Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
=
وذكر ابن حزم خلافًا (مستترًا)(١) في المسألة فقال: اختلف الناس
في حكم المرتد، فقالت طائفة: لا يستتاب، وقالت طائفة: يستتاب
وفرقت طائفة بين من أسر ردته وبين من أعلنها، وفرقت طائفة بين من
ولد في الإسلام ثم ارتد وبین من أسلم بعد کفره ثم آرتد.
أما من قال لا يستتاب فانقسموا قسمين، فقالت طائفة: يقتل تاب
أو لم يتب، راجع الإسلام أو لم يراجعه، وقالت طائفة أخرى: إن بادر
فتاب قبلت توبته وسقط عنه القتل وإن لم تظهر توبته أنفذ عليه القتل،
وأما من قال يستتاب فإنهم أنقسموا أقسامًا، طائفة قالت: يستتاب
أربعين يومًا فإن تاب وإلا قتل. وطائفة قالت: يستتاب شهرين فإن
تاب وإلا قتل. وقالت أخرى: (نستتيبه)(٢) مرة فإن تاب وإلا قتلناه.
وقالت أخرى: ثلاث مرات. وقالت أخرى: ثلاثة أيام. وقالت
أخرى: شهرًا(٣).
وروي عن مالك، والمشهور عنه: ثلاثة أيام(٤) وهو أحد قولي
الشافعي(٥)، وقالت أخرى: مائة مرة. وقالت أخرى: يستتاب أبدًا
ولا يقتل .
فأما من فرق بين المسر والمعلن، فقالت طائفة: من أسر ردته قتلناه
دون استتابة ولم تقبل توبته، ومن أعلنها قبلناها. وقالت أخرى: إن أقر
المسر وصدق البينة قبلت توبته، وإن لم يقر ولا صدق البينة قتلناه ولم
(١) في (ص١) (معتبرًا).
(٢) في (ص١): يستتاب.
(٣) ((المحلى)) ١٨٨/١١-١٨٩.
(٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٩١/١٤.
(٥) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٧٦/١٠.

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
تقبل توبته، قال هؤلاء: وأما المعلن فتقبل توبته. وقالت طائفة أخرى:
لا فرق بين المسر والمعلن في شيء من ذلك، فطائفة قبلت توبتهما معًا
أقر المسر أو لم يقر، وطائفة لم تقبل توبة مسر ولا معلن.
قال: واختلفوا في الذمي أو الحربي يخرجان من كفر إلى كفر،
فقالت طائفة: يتركان على ذلك ولا يمنعان منه، وهو قول أبي حنيفة
ومالك(١). وقالت أخرى: لا يتركان على ذلك أصلا ثم افترق هؤلاء
على فرقتين؛ فقالت فرقة: إن رجع الذمي إلى دينه الذي خرج منه
ترك، وإلا قتل، (ولا يترك على الدين الذي خرج إليه)(٢)، ولا يمكن
من (الخروج)(٣) إلى الدين الذي خرج منه.
قال الشافعي وأصحابنا: لا يقر على ذلك. ثم اختلف قول
الشافعي، فمرة قال: إن رجع إلى الكفر الذي كان عليه ترك، وإلا قتل
إلا أن يسلم. ومرة قال: لا يقبل منه الرجوع إلى الدين الذي خرج منه
لا بد له من الإسلام أو السيف، وهو ظاهر حديث الباب ((من بدل دينه
فاقتلوه)).
قال ابن حزم وبه يقول أصحابنا: أحتج لأبي حنيفة ومن تبعه بقوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وقال أيضًا:
﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ [الكافرون: ١] قالوا: فقد جعل الله الكفر كله دينًا
واحدًا، وقال تعالى: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فمتى أجبر
على الرجوع إلى بلاد الإسلام فقد أكره، وإن أجبر على الرجوع إلى
دينه ودين الكفر فقد أجبر على اعتقاد الكفر، قالوا: واعتقاد جواز
(١) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٠٨/٣.
(٢) في الأصل عبارة غير واضحة، والمثبت من (ص١).
(٣) في (ص١): الرجوع.

