Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كِتَابُ القَسَامَةِ = وخالف أهل الظاهر كما سلف، وأنه لا يضمن إلا الفاعل القاصد. قال أبو عمر: ولا خلاف علمته أن ما جنت يد الإنسان خطأ من الأموال أن يضمنه في ماله، فإن كان دمًا فعلى العاقلة (تسليمًا)(١) للسنة المجمع عليها. وفي معنى ما أجمعوا يبطل قول أهل الظاهر. وروي عن عمر أنه ضمن الذي أجرى فرسه عقل ما أصاب الفرس، وعن شريح أنه كان يضمن الفارس ما أوطأته دابته بيد أو رجل، ويبرئ من النفحة. قال إسماعيل القاضي: وقاله النخعي والحسن؛ وذلك لأن الراكب كان سببه. وقال الشافعي: إذا كان الرجل راكبًا فما أصابت بيدها أو رجلها أو فمها أو ذنبها من نفس أو جرح فهو ضامن؛ لأن عليه منعها في تلك الحال، قال: وكذلك إذا كان سائقًا أو قائدًا، وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى. قال الشافعي: وكذلك الإبل المقطرة بالبعير ولا قائد لها، ولا يجوز في هذا إلا في ضامن كل ما أصابت الدابة تحت الراكب أو لا يضمن إلا ما حملها عليه. لا يصح إلا أحد هذين القولين، فأما من ضمن من يدها ولم يضمن من رجلها فهو تحكم. ولو أوقفها في موضع ليس له أن يوقفها فيه ضمن، ولو أوقفها في ملكه لم يضمن. فإن كان في بيته كلب عقور فدخل إنسان فقتله لم يكن عليه شيء. قال المزني: سواء عندي أذن لذلك الإنسان أن يدخل أو لم يأذن. (١) في الأصل: (تسليمها) والمثبت من (ص١). وأنظر: ((التمهيد)) ٢٢/٧. ٤٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ضمان على أصحاب البهائم فيما تفسد وتجني في الليل والنهار، إلا أن يكون راكبًا أو سائقًا أو قائدًا أو مرسلًا. وقول الليث والأوزاعي في هذا الباب كله كقول مالك: لا يضمن ما أصابته الدابة برجلها من غير صنعه، ويضمن ما أصابت بيدها أو مقدمها إذا كان راكبًا عليها أو سائقًا أو قائدًا. قال ابن عبد البر: من فرق بين الرجل والقدم في راكب الدابة أو سائقها أو قائدها فحجته أنه يمكنه التحفظ من جناية فمها ويدها إذا كان راكبًا أو قائدًا، ولا يمكنه ذلك من رجلها، ومن حجته أيضًا ما تقدم من أن ((الرجل جبار)). أي: على ما في إسناده(١). قال: ولا أعلم خلافًا عن مالك وأصحابه وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق، من وقف دابته في موضع ليس له (أن يوقفها فيه، ولا يجوز له ذلك من ضيق أو غير ذلك مما ليس له)(٢) أن يفعله فجنت جناية أنه ضامنها، فإن وقفها في موضع يعرف الناس أن مثله توقف الدواب فيه مثل دابته. قال ابن حبيب: نحو دار نفسه أو باب المسجد أو دار العالم أو القاضي وشبهه، فلا ضمان عليه فيما جنت(٣). قال ابن حزم: واختلف في معنى قوله: ((والرجل جبار)) فقالت طائفة: معناه: ما أصابت الدابة برجلها، وهذا أسلفته، وقال آخرون: (١) ((التمهيد)) ٢١/٧-٢٤. (٢) من (ص١). (٣) ((التمهيد)) ٢٧/٧-٢٨. ٤٨٣ ـ كِتَابُ القَسَامَةِ هو ما أصيب بالرجل من غير قصد في الطواف وغيره، وحكي ذلك عن بعض السلف. وروى ابن عيينة، عن أبي فروة، عن عروة بن الحارث، عن الشعبي قال: الرجل جبار(١). فصل : معنى قوله: ((البئر جبار)) أنه لا ضمان على رب البئر وحافرها إذا سقط فيها إنسان أو دابة أو غير ذلك، فتلف أو عطب. هذا إذا كان حافر البئر قد حفرها في موضع يجوز له أن يحفرها فيه، مثل أن يحفرها بفنائه أو في ملكه أو داره أو في صحراء الماشية، أو طريق واسع محتمل، ونحو ذلك، وهو قول مالك والشافعي وداود وأصحابهم، وقول الليث بن سعد. وقال ابن القاسم عن مالك: إن حفر في داره