٢). وقال
صاحب ((الأفعال))(٣): نزغ بيد أو رمح: طعن، ثم قال: ومن رواه
بالمهملة فهو قريب من هذا المعنى. وقال صاحب ((العين)): نزعت
الشيء من الشيء نزعًا: قلعته منه، ونزع بالسهم: رمى به (٤)، وعليه
جرى ابن التين فقال: قوله: ((لعل الشيطان ينزع في يده)) أي: يقلعه
من يده فيصيب به. وقيل: يشد يده فيصيبه، والخدش أقل من الجراح.
وقوله: ( ((فليقبض بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين)) ) هو مثل
قوله تعالى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] قال الكسائي:
المعنى: لئلا تضلوا، ومثله الحديث ((لا يدعون أحدكم على ولده أن
يوافق من الله تعالى إجابة))(٥)، أي: لئلا يوافق، وهذا القول عند
البصريين خطأ، لا يجيزون إضمار لا، والمعنى عندهم: كراهة أن
تضلوا، ثم حذف، مثل ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
(١) السابق ١٠/ ١٧.
(٢) ((العين)) ٣٨٤/٤، مادة: (نزغ).
(٣) ((الأفعال)) ص٢٦٣.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٦/١٠-١٧.
(٥) رواه مسلم (٣٠٠٩) بنحوه.

٣١١
كِتَابُ الفِتَنِ
=
٨- باب قَوْلِ النّبِيّ ◌َّ:
((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ))
٧٠٧٦- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنِي أَبي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ
قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َثََّ: ((سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)). [انظر:
٤٨- مسلم: ٦٤ - فتح ٢٦/١٣]
٧٠٧٧- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، أَخْبَرَبِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن
عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ بِّهِ يَقُولُ: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
بَعْضٍ)). [انظر: ١٧٤٢ - مسلم: ٦٦ - فتح ٢٦/١٣]
٧٠٧٨- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدِ، حَدَّثَنَا ابن سِیرِينَ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ -وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ هُوَ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَ يهِ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: ((أَلَا
تَدْرُونَ أَيُّ يَوْم هذا؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ
أَسْمِهِ. فَقَالَ: ((أَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟)). قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((أَيُّ بَلَدٍ هذا؟
أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ؟)). قُلْنَاءَ بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا،
فِي بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)). قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ
الغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغْ يُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ - فَكَانَ كَذَلِكَ - قَالَ: لَا تَرْجِعُوا
بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَّعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ حُرِّقَ ابنِ الحَضْرَمِيِّ
حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ. قَالَ: أَشْرِفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَةَ. فَقَالُوا: هذا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَحَدَّثَتْنِي أُمِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بَهَشْتُ
بِقَصَبَةٍ. [انظر: ٦٧ - مسلم: ١٦٧٩ - فتح ٢٦/١٣]
٧٠٧٩- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ،

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لَا تَرْتَدُوا بَعْدِي كُفَّارًا
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). [انظر: ١٧٣٩ - فتح ٢٦/١٣]
٧٠٨٠- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَلِّ بْنِ مُدْرِكِ، سَمِعْتُ أَبَا
زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ
((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)). ثُمَّ قَالَ: ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
بَعْضٍ)). [انظر: ١٢١ - مسلم: ٦٥ - فتح ٢٦/١٣]
ذکر فیه أحاديث :
أحدها: حديث شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﴾ُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((سِبَابُ
المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)).
ثانيها: حديث ابن عمر وابن عباس وجرير وأبي بكرة مرفوعا بمتن
الباب، لكن لفظ ابن عباس: ((لا ترتدوا)) بدل: ((لا ترجعوا)) قال جرير:
قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)).
ثم قال: وقال: وحدثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا قُرَّةُ بْنُ (خَالِدٍ)(١)، ثَنَا
ابن سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ
أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - أَنَّه ◌َِه
خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: ((أَلَا تَدْرُونَ أَيُّ يَوْم هذا؟ .. )). الحديث، وقد سلف.
وفيه: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَغْرَّاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ،
كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا.)) الحديث.
وفيه: ((فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغْ يُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ)) فكان كذلك، قال:
(لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يُضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ
حُرِّقَ ابنِ الحَضْرَمِيِّ حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ. قَالَ: أَشْرِفُوا عَلَىْ
(١) وقع في الأصل: قرة.

