Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
٤٤ - باب إِذَا هَزَّ سَيْفًا في المَنَامِ
٧٠٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَذَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
بُزْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى - أُرَاهُ- عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ قَالَ: ((رَأَيْتُ فِي رُؤْيَا
أَنِّي هَزَرْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ
هَزَزْتُهُ أُخْرِى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ وَاجْتِمَاعٍ
المُؤْمِنِينَ)). [انظر: ٣٦٢٢ - مسلم: ٢٢٧٢ - فتح ١٢ / ٤٢٦]
ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى ﴾ - أُرَاهُ- عَن رسول الله وَ لَهِ قَالَ:
((رَأَيْتُ فِي رؤياي أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا .. )). الحديث سلف في غزوة أحد،
والسند واحد بزيادة رؤيا البقر (١)، وهُذِه الرؤيا -كما قال المهلب-
على ضرب المثل وغير الوجه المرئي، والسيف ليس هو أصحاب
رسول الله وَل لكنهم لما كانوا ممن يصول (بهم)(٢) رسول الله وعليه
كما يصول بالسيف ويغنون عنه غنى السيف عبر عنهم بالسيف،
وللسيف وجوه: فمن تقلده في المنام فإنه ينال سلطانًا أو ولاية
أو إمامة، أو وديعة يعطاها، أو زوجة ينكحها إن كان عزبًا، أو تلد
زوجته غلامًا إن كانت حاملاً، فإن سلَّه من غمده، أو تكسر الغمد
وسلم السيف فإن امرأته تموت وينجو ولده، فإن تكسر السيف وسلم
الغمد هلك الولد وسلمت الأم، وربما يكون السيف أباه أو عمه
أو أخاه يموت، فإن أنكسرت النصلة ماتت أمه أو خالته أو نظيرهما.
والقائم أبدا (في)(٣) الآباء والنصلة في الأمهات، فإن رآه بيده وتهيأ
(١) برقم (٤٠٨١).
(٢) من (ص١).
(٣) من (ص١).

٢٤٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ليلقى به عدوًّا، أو يضرب به شخصًا فسيفه لسانه يجرده في خصومة
أو منازعة، فإن لم تكن له نية، وكان بذلك في مسجد، أو كان الناس
يتوضئون من عنده، أو رأى شيبًا في لحيته، فإنه يقوم مقامًا بحجة،
ويبدي لسانه بالنصيحة والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وربما يكون السيف سلطانًا جائرًا.

٢٤٣
= كِتَابُ التَّعْبِيرِ
٤٥ - باب مَنْ كَذَبَ في حُلُمِهِ
٧٠٤٢ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمْ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ
شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثٍ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ - أَوْ يَفِرُّونَ
مِنْهُ- صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُُك يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ صَّوَّرَ صُورَةً عُذِّبٍ وَكُلِّفَ أَنْ
يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخ)). قَالَ سُفْيَانُ: وَصَلَهُ لَنَا أَيُّوبُ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو
عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكَّرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ. وَقَالَ شُغْبَةُ،
عَنْ أَبِي هَاشِمِ الرُّمَّانِيّ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: مَنْ صَوَّرَ، وَمَنْ تَحَلَّمَ،
وَمَنِ أَسْتَمَعَ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: مَنِ أَسْتَمَعَ، وَمَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنْ صَوَّرَ. نَحْوَهُ. تَابَعَهُ هِشَامٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن
عَبَّاسِ قَوْلَهُ. [انظر: ٢٢٢٥ - مسلم: ٢١١٠ - فتح ١٢ / ٤٢٧]
٧٠٤٣ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ
اللهِ بْنِ دِينَارٍ - مَوْلَى ابن عُمَرَ - عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَ لَ قَالَ: ((مِنْ
أَقْرِى الفِرِىُ أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ)). [فتح ١٢/ ٤٢٧]
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ
رضي الله عنهما، (عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ)(١): ((مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُم لَمْ يَرَهُ
كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنٍ، وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِّيثٍ قَوْم
وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ - أَوْ يَفِرُونَ مِنْهُ- صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُُكُ يَوْمَ القِيَامَةِّ
وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبٍ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخ)). قَالَ
سُفْيَانُ: وَصَلَهُ لَنَا أَيُّوبُ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَّةَ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ
(١) في (ص١) مرفوعًا.