بئرًا لسارق يرصده ليقع فيه أو وضع له حبالات أو شيئًا يتلف به السارق، فدخل السارق فعطب فهو ضامن، ووجه ذلك أنه لم يحفرها لمنفعة، وإنما حفرها قصدًا ليعطب غيره فصار جانيًا. وقال الليث والشافعي: لا ضمان عليه في مثل هذا(٢). وحكي عن العراقيين من أصحاب مالك أنه يقتل بالسارق، [و](٣) إن وقع فيه (غيره)(٤)، كانت الدية على عاقلته. وقالوا: ضبط مذهب مالك أن إنسانًا لو طرح قشورًا في الطريق فقصد الهلاك والإتلاف فمات فيه أحد فعليه القود. (١) ((المحلى)) ٢٠/١١-٢١ بتصرف. (٢) أنظر: ((التمهيد)) ٢٨/٧. (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٤) في الأصل: (غرة) والصواب ما أثبتناه. ٤٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وإنما قال مالك في حافر البئر في الطريق أو يربط دابته فيما لا يجوز له أنه ضامن؛ لأنه لم يفعله لقتل أحد. وفي رواية ابن وهب عن مالك فيمن برد قصبًا أو عيدانًا يجعلها على بابه لتدخل في رِجْلِ الداخل سارق أو غيره أنه يضمن، وإنما جعل فيه الدية؛ لأنه جعله في ملكه. وقال الشافعي وأبو حنيفة وصاحباه: له أن يحدث في الطريق ما لا يضر به، قالوا: وهو ضامن لما أصابه(١). قال ابن عبد البر: وقوله العَيْئا: ((البئر جبار)) يدفع الضمان عن ربها في كل ما يسقط فيها بغير صنع آدمي (٢). وقال أبو عبيد(٣): وقوله: ((البئر جبار)) هي البئر العادية القديمة التي لا يعرف لها حافر ولا مالك، تكون في البوادي يقع فيها شيء، فذلك هدر إذا حفرها في ملكه أو حيث يجوز له حفرها فيه، لأنه صنع من ذلك ما يجوز له فعله. قال مالك: والذي يجوز له من ذلك البئر يحفرها للمطر، والدابة ينزل عنها الرجل لحاجة فيقفها على الطريق، فليس على أحد في هذا غرم، وإنما يضمن (إذا فعل)(٤) من ذلك ما لا يجوز له أن يصنعه على الطريق، فما أصابت من جرح أو غيره، وكان عقله دون ثلث الدية فهو في ماله، وما بلغ الثلث فصاعدًا فهو على العاقلة، وبهذا كله قال الشافعي وأبو ثور، وخالف في ذلك أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: من حفر بئرًا في موضع يجوز له ذلك فيه، أو وقف فيه دابة، (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٥١٧/١٣-٥١٩. (٢) ((التمهيد)) ٢٩/٧. (٣) ((غريب الحديث)) ١٧١/١. (٤) من (ص١). ٤٨٥ = ڪِتَابُ القَسَامَةِ فليس يبرئه من الضمان ما أجاز إحداثه، كراكب الدابة يضمن ما عطب منها وإن كان له أن يركبها أو يسير عليها. وهذا خلاف للحديث، ولا قياس مع النصوص(١). وقال الداودي: معنى الحديث أن من حفر بئرًا أو نزل ليصلحه فسقط عليه شيء من غير فعل أحد لم يكن فيه شيء. فصل : قال أبو عبيد: وأما قوله: ((والمعدن جبار)) فهي المعادن التي يخرج منها الذهب والفضة، فيجيء قوم يحفرونها بشيء مسمى لهم، وربما آنهارت عليهم المعدن فقتلهم، فنقول: دماؤهم هدر، ولا خلاف في ذلك بين العلماء (٢). فصل : قال أبو عبيد: والعجماء: هي الدابة، وإنما سميت عجماء لأنها لا تتكلم، وكذلك كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم وأعجمي(٣). زاد غيره: وإن كان من العرب، ورجل أعجمي منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحًا (٤)، ورجل أعرابي إذا كان بدويًّا وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويًّا. والجبار: الهدر الذي لا دية فيه، وإنما جعلت هدرًا إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا راكب(٥). وقد سلف نقل ابن المنذر الإجماع فيه. (١) أنظر هُذِه المسألة في ((الاستذكار)) ٢١٤/٢٥-٢١٦. (٢) ((غريب الحديث)) ١/ ١٧١. (٣) ((غريب الحديث)) ١/ ١٧٠، وفيه: فهو أعجم ومستعجم. (٤) أنظر: ((الصحاح)) ١٩٨١/٥. (٥) ((غريب الحديث)) ١/ ١٧٠. ٤٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وما ذكره البخاري عن حماد وشريح والشعبي أنهم كانوا لا يضمنون النفحة إلا أن تنخس الدابة. فعليه أكثر العلماء، لأن ما فعلته من أذى ذلك فهي جناية راكبها أو (سائقها)(١)؛ لأنه الذي ولد لها ذلك. قال مالك: فإن رمحت من غير أن يفعل بها شيئًا ترمح له، فلا ضمان عليه(٢). وهو قول الكوفيين والشافعي. وأما قول ابن سيرين: كانوا لا يضمنون النفحة ويضمنون من رد العنان. فالنفحة: ما أصابت برجلها أو ذنبها فقالوا: لا ضمان وإن كان بسببه، وبين ما أصابت بيدها أو مقدمها فقالوا: عليه الضمان. ولم يفرق مالك والشافعي بين الكل في وجوب الضمان على الراكب والقائد والسائق إذا كان ذلك من نخسه أو كبحه، وذكر الداودي أن قول ابن سيرين مثل قول مالك، وليس الأمر كذلك. إلا أن يكون رأى في ذلك شيئًا، فليس هو المعروف عنده(٣). خاتمة : حاصل ما للعلماء فيما تفسده البهائم إذا أنفلتت ليلًا أو نهارًا، ثلاثة مذاهب: الضمان مطلقًا، وهو مذهب الليث. وعدمه مطلقًا، إلا أن يكون له فعل فيها، وهو مذهب الكوفيين. ثالثها: التفصيل بين ما أفسدته نهارًا فلا ضمان، إلا أن يكون صاحبها معها ويقدر على منعها، وبين ما أفسدته ليلًا فضمانه على أرباب المواشي، قاله مالك والشافعي(٤). (١) من (ص١). (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٢٢/١٣. (٣) أنظر: ((الاستذكار)) ٢١١/٢٥-٢١٣. (٤) انظر: ((التمهيد)» ٢٣/٧-٢٤. ٤٨٧ كِتَابُ القَسَامَةِ حجة المانع إطلاق حديث الباب، حيث لم يفرق بين جنايتها ليلًا أو نهارًا. (حجة الثالث حديث حزام السالف وهو نص أنه لا ضمان بالنهار، ووجهه أنه لما كان لأرباب الماشية تسريحها نهارًا)(١) وكان على أرباب الثمار حفظها نهارًا، فإن فرطوا في الحفظ لم يتعلق لهم على أرباب المواشي ضمان. ولما كان على أرباب المواشي حفظها ليلًا دون أصحاب الزروع، وفرط أهل المواشي في ترك الحفظ لزمهم الضمان، وعلى هذا جرت العادة ورتبه الشارع. وفيه جمع بين الحديثين، فهو أولى الأقوال بالصواب، إذ ليس أحدهما أولى (بالاستعمال)(٢) من الآخر، فتعين ما ذكرناه. فالعجماء جبار نهارًا لا ليلًا؛ لحديث حرام في (ناقة)(٣) البراء (٤)، وأما قول الليث فمخالف لهما. فرع : المعدن من العدون وهو: الإقامة، ومنه ﴿جَنَّتِ عَنْدٍ﴾. فالمعدن يقام عليه ليلا ونهارًا، وهو عروق في الأرض يستخرج منها الذهب والفضة. وفيه الربع، خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: الخمس (١) من (ص١). (٢) في (ص١): بالاستماع. (٣) في الأصل: (مناقب)، والمثبت من (ص١). (٤) الحديث رواه أبو داود (٣٥٧٠)، وابن ماجه (٢٣٣٢)، وأحمد ٢٩٥/٤، والنسائي في («الكبرى» ٤١١/٣ (٥٧٨٥)، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٧/٢-٤٨، والبيهقي ٣٤١/٨ من حديث الزهري عن حرام عن البراء. ٤٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح كالركاز، فإن وجد فيه (بدرة)(١). فقال مالك في رواية ابن القاسم: فيها الخمس. وهو ما ذكرناه في كتاب الزكاة. وقال في رواية ابن نافع: فيها الزكاة. وقد أسلفنا هناك الفرق بينه وبين الركاز، وحد مالك الركاز. وروى ابن القاسم عنه أن الركاز ما وجد في الأرض من قطع الذهب والفضة مخلصًا لا يحتاج في تصفيته إلى عمل كان من دفن الجاهلية