Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
- ڪِتَابُ الحِيَلِ
به الشقص لا ما نقدته فيه؛ لأنه تجاوز من البائع بعد عقد الصفقة عما شاء
بما وجبت له عليه، وأما مالك فإنما يراعي في ذلك النقد وما حصل في
يد البائع فيه بأخذ الشفيع، ومن حجته في ذلك أنه لا خلاف بين العلماء
أن الاستحقاق والرد بالعيب لا يرجع فيهما إلا بما نقد المشتري، وهذا
يدل على أن المراعاة في أنتقال الصفقات في الشفعة وانتقاضها
بالاستحقاق والعيوب ما نقد البائع في الوجهين جميعًا، وأن الشفعة
في ذلك كالاستحقاق، وهذا هو الصواب(١).
وعبارة الداودي: إنما يشفع بما نقد، وفي ((المدونة)): إذا اشترى
بألف ثم حطه تسعمائة فإن كان سببه أن يكون ثمن الشقص عند
الناس فإنه أستشفع بها وإلا استشفع بالألف، قيل: وإن كان سببه أن
يكون ثمنها خمسمائة أوستمائة شفع بالقيمة (٢) .
فصل :
وأما قول البخاري عن أبي حنيفة: فإن أستحقت الدار رجع
المشتري على البائع بما دفع إليه، فهذا من أبي حنيفة دال أنه قصد
الحيلة في الشفعة؛ لأن الأمة مجمعة، (وأبو حنيفة)(٣) معهم على أن
البائع لا يرد في الاستحقاق، والرد بالعيب إلا ما قبض، فكذلك
الشفيع لا يشفع إلا بما نقد المشتري وما قبضه منه البائع لا بما عقد.
وأما قوله: لأن البيع حين أستحق أنتقض صرف الدينار، فلا يفهم؛
لأن الأستحاق والرد بالعيب يوجب نقض الصفقة كلها، فلا معنى له
إذ الدينار دون عشرة.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٣٠/٨.
(٢) ((المدونة)) ٢١٩/٤.
(٣) من (ص١).

١٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قال المهلب: وجه إدخال البخاري حديث: ((الجار أحق بصقبه)) في
هُذِهِ المسألة، وهو أنه لما كان الجار أحق بالمبيع وجب أن يكون أحق
أن يرفق به في الثمن حتى لا يغبن في شيء، ولا يدخله عنده عروض
بأكثر من قيمتها، ألا ترى أن أبا رافع لم يأخذ من سعد ما أعطاه
غيره من الثمن، ووهبه الجار الذي أمر الله بمراعاته وحفظه وحض
الشارع على ذلك.
فصل :
وقوله اللّه: ((لا داء ولا خبثة ولا غائلة)) دليل على أنه لا احتيال في
شيء من بيوع المسلمين من صرف دينار بأكثر من قيمته ولا غيره. قال
ابن التين: وقرأنا: خبثة بكسر الخاء، وحكي الضم أيضًا. قال الهروي:
الخبثة: أن يكون البيع غير طيب، والغائلة: أن يأتي امرؤ أمراً من حيث
لا يدري به کالتدلیس ونحوه.
فرع: ينعطف على ما مضى: اشترى بألف وزاد مائة شفع بألف؛
لأن الزائد هبة. قال أشهب: وللمشتري أن يرجع على البائع بما زاده
بعد أن يحلف: ما زاد إلا فرارًا من الشفعة. وقال عبد الملك: يشفع
بألف ومائة ولا يتهم المشتري إن يريد إلا صلاح البيع وفيه بعد.
فصل :
قال المهلب: حيلة العامل ليهدى إليه إنما تكون بأن يضع من حقوق
المسلمين في سعايته ما يعوضه من أجله الموضوع له، فكأن الحيلة
إنما هي أن وضع من حقوق المسلمين ليستجزل لنفسه، فاستدل
الشارع على أن الهدية لم تكن إلا لمعوض. فقال: ((فهلا جلس في