٥٢٣
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
=
هُذا كفر، ولقائل أن يقول: قوله تعالى: ﴿بَعْضُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:
٧٣] نحن نعلم ولاية بعضهم لبعض، وليس فيها إقرارهم ولا حكم
قتلهم ولا ما يفعل بهم أصلًا، وكذلك قوله: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
[الكافرون: ١] ليس فيها إلا أنا مباينون لجميع الكفار بالعبادة،
والدين، وليس فيها شيء من أحكامهم، وقال تعالى مخاطبًا لنا ﴿وَمَنْ
يَتَوَلَُّ قِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] فمن تولاهم منا فهو منهم كقوله
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] فهلا تركوا المرتد إليهم منا على
ردته، وإخبار الله أنه منهم، فإن لم تكن هذه الآية حجة في إقرار
المرتد منا إليهم على ذلك قالوا: ليسا بحجة، وأما آية الإكراه فلا حجة
لهم فيها؛ لأنه لم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذِه الآية الكريمة
ليست على ظاهرها؛ لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه، فمن
قائل: يكره ولا يقتل، ومن قائل: (يكره)(١) ويقتل.
فإن قالوا: خرج المرتد منا بدليل آخر عن حكم هذِه الآية، وإلا فهو
كما قلتم، وإن المحتجين بقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]
(١)﴾ [الكافرون: ٦] في أن الكفر كله شيء
وبقوله: ﴿لَكُمْ دِيْئُكُمْ وَلَِ دِينِ
واحد .
وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فغير
جيد؛ لأنها منسوخة بقوله: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
فإن احتجوا بما روي عن علي # أنه رفع إليه أن يهوديًّا أو نصرانيًا تزندق
فقال: دعوه تحوَّل من دين إلى دين. قيل لهم: هذا لا يصح؛ لأن
ابن جريج قال فيه: حُدثت عن علي ، ولو لم يقله لعلمنا أن حديثه
(١) في (ص١): بكفره.

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عنه منقطع؛ لأنه لم يوجد إلا بعد سنين كثيره من (موت)(١) علي ﴾(٢).
فصل :
واختلف في ميراث المرتد كما سلف في الفرائض، فقال علي :
هو لولده من المسلمين(٣)، وعن ابن مسعود مثله(٤)، وبه قال الليث بن
سعد وإسحاق، وقال الأوزاعي: إن قتل في أرض الإسلام فماله لورثته
من المسلمين(٥).
وقالت طائفة: إن كان له وارث على دينه فهو أحق به، وإلا فماله
لورثته من المسلمين كما روينا عن إسحاق بن راشد أن عمر بن عبد العزيز
كتب في رجل من المسلمين أسر فتنصر أن زوجته ترث منه وتعتد ثلاثة
قروء، ويدفع ماله إلى ورثته من المسلمين لا أعلمه، قال: إلا أن يكون
له وارث على دينه في أرضه فهو أحق به. وقالت طائفة: ميراثه لأهل دينه
فقط، رويناه عن قتادة. وقال ابن جريج: الناس فريقان منهم من يقول:
ميراث المرتد للمسلمين؛ لأنه ساعة يكفر يوقف فلا يقدر منه على شيء
حتى ينظر أيسلم أم يكفر، منهم النخعي والحكم بن (عتيبة)، وفريق
يقول: لأهل دينه. وقالت طائفة: إن راجع الإسلام فماله له، وإن
قتل فماله لبيت المال لا لورثته من الكفار، قاله ربيعة ومالك وابن
أبي ليلى والشافعي (٦) .
(١) في (ص١): وفاة.
(٢) ((المحلى)) ١٨٩/١١ - ١٩٧.
(٣) (مصنف عبد الرزاق)) ١٠٦/٦ (١٠١٤٣).
(٤) المصدر السابق ١٠/ ٣٤٠ (١٩٢٩٧)، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٨١/٦ (٣١٣٧٤).
(٥) أنظر: ((الحاوي الكبير) ١٤٥/٨.
(٦) ((المحلى)) ١١/ ١٩٧.