٣١٣
كِتَابُ الفِتَنِ
=
أَبِي بَكْرَةَ. فَقَالُوا: هذا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بَهَشْتُ بِقَصَبَةٍ.
الشرح :
الرجل الآخر هو حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، سماه
أبو عامر (١)، عن قرة، عن ابن سيرين، ورواه مسلم، عن أحمد بن
خراش، ومحمد بن عمرو بن جبلة، عن أبي عامر(٢).
وحميد بن عبد الرحمن هذا، من أفراد مسلم.
وأبو بكرة اسمه نفيع أخو نافع وزياد، أمهم سمية مولاة الحارث بن
كلدة، وقيل: أبوه مسروح، وأن الحارث استلحقه، وكان تدلى إلى
رسول الله يوم الطائف ببكرة فقيل له: أبو بكرة، فأعتقه رسول الله
وَّله، والعتقاء من ثقيف والطلقاء من قريش.
وفي سند حديث ابن عمر رضي الله عنهما واقدٌ، عن أبيه، عن ابن
عمر، وهو واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أتفقا
عليه، وانفرد مسلم بواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ بن النعمان الأشهلي
لا ثالث لهما(٣).
وشيخ البخاري في حديث ابن عمر محمد بن إشكاب، وهو
أبو جعفر محمد بن الحسين بن إبراهيم بن الحارث وزغلان المعافري
(النسائي) (٤) الأصل البغدادي، أخو أبي الحسن علي الأكبر، وإشكاب
(١) في هامش الأصل: أبو عامر هو العقدي. (٢) مسلم (١٦٧٩/ ٣١).
(٣) في هامش الأصل: يعني في البخاري ومسلم.
(٤) في الأصل: (السبائي) والمثبت من (ص١)، وهو الصواب؛ ففي ترجمته من
((تهذيب الكمال)) ٧٩/٢٥ (٥١٥٤): أصلهم من خراسان، من نسا.ا.هـ قلت:
ونسا ينسب إليها نسائي.

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
لقب لأبيهما الحسين، روى عن محمدٍ البخاريُّ وأبو داود والنسائي،
ولد سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات سنة إحدى وستين ومائتين.
وروى عن أخيه علي الكبير أبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال
الترمذي: ثقة، ومات في شوال سنة إحدى وستين ومائتين، ومات في
هُذِهِ السنة مسلم بن الحجاج في رجب منها، ومات البخاري قبلهم
ليلة السبت (يوم الفطر منه)(١) سنة ست وخمسين.
فصل :
هذا الباب في معنى الذي قبله، فيه النهي عن قتل المؤمنين بعضهم
بعضًا، وتفريق كلمتهم، وتشتيت شملهم، وليس معنى قوله: ((لا ترجعوا
بعدي كفارا)) النهي عن ضد الإيمان، وإنما المراد كفر حق المسلم على
المسلم الذي أمر به من التناصر والتعاضد، والكفر -في لسان العرب-
التغطية، وكذلك قوله: ((قتاله كفر)) يعني: بحقه وترك موالاته ونصره؛
للإجماع على أن المعاصي لا يكفرون بارتكابها، وقيل: المعنى:
لا يكفر بعضكم فتستحلوا أن تقاتلوا ويضرب بعضكم رقاب بعض.
وقيل: إنه أراد بالحديث أهل الردة. حكاهما الخطابي(٢).
قال موسى بن هارون: هؤلاء أهل الردة قتلهم أبو بكر، وقد سلف
في باب الخطبة في أيام منى من كتاب الحج زيادة في معنى هذا
الحديث، فراجعه(٣).
(١) من (ص١).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٧٨١/٣.
(٣) راجع شرح حديث (١٧٣٩).