١٠٣
كِتَابُ الحِيَلِ
=
بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى إليه أم لا؟» فغلب الظن وأوجب أخذ
الهدية وضمها إلى أموال المسلمين.
فصل :
فيه: أن الهدية إلى العامل سحت ولا تملك عندنا، وكذا الأمير في
إمارته شكرًا لمعروف صنعه أو تحببًا إليه؛ لأنه كآحاد المسلمين لا فضل
له عليهم فيه، لولايته عليهم نال ذلك، فإن استأثر به فهو سحت
كما قررناه، والسحت: كل ما يأخذه العامل والحاكم على إبطال حق
أو تحقيق باطل، وكذلك ما يأخذه على القضاء بالحق.
وروي عنه الثليلة: ((هدايا العمال -وفي لفظ: الأمراء غلول))(١).
والغلول بضم العين معلوم أنه (للموجفة)(٢)، ولمن ذكر معهم،
وعلى هذا التأويل كانت مقاسمة عمر بن الخطاب لعماله على طريق
الاجتهاد؛ لأنهم خلطوا ما يجب لهم في عمالتهم بأرباح تجاراتهم
وسهامهم في الفيء، فلما لم يقف عمر # على حقيقة مبلغ ذلك
اجتهد فأخذ منه نصفه، وقد روي عن بعض السلف أنه قال: ما عدل
من تجر في رعيته، وقد فعله عمر ﴾ أيضًا في المال الذي دفعه
أبو موسى الأشعري # بالعراق من مال الله لابنيه عبد الله وعبيد الله،
أراد عمر أن يأخذ منهم المال وربحه، قال عثمان : لو جعلته
قراضا، أي: خذ منهم نصف الربح. ففعل ورأى أن ذلك صواب (٣).
(١) رواه الإمام أحمد في (مسنده)) ٤٢٤/٥، وصححه الألباني في ((الإرواء)) ٢٤٦/٨
(٢٦٢٢).
(٢) بياض في الأصل، والمثبت من (ص١).
(٣) ((الاستذكار)) ١٢٠/٢١.

١٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقد جاء معاذ بن جبل من اليمن إلى الصديق بأعبدٍ له أصابهم في
إمارته على اليمن، فقال له عمر : أدفع الأعبد إلى أبي بكر ﴾ فأبى
معاذ من ذلك، ثم إن معاذًا رأى في المنام كأنه واقف على نار يكاد أن
يقع فيها، وأن عمر أخذ بحجزته، فصرفه عنها، فلما أصبح قال
لعمر: ما ظني إلا أني أعطي الأعبد أبا بكر. فقال له: وكيف ذلك؟.
قال: رأيت البارحة في النوم كذا، وما أظن ما أشرت به علي في
الأعبد إلا تأويل الرؤيا فدفعها إلى الصديق. (فرأى)(١) أبو بكر
ردهم، فردهم فكانوا عند معاذ، فاطلع يومًا فرآهم يصلون صلاة
حسنة فأعتقهم(٢).
فصل :
اختلف السلف في تأويل قوله تعالى: ﴿أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ﴾ [المائدة:
٤٢] فروي عن مسروق أنه سأل ابن مسعود عنه: أهو الرشوة في الحكم؟
فقال عبد الله: ذلك الكفر وقرأ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال: ولكن السحت أن يستعينك رجل على
مظلمة إلى إمام فهدى إليك هدية(٣).
وقال النخعي: كان يقال: السحت: الرشوة في الحكم. وعن
عكرمة مثله(٤)، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما وثوبان رضي الله
(١) في الأصل: فأبى [من غير نقط] ولعله تحريف، والمثبت من ((ابن بطال)) ٣٣٤/٨
وهو الأنسب للسياق.
(٢) رواه الحاكم ٢٧٢/٣ وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٣) رواه الطبري ٤ / ٥٨١ (١٩٦٨) وابن أبي حاتم ٤/ ١١٣٤ (٦٣٨٢).
(٤) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٤/ ٥٨٠ (١١٩٥٩)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١١٣٥/٤
(٦٣٨٦).