٥٢٥
ـ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
وقالت طائفة: إن راجع الإسلام فماله له، وإن قتل فماله لورثته من
الكفار، قال بهذا الظاهريون(١). وقال أبو حنيفة: إن قتل فماله لورثته من
المسلمين وترثه زوجته كسائر ورثته، وإن فر ولحق بدار الحرب وترك
ماله عندنا، فإن القاضي يقضي بذلك ويعتق أمهات أولاده ومدبره،
ويقسم ماله بين ورثته من المسلمين على كتاب الله، فإن جاء مسلمًا
أخذ من ماله ما وجد في أيدي ورثته، ولا ضمان عليهم فيما
استهلكوه، هذا فيما كان بيده قبل الردة، وأما ما أكتسبه في حال ردته
ثم قتل عنه أو مات فهو فيء للمسلمين.
وقالت طائفة: مال المرتد ساعة يرتد لجميع المسلمين قتل أو مات
أو لحق بأرض الحرب أو راجع الإسلام، كل ذلك سواء، قال به
أصحاب مالك فيما ذكره ابن شعبان عن أشهب(٢) (وغيره)(٣) فإن
اختار رجل أرض الحرب أيصير بذلك مرتدًّا أم لا، ولذلك اعتضدنا
بأهل الحرب على المسلمين وإن لم يفارق دار الإسلام، قال الطلبية:
((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)) (٤) وهو لا يبرأ
إلا من كافر، فأما إن كان فراره إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم
يحارب المسلمين ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره
فلا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره، وقد ذكر أن ابن شهاب كان [عازمًا](٥)
على أنه إذا مات هشام بن عبد الملك يلحق بأرض الروم؛ لأن
(١) المصدر السابق.
(٢) ((المحلى)) ١٩٨/١١.
(٣) من (ص١).
(٤) أبو داود (٢٦٤٥)، الترمذي (١٦٠٤)، وقال الترمذي: سمعت محمدًا يقول:
الصحيح حديث قيس عن النبي ◌َّ مرسل.
(٥) ساقطة عن الأصول، والمثبت من ((المحلى)) ٢٠٠/١١.

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الوليد بن یزید کان نذر دمه إن قدر علیه، فمن کان هکذا فهو معذور،
وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان
والروم من المسلمين، فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل
ظهر وقلة مال، أو لضعف جسم، أو الامتناع طريق فهو معذور، فإن
كان هناك مجاورًا للكفار لخدمة أو كتابة فهو كافر، وإن كانت إقامته
هناك لدنيا وهو يقدر على اللحاق بالمسلمين فما يبعد عن الكفر،
وليس كذلك من سكن في طاعة أهل الكفر من العالية وممن جرى
مجراهم؛ لأن أرض مصر والقيروان وغيرهما فالإسلام عندهم ظاهر،
وهم على ذلك (لا يجاهرون)(١) بالبراءة من الإسلام، بل وإلى
الإسلام ينتمون، وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفار.
وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا فهو كافر بلا شك؛ لأنهم
معلنون بالكفر وترك الإسلام، وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض
الأهواء المخرجة إلى الكفر فليس بكافر؛ لأن اسم الإسلام هو الظاهر
هناك من توحيد وإقرار بالرسالة وإقامة شرائع الإسلام، يؤيد هذا أنه
الَّئ استعمل عماله على خيبر وهم كلهم يهود، وإذا كان أهل الذمة
في مدائنهم لا يمازجهم غيرهم، فلا يسمى الساكن فيهم لإمارة عليهم
أو لتجارة بينهم كافرًا، ولا مسيئًا بل هو محسن مسلم، ودارهم دار
إسلام لا دار شرك؛ لأن الدار إنما تنسب إلى الغالب عليها والحاكم
عليها والمالك لها، ولو أن كافرًا (مجاهرًا)(٢) غلب على دار من حد
الإسلام وأقر المسلمين بها على حالهم إلا أنه (هو)(٣) المالك المنفرد
(١) في الأصول: مجاهرون، والمثبت من ((المحلى)) ٢٠٠/١١، وهو الأليق بالسياق.
(٢) كذا بالأصول، وفي ((المحلى)): مجاهدًا.
(٣) من (ص١).

٥٢٧
= كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
بها، وفي ضبطها وهو معلن بدين غير الإسلام كفر من بقي معه أو عاونه،
وإن أدعى أنه مسلم، وأما من حملته الحمية من أهل الثغر من المسلمين
فأتى بالمشركين الحربيين وأطلق أيديهم على قتل من خالفه من المسلمين
أو على أخذ أموالهم أو سبيهم فإن كانت يده هي الغالبة وكان الكفار له
كالأتباع فهو هالك في غاية الفسوق، ولا يكون بذلك كافرًا؛ لأنه لم
يأت شيئًا أوجب عليه كفرًا من قرآن أو إجماع، فإن كان حكم الكفار
جاريًا عليه فهو بذلك كافر، فإن كانا متساويين لا يجري حكم
أحدهما على الآخر، فما تراه بذلك كافرًا(١).
وقال ابن التين: اختلف عندنا في الميراث على ثلاثة أقوال، فقال
مالك: يرثه ورثته من المسلمين.
وقال أيضًا: لا يرثونه وميراثه لجميع المسلمين، وبه قال المغيرة
وأشهب وابن عبد الحكم وابن نافع وعبد الملك وسحنون قالوا :
(سبيل)(٢) ماله سبيل دمه(٣).
وقال ابن القاسم: إن أعترف وتاب ولم تقبل توبته وقُتل لم يرثه
ورثته، وإن جحد فقتل أو مات قبل أن يظهر عليه ورثوه. وفي كتاب
محمد لمالك فيمن أعترف أن أباه مات على الزندقة وأنه كان يعبد
الشمس قال: يرثه .
فصل :
ولد المرتد إن كان كبيرًا فحكمه حكم نفسه لا حكم أبيه، وكذا إن
(١) انتهى من ((المحلى)) ١٩٤/١١-٢٠١ بتصرف.
(٢) من (ص١).
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٥٢٢/١٤-٥٢٣.

٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
كان صغيرًا؛ لأنه قد صح له عقد الإسلام إذ ولد وأبوه مسلم، فلا يكون
مرتدًّا بارتداد أبيه، ولا أعلم فيه خلافًا كما قال ابن بطال(١)، فإن أدعى
الكفر عند بلوغه أستتيب فإن تاب وإلا قتل.
فصل :
قال الداودي: وإحراق عليٍّ الزنادقة ليس بخطأ؛ لأنه العمليه قال لقوم
أخرجهم: ((إن لقيتم فلانًا وفلانًا (فأحرقوهم)(٢) بالنار)) ثم قال:
((إن لقيتموهما فاقتلوهما، فإنه لا ينبغي أن يعذب بعذاب الله))(٣) ولم
يكن القَّ يقول في الغضب والرضا إلا حقًّا، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ
عَنِ الْمَوَ ﴾﴾ [النجم: ٣].
فصل :
قوله في حديث أبي موسى: (كأني أنظر إلى سواكه تحت شفته
قلصت) أي: أنضمت وارتفعت.
وقوله: (فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي
ما أرجو في قومتي) أي: أحتسب فيها من الثواب؛ لأني أقوم بها
على القيام.
وفيه: المجازاة على النية، وقد جاء: ((نية المؤمن خير من عمله)) (٤)
يعني: أنه ينوي ما لم يبلغه عمره.
(١) ((شرح ابن بطال) ٥٧٩/٨، ٥٨٠.
(٢) كذا في الأصل، وأعلاها (كذا).
(٣) سلف برقم (٢٩٥٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: التوديع.
(٤) سبق تخريجه.

٥٢٩
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
-
فصل :
الزنديق: بكسر الزاي: فارسي معرب وجمعه: زنادقة. قال سيبويه:
الهاء في زنادقة بدل من ياء زنديق(١). والاسم الزندقة، قال ثعلب: ليس
زنديق من كلام العرب إنما يقولون زندق، وزندقي: إذا كان شديد
البخل، وفي ((الصحاح)): الزنديق من الثنوية(٢) أي: الذين يزعمون
أن مع الله إلهًا ثانيًا -جل وتعالى عن ذلك- واختلف عندنا في حقيقته
هل هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، أو الذي لا ينتحل دينًا .
وادعى بعضهم أن المشهور الأول، لكن هذا هو المنافق فالأقرب
الثاني.
(١) ((الكتاب)) ٢٩٣/١-٢٩٤.
(٢) ((الصحاح)) ١٤٨٩/٤.

٥٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣- باب قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الفَرَائِضِ
وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ
٦٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَا تُؤُفِيَ النَّبِيُّ بَةِ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو
بَكْرٍ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّةِ: ((أُمِرْ تُأَنْأُقَاتِلَ النَّاسَحَتَِّيَقُولُوا: لاَ إله إِلَّ اللهُ. فَمَنْ قَالَ: لاَ إله إِلَّ اللهُ.
عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ؟!)). [انظر: ١٣٩٩ - مسلم: ٢٠-
فتح ١٢/ ٢٧٥]
٦٩٢٥ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: والله لأقَّاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ
اَالِ، والله لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌َّه لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ
عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ
الحقُّ. [انظر: ١٤٠٠ - مسلم: ٢٠ - فتح ١٢ /٢٧٥]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ ﴾ في المرتدين الذي سلف في الزكاة،
ولا شك من أبى قبول الفرائض حكمه مختلف فيه، فمن أبى أداء الزكاة
وهو ما ذکر في حدیث الباب- وهو مقر بوجوبها، فإن کان بين ظهرانينا
ولم يطلب حربًا ولا أمتنع بالسيف فإنها تؤخذ منه قهرًا وتدفع للمساكين
ولا يقتل.
واختلف في الإجزاء، والمشهور عندنا أن الإمام إذا أخذها ونوى
أجزأت، وهو المعروف من مذهب مالك خلافًا لابن الوراق البغدادي
منهم؛ لانتفاء النية منه والأعمال لا توجد إلا بها(١).
(١) أنظر: ((عيون المجالس)) ٥٠٢/٢، ((الذخيرة)) ١٣٥/٣، ((الأم)) ٢٢/٢، ((النجم
الوهاج)) للدميري ٣/ ٢٥٧.