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أَبِي هَاشِم الرُّمَّانِيِّ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: ((مَنْ صَوَّرَ
صورة، وَمِّنْ تَحَلَّمَ، وَمَنِ أَسْتَمَعَ)). حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، ثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَنِ أَسْتَمَعَ، وَمَنْ
تَحَلَّمَ، وَمَنْ صَوَّرَ. نَحْوَهُ. تَابَعَهُ هِشَامٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَوْلَهُ.
ثم ساق عن ابن عمر ضي الله عنهما أنه التَّل؟ قال: ((مِنْ أَفْرى الفِرى
أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ)).
الشرح:
قوله: (قال سفيان: وصله لنا أيوب) سفيان هو ابن عيينة، وقد
وصله أيوب أيضًا لعبد الوهاب الثقفي عند الترمذي وصححه(١)،
ولعبد الوارث عند ابن ماجه(٢). وإسحاق هو ابن شاهين، قاله
البرقاني فيما وجده في كتاب الإسماعيلي، وأخرج النسائي التصوير
من حديث عمرو بن علي (عن عفان)(٣)، عن همام، عن قتادة، عن
عكرمة به مرفوعًا (٤).
وتعليق أبي هاشم أخرجه الإسماعيلي من حديث وهيب، عن خالد
في (صحيحه)) من حديث شعبة، عن أبي هاشم، عن عكرمة. وحديث
خالد الموقوف أخرجه الإسماعيلي من حديث وهيب، عن خالد، عن
عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي ◌ّ قال: ((من
صور صورة .. )) الحديث، ومن حديث عبد الوهاب، ثنا خالد عن
عكرمة فذكره مرفوعًا، وأبو هاشم أسمه: يحيى بن دينار، وهو
(١) الترمذي (٢٢٨٣).
(٢) ابن ماجه (٣٩١٦).
(٣) من (ص١).
(٤) ((المجتبى)) ٢١٥/٨، ((السنن الكبرى)) ٥٠٢/٥ (٩٧٨٤).

٢٤٥
كِتَابُ التّعْبِيرِ
=
واسطي أيضًا، كان ينزل قصر الرمان فنسب إليه، مات سنة اثنتين
وعشرين ومائة.
(فصل)(١):
الآنُك -بضم النون -: الرصاص الأبيض أو الأسود أو الخالص
منه، ولم يجيء على أفعُل واحد غير هذا، فأما آشُد فمختلف فيه هل
هو واحد أو جمع، وقيل: يحتمل أن يكون الآنك فاعلاً وهو أيضًا
شاذ(٢). وجزم ابن بطال: بأنه الرصاص المذاب. زاد بعض شيوخنا
أنه بالمد، وعبارة ((الصحاح)): الآنك الأشرب، وأفعل من أبنية
الجمع، ولم يجئ عليه واحد إلا أنُك وآشد(٣).
وقال ابن عزير: أشد جمع شد مثل فلس وأفلس، قال: ويقال:
هو اسم واحد لا جمع له، مثل آنك وهو الرصاص والأشرب. وحكى ابن
فارس عن معن أنه سمع أعرابيا يقول: هذا رصاص أنُك. أي:
خالص، قال: ولم نجد في كلام العرب أفعُل غير هذا الحرف.
وحكى الخليل أنه لم يجد أفعُل إلا جمع غير آشد(٤). وقال الداودي:
الآنك القزدير.
فصل :
وقوله: ( ((من أفرى الفرى)) ) - هو بكسر الفاء - مقصور، وهو
الكذب، يعني: أكذب الكذب، والفرية: الكذبة العظيمة التي يتعجب
منها وجمعها : مقصور مثل لحية ولحى.
(١) ورد بهامش الأصل: في أصله: الشرح، ولعله ما كتبته أنا وهو: فصل.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٥٥٦.
(٣) ((الصحاح)) ٤/ ١٥٧٣.
(٤) ((مجمل اللغة)) ١٠٥/١، وفيه: (القاسم بن معن).

