Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كِتَابُ القَسَامَةِ
=
معارض لقوله: ((تستحقون دم صاحبكم)) فلما تعارض وجب طلب الدليل
على أي المعنيين أولى بالصواب، فوجدنا الأول أنفرد به ابن أبي ليلى
في حديثه، وقد قال أهل الحديث: إن أبا ليلى لم يسمع من سهل. وفيه :
أنه مجهول لم يرو عنه غير مالك.
واختلف في اسم أبي ليلى هذا كما قال أبو عمر، فقيل: عبد الله بن
عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل. وقيل: عبد الرحمن بن عبد الله بن
سهل، وقال ابن إسحاق: عبد الله بن سهل(١).
وقد أتفق جماعة من الحفاظ على يحيى بن سعيد على هذا الحديث
وقالوا فيه: ((تستحقون دم قتيلكم)) يعني: يسلم إليكم القتيل؛ لأنه لم
يقل: وتستحقون دية دم صاحبكم. والدليل على ذلك أنهم كانوا ادعوا
قتل عمد لا خطأ، والذي يجب على قاتل العمد القود أو الدية إن
اختار ذلك ولي القتيل.
وروى حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن بشير، عن سهل
ورافع بن خديج أنه التَّه قال للأنصار: ((يقسم خمسون منكم على
رجل منهم فيدفع برمته))(٢) وهذا حجة قاطعة.
وهذا الحديث يبين أن قوله: ((دم صاحبكم)) معناه: القاتل؛ لأنه قتل
الذي قتل وليهم، وقد يصح أن تقولوا: هذا صاحبنا الذي أدعينا عليه أنه
قتل ولينا، ويجوز أن يكون معناه: وتستحقون دم قاتل صاحبكم؛ لأنه
من ادعى إثبات شيء على صفة وحققه بيمينه، فإن الذي يجب له هو
(١) ((التمهيد)) ١٥٠/٢٤، ((الاستذكار)) ٢٩٩/٢٥، وانظر ((الاستيعاب)) ١٤٣/٤
(٢٨٣١).
(٢) رواه مسلم (١٦٦٩).

٤٢٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الشيء الذي حققه بيمينه على صفته، فلو أدعى إتلاف عبد (أو دابة)(١)
أو ثوب وحلف المدعي بعد نکول المدعى عليه حكم له بما أدعاه على
صفته ولم يجب له سواه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى
اُلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فأخبر تعالى أن القود هو الذي يحيي
النفوس؛ لأن القاتل إذا علم أنه يقتل، أنزجر عن القتل وكف عنه
أكثر من أنزجاره إذا لزمته الدية.
فصل :
الناس في وجوب القسامة على معنيين: فقوم اعتبروا اللوث، فهم
يطلبون ما يغلب على الظن، وتكون شبهة يتطرق بها إلى حراسة الدماء،
ولم يطلب أحد في القسامة الشهادة القاطعة ولا العلم الثبت، وإنما
طلبوا شبهة وسموها لطخة؛ لأنها تلطخ المدعى عليه بها. وبهذا قال
مالك والليث والشافعي، إلا أنهم اختلفوا في اللوث، فذهب مالك
في رواية ابن القاسم أنه الشاهد العدل، وروى عنه أشهب غير
العدل(٢). وذهب الشافعي إلى أنه الشاهد العدل(٣) أو أن يأتي ببينة
مفرقة، وإن لم يكونوا عدولًا.
قال: وكذلك لو (دخل)(٤) بيتًا مع قوم لم يكن معهم غيرهم،
أو تكون جماعة في صحراء فيتفرقون على قتيل، أو يوجد قتيل وإلى
جنبه رجل معه سكين مخضوبة بدم، وليس ثم أثر سبع ولا قدم إنسان
آخر، ولا يقبل الشافعي قول المقتول: دمي عند فلان؛ لأن السنة
(١) من (ص١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) ٣١٠/٢٥.
(٣) أنظر: ((الإشراف)) ١٤٨/٣.
(٤) ساقطة من الأصل، والمثبت من (ص١).