١٠٥
كِتَابُ الحِيَلِ
=
عنه أنه التليف قال: ((لعن الله الراشي والمرتشي))(١).
وفسره الحسن البصري فقال: ليحق باطلًا أو يبطل حقًا، فأما أن
يدفع عن ماله فلا بأس، وهذا خلاف (تأويل)(٢) ابن مسعود.
فصل :
قوله في تأويل حديث أبي حميد: ((يحمل بعيرًا له رغاء)) الرغاء
بالمد: صوت ذوات الخف، يقال: رغا البعير يرغو رغاءً: إذا صاح،
وفي المثل: كفى برغائها مناديًا. أي: أن رغاء بعيره يقوم مقام ندائه
في التعرض للضيافة والقرى.
وقوله: ((أو بقرة لها خوار)). هو بالخاء المعجمة كذا رُويناه؛ لقوله
ج
تعالى: ﴿جَسَدًا لَّهُ خُوَارِ﴾ [الأعراف: ١٤٨] وهو معروف في صياح الثور،
وكذلك الجوار بالجيم، وقال الجوهري عن الأخفش: أنه قرئ به في
الآية(٣). وهو مهموز مثل قوله: ﴿فَإِلَيْهِ تَجَْرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
وقوله: ((شاة تَيْعَرُ)). هو بفتح(٤) العين قال الجوهري: يَعَرَتِ الغنم
تيعرِ بالكسر يعارا بالضم، أي: صاحت، وأنشد:
عريض أريض بات ييعر حوله وبات يسقينا بطون الثعالب
هذا رجل ضاف رجلًا وله عتود ييعر حوله، يقول: فلم يذبحه لنا،
(١) رواه أبو داود (٣٥٨٠)، وصححه الألباني في ((المشكاة)) (٣٧٥٣).
(٢) من (ص١).
(٣) ((الصحاح)) ٦٠٧/٢ مادة (جأر).
(٤) ورد بهامش الأصل: صوابه: بكسر، وكذا قاله المؤلف بدليل ما بعده. [قلت:
والجزم منه بأن الصواب هو الكسر، فيه نظر؛ فقد قال النووي: عين مهملة
مكسروة ومفتوحة. ((شرح مسلم)) ٢١٩/١٢ وقال الحافظ: مهملة مفتوحة ويجوز
كسرها. ((الفتح)) ١٦٦/١٣ وكذا في كتب اللغة فليراجع].

١٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وبات يسقينا لبنًا مذيقًا كأنه بطون الثعالب؛ لأن اللبن إذا أجهد مذقه
أخضر (١)، أي: كثر الماء في خلطه. وقال الفراء وابن فارس: لم
يذكر التشديد(٢)، قال: واليعر: الجدي. وعن الخليل اليعرة: الشاة.
قال: وهو اليعار في الحديث بغير شك، واليعار ليس بشيء، وهو
إنما هو الثغاء وهو صوت الشاة أيضًا، فيجوز أن يكون كتب الجرة
بالهمزة بعد الألف فصارت راء(٣). قال: ولا يكون بعد هذا
مما يشكل؛ لأنه بالثاء والغين المعجمتين (٤).
وقول أبي حميد: (بصر عيني وسمع أذني). أي: أبصرت عيناي
رسول الله صل ناطقا ورافعًا يديه، وسمعت كلامه.
آخر الحيل بحمد اللّه ومَنِّه
(١) ((الصحاح)) ٨٥٩/٢.
(٢) ((المجمل)) ٩٤٢/٢.
(٣) ((العين)) ٢٤٣/٢.
(٤) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: المعجمة، فالثاء لا توصف بالإعجام.