٢٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
إن قلت: ما وجه خصوصية الكاذب في رؤياه بما خصه به من
تكليف العقد بين طرفي شعيرتين يوم القيامة؟ وهل الكاذب في الرؤيا
إلا كالكاذب في اليقظة؟ وقد يكون الكذب في اليقظة أعظم في الجرم
إذا كان شهادة توجب على المشهود عليه بها حدًّا، أو قتلاً أو مالاً
يؤخذ منه وليس ذلك في كذبه في منامه؛ لأن ضرر ذلك عليه في
منامه وحده دون غيره.
قيل له: اختلفت حالاهما في كذبهما؛ فكان الكاذب على عينيه في
منامه أحق بأعظم النكالين؛ وذلك لتظاهر الأخبار عن رسول الله وَ لي أن
((الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)) على ما سلف،
لا يكون إلا وحيًا من الله، فكان معلومًا بذلك أن الكاذب في نومه
كاذب على الله أنه أراه ما لم ير. والكاذب على الله أعظم فرية، وأولى
بعظيم العقوبة (من الكاذب)(١) على نفسه بما أتلف به حقًّا لغيره
أو أوجبه عليه، وبذلك نطق محكم التنزيل فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِقَنِ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا﴾ الآية [الأنعام: ٢١] فأبان ذلك أن الكذب في
الرؤيا ليس كاليقظة؛ لأن أحدهما كذب على الله والآخر كذب على
المخلوقين. فإن قلت: فما الحكمة في ذكر الشعير دون غيره من أنواع
الحبوب؟ قلت: سره لما كان المنام من الشعور وكذب فيه فناسب فيه
ذكر الشعير دون غيره إعلامًا له من لفظه.
فصل :
وفيه - كما قال المهلب -: حجة للأشعرية في تجويزهم تكليف
(١) من (ص١).

٢٤٧
كِتَابُ التّعْبِيرِ
=
ما لا يطاق، وفي التنزيل ما (يزيده)(١) بيانا، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
[القلم: ٤٢] ولله أن
يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
يفعل في عباده ما شاء، لا يسأل عنه، ومنع من ذلك الفقهاء والمعتزلة
احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
قالوا: والآية والحديث وما أشبهه من أحكام الآخرة، وليست دار
تكليف، وإنما هي دار مجازاة؛ فلا حجة لهم فيه؛ لأن الله قد أخبر
في كتابه أنه لا يكلف نفسًا من العبادات في الدنيا إلا وسعها، ولو
كلفهم ما لا يقدرون عليه في الدنيا لكان في ذلك كون خبر الصادق
على خلاف ما أخبر به، ولا يجوز النسخ في الأخبار ولا وقوعها
على خلاف إخبار الله فلا تضادّ إذًا.
فصل :
وأما الاستماع إلى حديث من لا يريد استماعه فهو حرام عملاً
بالحديث، وإن كان لا ضرر عليهم في استماعه إليهم، وله فيه نفع
عظيم دينًا أو دنيا فلا، وإن كره ذلك المتحدثون لكن المستمع لا يعلم
هل له فيه نفع إلا بعد استماعه إليه، وبعد دخوله فيما كره له الشارع فغير
جائز له ذلك لنهيه التَّئّ نهيًا عامًّا. أما من لا يعلم: هل يكرهون ذلك؟
فالصواب -كما قال ابن جرير- المنع إلا بإذنهم له في ذلك للخبر الذي
روي عن رسول الله وَلل أنه نهى عن الدخول بين المتناجيين في كراهية
ذلك إلا بإذنهم.
فصل :
والتصوير سلف في الزينة أنه حرام فيما له صورة، وأرخص ابن
(١) في (ص١): يؤيده.
!