٤٢٣
= كِتَابُ القَسَامَةِ
المجمع عليها أنه لا يعطى أحد بدعواه شيئًا. وعند مالك والليث أن
القسامة تجب باللوث، أو بقول المقتول: دمي عند فلان(١).
وقد سلف بيان هذِه المسألة قريبًا في باب: إذا قتل بحجر أو بعصى.
وقوم أوجبوها، والدية بوجود القتل فقط واستغنوا عن مراعاة قول
المقتول.
وعن الشافعي، وهو قول الثوري والكوفيين: ولا قسامة عندهم
إلا في القتيل يوجد في المحلة خاصة، قالوا: فإذا وجد في محلة قوم وبه
أثر من جراحة أو ضرب أو خنق، حلف أهل الموضع أنهم لم يقتلوه،
ويكون عقله عليهم، وإذا لم يكن به أثر لم يكن على العاقلة شيء(٢).
وكذا لو كان الدم يجري من أنفه أو دبره فليس قتيلًا، (فإن جرح من
أذنه أو عينه فهو قتيل)(٣)، وهذا لا سلف لهم فيه. وحديث يحيى بن
سعيد عن بشير بخلاف قولهم؛ لأنه العَيْه لم يحكم على اليهود بالدية
بنفس وجود القتيل في محلتهم، ولم يطالبهم بها، بل أداها من عنده.
ولو وجبت على أهل المحلة لأوجبها على اليهود. وأما اشتراطهم أن
يكون به أثر فليس بشيء؛ لأنه قد يقتل بما لا أثر به.
قال ابن المنذر: والعجب من الكوفيين أنهم ألزموا العاقلة مالًا بغير
بينة تثبت عندهم ولا إقرار منهم، بل ثَم أعجب من ذلك إلزامهم العاقلة
جناية عمد ولا تثبت ببينة ولا إقرار؛ لأن الدعوى التي أدعاها المدعي
لو ثبتت ببينة لم يلزم ذلك العاقلة، فكيف يجوز أن يلزموه بغير بينة؟
والخطأ محيط بهذا القول من كل وجه.
(١) أنظر المصدر السابق ١٤٨/٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ٣/ ١٥٠-١٥١.
(٣) من (ص١).

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وذهب الليث ومالك والشافعي إلى أن القتيل إذا وجد في محلة قوم
فهو هدر (١) لا يؤخذ به أقرب الناس دارًا ولا غيره؛ لأن القتيل قد يقتل
ثم يلقى على باب قوم ليلطخوا به، فلا يؤخذ أحد بمثل ذلك.
وقد قال عمر بن عبد العزيز: هذا مما يؤخر فيه القضاء حتى يقضي
الله فيه يوم القيامة.
وقال القاسم بن مسعدة: قلت للنسائي: مالك لا يقول بالقسامة
إلا بلوث. فلم أورد حديث القسامة ولا لوث فيه؟ قال النسائي: أنزل
مالك العداوة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللوث، وأنزل
اللوث أو قول الميت بمنزلة العداوة.
وقال الشافعي: إذا كان من السبب الذي حكم فيه رسول الله لچ
وجبت القسامة، كانت خيبر دار يهود مختصة، وكانت العداوة بينهم
وبين الأنصار ظاهرة. وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر (فوجد قتيلًا
قبل الليل)(٢)، فكاد يغلب على من سمع هذا أنه لم يقتله إلا بعض
اليهود(٣). وكذلك قال أحمد: إذا كان بين القوم عداوة كما كان بين
الصحابة واليهود (٤).
ووجه قول مالك: أن قول المقتول يجب فيه القسامة، أن الغالب من
الإنسان أنه يتخوف عند الموت ويجهد في التخلص من المظالم،
ويرغب فيما عند الله تعالى ويحدث توبة، ولا يقدم على دعوى القتل
ظلمًا، فصار أقوى من شهادة الشاهد وأقوى من قول من خالف أن
(١) ((الاستذكار)) ٣١٥/٢٥.
(٢) في الأصل: فوجد قبيل الليل، والمثبت من (ص١).
(٣) ((الأم)) ٧٨/٦.
(٤) ((المغنى)) ١٩٣/١٢.