+
*
*
٩١
+
٠
*
الكتاب التَّغبين
،،٧ ٧
[
٠

£

2
(٩١- كَاربُ التَّعَبَيْنِ.
١ - باب أَوَّلُ مَا بُدِئَّ بِهِ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ
٦٩٨٢ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِ
عُزْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهَ مِنَ الوَحْي
الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرِىُ رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكَانَ يَأْتِ
حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهْوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى
خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءِ، فَجَاءَهُ الَلَكُ فِيهِ فَقَالَ:
أَقْرَأْ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي
الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: أَقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَّةَ
حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: أَقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَغَطَّنِي
الثَّالِئَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿ أَقْرَأْ بِأَسِْ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ

١١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حَتَّى بَلَغَ ﴿مَا لَمْ يَعْلَ﴾)) [العلق: ١-٥] فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى
خَدِيجَةَ فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي)). فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ: ((يَا
خَدِيجَةُ، مَا لِي؟)). وَأَخْبَرَهَا الَخَبَرَ وَقَالَ: (قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)). فَقَالَتْ لَهُ: كَلَّا،
أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ،
وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ.
ثُمَّ أَنْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ تَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزِىُ بْنِ
قُصَيٍّ - وَهْوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو أَبِهَا، وَكَانَ أَمْرَأَ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ
الكِتَابَ العَرَبِيَّ فَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا
قَدْ عَمِيَ - فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، أَسْمَغْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ
أَخِي، مَاذَا تَرى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ◌َلِّ مَا رَأَىُ، فَقَالَ وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الذِي أُنْزِلَ
عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعَا أَكُونُ حَيّاً حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
بَثَ: ((أَوَمُخْرِ جِيَّ هُمْ؟)). فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّ عُودِيَ،
وَإِنْ يُدْرِكُنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.
ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُؤُّ، وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ◌َلِ فِيمَا بَلَغَنَا
حُزْنَا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدِى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِزْوَةِ جَبَلٍ
لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ، تَبَدِى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقّاً. فَيَسْكُنُ
◌ِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحِي غَدَا ◌ِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا
أَوْفَى بِذِرْوَةٍ جَبَلٍ تَبَدِى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. [انظر: ٣ - مسلم: ١٦٠ - فتح
١٢/ ٣٥١]
قَالَ ابْن عَبَّاسِ: ﴿فَلِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَضَوْءُ
القَمَرِ بِاللَّيْلِ.

١١١
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
ساق فيه حديث عائشة رضي الله عنها السالف في أول ((الصحيح))
بطوله بزيادة سلف عليها التنبيه هناك(١)، وفي آخره: وقَالَ ابن عَبَّاسٍ
رضي الله عنهما: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ،
وَضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ.
وقد أسلفناه هناك بفوائده فوق الستين فائدة، وسلف هذا التعليق
مسندًا في التفسير، وتقدم قول مجاهد من عند ابن أبي شيبة: ﴿وَعَلَّمْتَنِ
مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]، قال: عبارة الأنبياء(٢).
وفيه: أن المرء ينبه على فعل الخير بما فيه مشقة كما فتل النبي
صَلىالله
وَسَلام
أذن ابن عباس رضي الله عنهما في الصلاة من يساره إلى يمينه، وقد
سلف معنى ((غطّني)). وعبارة الداودي: معنى غطني: صنع بي شيئًا
حتى ألقاني إلى الأرض كمن تأخذه الغشية والحزن(٣) بضم الحاء
وسكون الزاي، وبفتحهما.
وقال أبو عمرو: إذا جاء الحزن في موضع رفع أو جر، ضمت، تقرأ
﴿ وَأَبْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] بالضم لا يجوز الفتح؛ لأنه
في موضع جر، وقال تعالى: ﴿تَفِيضُ مِنَ اٌلَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢]
بالفتح.
وقوله: مؤزرًا، سلف الكلام فيه، ومما لم أذكره هناك ما قاله
القزاز: أحسب أن الألف سقطت من أمام الواو إذ لا أصل لمؤزر
بغير ألف في كلام العرب، إنما هو من مؤازر من وازرته موازرة: إذا
(١) سلف برقم (٣).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ١٨٣ (٣٠٥١٥)، وفيه: الرؤيا، بدل: الأنبياء.
(٣) ورد بهامش الأصل: هذا على ما رواه بعضهم: لا يحزنك الله أبدًا، من الحزن،
وقد تقدم الكلام علیه أول ((الصحيح)).