٢٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
عباس في تصوير الشجر ونحوها، ومنهم من جعل خبر النمرقة
السالف(١) ناسخًا لحديث النهي؛ لأجل أنهم كانوا حديثي عهد بعبادة
الصور، ثم أبيح الرقم للحاجة إلى اتخاذ الثياب، ولا يؤمن على
الجاهل تعظيم ما يوطأ ويمتهن. وقال ابن الجلاب: لا بأس بذلك في
الثياب والبسط. وفي ((المعونة)): لا يجوز اتخاذ التماثيل في بناء
أو لباس أو فراش إلا أن يكون رقمًا في مداس (٢).
(١) برقم (٢١٠٥) ومواضع أخر.
(٢) ((المعونة)) ٥٨٩/٢.

٢٤٩
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
٤٦ - باب إِذَا رَأی
مَا يَكْرَهُ فَلَا يُخْبِرْ بِهَا وَلَا يَذْكُرْهَا
٧٠٤٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ
يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا تُخْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا
الحَسَنَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَىْ أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا
رَأىَ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا، وَلَا
يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ)). [انظر: ٣٢٩٢ - مسلم: ٢٢٦١ - فتح ١٢ / ٤٣٠]
٧٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابن أَبِي حَازِمِ وَالدَّرَاوَزْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِ سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ بَلَ يَقُولُ: ((إِذَا
رَأَىْ أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا
رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا
لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ)). [فتح ١٢/ ٤٣٠]
ذكر فيه حديث أبي قتادة السالف في باب: الرؤيا من الله(١).
وكذا حديث يزيد وهو ابن عبد الله بن أسامة بن الهادي، عَنْ عَبْدٍ
اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ أيضًا.
وقوله: ( ((فليتفِل)) ) -هو بكسر الفاء- وحكى الجوهري الضم
أيضًا، وقال: التفل يشبه البزاق، وهو أقل منه، أوله البزاق، ثم
التفل، ثم النفث، ثم النفخ (٢)، وقال بعضهم: هذا مما يغلط فيه،
فيجعلونه بالثاء ويضمون الفعل المستقبل منه، والصواب بالتاء والكسر
(١) برقم (٦٩٨٤).
(٢) ((الصحاح)) ٤/ ١٦٤٤.

٢٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
في المستقبل لا غير. والنفث كالتفل إلا أن النفث نفخ لا بصاق معه،
والتفل معه شيء من الريق.
وقد سلف في حديث أبي قتادة أن التفل ثلاثًا عن شماله،
والأحاديث وردت مرة بالبصاق، ومرة بالتفل، ومرة بالنفث، والمعنى
متقارب كما سلف، ووجه نفثه إخساء الشيطان كما يتفل الإنسان عند
الشيء القذر يراه أو يذكره، ولا شيء أقذر من الشيطان، فأمره بالتفل
عند ذكره، وكونه ثلاثًا مبالغة في إخسائه وكونه عن الشمال؛ لأن
الشرور كلها تأتي عند العرب من جهته، ولذلك سميت الشؤمى،
ولذلك كانوا يتشاءمون بما جاء من قبلها من طائر ووحش أَخذ إلى
ناحية اليمين، فسمى ذلك بعضهم بارحًا، وكانوا يتطيرون منه، وسماه
بعضهم سانحًا وأنه ليس فيه كثير اعتمال من بطش وأخذ وإعطاء وأكل
وشرب، وأصل طريق الشيطان إلى ابن آدم؛ لرعائه إلى ما يكرهه الله
من قبلها.
فصل :
وإنما أمر الشارع إذا رأى ما يحب أن لا يحدث بها إلا من يحب؛
لأن المحب لا يعبرها إلا بخير، والعبارة لأول عابر، ولأنه لا يسوؤه
ما يسر به صديقه، بل هو مسرور بما يسره وغير حريص أن يتأول
الرؤيا الحسنة شر التأويل، ولو أخبر بها من لا يحبه لم يأمن أن
يأولها شر التأويل، فربما وافق ذلك وجهًا من الحق في تأويلها
فتحرج كذلك؛ لقوله القَّ: ((الرؤيا لأول عابر)) (١).
(١) رواه ابن ماجه (٣٩١٥) عن أنس بن مالك، وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن
ما جه)) (٨٤٩).