٤٢٥
كِتَابُ القَسَامَةِ
=
الولي يقسم إذا كان بقرب وليه وهو مقتول ومع الرجل سكين؛ لأنه يجوز
أن يكون غيره قتله، فضعف هذا اللوث، ووجب أن يستعمل ما هو أقوى
منه، وهو قول المقتول: دمي عند فلان. ولا يسلم ذلك له.
قال ابن أبي زيد: وأصل هذا في قصة بني أسرائيل حين أحيا الله
الذي ضرب بالبقرة وقال: قتلني فلان. فهذا يدل على قبول قوله:
دمي عند فلان؛ لأنه كان في شرع بني إسرائيل، وسواء كان قبل
الموت أو بعده.
واعترض عليه بأن ذلك كان معجزة لموسى وأنه كان بعد الموت.
تنبيه: المتقرر عند أبي حنيفة وصاحبيه، أنه إذا وجد القتيل في محلة
وبه أثر، أو أدعى الولي على أهل المحلة أنهم قتلوه، أو على واحد
منهم بعينه، استحلفوا من أهل المحلة خمسين يختارهم الولي، فإن
لم يبلغوا خمسين كررت عليهم الأيمان، ثم يغرمون الدية. فإن نكلوا
عن اليمين حبسوا حتى يقروا أو يحلفوا. وهو قول زفر. وروي عن
الحسن بن زياد عن أبي يوسف: إذا أبوا أن يقسموا تركهم ولم
يحبسهم وتجعل الدية على العاقلة في ثلاث سنين. وقالوا جميعًا:
(إذا أدعى الولي على رجل من غير أهل المحلة، فقد أبرأ أهل
المحلة وغيرهم (١).
وقال ابن شبرمة)(٢): إذا أُدعى الولي على رجل بعينه من أهل
المحلة فقد أبرأ أهل المحلة، وصار دمه مهدرًا، إلا أن يقيم البينة
على ذلك الرجل.
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٧٧/٥ -١٧٨.
(٢) من (ص١).

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(وقال البتي: يستحلف من أهل المحلة خمسون رجلًا: ما قتلناه
ولا علمنا له قاتلاً، ثم لا شيء عليهم غير ذلك، إلا أن يقيم البينة
على رجل)(١) بعينه أنه قتله.
قال أبو عمر: وهذا القول مخالف لما قضى به عمر ﴾ من رواية
أبي(٢) إسحاق، عن الحارث بن الأزمع: أن عمر استحلف الذي وجد
عندهم القتيل (وأغرمهم)(٣) الدية (٤).
فصل :
واختلفوا في العدد الذين يحلفون ويستحقون الدم، فقال مالك:
لا يقسم في قتل العمد إلا أثنان فصاعدًا ترد الأيمان عليهما حتى
يحلفا خمسين يمينًا(٥)، وذلك الأصل عندنا. والحجة أن الشارع
عرضها على ولاة الدم بلفظ جماعة فقال: (تحلفون وتستحقون)).
وأقل الجماعة أثنان فصاعدًا وقال الليث: ما سمعت أحدًا أدركت
يقول: أنه يقتصر على أقل من ثلاثة.
وقال الشافعي: إذا تركوا وارثًا أستحق الدية بأن يقسم وارثه خمسين
يمينًا. واحتج له أبو ثور فقال: قد جعل الله للأولياء أن يقسموا، فإذا لم
يكن إلا واحدًا كان له ذلك، ولو لم تكن إلا ابنة وهي مولاته حلفت
خمسين يمينًا وأخذ من الكل النصف بالنسب والنصف بالولاء (٦).
(١) من (ص١).
(٢) في الأصول (ابن) والمثبت من ((الاستذكار)).
(٣) في (ص١): وأخذ منهم.
(٤) ((الاستذكار)) ٣١٣/٢٥-٣١٤.
(٥) أنظر: ((الإشراف)) ١٤٩/٣.
(٦) أنظر السابق.