١١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عاونته، ومنه أخذ وزير الملك، فعلى هذا يقرأ موزرًا بغير همز، وقيل:
هو مأخوذ من الأزر: وهو القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَشْدُدْ بِهِ، أَزْرِى
[طه: ٣١] أي: قوتي، وقيل: ظهري. قال الجوهري: آزرت فلانًا:
عاونته، والعامة تقول: وازرته(١).
وقوله: (تبدى له جبريل). أي: ظهر، غير مهموز، وقوله: (بذروة
جبل) هو بكسر الذال، وقال ابن التين: رويناه بكسر الذال وضمها،
وهو في ضبط كتب اللغة بالكسر.
وقول ابن عباس: وضوء القمر بالليل. قال ابن التين: هو غير
ظاهر، ولعله محمول على أن الإصباح: الضياء، فيكون معناه: ضياء
الشمس بالنهار والقمر بالليل، وإنما أراد البخاري هنا الاستدلال
على تفسير: (جاء مثل (فلق) (٢) الصبح)، والمعنى: أنها تأتي (بينة
مثل ذلك)(٣) في إنارته وإضاءته وصحته. وقال الحسن وعيسى:
الأصباح: جمع صبح(٤)، ومعنى فالق: شاق بمعنى: خالق.
وقوله: (فيسكن لذلك جأشه) قال صاحب ((العين)): إنه النَّفَس(٥).
فصل :
قال المهلب: الرؤيا الصالحة الصادقة قد يراها المسلم والكافر
والناس كلهم، إلا أن ذلك يقع لهم في النادر والوقت دون الأوقات،
وخُص سيدنا رسول الله وَّل بعموم صدق رؤياه كلها ومنع الشيطان أن
(١) ((الصحاح)) ٥٧٨/٢.
(٢) من (ص١ْ).
(٣) من (ص١).
(٤) هي قراءتهما: ((الأصباح)) بفتح الهمزة.
انظر ((شواذ القرآن)) لابن خالويه ص ٤٥، و((البحر المحيط)) لأبي حيان ١٨٥/٤.
(٥) ((العين)) ١٥٨/٦.

١١٣
= كِتَابُ التَّعْبِيرِ
يتمثل في صورته؛ لئلا يتسور بالكذب على لسانه في النوم، والرؤيا جزء
من أجزاء الوحي وكذا قال القاضي عياض عن بعض العلماء أنه قال:
خص الله نبيه بأن رؤية الناس إياه صحيحة على -ما ذكرناه إلى قوله:
في النوم- وكذلك استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة،
ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا
المتصور، فحماه الله من الشيطان ونزغه وكيده، وكذا حمى رؤياه
لأنفسهم.
واتفق العلماء على جواز رؤية البارئ تعالى في المنام وصحتها،
ولو رآه إنسان على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام؛ لأن
(ذلك)(١) المرئي غير ذات الله تعالى، ولا يجوز عليه التجسيم،
ولا اختلاف الأحوال، بخلاف رؤية سيدنا رسول الله وَل﴾ (٢).
فإن قلت: فإن الشيطان قد تسور عليه في اليقظة، وألقى في أمنيته
الَّيْه، قيل: ذلك التسور لم يستقم، بل تلافاه الله وقت في الوقت بالنسخ
وأحكم آياته، وكانت فائدة تسوره إبقاء دليل التنزيه عليه؛ لئلا يغلو
مغلون فيه فيعبدونه من دون الله كما فعل بعيسى وعزير.
فإن قلت: كيف منع الشيطان أن يتمثل في صورته الكئي في المنام،
وأطلق له أن يتمثل ويدعي أنه البارئ تعالى، والصور لا تجوز على
البارئ؟
قيل: سره أنه إنما منع أن يتصور في صورته القفيها الذي هو صورته في
الحقيقة دلالة للعلم وعلامة على صحة الرؤية من ضعفها، وأطلق له أن
(١) كذا بالأصل، وفي ((إكمال المعلم)) (ذات).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢١٩/٧- ٢٢٠ بتصرف. وذلك في شرح حديث (٢٢٦٦) كتاب:
الرؤيا، باب: قول النبي ◌ّلير: ((من رآني في المنام فقد رآني)).