٥٣١
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
قال مالك في ((الموطأ)): الأمر عندنا فيمن منع فريضة فلم يستطع
أخذها منه كان حقًّا عليهم جهاده حتى يؤخذ منه(١) ومعناه إذا أقر
بوجوبها لا خلاف في ذلك، وإنما قاتل الصديق مانعي الزكاة؛ لأنهم
امتنعوا بالسيف ونصبوا الحرب للأمة.
وأجمع العلماء أن من نصب الحرب في منع فريضة أو منع حقًّا
يجب عليه لآدمي أنه يجب قتاله، فإن أبى القتل على نفسه فدمه هدر(٢).
وأما الصلاة فمذهب الجماعة أن من تركها جاحدًا (كان مرتدًّا)(٣)
فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك جحد سائر الفرائض.
واختلفوا فيمن تركها تكاسلًا، وقال: لست أفعلها. فمذهبنا إذا ترك
صلاة واحدة حتى أخرجها عن وقتها - واعتبر الجمهور وأصحابه وقت
الضرورة- فإنه يقتل بعد الاستتابة إذا [أصر](٤) على الترك، والصحيح
عندنا أنه يقتل حدًّا لا كفرًا(٥).
ومذهب مالك أنه يقال له: صل، ما دام الوقت باقيًا، فإن صلى
ترك، وإن أمتنع حتى خرج الوقت قتل، ثم اختلفوا، فقال بعضهم:
يستتاب، فإن تاب وإلا قتل(٦).
وقال بعضهم: يقتل لأن هذا حد لله تعالى يقام عليه لا تسقطه
التوبة بفعل الصلاة، وهو بذلك فاسق كالزاني والقاتل لا كافر وهو
مذهبنا كما سلف.
(١) ((الموطأ)» ص ١٨٢.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) ٢٣١/٩، ((الحاوي)) للماوردي ٧٣/٣.
(٤) في الأصل: (أسر).
(٣) في (ص١): فهو مرتد.
(٥) انظر: ((الأم)) ٢٢٥/١، ((الحاوي الكبير)) ٥٢٥/٢.
(٦) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٣٦/١٤، ((عيون المجالس)) ٤٤٥/١.

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: لا يقتل بوجه ويخلى بينه وبين
الله(١)، والمعروف من مذهب الكوفيين أن الإمام يعزره حتى يصلي،
وقال أحمد: تارك الصلاة مرتد كافر، وماله فيء، ويدفن في مقابر
المشركين، وسواء ترك الصلاة جاحدًا لها أو تكاسلًا(٢). ووافق
الجماعة في سائر الفرائض، أما إذا تركها لا يكفر، وقام الإجماع
على أن تارك الصلاة يؤمر بفعلها، والمرتد لا يؤمر بفعل الصلاة،
وإنما يؤمر بالإسلام ثم الصلاة، واحتجوا بقوله العليا: ((خمس
صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء منهن فلم يضيع منهن شيئًا
استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت
بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة)) أخرجه
مالك في ((الموطأ)) وأبو داود واللفظ له، وابن ماجه من حديث
عبادة بن الصامت ﴾(٣)، وصححه أبو حاتم وابن حبان، وقال ابن
عبد البر: حديث صحيح ثابت (٤).
فدل الحديث أنه ليس بكافر؛ لأن الكافر لا يدخل الجنة، قال
ابن أبي زيد: وحجته أيضًا إجماع الأمة على الصلاة عليه ووراثته
بالإسلام ودفنه مع المسلمين، وقد أسلفنا عن أحمد أنه لا يورث
(١) نقله القاضي عبد الوهاب في ((عيون المجالس)) ٤٤٦/١، والرافعي في ((العزيز))
٢/ ٤٦٢.
ولم أقف عليه في كتب الحنيفية التي بين يدي، ولعل هذه النسبة إليه غير صحيحة
حتى إن القاضي عبد الوهاب قال بعد أن أورد هذا القول: وظاهر مذهبه أن الإمام
يعزره حتى يصلي.اهـ
(٢) ((مسائل أحمد برواية عبد الله)) ص ٥٥، ((الانتصار)) ٦٠٣/٢، ((المغني)) ٣٥٤/٣.
(٣) أبو داود (١٤٢٠) ابن ماجه (١٤٠١)، ((الموطأ)) ص٩٦.
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ٢٣/٥ (١٧٣٢)، ((التمهيد)) ٢٨٨/٢٣.