٤٢٧
كِتَابُ القَسَامَةِ
فصل :
وفي قوله: ( ((تستحقون)) ) دلالة على أن لا يمين (لهم)(١) مستحق،
وعلى أن لا يحلف إلا وارث، كما نبه عليه ابن المنذر (٢).
وفيه من الفقه: أن تسمع حجة الخصم على الغائب، وأن أهل الذمة
إذا منعوا حقًّا رجعوا حربًا. ومقابله: من منع حقًّا حتى يؤديه، وإن صح
عنده أمر ولم يحضره أن له أن يحلف عليه؛ لأنه التفي عرض على أولياء
المقتول اليمين ولم يحضروا بخيبر.
فصل :
وفيه أيضًا: وجوب رد اليمين على المدعي في الحقوق. واختلف
العلماء في ذلك. فقالت طائفة: إن من أدعى حقًّا على آخر ولا بينة
له، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ وإن لم يحلف
ردت اليمين على المدعي، فإن حلف أستحق وإلا فلا شيء له. روي
هذا عن عمر وعثمان، وهو قول شريح والشعبي والنخعي، وبه قال
مالك والشافعي وأبو ثور.
وذهب الكوفيون أن المدعى عليه إن لم يحلف لزمه الحق ولا ترد
اليمين على المدعي(٣).
وكان أحمد لا يرىُ رد اليمين، وحجتهم في ذلك أنه العائلة حكم
بالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فلما لم يجز نقل
حجة المدعى عليه وهي اليمين إلى المدعي؛ لأن قوله التَّل: ((اليمين
على المدعى عليه)) إيجاب عليه أن يحلف، فإذا امتنع مما يجب عليه
(١) في (ص١): لغير.
(٣) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٤٩/٤.
(٢) ((الإشراف)) ١٤٩/٣.

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ---
أخذه الحاكم بالحق. هذا قول ابن أبي ليلى وغيره من أهل العلم.
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث القسامة، وقالوا: إن الشارع
جعل اليمين في جهة المدعي بقوله للأنصار: ((أتحلفون؟)) فلما أبوا
أحالها إلى اليهود (ليبرءوا)(١) بها. فلما وجدنا في سنته أن المدعي قد
تنتقل إليه اليمين في الدماء وحرمتها أعظم، جعلناها عليه في
الحقوق؛ لنأخذ بالأرفق، والمدعى عليه إذا نكل عن اليمين ضعفت
جهته وصار متهمًا وقويت حجة المدعي؛ لأن الظاهر صار معه
فوجب أن تصير اليمين في جهته لقوة أمره.
وقد احتج الشافعي على الكوفيين فقال: رد اليمين في كتاب الله في
آية اللعان أيضًا؛ وذلك أن الله جعل اليمين على الزوج القاذف لزوجته
إذا لم يأت بأربعة شهداء، وجعل له بيمينه البراءة من حد القذف،
وأوجب الحد على الزوجة إن لم تلتعن، فهذِه يمين ردت على مدع
كانت عليه البينة في رميه زوجته، فكيف ينكر من له فهم وإنصاف رد
اليمين على المدعي؟
وقال ابن القصار: قد ذكر الله في كتابه اليمين على المدعي
الصادق، فقال لنبيه: ﴿وَيَسْتَنْتُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ [يونس: ٥٣]
وقال تعالى: ﴿َزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ قُلْ بَى وَرَبِ لَُّعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، واحتج
أيضًا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِلشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ
◌َيْنُ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] قال أهل التفسير: يعني: تبطل أيمانهم
وتؤخذ أيمان هؤلاء.
(١) في الأصل: (ليقرون) والمثبت موافق للسياق.