٣١٥
كِتَابُ الفِتَنِ
=
فصل :
قال المهلب: وابن الحضرمي رجل امتنع من الطاعة فأخرج إليه
(جارية)(١) بن قدامة جيشًا فظفر به فى ناحية من العراق، وكان أبو بكرة
يسكنها، فأمر (جارية)(١) بصلبه فصلب، ثم ألقى النار إلى جذع الذى
صلب فيه بعد أيام، ثم أمر جارية من (حشمه)(٢) أن يشرفوا على أبى
بكرة؛ ليختبروا إن كان يحارب فيعلم أنه على غير طاعة أو يستسلم
فيعرف أنه على الطاعة، فقال له (حشمه)(٣): هذا أبو بكرة يراك وما
صنعت في ابن الحضرمي وما أنكر عليك بكلام ولا بسلاح، فلما سمع
أبو بكرة ذلك وهو في عليَّة له؛ فقال: لو دخلوا عليَّ داري ما بهشت،
فكيف أن أقاتلهم بسلاح؛ لأني لا أرى الفتنة في الإسلام، ولا التحرك
فيها (يعني) (٤) إحدى الطائفتين(٥).
قال ابن عبد البر: أرسل معاوية عبد الله بن الحضرمي ليأخذها له من
زياد، وكان أميرًا بها لعلي، فكتب زياد إلى علي، فأرسل اليه أعين بن
ضبيعة المجاشعي، فقتل غيلة، فبعث علي بعده (جارية)(٦) بن قدامة،
فأحرق على ابن الحضرمي الدار التي يسكنها، وكان ينزل في بني تيم
في دار ابن شبل(٧).
(١) في (ص١): حارثة.
(٢) هكذا بالأصل، ولعلها زائدة.
(٣) كذا بالأصل وفي ابن بطال (خيثمة).
(٤) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): مع ولعله المناسب للسياق.
(٥) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٩/١٠.
(٦) تصحفت في (ص١): حارثة.
(٧) ورد بهامش الأصل : صوابه دار شبل.
[قلت: أنظر كلام ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٢٩٩/١، وجاء فيه: دار شبيل].

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
فصل :
معنى: (ما بهشت بقصبة): ما مددت يدي إليها، ولا تناولتها لأدافع
بها. وعبارة صاحب ((الواعي)): يريد ما بادرت ولا حننت. وقيل معناه:
وما قاتلت. قاله عياض(١)، وهو بموحدة ثم شين معجمة، وقال الطبري:
معناه ما تناولتهم ولا مددت يدي إليهم بسوءٍ، يقال للإنسان إذا نظر إلى
الشيء فأعجبه واشتهاه وتناوله وأسرع إليه: بهش إلى كذا. سأل رجل ابن
عباس عن حية قتلها، فقال: هل بهشت إليك؟ أي: أقبلت أو أسرعت
اليك، ويقال للرجل إذا أراد معروف الرجل أو أراد مكروهه وتعرض
لخيره أو شره. بهش فلان إلى كذا وكذا، وفي كتاب ((الأفعال(٢))):
بهشت إلى فلان (خففت)(٣) إليه، ورجل بهش وباهش(٤)، وفي
((الموعب)): بهش بيده بهشا مثال ذبح تناول الشيء فنالته يده
أو قصرت عنه. وبهش القوم بعضهم إلى بعض، وهو من أدنى القتال.
وقال ابن التين: أي: ما قمت إليه. قال الجوهري: بهش يبهش بهشًا
إذا أرتاح له وخف إليه(٥)، وهو بفتح الهاء. قال ابن التين: ورويناه
بكسرها، قال: وقيل معناه: ما رميت بقصبة، وقيل: ما تركت. وقال
بعضهم: البهش: المسارعة إلى أخذ الشيء. قال: وقيل: ما تركت،
(١) ((مشارق الأنوار)) ١/ ١٠٢.
(٢) كذا بالأصل، وفي صلب ((شرح ابن بطال)) ١٩/١٠ (الأفعال)؛ وأشار محقق
الكتاب أن في إحدى نسخ مخطوطات شرح ابن بطال: (العين) بدل (الأفعال)
ولعله الصواب.
(٣) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ١٩/١٠، وفي ((العين)) ٤٠٣/٣: حننت،
ولعله ما في ((العين)) تحريف، يؤيد قولنا ما يأتي من كلام الجوهري
(٤) انظر: ((العين)) ٤٠٣/٣.
(٥) ((الصحاح)) ٩٩٦/٣.