٢٥١
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
فصل :
وأما إذا رأى ما يكره فقد أمره الشارع بمداواة ما يخاف من ضرها
وتلافيه بالتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، ويتفل عن شماله ثلاثًا،
ولا يحدث بها أحدًا فإنها لن تضره.
قال الداودي: يريد ما كان من الشيطان، وأما ما كان من الله من خير
أو شر (فهو)(١) واقع لا محالة كرؤيا الشارع في البقر والسيف.
قال: وقوله: ( ((ولا يَذْكُرْها لأحد)) ) يدل أنها إن ذكرت فربما
أضرت، وإن كانت من الشيطان كما أن ما ستر له من القول السيَّئ
يضره، وكذلك ما يريه في المنام في الذي يوسوس به في اليقظة،
فمن عصاه ولم يذكر رؤياه واستعاذ بالله من شره وذكر الله لم يضره
ما يكون منه، وقد قال (أبو)(٢) عبد الملك: إن معنى الحلم الذي من
الشيطان: هواه، ومراده لا أنه يفعل شيئًا، وأمره بالتعوذ والتفل؛ لأن
هذا الفعل يرفع الوهم عنه وللوهم تأثير.
فإن قلت: قد سلف من أقسام الرؤيا أنها قد تكون منذرة ومنبهة
للمرء على استعدادِ البلاءِ قبل وقوعه رفقًا من الله بعباده لئلا يقع على
غرة فيقتل، فإذا وقع على مقدمة وتوطين كان أقوى للنفس وأبعد لها
من أذى البغتة، وقد سلف في علم الله إذا كانت الرؤيا الصحيحة من
قبل الله (محزنة)(٣) أن تضر من رآها، فما وجه كتمانها؟
أجاب المهلب: أنه إذا أخبر بالرؤيا المكروهة فيسوء حاله ولم يأمن
(١) ورد في (ص١): فيهما.
(٢) في (ص١): ابن.
(٣) في (ص١): مخزية .

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أن تفسر له بالمكروه فيستعجل الهم ويتعذب (له)(١)، ويترقب وقوع
المكروه فيسوء حاله، ويغلب عليه اليأس من الخلاص من شرها،
ويجعل ذلك نصب عينيه، وقد كان داواه الشارع من هذا البلاء الذي
عجله لنفسه بما أمره به من كتمانها والتعوذ بالله من شرها، وإذا لم
تفسر له بالمكروه بقي بين الطمع والرجاء المجبولة عليه النفس أنها
لا تجزع إما لأنها من قبل الشيطان، أو لأن لها تأويلاً آخر على
المحبوب، فأراد الظّ أن لا تتعذب أمته بانتظارهم خروجها بالمكروه
كأن الرؤيا قد يبطؤ خروجها، وعلى أن أكثر ما يراه الإنسان مما
يكرهه فهو من قبل الشيطان، فلو أخبر بذلك كله لم ينفك دهره دائمًا
من الاهتمام بما لا يؤذيه أكثره، وهذه حكمة بالغة، واحتياط على
المؤمنين، فجزاه الله عنا من نبي خيرًا.
(١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٥٥٨/٩: بها.