٤٢٩
كِتَابُ القَسَامَةِ
=
قلت: وروى الحاكم في ((مستدركه)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما-
أن النبي وَلورد اليمين على طالب الحق. ثم قال: هذا حديث صحيح
الإسناد(١).
فصل :
قوله: (يَتَشَخَّطُ فِي الدَّم) التشحط: الاضطراب في الدم.
وقوله: ( ((أَتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ مِنَ اليَهُودِ؟)) ) هو بالنون والفاء،
أي: يمين خمسين. يقال: نفلته فتنفل. أي: حلفته فحلف، ونفل
وانتفل إذا حلف، وأصل النفل النفي، يقال: نفلت الرجل عن نسبه،
وانفل عن نفسك إذا كنت صادقًا. أي: أنف ما قيل فيك، وسميت
اليمين في القسامة نفلًا؛ لأن القصاص ينفى بها، ومنه حديث علي
﴾: لوددت أن بني أمية رضوا ونفلناهم خمسين رجلاً من بنى هاشم
يحلفون ما قتلنا عثمان ولا نعلم له قاتلًا(٢). يريد: نفلناهم.
وكذا قال صاحب ((العين)): أنتفلت من الشيء: أنتفيت منه(٣).
فنفل اليهود هو أيمانهم أنهم ما قتلوه، وإنتفاؤهم عن ذلك.
وقوله: (ثم ينفلون) هو بكسر الفاء وضمها. وفيه: تبرئة المدعى
عليهم، إلا أنه مرسل لا يقابل به أخبار الجماعة المسندة التي قدمناها.
فصل :
وقوله: (قلت: وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ خَلَعُوا حليفًا لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ،
فَطَرَقَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ البطحاء، فَانْتَبَهَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ
(١) ((المستدرك)) ٤/ ١٠٠.
(٢) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) ٣٣٥/٢-٣٣٦ (٢٩٤٢).
(٣) ((العين)) ٣٢٥/٨ وفيه ((قال .. فانتفلتُ منه أي أنكرت أن أكون فعلته.

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فَقَتَلَهُ، فَجَاءَتْ هُذَيْلٌ فَأَخَذُوا اليَمَانِيَ فَرَفَعُوهُ إِلَى عُمَرَ ﴾ بِالْمَوْسِمِ .. ) إلى
آخره. كانت العرب يتعاهدون ويتعاقدون على النصرة والإعانة، وأن
يؤخذ كل منهم بالآخر، فإذا أرادوا أن يتبرءوا من إنسان قد حالفوه،
أظهروا ذلك للناس وسموا ذلك الفعل خلعًا، والمتبرأ منه خليعًا،
أي: مخلوعًا، فلا يؤخذون بجنايته ولا يؤخذ بجنايتهم، فكأنهم قد
خلعوا اليمين التي كانت قد لبسوها معه، وسموه خلعًا وخليعا مجازًا
واتساعًا، وبه سمي الأمير والإمام إذا عزل خليعًا، كأنه قد لبس
الخلافة والإمارة ثم خلعها.
فصل :
فإن قلت: قد اختلفت ألفاظ حديث القسامة، فرواه سعيد بن عبيد
عن بشير بن يسار: فوداه رسول الله وَله مائة من إبل الصدقة. ورواه سائر
الرواة عن يحيى بن سعيد، عن بشير: فوداه مائة من عنده. فما وجه
الجمع؟ وإبل الصدقة للفقراء والمساكين، ولا تؤدى في الديات، فما
وجه تأديتها في دية اليهود؟
فالجواب: أن رواية من روئ: من عنده. تفسر رواية من روى: دفع
من إبل الصدقة. وذلك أنه القّ لما عرض الحكم في القسامة على أولياء
الدم بأن يحلفوا ويستحقوا، ثم نفلهم إلى أن (يحلف)(١) لهم اليهود
ويبرءوا من المطالبة بالدم. قالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار، وتعذر
إنفاد الحكم؟ خشي العملية أن يبقى في نفوس الأنصار ما تتقى عاقبته من
مطالبتهم لليهود بعد حين، فرأى أن من المصلحة أن يقطع ذلك بينهم
ووداه من عنده، وتسلف ذلك من إبل الصدقة حتى يؤديها مما يفيء
(١) ساقطة من الأصل والمثبت من (ص١).