١١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يتصور على ما تصوره، ولا يجوز عليه دلالة للعلم أيضًا وسببًا إليه، لأنه
قد تقرر في نفوس البشر أنه لا يجوز التجسيم على البارئ تعالى، فجاز
أن يجعل لنا هذا الوهم (في النوم) (١) دليل على علم ما لا سبيل إلى
معرفته إلا بطريق التمثيل في البارئ تعالى مرة، وفي سائر الأرباب
والسلاطين مرة؛ وكذلك قال أبو بكر بن الطيب الباقلاني في
(انتصاره)): إن رؤية البارئ تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب
في أمثال لا تليق به تعالى في الحقيقة، وتعالى سبحانه عنها؛ دلالة
للرأي على أنه أمر کان أو یکون كسائر المرئيات(٢). وهذا كلام حسن؛
لأنه لما كان خرق العادة دليلاً على صحة العلم في اليقظة في الأنبياء
بهديها (الحق)(٣)، جعل خروق العادة الجائزة على نبيه بتصور
الشيطان على مثاله بالمنع من ذلك دليلاً على صحة العلم.
فإن قلت: كيف يجب أن تكون الرؤيا إذا رأى فيها البارئ تعالى
صادقة أبدًا، كما كانت الرؤيا التي رأى رسول الله وَلا؟
فالجواب: أنه لما كان تعالى قد يعبر به في النوم على سائر
السلاطين؛ لأنه سلطانهم ويعبر به عن (الأولياء) (٤) والسادة والمالك،
ووجدنا سائر السلاطين يجوز عليهم الصدق والكذب، فأبقيت رؤياهم
على العادة فيهم، ووجدنا النبيين لا يجوز الكذب على أحد منهم،
ولا على شيء من حالهم، فأبقيت (حال)(٥) النبوة في النوم على
ما هي عليه في اليقظة من الصدق برؤية النبي ◌ّ، وإذا قام الدليل
(١) من (ص١).
(٢) أنظر: ((إكمال المعلم)) ٢٢٠/٧.
(٣) في (ص١): الخلق.
(٤) في (ص١): الآباء.
(٥) من (ص١).

١١٥
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
عند العابر على الرؤيا التي نرى فيها البارئ أنه البارئ لا يراد به غيره،
لم يجز في تلك الرؤيا التي قام فيها دليل الحق على الله كذبا أصلاً لا في
مقال ولا في فعال، فتشابهت الرؤيا من حيث أتفقت في معنى الصدق،
واختلفت من حيث جاز غير ذلك، وهذا ما لا ذهاب عنه.
فصل :
سيأتي أن الشيطان لا يتمثل به.
قال المازري: وفيه إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثًا، وأنها
تكون حقًّا، وقد يراه الرائي على غير صفته المنقولة إلينا، كما لو رآه
شخص أبيض اللحية، أو على خلاف لونه، أو تراه رؤيتان في زمن
واحد، أحدهما: بالمشرق، والآخر بالمغرب، ويراه كل منهما معه
في مكانه. وقال آخرون: الحديث محمول على ظاهره، والمراد: أن
من رآه فقد أدركه، ولا مانع يمنع من ذلك، ولا يحيله العقل حتى
يضطر إلى صرف الكلام عن ظاهره، وأما الاعتلال بأنه قد يرى على
غير صفته المعروفة، وفي مكانين مختلفين فإن ذلك غلط في صفاته،
وتخييل لها على غير ما هي عليه، وقد نظن بعض الخيالات مرئيات؛
لكون ما يتخيل مرتبطًا بما يرى في العادة، فتكون ذاته مرئية وصفاته
متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار
ولا (قرب)(١) المسافات، ولا كون (المرئي)(٢) مدفونًا في الأرض
ولا ظاهرًا عليها وإنما يشترط كونه موجودًا، والأخبار دالة على بقائه
(١) في الأصل: (تعرف)، والمثبت من (ص١).
(٢) في الأصول: (الرائي)، والمثبت من ((المعلم)) ٢٩٦/٢، وهو المصدر المحكي
عنه، وهو الصواب.