أم لا، أو مما تنبته الأرض، أو مما دفن في الأرض مخلصًا غير الورق والذهب، كالثياب وغيرها. ومعنى رواية ابن نافع أنه ما وضع في الأرض، وأن ما وجد فيها من ( ... )(٢) ولم يتقدم ملك فهو معدن، وبه قال الشافعي. قال محمد: الركاز ما دفن في الأرض من الذهب والورق خاصة، وقاله مالك مرة: أن ركاز النحاس والحديد والحرير والطيب واللؤلؤ، وقاله ابن القاسم أيضًا مرة (٣). وقال الجوهري: إنه دفين الجاهلية، كأنه ركز في الأرض ركزًا(٤)، أي: غرز. وقال صاحب ((العين)): الركاز: لما وضع في الأرض، ولما يخرج من المعدن من قطع ذهب وورق(٥)، وأما تراب المعدن فلا نعلم أحدًا من أهل اللغة سماه ركازًا، كما ذكره ابن التين وقال: إنه يرد على أبي (١) كذا بالأصل وفي ((المنتقى)) ١٠٢/٢: (الندرة). (٢) في الأصل: (تربوة) غير منقوطة. ولعلها: (الندرة). (٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٠٢/٢-١٠٤. (٤) ((الصحاح)) ٣/ ٨٨٠. (٥) ((العين)) ٣٢٠/٥. ٤٨٩ = كِتَابُ القَسَامَةِ حنيفة؛ لأنه يقول: الركاز: اسم لما يخرج من المعدن لما يوضع في الأرض من المال المدفون. وقال الداودي: اختلف قول مالك فيما يلقيه البحر من عنبر أو جوهر، فقال: فيه الخمس. وقال: لا شيء فيه، وهذِه قولة لم تعرف لمالك، وإنما قال فيه الخمس عمر بن عبد العزيز وأبو يوسف وإسحاق والزهري. (وقال الزهري)(١): إن وجد عنبرة على ضفة بحر خمست، وإن غاص فيها لم تخمس، ولا شيء فيها. وقد أوضحنا الكلام على ذلك في الزكاة فراجعه. (١) من (ص١). ٤٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٣٠- باب إِنَّم مَنْ قَتَلَ (معاهدًا)(١) بِغَيْرِ جُرْمِ ٦٩١٤ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الَحَسَنُ، حَدَّثَنَا بُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ أَرْبَعِينَ عَامًا)). [انظر: ٣١٦٦- فتح ٢٥٩/١٢] ذكر فيه حديث مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ أَرْبَعِينَ عَامًا)). هذا الحديث سلف في أثناء الجزية والموادعة. وتكلمنا على إسناده، وفيه دليل على أن المسلم إذا قتل الذمي لا يقتل به، لأن الشارع إنما ذكر الوعيد للمسلم وعظم الإثم في الآخرة، ولم يذكر بينهما قصاصًا في الدنيا. ومعنى ((لم يرح)) معناه على الوعيد وليس على الجبر والإلزام، وإنما هذا لمن أراد الله تعالى إنفاذ الوعيد عليه. وزعم أبو عبيد أنه يقال: يُرِح ويَرِح أي بالضم من أرحت(٢). وقال أبو حنيفة: أرحت الرائحة أروحها ورحتها إذا وجدتها. وعند الهروي روي بثلاثة أوجه: يَرَح يَرِح يُرح يقال: رحت الشيء أراحه وروحته أريحه وأرحته الريحة إذا وجدت ريحه(٣). وقال ابن التين: روينا يَرح بفتح الياء والراء. وقال الجوهري: راح الشيء يراحه ويريحه، أي: وجدت ريحه، (١) في (ص١): ذميًّا. (٢) ((غريب الحديث)) ٧٦/١. (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٧٢/٢. ٤٩١ كِتَابُ القَسَامَةِ = قال: ومنه هذا الحديث، جعله أبو عبيد من (رحت)(١) الشيء أراحه، وكان أبو عمرو يقول: ((لم يَرِحْ)) من راح الشيء يريحه، والكسائي يقول: ((لم يُرَح)) يجعله من أرحت الشيء فأنا أريحه، قال: والمعنى واحد، وقال الأصمعي: لا أدري هو من رِحْت أو أَرَحْت(٢). فصل : جاء هنا: ((من مسيرة أربعين عامًا)). وقد روي عن شعبة عن الحكم بن عتيبة: سمعت مجاهدًا يحدث عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله وَلقدم قال: ((من أدعى إلى غير أبيه لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من (قدر)(٣) مسيرة سبعين عامًا(٤))(٥) وجاء في ((الموطأ))(٦): ((كاسيات عاريات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام))(٧). ووجه الجمع أنه يحتمل أن يكون الأول أقصى أشد العمر في قول أكثر أهل العلم إذا ابن آدم زاد عمله واستحكمت بصيرته في الخشوع فيه، والتذلل والندم على ما سلف له، فكأنه وجد ريحها الذي يبعثه على الطاعة، وتمكن من قلبه الأفعال الموصلة إلى الجنة، فهذا وجد (١) في الأأصل: (أرحت)، والمثبت هو الصواب كما في ((الصحاح)). (٢) ((الصحاح)) ٣٧٠/١. مادة [روح]. (٣) من (ص١). (٤) رواه أحمد في ((مسنده)) ١٧١/٢، وأبو داود الطيالسي في ((مسنده)) ٣٠٠/١. (٥) رواه أحمد في ((المسند)) ٢/ ١٧١، ١٩٤. وقال العلامة أحمد شاكر - رحمه الله (٦٥٩٢، ٦٨٣٤): إسناده صحيح. (٦) ((الموطأ)) ص٥٦٩. (٧) ورد في هامش الأصل: سقط من هنا شيء، وهو وجدان ريحها من سبعين عامًا، وعليه يدل كلامه بعد ذلك، وقد تقدم أيضًا. ٤٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ريحها على مسيرة أربعين عامًا. فأما الثانية: فإنها آخر المعترك وهي أعلى منزلة من الأربعين في الاستبصار يعرض للمرء عندها من الخشية والندم لاقتراب أجله ما لم يعرض له قبل ذلك، وتزداد طاعته بالتوفيق، فيجد ريحها على هذا النحو. وأما الثالثة: فهي فترة ما بين نبي ونبي، فيكون من جاء في آخر الفترة واهتدى باتباع النبي الذي كان قبلها ولم يضره طولها، فوجد ريحها على ذلك. ذكره ابن بطال(١)، وقد أسلفناه أيضًا في أثناء الجزية والموادعة. وقال الداودي: يحتمل هذا الحديث ألا يجد ريحها في الموقف، أي في بعض الأوقات، ويحتمل أن يكون هذا جزاء إن جوزي، وأن يكون في رجل بعينه، ويكون من المعاريض لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]. (١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٥٦٤-٥٦٥. ٤٩٣ - كِتَابُ القَسَامَةِ ٣١- باب لَا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالْكَافِرِ ٦٩١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَّهُمْ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ. وَحَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابن عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرّفٌ، سَمِعتُ الشَّغِيَّ يُحَدِّثُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: سَأَلَّتُ عَلِيًّا عَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي القُرْآنِ؟ - وَقَالَ ابن عُبَيْنَةَ مَرَّةَ: مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ - فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الَحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا عِنْدَنَا إِلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ - إِلَّ فَهْمَا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ - وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح ١٢ / ٢٦٠] حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، ثنا ابن عُيَيْنَةَ، ثَنَا مُطَرِّفٌ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا﴾: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي القُرْآنِ؟ - قَالَ ابن عُيَيْنَةَ مَرَّةً: ممَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ- فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي القُرْآنِ - إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ - وَمَا فِي هُذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. الشرح : في بعض الأصول حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا مطرف أن عامرًا حدثهم، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي ﴾. وحدثني صدقة بن الفضل. وأخرجه في العلم، عن محمد بن سلام، عن وكيع، عن سفيان. وقد أسلفنا الكلام على هذِه الجملة هناك واضحًا. وأسلفنا أن الجمهور على أن المؤمن لا يقتل بالكافر، وأن أبا حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى قالوا: يقتل بالذمي دون المستأمن والمعاهد. ٤٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي. وحكم المستأمن والمعاهد عندهم حكم أهل الحرب، وقد سلف بيان الأدلة في ذلك. ومن حجتهم حديث ربيعة، عن ابن البيلماني أنه قتل رجلًا مسلمًا برجل من أهل الذمة، وقال: ((أنا أحق من وفَّى بذمته)). وهو منقطع وواه(١). وقام الإجماع على ترك المتصل من حديثه، فكيف بمنقطعه؟ ومن حجتهم القياس على القطع وهو قياس مع وجود النص. وقال مالك والليث في الغيلة إن عفا المقتول وأجازه الإمام، يغني؛ لأنه أمر اختلف فيه(٢). وخولفا. وإجازة الإمام ليس حكمًا منه وإنما هو ترك حكم وجب علیه. فإن قيل: حديث ((لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده))(٣). يعني: بكافر؛ لأنه معلوم أن الإسلام يحقن الدم والعهد يحقنه. قيل: به علمنا أن المعاهد يحرم دمه، وهي فائدة الخبر، ومحال أن يأمر الله تعالى بقتل الكافر حيث وجد، ثم يقول: إذا قتلوهم قتلوا بهم، والمعنى ألا يقتل مؤمن بكافر على العموم في كل كافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده، قضية أخرى. (١) رواه الدارقطني ١٣٥/٣، والبيهقي ٣٠/٨. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٤٦٠): منکر. (٢) أنظر: ((المدونة)) ٤٣٢/٤. (٣) رواه أبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي ٢٠/٨، ٢٤ من طرق عن علي ورواه أيضًا أبو داود (٢٧٥١٤)، وأحمد ١٩١/٢-١٩٢ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٢٢٠٨). ٤٩٥ كِتَابُ القَسَامَةِ = وهو عطف على ((لا يقتل))، لأن هذا الذي أضمر لو أظهر، فقيل: لا يقتل مؤمن بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده، ولو أفرد وحده، لقيل: لا يقتل ذو عهد، لم يكن قبله كلام لكان مستقيمًا، وإنما ضم هذا الكلام إلى القضية التي كانت قبلها، ليعلموا حين قيل لهم: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) أنهم نهوا عن قتل كل ذي العهد في عهده، فاحتمل ذلك في كل ذي عهد من أهل الذمة المقيمين في دار الإسلام، وفیمن دخل بأمان. وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ﴾ الآية [التوبة: ٦]، فأعلم الله ذلك عباده. ٤٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣٢- باب إِذَا لَطَمَ المُسْلِمُ يَهُودِيًّا عِنْدَ الغَضَبٍ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. ٦٩١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ)). [انظر: ٢٤١٢ - مسلم: ٢٣٧٤ - فتح ١٢ / ٢٦٣] ٦٩١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْيَى المَازِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ فَقَالَ: يَا يُحَمَّدُ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنَ الأَنَّصَارِ لَطَمَ فِي وَجْهِي. قَالَ: ((ادْعُوهُ). فَدَعَوْهُ. قَالَ: ((لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّي مَرَزْتُ بِالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَالَّذِي أَضْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ. قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَى مُحَمَّدٍ وَلَهَ: قَالَ: فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ. قَالَ: ((لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطّورِ)). [انظر: ٢٤١٢ - مسلم: ٢٣٧٤ - فتح ٢٦٣/١٢] هُذا أسند فيما مضى(١). ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري، ﴿ عَنِ النَّبِّ وَّهِ: (لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ)). وفي رواية: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رسول اللهِوَّلَ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنَ الأَنْصَارِ قد لَطَمَ وَجْهِي .. الحديث. وفيه: ترك القصاص بين المسلم والكافر؛ إذ لم يقتص له من لطمة المسلم له، وهو قول جماعة الفقهاء كما سلف. (١) سلف برقم (٣٤٠٨). ٤٩٧ - كِتَابُ القَسَامَةِ وجه الدلالة: أنه لو كان فيه قصاص لبينه، وهذه المسألة إجماعية؛ لأن الكوفيين لا يرون القصاص في اللطمة ولا الأدب، إلا أن يجرحه ففیه الأرش. وفيه: جواز رفع المسلم إلى السلطان بشكوى الكافر به. : وفيه: خلقه القَّ وما جبله الله عليه من التواضع وحسن الأدب في قوله: ((لا تخيروا بين الأنبياء)) وفي الرواية الثانية ((لا تخيروني من بين الأنبياء))، وذلك كقول الصديق: وليتكم ولست بخيركم(١). وقد سلف الكلام على هذا الحديث وما قد يعارضه والجمع بينها في أبواب الإشخاص والملازمة، أحسنها أنه من باب التواضع. وقيل: أن يعلم أنه خيرهم، فينبغي لأهل الفضل الاقتداء بالشارع والصديق وغيرهما، فإن التواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين، وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ع مرفوعًا: ((من أحب أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر))(٢). وفيه: أن العرش جسم، وأنه ليس العلم، كما قاله سعيد(٣) بن جبير، لقوله: ((فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش)) والقائمة لا تكون إلا جسمًا، ومما يؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَيَحِلُ عَرّشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَنِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ومحال أن يكون المحمول غیر جسم، لأنه لو كان روحانيًّا لم يكن في حمل الملائكة الثمانية له عجب، ولا في حمل واحد، فلما عجب الله تعالى من حمل الثمانية له علمنا أنه جسم، لأن العجب في حمل الثمانية للعرش لعظمته وإحاطته. (١) رواه معمر بن راشد في ((جامعه)) ٣٣٦/١١ (٢٠٧٠٢). (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ٣٩٠ (٣٢٢٥٧). (٣) ورد في هامش الأصل: الذي نقله البخاري عن ابن جبير أنه العلم في الكرسي. ٤٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: ( ((فإن الناس يصعقون يوم القيامة)) ) قال الداودي: يعني النفخة. قال: في هذا الحديث بعض الوهم فذلك قوله: ((فأكون أول من يفيق)) ثم قال: ((فلا أدري أفاق قبلي)) وإنما قال: ((أكون أول من تنشق عنه الأرض)) وشك في الإفاقة. قوله ( ((جوزي بصعقة الطور))). قال الجوهري: تقول: جزيته بما صنع وجازيته، بمعنَّى(١). آخر الديات ومتعلقاتها ولله الحمد (١) ((الصحاح)) ٢٣٠٢/٦. + ٨٨ كِتَاب ◌ْاسْتِنَةِ المُرْتَزِين وَاْمُعَانِدِينَ وَقِتَّالِهِمْ +