٣١٧
كِتَابُ الفِتَنِ
=
وقال بعضهم لابن (حبناء)(١):
سَبَقتَ الرِّجالَ الباهِشينَ إِلى العُلا كسبق الجواد أصطاد قبل الطوارد
وهذا البيت عزاه الطبري للنابغة(٢).
وقال الأزهري: هو للمغيرة بن حبناء وليس في ديوان المغيرة بن
حبناء(٣) فكأن الصواب ما قاله الطبري، ولفظه عنده (إلى الندى) (٤)
بدل (العلا فِعَالًا ومجدًا والفعال سباقُ).
وقوله: ( ((يضرب بعضكم رقاب بعض))) من جزم الباء من ((يضربْ))
أَوَّلَهُ على الكفر الحقيقي الذي فيه ضرب الأعناق، ومن رفعها فكأنه أراد
الحال أو الاستئناف، ولا يكون متعلقا بما قبله، وقد أسلفنا حكاية قولين
في قوله ((كفارًا)) هل هو من لبس السلاح؟ يقال: كفر فوق درعه إذا لبس
فوقها ثوبا آخر، أو يكفر الناس فيكفر كفعل الخوارج كما قال القفيها: ((من
قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))(٥)، وقال الداودي: لا تستحلوا
من المؤمنين ما تستحلون من الكفار فتكونوا كفارًا، ولا تفعلوا بهم
ما لا يحل وأنتم ترونه حرامًا، فذلك كفر نعمة وقريب من الإثم في
الكفر.
فصل :
قوله: ( ((أي يوم هذا؟)) ) كان بمنى، وكان هذا في خطبته كالوداع؛
فسميت حجة الوداع لذلك.
(١) في الأصل: جبلة.
(٢) كذا نقله عنه ابن بطال ١٩/١٠.
(٣) ((تهذيب اللغة)) ٤٠٤/١-٤٠٥.
(٤) في الأصل: ولا.
(٥) سلف برقم (٦١٠٤)، ورواه مسلم (٦٠) من حديث ابن عمر.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( ((كحرمة يومكم .. ))) إلى آخره يعني: حرمة الظلم لأن
الظلم في الحرم وإثمه أعظم من إثم الظلم في غيره.
وقوله: ( ((وأبشاركم)) ) هو جمع بشر، وهو ظاهر جلد الإنسان،
وأما البشر الذي هو الإنسان فلا يثنى ولا يجمع؛ قال القزاز: وأجاز
قوم تثنيته فقط؛ لقوله تعالى ﴿أَنُوْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧].
فصل :
قوله: (فلما كان يوم حرق ابن الحضرمي) بخط الدمياطي:
(الوجْهُ) (١) أُحرق وأحرقه.
(١) من (ص١).

٣١٩
كِتَابُ الفِتَنِ
=
٩- باب تَكُونُ فِتْنَةُ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَّائِمِ
٧٠٨١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ:
وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (سَتَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا
خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ
السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأَ أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ
بِهِ)). [انظر: ٣٦٠١ - مسلم: ٢٨٨٦ - فتح ٢٩/١٣]
٧٠٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: (سَتَكُونُ
فِتَزٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ المَاشِيِ، وَالْمَاشِي فِيهَا
خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأَ أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ
بِهِ)). [انظر: ٣٦٠١ - مسلم: ٢٨٨٦ - فتح ٣٠/١٣]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: (سَتَكُونُ
فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي،
وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا
مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ)). (وفي لفظ ((مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ
وَجَدَ مَلْجَأَ أَوْ مَعَاذًّا فَلْيَعُذْ بِهِ)))(١).
الشرح :
زاد الإسماعيلي: ((والنائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير
من القاعد))، ولمسلم ((والنائم فيها خير من اليقظان))(٢)، وفي حديث أبي
(١) من (ص١).
(٢) مسلم (٢٨٨٦/ ١٢).

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بكرة ((ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي
إليها، فإن أنزلت أو وقعت))(١)، وللبزار: ((ستكون فتن، ثم تكون فتن))
بزيادة: ((والمضطجع خير من القاعد فيها)) قال: هذا الحديث لا نعلم
(يروى)(٢) عن رسول الله وَلل بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، ولم
يروه عن مسلم بن أبي بكرة إلا عثمان الشحام، وقد روى عنه غير
واحد، ولم يسندوه عنه(٣).
ولأبي داود: ((المضطجع فيها خير من الجالس، والجالس خير من
القائم)) (٤).وعن ابن مسعود: سمعت رسول الله وَ لَه .. فذكر بعض حديث
أبي بكرة، وعن خريم بن فاتك الأسدي (رفعه)(٥)، كما حدث ابن
مسعود(٦)، وعن أبي موسى ((إن بين يدى الساعة فتنا كقطع الليل
المظلم؛ القاعد فيها خير من القائم والماشي فيها خير من
الساعي)) (٧). وعند ابن ماجه ((والقائم فيها خير من الماشي)) (٨)،
وللترمذي مثله بزيادة ما في الذي قبله من حديث سعد بن أبي وقاص.
ثم قال: حسن(٩).
وروينا من حديث إلى المُخَلِّص خرشة بن الحر المحاربي مرفوعا :
(١) رواه مسلم (٢٨٨٧).
(٢) من (ص١).
(٣) ((مسند البزار)) ١٢٧/٩-١٢٨.
(٤) أبو داود (٤٢٥٦).
(٥) من (ص١).
(٦) أبو داود (٤٢٥٨)
(٧) أبو داود (٤٢٥٩).
(٨) ابن ماجه (٣٩٥١).
(٩) الترمذي (٢١٩٤).