٢٥٣
= كِتَابُ التَّعْبِيرِ
٤٧ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ
٧٠٤٦ - حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلاً أَتَّى
رَسُولَ اللهِ بَّه فَقَالَ: إِنَّيْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فيِ المَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ
يَتَكَفَّقُونَ مِنْهَا فَالْسْتَكْثِرُ وَالْمسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الأَرَضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ
أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ
بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ والله لَتَدَعَنِّي
فَأَعْبُرَهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َةَ: ((اعْبُرْ)). قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلَامُ، وَأَمَّ الذِي يَنْطِفُ مِنَ
العَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ، فَالمسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالْمسْتَقِلُّ، وَأَمَّا الشَّبَبُ
الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُغْلِيكَ اللهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ
بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَغدِكَ فَيَغْلُوبِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَغْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ
بِهِ ثُمَّ يُوَضَّلُ لَهُ فَيَغْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِيٍ يَا رَسُولَ اللهِ - بِأَبِي أَنْتَ - أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟. قَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا)). قَالَ: فَوَاللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ.
قَالَ: ((لَا تُقْسِمْ)). [انظر: ٧٠٠٠ - مسلم: ٢٢٦٩ - فتح ١٢ / ٤٣١]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ
وَلَه فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةٌ تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ..
الحديث بطوله، وفي آخره: فقَالَ ﴿ للصديق: ((أَصَبْتَ بَعْضًا
وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا)). قَالَ: فَوَاللَّهِ يا رسول الله لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأُتُ.
قَالَ: (لَا تُقْسِمْ)).
وقد ذكر منه قطعة في باب: رؤيا الليل من الوجه الذي ذكره هنا
سواء (١)، والظلة: السحابة وكل ما أظلك من فوقك من سقيفة
(١) سلف برقم (٧٠٠٠).

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ونحوها ظلة، (قاله الخطابي)(١)، وقال ابن فارس: الظلة أول سحابة
تظل(٢)، وكذا هو في ((الصحاح))(٣)، وبه جزم ابن بطال حيث قال:
الظلة سحابة لها ظل.
و(تنطف): تمطر (٤). قال ابن فارس: ليلة نطوف: تمطر حتى
الصباح(٥).
و(يتكففون): يأخذون منه بأكفهم. قال صاحب ((العين)): تكفف
واستكف إذا بسط كفه؛ ليأخذه(٦).
و(السبب): الحبل والعهد والميثاق قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا
بِحَبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أي: بعهد وميثاق.
قال المهلب: وإنما عبر بالظلة عن الإسلام؛ لأن الظلة نعمة من نعم
الله على أهل الجنة، وكذلك كانت على بني إسرائيل، وكذلك كانت
تظله (العليا)(٧) أينما مشى قبل نبوته(٨)، فكذلك الإسلام يقي الأذى،
(١) من (ص١).
قلت: أنظر: ((أعلام الحديث)) ٢٣٢٦/٤.
(٢) ((المجمل)) ٥٩٩/٢.
(٣) ((الصحاح)) ١٧٥٦/٥.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٩ / ٥٦٢.
(٥) ((المجمل)) ٤/ ٨٧٢.
(٦) أنظر: ((العين)) ٢٨٣/٥.
(٧) من (ص١).
(٨) حدث هذا في سفره مع عمه أبي طالب إلى الشام في خبر بحيرى الراهب كما في
الترمذي (٣٦٢٠) وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والحاكم
٦١٥/٢-٦١٧ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وقال الذهبي: أظنه
موضوعًا فبعضه باطل.
والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٤/٢ -٢٧ جميعًا من حديث أبي موسى الأشعري.

٢٥٥
كِتَابُ التَّعْبِيِ
=
وينعم المؤمن دنيا وأخرى، وأما العسل فإن الله جعله شفاء للناس، وقال
في القرآن: ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] وهو أبدًا حلو على
الأسماع كحلاوة العسل على المذاق، وكذلك جاء في الحديث: إن
في (السمن) (١) شفاء من كل داء (٢). والرجل الذي يأخذ الحبل بعد
رسول الله * الصديق، يقوم بالحق في أمته بعده، ثم يقوم بالحق
بعده عمر، ثم عثمان وهو الذي أنقطع له.
فصل :
اختلف فيما أخطأ؛ فقال المهلب في قوله: (ثم وصل له) حيث زاد
(له)، والوصل لغيره، وكان ينبغي له أن يقف حيث وقفت الرؤيا ويقول:
ثم يوصل على نص الرؤيا ولا يذكر الموصول له، ومعنى كتمانه موضع
الخطأ لئلا يحزن الناس بالعارض لعثمان، فهو الرابع الذي أنقطع له ثم
وصل، أي: وصلت الخلافة لغيره، وأقره عليه ابن بطال(٣) (وغيره) (٤)،
وقال ابن أبي زيد والأصيلي والداودي: الخطأ هو سؤاله أن يعبرها.
وقال بعضهم: أخطأ في ابتدائه بالتعبير بحضرة الشارع، وبه جزم
الإسماعيلي، وكان العَيْئا أحق بالتعبير منه، وقيل أخطأ؛ لأن المذكور
في الرؤيا شيئان: العسل والسمن، وهما القرآن، والسنة تبين القرآن،
حكي عن الطحاوي وتبويب البخاري أشبه بظاهر الحديث حيث قال:
((أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا)). أي: بعض تأويلها.
(١) كذا في الأصل: ولعل الصحيح: (العسل) كما في ((المصنف)) و((سنن البيهقي)).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٢٧/٦ (٣٠٠١١)، والبيهقي في ((السنن))
٣٤٥/٩ عن عبد الله بن مسعود وقال: هذا هو الصحيح موقوف.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٥٦٠.
(٤) من (ص١).