٤٣١
كِتَابُ القَسَامَةِ
الله عليه من خمس المغنم؛ لأنه الكشيئا لم يكن يجتمع عنده مما يعتبر له في
سهمانه من الإبل ما يبلغ مائة لإعطائه لها، وتفريقها على أهل الحاجة؛
لقوله: ((ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود فيكم))(١) فمن
روى: من إبل الصدقة. أخبر عن ظاهر الأمر ولم يعلم باطنه. ومن روى:
من عنده. علم وجه القصة وباطنها فلم يذكر إبل الصدقة.
وكان في غرمه لها صلحًا عن اليهود وجهان من المصلحة:
أحدهما: أنه عوض أولياء الدم دية قتيلهم، فسكن بذلك بعض ما في
نفوسهم، وقطع العداوة بينهم وبين اليهود.
والثاني: استئلاف اليهود بذلك. وكان حريصًا على إيمانهم.
وقيل: كانت الإبل من الخمس فعبر عنها بالصدقة. وقيل: كان ولاة
الدم فقراء فأعطاهم من إبل الصدقة. يوضحه حديث ((الموطأ)»: خرجوا
إلى خيبر من جهد أصابهم(٢). وقد روى ابن أبي عاصم حديثًا يدل عليه
في أمر الجنين المتقدم، أخرجه من حديث أبي المليح عن أبيه. فقال
الكَيْئالى: (لأخي القاتلة ((ديتها)))(٣) فقال: يا رسول الله، إن لها بنون
فهم أحق بعقل أمهم مني. قال: ((أنت أحق بعقل أختك من ولدها))
فقال: يا رسول الله، مالي شيء يعقل منه. فقال: ((يا حمل بن مالك
أقبض من تحت يدك من صدقات هذيل مائة وعشرين شاة)). قال ابن
أبي عاصم: دل هذا على أن من كان من العاقلة فقيرًا لم يحمل ولم
يرد قسطه على باقي العاقلة وأدى الإمام عنه (٤).
(١) رواه أبو داود (٢٧٥٥).
(٢) ((الموطأ)) ص ٥٤٧ رواية يحيى الليثي.
(٣) في ((الديات)) ص ١١٧: (لأخي القاتل أديه).
(٤) ((الديات)) ص ١١٧.

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن الطلاع: إنما أعطى الشارع من حق الغارمين الذين لهم
سهم من الصدقة.
وفيه: دلالة أنه يعطى من الزكاة أكثر من نصاب.
فصل :
القسامة بفتح القاف وتخفيف السين: مشتقة من القسم، والإقسام
-وهو: اليمين -: يقال: أقسمت: إذا حلفت وقسمت قسامة؛ لأن
فيها اليمين. فالصحيح أنها أسم للأيمان. وقال الأزهري: إنها أسم
للأولياء الذين يحلفون على أستحقاق دم المقتول(١).
فصل :
وحاصل الكلام فيها في ستة مواضع هل يوجب حكمًا أم لا؟ وما
الذي يوجبه (به؟)(٢) وما الذي يوجبها؟ ومن يبدأ باليمين؟ وفي موضع
اليمين، وكم عدة من يحلف فيها؟ وقد أوضحنا ذلك بحمد الله ومنه.
ويأتي بعضه، وأن الجمهور على أنها توجب حكمًا وأنه عند مالك
القود في واحد. وقال الشافعي في الجديد: توجب الدية.
وإذا قلنا بوجوب الدية، فقال في القديم: يقاد من جميع المدعى
عليهم. وهو قول المغيرة. وإذا قلنا: يقاد بها من واحد هل يقسم
عليه؟ قاله مالك، أو على الجماعة، ثم يقتلون واحدًا؟ قاله أشهب.
فصل :
واختلف في مسائل هل توجب القسامة؟ محل الخوض فيها كتب
الفروع وبسطه المالكية.
واختلف عندهم هل يحلف قائمًا أو قاعدًا؟ أو هل يستقبل القبلة؟ وهل
(١) ((تهذيب اللغة)) ٢٩٦٣/٣.
(٢) من (ص١).