٥٣٣
= كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
ويدفن في مقابر المشركين، وحجة الأول قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ
اُلْضَّلَوَةَ وَءَاتَوْأْ الزَّكَوَةَ﴾ الآية [التوبة: ٥]، فأمر بقتلهم إلا أن يتوبوا،
والتوبة هي اعتقاد الإسلام الذي من جملته اعتقاد وجوب الصلاة
وسائر العبادات، ألا ترى قول الصديق: (والله لأقتلن من فرق بين
الصلاة والزكاة)، فلم ينكر ذلك عليه أحد ولا قالوا: لا تشبه الصلاة
الزكاة.
(وفي أفراد مسلم من حديث جابر إلى رسول الله وَله: ((إن بين
الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))(١)(٢). وذكره ابن بطال
بلفظ: ((ما بين الإيمان والكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر))(٣)؛
وهذه الزيادة الأخيرة معروفة من حديث بريدة ه عن النبي وَلّ قال:
((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) أخرجه النسائي
والترمذي وقال: حسن صحيح وابن حبان والحاكم، وقال صحيح
الإسناد ولا يعرف له علة، قال: وله شاهد على شرطهما فذكره عن
شقيق، عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله مَّ لا يرون من
الأعمال شيئًا تركه كفر غير الصلاة، وروى هذا الترمذي عن
شقیق(٤)(٥)، وحديث عبادة يرد به على أحمد.
(١) من (ص١).
(٢) مسلم (١٣٤/٨٢) كتاب: الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك
الصلاة.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٥٧٨/٨.
(٤) ورد بهامش الأصل: إنما هو عن عبد الله بن شقيق فيما أخرجه ...
(٥) الترمذي (٢٦٢١)، وعن عبد الله بن شقيق (٢٦٢٢)، والنسائي ٢٣١/١ -٢٣٢،
وابن حبان ٣٠٥/٤ (١٤٥٤)، والحاكم ٦/١-٧.

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد ثبت أن الكافر یدخل النار لا محالة، فلا يجوز أن يقال فيه مثل
هذا، فعلمنا أنه الكشف قصد من تركها متكاسلا لا جاحدًا، ولا حجة
لأحمد في إبائة إبليس من السجود وصار بذلك كافرًا؛ لأنه عاند الله
واستكبر ورد عليه أمره مجاهرًا بالمعصية لله، فهو أشد من الجاحد
أو مثله؛ لأنه جحدها واستيقنتها نفسه.
فرع :
روى ابن القاسم عن مالك: من قال لا أحج فلا يجبر على ذلك،
وليس كمن قال لا أتوضأ ولا أصلي ولا أصوم رمضان، فإن هذا
يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، كقوله: لا أصلي (١).
والفرق بين الحج وسائر الفرائض أن الحج لا يتعلق وجوبه بوقت
معين، وإنما هو على التراخي والإمهال إلى الاستطاعة، وذلك
موكول إلى دين المسلم وأمانته، ولو لزم فيه الفور لقيده الله بوقت
كما قيد الصلاة والصيام بأوقات.
ومما يدل على أن الحج ليس على الفور، وغير لازم في الفروض
المؤقتة، ألا ترى أن المصلي لا تلزمه الصلاة عند الزوال، وهو في سعة
عن الفور إلى أن يفيء الفيء ذراعًا وإلى أن يدرك ركعة من آخر وقتها،
ولم يكن بتأخيرها عن أول وقتها مضيعًا، كذلك فيما لم يوقت له وقت
أولى بالإمهال والتراخي.
فصل :
سلف في الزكاة وجه استرقاق الصديق لورثتهم وسبيهم، وحكم
عمر عليه برد سبيهم إلى عشائرهم ومذاهب العلماء في ذلك.
(١) ((النوادر والزيادات)) ٥٣٦/١٤.