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
وما ترجم به هو تفسير للحديث الذي رواه أبو معاوية عن الأعمش،
عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك أنه العقلية قال: ((الرؤيا لأول
عابر))(١). قال أبو عبيد وغيره من العلماء: إذا أصاب الأول وجه
العبارة وإلا فهي لمن أصابها بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة
الصواب فيما يرى النائم؛ ليتوصل بذلك إلى مراد الله بما ضربه من
الأمثال في المنام فإذا اجتهد العابر وأصاب الصواب في معرفة المراد
بما ضربه الله في المنام فلا تفسير إلا تفسيره، ولا ينبغي أن يسأل
عنها غيره إلا أن يكون الأول قد قصر به تأويله، فخالف أصول
التأويل، فللعابر الثاني أن يبين ما جهله ويخبر بما عنده كما فعل
الشارع بالصديق هنا، ولو كانت الرؤيا لأول عابر سواء أصاب
أو أخطأ ما قال له: ((وأخطأت بعضاً).
وقال الكرماني: لا تعبر الرؤيا عن وجهها الذي رُئيت له عبارة عابر
ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يعبر ما جاءت به نسخته من أم
الكتاب، غير أنه يستحب لمن لم يتدرب في علم التأويل ولا أتسع
في التعبير ألا يتعرض لما قد سبق إليه مَن لا يشك في أمانته ودينه
وليس له من التجربة فوق تجربته.
فصل :
قال ابن قتيبة: لا ينبغي أن يسأل صاحب الرؤيا عن رؤياه إلا عالمًا
ناصحًا أمينًا كما جاء في الخبر عن رسول الله وَله: ((لا تقصص رؤياك
(١) رواه ابن ماجه (٣٩١٥)، من طريق الأعمش، به.
وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٨٤٩).