١١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فيكون أختلاف الصفات المتخيلة يمر بها اختلاف الدلالات، وقد ذكر
الكرماني(١): أن من رآه شيخًا فهو عام سلم، أو شابًا فهو عام حرب،
وذلك أحد أجوبتهم عنه لو رأى أنه (أمر)(٢) بقتل من لا يحل قتله، فإن
ذلك من الصفات المتخيلة لا المرئية.
وجوابهم الثاني يمنع وقوع مثل هذا، ولا وجه عندي لمنعهم إياه مع
قولهم في تخيل الصفات، فهذا انفصال هؤلاء عما احتج به القاضي،
وللمسألة تعلق بغامض الكلام في الإدراكات وحقائق متعلقاتها،
وبسطه خارج عما نحن فيه(٣).
فصل :
لا يفتك أن المنام جعله الله رحمة ليستريح بدنه من تعبه (ودونه) (٤)
ونصبه، لما علم تعالى عجز الروح عن القيام بتدبير البدن دائمًا، والنوم
هو أبخرة تحيط بالروح القائم بالبدن فتحجبه عن التدبير، وما هو في
المثال كالملك إذا حجب نفسه عن تدبير مملكته؛ ليستريح ويستريح
أعوانه في وقت حجبه، وفيه تسخن الباطن وإجادة الهضم، وإذا أفرط
فلا تكون الرأس بالاختلاط ترطب الجسوم أو ترخها وتطفئ الحر
(١) قلت: ليس هو الكرماني شارح ((صحيح البخاري)) فهذا توفي في سنة ست وثمانين
وسبعمائة، والناقل عنه هنا في الأصل هو المازري. وعنه نقل المصنف رحمه الله،
والمازري توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة، فلا يصح نقله عنه، ولعله إبراهيم
ابن عبد الله بن محمد الكرماني الأصبهاني، المشهور بابن خرشيذ قُوله، ولد سنة
سبع وثلاثمائة، ودخل بغداد، وعاصر المهدي وفسر الرؤيا، توفي سنة أربعمائة.
أنظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٦٩/١٧ (٣٧).
(٢) من (ص١).
(٣) أنتهى من ((المعلم بفوائد مسلم)) للمازري ٢٩٥/٢-٢٩٦.
(٤) كذا رسمها بالأصل.

١١٧
= كِتَابُ التَّعْبِيرِ
الذي فيها. كما ذكره ابن سينا في ((أرجوزته)) ومن الحكمة الإلهية جعله
حين غيبة الروح المدبر ثلاثة أنفس، وتسمى القوى قوة التخيل والفكر
والذكر، ومن حكمه أيضًا أن اليقظة ما إن تُمكّن يعرف الإنسان كل
ما يحدث في الوجود كل وقت إذ لو كان ذلك كذلك؛ لتساوى الناس
بالصالحين بخلاف النوم.
٠
فصل :
والرؤيا قسمان: صحيح وفاسد، فالأول: ما كان ضمن اللوح
المحفوظ، وهو الذي تترتب عليه الأحكام، والثاني: لا حكم له،
وهو خمسة أقسام: حديث النفس: بأن يحدث في اليقظة نفسه بشيء
فيراه في المنام، أو من غلبة الدم، أو من غلبة الصفراء، أو غلبة
البلغم، أو السوداء.
(فصل)(١) :
قال المازري: قد أكثر الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير أهل
الإسلام أقاويل كثيرة منكرة لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم
بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت لذلك
مقالاتهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميعها إلى غليظ الأخلاط،
وهذا مذهب وإن جوزه العقل فإنه لم يقم عليه دليل، ولا أطردت به
عادة، والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة، هذا لو نسبوا ذلك
إلى الأخلاط على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها فإنا
نقطع بخطأهم، وسيأتي بقية كلامه في باب الرؤيا الصالحة(٢).
(١) من (ص١).
(٢) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٢/ ٢٩٠-٢٩١.