٥٣٥
= ڪِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
فصل :
(وقوله)(١): ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) يعني:
وأن محمدًا رسول الله.
قال الداودي: وكان الصحابة على رأي عمر فتكلم عمر على
لسانھم، ثم تكلموا .
وفيه: دليل أن الجذع من المعز يؤخذ في الزكاة، وهو قول
مالك(٢) .
وقال ابن حبيب: لا يؤخذ(٣)، جعله كالأضحية.
ويحتمل أن يريد الصديق به التعليل، خرج كلامه عليه لا أنها تؤخذ
على الحقيقة.
(١) من (ص١).
(٢) أنظر: ((المدونة)) ٢٦٧/١.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٤٣/٢.

٥٣٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
صَلى الله
وسلم
٤- باب إِذَا عَزَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ
وَلَمْ يُصَرِّعْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: السَّامُ عَلَيْكَ
٦٩٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: مَرَّ بَهُودِيٌّ بِرَسُولِ
اللهِ مٌَّ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((وَعَلَيْكَ)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ مَّ:
(أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَاَ نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: ((لاَ،
إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)). [انظر: ٦٢٥٨ - مسلم: ٢١٦٣ - فتح
٢٨٠/١٢]
٦٩٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، عَنِ ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها قَالَتِ: أَسْتَأْذَنَ رَهْطُ مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ.
فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّغْنَةُ. فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي
الأَمْرِ كُلِّهِ)). قُلْتُ: أَوَلْ تَسْمَغْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: ((قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ)). [انظر: ٢٩٣٥ - مسلم:
٢١٦٥ - فتح ١٢ / ٢٨٠]
٦٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالاً:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وجَّه: (إِنَّ الَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ: سَامٌ عَلَيْكَ. فَقُلْ:
عَلَيْكَ)). [انظر: ٦٢٥٧ - مسلم: ٢١٦٤ - فتح ١٢ / ٢٨٠]
ذكر فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ُ: مَرَّ يَهُودِيُّ بِرَسُولِ اللهِ وَلَ فَقَالَ:
السَّامُ عَلَيْكَ. فَقَالَ الَُّ: (وَعَلَيْكَ)). ثم قال: ((أَتَدْرُونَ ماذا قال؟ قَالَ:
السَّامُ عَلَيْكَ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: ((لاَ، إِذَا سَلَّمَ
عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)).
ثم ذكر حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها وابن عمر بمثله.

٥٣٧
= كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
وقد سلف الكلام عليه (في السلام)(١) مع الكلام على السام،
والمقصود هنا ما عقد له البخاري الباب وهي مسألة السباب.
وقد اختلف العلماء فيمن سبه، فروى ابن القاسم عن مالك أن من
سبه من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم (٢)، وأما المسلم فيقتل بغير
استتابة (٣)، وهو قول الليث وأحمد وإسحاق، وحكاه ابن المنذر عن
الشافعي(٤)، وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ومالك فيمن سبه
قالا: هي ردة يستتاب منها، فإن تاب نكل، وإن لم يتب قتل(٥).
وقال الكوفيون: من سبه أو عابه فإن كان ذميًّا عزر ولم يقتل، وهو
قول الثوري، وقال أبو حنيفة: إن كان مسلمًا صار مرتدًا بذلك(٦)،
واحتج الكوفيون بما ذكر البخاري في الباب.
قال الطحاوي: وقول اليهودي لرسول الله وَليل: السام عليك، لو
كان مثل هذا الدعاء من مسلم لصار به مرتدًّا يقتل، ولم يقتله الشارع
بذلك(٧)؛ لأن ما هم عليه من الشرك أعظم من سبه، وحجة من رأى
القتل على الذمي بسبه أنه قد نقض العهد الذي حقن دمه إذ لم يعاهده
على سبه، فلما تعدى عهده إلى حال كفره يقتل إلا أن يسلم؛ لأن
القتل إنما كان وجب عليه من أجل نقضه العهد الذي هو من حقوق
الله تعالى، فإن أسلم أرتفع المعنى الذي من أجله وجب قتله.
(١) من (ص١).
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٥٢٥/١٤.
(٣) المصدر السابق ١٤/ ٥٢٦.
(٤) ((الإشراف)) ١٦٠/٣، ((روضة الطالبين)) ٦٤/١٠.
(٥) ((النوادر والزيادات)) ١٤/ ٥٢٦.
(٦) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٠٥/٣.
(٧) المصدر السابق ٥٠٦/٣.