٢٥٧
= كِتَابُ التَّعْبِيرِ
إلا على عالم أو ناصح أو ذي رأي من أهلك، فإنه يقول خيرًا))(١). وليس
معنى ذلك أن الرؤيا التي يقول عليها خيرًا كانت دلالة على المكروه
والشر، فقد قيل لمالك: (لا يعبر)(٢) الرؤيا على الخير وهي عنده
على الشر؛ لقول من قال: إنها على ما أولت. فقال: معاذ الله،
والرؤيا من أجزاء النبوة، فيتلاعب بالنبوة؟!
ولكن الخير الذي يرجى من العالم والناصح هو التأويل بالحق،
أو يدعو له بالخير ودفع الشر، فيقول: خيرًا لك وشرًا لعدوك. إذا
جهل الرؤيا.
فصل :
وفيه -كما قال المهلب- أن للعالم أن يسكت عن تعبير بعض الرؤيا
إذا خشي منها فتنة على الناس أو غمًّا شاملاً، فأما إن كان الغم يخص
واحدًا من الناس واستفسر العابر فلا بأس أن يخبر بالعبارة؛ ليعد الصبر،
ويكون على أهبته من نزول الحادثة به؛ لئلا تفجأه فتفزعه، وقد فسر
الصديق للمرأة التي رأت (جانب)(٣) بيتها أنكسر فقال: يموت زوجك
وتلدين غلامًا؛ لما خصها من الحزن، وسألت عن التعبير.
فصل :
وقوله: ( ((لا تقسم))) بعد إقسام أبي بكر. قال (الداودي) (٤): أي:
لا تكرر يمينك، وفيه دليل أن أمره العليا بإبرار القسم(٥) خاص وأنه فيما
(١) تقدم تخريجه.
(٢) كذا في الأصل، وفي ((التمهيد)) ٢٨٨/١ (هل يعبر).
(٣) كذا بالأصل وفي (ص١) جائز.
(٤) وقع في الأصل: الصديق. والمثبت من (ص١).
(٥) سلف برقم (١٢٣٩) كتاب: الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
يجوز الأطلاع عليه دون ما لا يجوز، الإبرار منعه العلم فيما أتصل بعلم
الغيب الذي لم يجز الاطلاع عليه.
قلت: وكذا إذا كان فيه ضرر على المسلمين فلا يجوز إبراره، وكذا
إذا أقسم على ما لا يجوز أن يقسم عليه كشرب الخمر والمعاصي ففرض
عليه أن لا يبره.
فصل :
وفيه: أنه لا بأس للتلميذ أن يقسم على أستاذه أن يدعه (يفتي:
الرغبة والتدرب)(١).
وفيه: جواز فتوى المفضول بحضرة الفاضل إذا كان مشارًا إليه
بالعلم والإمامة.
(١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٥٦٢: (يدعه يفتي في المسألة؛ لأن هذا
القسم إنما هو بمعنى الرغبة والتدرب).
-

٢٥٩
= ڪِتَابُ التَّعْبِيرِ
٤٨ - باب تَعْبِيرِ الزُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ
٧٠٤٧ - حَدَّثَنِي مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ عَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ
بِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: ((هَلْ رَأَىْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟)).
قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: ((إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ
آتِيَانٍ، وَإِنَّهُمَا أَبْتَعَثَانِ، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ. وَإِنِّي أَنْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا
أَتَيْنَا عَلَى رَجُلِ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي
بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَغْلَغُ رَأْسَّهُ فَتَهَدْهَدُ الحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ،
فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ
المَرَّةَ الأُولَى. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللهِ! مَا هَذَانٍ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَنْطَلِقْ.
قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلِ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلَّوبٍ مِنْ
حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى
قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ - قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءِ: فَيَشُقُّ - قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى
الجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ
الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ
المَرَّةَ الأُولَى. قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا هَذَاٍ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ.
فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَُّّورِ - قَالَ: فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : - فَإِذَا فِيهِ لَغَطْ
وَأَصْوَاتٌ. قَالَ: فَاطَلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيِهِمْ لَهَبٌّ
مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هؤلاء؟
قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرِ - حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ
يَقُولُ : - أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّم، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ
النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِعُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
يَأْتِي ذَلِكَ الذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ
يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا:
مَا هَذَانٍ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَنْطَلِقِ أَنْطَلِقْ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلِ كَرِيهِ
المَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلاً مَرْأَةً، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا.
قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هذا؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَنْطَلِقِ أَنْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى
رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَى الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا
أَكَادُ أَرِى رَأْسَهُ طُولاً فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرٍ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ
قَطُّ . قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هذا؟ مَا هؤلاء؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَنْطَلِقِ انْطَلِقْ. قَالَ:
فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطَّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ.
قَالَ: قَالَا لِي: أَرْقَ فِيهَا. قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ
ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ المَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا
رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ. وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ.
قَالَ: قَالَا لَهُمُ: أَذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ. قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ
يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ المَحْضُ فِي البَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ
ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ . قَالَ: قَالَا لِي: هذِهِ جَنَّةُ
عَدْنٍ، وَهَذَاَكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ
البَيْضَاءِ . قَالَ: قَالَا لِي: هَذَاَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارََ اللهُ فِيكُمَا،
ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ. قَالَا: أَمَّا الآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلُهُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ
رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هذا الذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ،
أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُتْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ
فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ
شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ
فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