١١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
فصل :
ذكر الإمام أبو محمد عبد المعطي بن أبي الثناء محمود في كتابه
((مقامات الإيمان والإحسان)) أن النوم تارة يكون نوم غفلة، وتارة
يكون نوم جهل عن العلم، وتارة يكون نوم فترة وشغل، وتارة يكون
نوم راحة.
فصل :
الرؤيا أيضًا تنقسم على أنواع أربعة: محمودة ظاهرًا وباطنًا، كمن
يرى أنه كلم البارئ تعالى، أو أحدًا من الأنبياء في صفة حسنة وبكلام
طيب، وعكسه كمن يرى أن حية لدغته أو نارًا أحرقته وشبهه، ومحمودة
ظاهرًا لا باطنًا كسماع الملاهي وشم الأزهار، وعكسه كمن يرى أنه
ينكح أمه أو يذبح ولده.
وروى أبو هريرة # مرفوعًا: الرؤيا ثلاث: رؤيا (ترى)(١) من الله،
ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه، ورؤيا تُحزن من الشيطان، وسيأتي في
باب القيد في المنام الخلف في وقفه وإرساله(٢).
فصل :
الغالب في الرؤيا الجيدة تأخير تفسيرها بخلاف الرديئة وربما
كانت له أو لغيره، وربما لا تكون له ولا لمن رئيت له، لكنها تكون
لغيره من أقاربه أو معارفه، وربما رأى في نومه أشياء ودلالتها على
شيء واحد وبالعكس، وربما كان للرائي وحده، وربما كان لمن
یحکم علیه.
(١) من (ص١).
(٢) أنظر الحديث الآتي برقم (٧٠١٧) وشرحه.

١١٩
كِتَابُ التّعْبِيرِ
=
فصل :
المنام أيضًا يختلف باختلاف اللغات والأديان والأزمان والصنائع
والعادات والمعايش والأمراض والموت والحياة.
فائدة :
قال ابن سيده: يقال: عبر الرؤيا يعبرها (عبرًا وعبارة، وعبرها:
فسرها وأخبر بآخر ما يؤول إليه أمرها، واستعبره إياها: سأله
تعبيرها)(١)(٢). وقال الأزهري عن أبي الهيثم: العابر الذي ينظر في
الكتاب فيعبره، أي: يعبر بعضه ببعض حتى يقع فهمه عليه، ولذلك
قيل: عبر الرؤيا وأعبر فلان كذا، وقال غيره: أخذ هذا كله من العبر
وهو جانب النهر، وفلان في ذلك العبر. أي: في ذلك الجانب،
وعبرت النهر والطريق عبورًا إذا قطعته من هذا الجانب إلى ذلك
الجانب، فقيل لعابر الرؤيا: (عابرًا)(٣)؛ لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا
وأطرافها، ويتدبر كل شيء منها ويُمضي فكره فيها من أول رؤياه إلى
آخرها(٤).
وقال القزاز في ((جامعه)): كأن عابر الرؤيا جاز المثل إلى التأويل؛
لأن الرؤيا إنما هي مثَل يُضرب لصاحبها فإذا عبرها المعبر فقد جاز ذلك
المثل إلى معناه. وقال قوم: إنما معناه: أنه يخرجها من حال النوم إلى
ما يحب من اليقظة، وقد عبرها فهو عابر وعبرها فهو (معبر)(٥).
(١) ((المحكم)) ٩٣/٢.
(٢) من (ص١).
(٣) كذا في الأصل، والجادة: عابرٌ برفعها على أنها خبر أو نائب فاعل لـ(قيل)، والله أعلم.
(٤) ((تهذيب اللغة)) ٢٣٠٥/٣.
(٥) من (ص١)، وفي الأصل: معبور. قلت: أنظر: ((المحكم)) ٩٣/٢.

١٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعند الهروي: العابر الناظر في الشيء. ومنه قول ابن سيرين: إني
اعتبرت الحديث.
يريد: أنه اعتبر الرؤيا عن الحديث ويجعله اعتبارًا كما يعتبر القرآن
في تعبير الرؤيا يقال: هو عابر الرؤيا وعابر للرؤيا، وعبرتها وعبّرتها
واحد.