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال ابن سحنون: وقولهم إن من دينهم سبه يقال لهم: وكذا من
دينهم قتلنا وأخذ أموالنا، فلو قتل واحدًا منا قتلناه؛ لأنا لم نعطهم
العهد على ذلك، فكذا سبه إذا أظهره فإن قيل: فهو إذا أسلم بعد
سبه تركتموه، وإذا أسلم وقد قتل مسلمًا قتلتموه. قيل: لأن هذا من
حقوق العباد لا يزول بإسلامه، وذلك من حقوق الله تعالى يزول
بالتوبة من دينه إلى ديننا(١).
قلت: الآخر حق آدمي أيضًا، وحجة أخرى: وهو أنه العَيْه قال:
((من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟))(٢) وقتله محمد بن
مسلمة. والسب من أعظم الأذى وكذلك قتل التَّئا ابن خطل يوم الفتح
والقينتين كانتا تغنيان بسبه ولم تنفع ابن خطل استعاذته بالكعبة.
وقال محمد بن سحنون: وفرقنا بين من سبه من المسلمين وبين من
سبه من الكفار فقتلنا المسلم ولم تقبل توبته؛ لأنه لم ينتقل من دينه
إلى غيره، إنما فعل شيئًا حده عندنا القتل ولا عفو فيه لأحد، فكان
كالزنديق الذي لا تقبل توبته؛ لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر،
والكتابي كان على الكفر، فلما أنتقل إلى الإسلام بعد أن سب غفر له
ما قد سلف، كما قال تعالى(٣): ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقياس الكوفيين أن المسلم إذا سبه
على المرتد خطأ؛ لأن المرتد كان مظهرًا لدينه فتصح استتابته،
والمسلم لا يجوز له إظهار سبه، وإنما يكون مستترًا به، فكيف تصح
له توبة .
(١) أنظر: ((النوادر الزيادات)) ٥٢٨/١٤.
(٢) سلف برقم (٢٥١٠)، ورواه مسلم (١٨٠١).
(٣) ((النوادر والزيادات)) ١٤/ ٥٢٧.

٥٣٩
= كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
وفرق في ((المعونة)) بأن الكافر يعلم منه اعتقاد ذلك، وإنما يقتل
على إظهاره، والمسلم يعلم منه اعتقاد تعظيمه فسبه إياه دلالة على
ردته، قال: ووجه قوله في الكافر إذا أسلم فإنه يقتل اعتبارًا بالمسلم،
ووجه المنع الآية.
وقال ابن القاسم عن مالك: وكذا إن شتم نبيًّا من الأنبياء أو أنتقصه
قتل ولم يستتب كما لو شتم نبينا أو انتقصه، قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وكذلك حكم الذمي إذا شتم أحدًا منهم
يقتل إلا أن يسلم، وهذا كله قول مالك وابن القاسم وابن الماجشون
وابن عبد الحكم وأصبغ(١)، قال أهل هذِه المقالة: وإنما ترك الشارع
قتل اليهودي القائل: السام عليك كما ترك قتل المنافقين وهو يعلم
نفاقهم، وقيل: إنما دعوا واستووا، ولو سبوا لقتلوا، ولا حجة
للكوفيين في أحاديث الباب.
وذكر البخاري بعده:
(١) ((النوادر والزيادات)) ١٤/ ٥٢٧.

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٥- باب
٦٩٢٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَذَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ
قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: كَأَنَّ أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِِّ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ
فَأَدْمَوْهُ، فَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. [انظر:
٣٤٧٧ - مسلم: ١٧٩٢ - فتح ١٢ / ٢٨٢]
حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا الأَعْمَشُ ثنا شَقِيقٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ
اللهِ عُ: كَأَنِي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ وََّهِ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ
فَأَدْمَوْهُ، فَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: (اللهم) (١) أَغْفِرْ لِقَوْمِي
فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
وابن بطال وابن التين أدخلاه في الباب قبله، وقالا : حديث
ابن مسعود في الذين أدموا نبيهم وضربوه كانوا كفارًا، والأنبياء عليهم
أفضل الصلاة والسلام شأنهم الصبر على الأذى وكذلك أمروا، قال
تعالى لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]
فلا حجة للكوفيين فيه(٢) .
وذكر القرطبي أنه العليا هو الحاكي وهو المحكي عنه وكأنه أوحي
إليه بذلك قبل وقوع قصة أحد، ولم يعين له ذلك الشيء، فلما وقع له
ذلك تعين أنه المعني بذلك(٣).
وقد سلف طرق منه في ذكر بني إسرائيل أخبرنا المسند المعمر
أبو المحاسن يوسف الدلاصى، أنا ابن تامتيت، أنا ابن الصائغ، عن
(١) في (ص١): (رب).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٥٨٣.
(٣) ((المفهم)) ٦٥١/٣.