٤٣٣
كِتَابُ القَسَامَةِ
=
يزيد: عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم؟ وهل يحلف جميع العصبة إذا
كانوا أكثر من خمسين؟ وإذا استوت حالتهم في كثير يمين هل يدعون
أو يحلف جميعهم أو تستكمل على أحدهم؟ وإذا قلنا برد اليمين في
الخطأ هل يجتزأ بيمين بعض؟ وإذا كانوا خمسين هل يحلف بعضهم؟
فصل :
تكلفت الحنفية في الجواب عن الحديث السالف إلا في القسامة.
فقال الطحاوي: معناه فإنه يحلف من لم يدع عليه القتل نفسه؛ قال:
ويحتمل إلا في القسامة، فإنه لا يبرأ باليمين من الخصومة؛ لأن الدية
تجب مع الیمین فیها.
قال لمن أحتج لمالك: كما تبين أنكم خالفتم الخبر من وجه واحد.
قال: لا بل نخالفه من وجهين، وذلك أن الاستثناء من الإثبات نفي، فهو
أثبت اليمين على من أنكر ونفاها بالاستثناء عنهم إلى غيرهم، فقلتم
أنتم: أثبتها فيهم واستثنى إثباتًا على المنكر ثانيًا.
والثاني: أنه الشّ نفى بالاستثناء أن يكون اليمين على المنكر
وحده، فأثبتم أنتم اليمين عليه وعلى غيره، فخالفتم الخبر من وجهين :
الشارع قال: ((اليمين على من أنكر إلا في القسامة))(١). قلتم أنتم:
على من أنكر في القسامة.
والثاني: قلتم: اليمين على المنكر وغيره. وقالوا أيضًا: إلا القسامة،
فإن اليمين فيها واحدة.
والجواب: أن الاستثناء يرجع إلى ما ذكر وتقدم، وإنما تقدم ذكر
اليمين لا ذكر أعداده.
(١) رواه الدارقطني ١٠٩/٣ من حديث أبي هريرة ومن حديث عبد الله عمرو.

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
قصة عمر فيمن وجد عند بيوت السمّانين لا يخالف مالكًا؛ لأنه
لا يوجب بوجوده في المحلة شيئًا، وإنما يوجب الدية في ذلك
أبو حنيفة، كما سلف أنه التشيئا لم يوجب على اليهود شيئًا بوجود
القتيل في محلتهم.
فصل :
قوله: ( ((الكبر، الكبر)) ) هو منصوب على الإغراء، أي: الزموا
تقدمة الكبير، أيضًا على تقدير فعل، أي: ليتكلم الكبير.
(والكبر) (١) بضم الكاف وسكون الباء: الكبير. قال الجوهري: هو
(كبر)(٢) قومه، أي: أقعدهم في النسب(٣).
فصل :
وقوله: ( ((تأتون بالبينة على من قتله)) ) يستدل به على سماع حجة
الخصم على الغائب.
فصل :
قوله: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ) أي: أظهره.
وقول الناس: (الْقَسَامَةُ حَقُّ القَوَدُ بِهَا .. ) إلى آخره فيه حجة
للجمهور القائلين بها.
وقوله: (وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ) أي: أقامني.
وقول أبي قلابة: (لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى (رَجُلٍ) (٤)
ئے
(١) من (ص١).
(٢) في الأصل: الكبير، والمثبت من ص١.
(٣) ((الصحاح)) ٨٠٢/٢. مادة (كبر).
(٤) ساقطة من الأصل.

٤٣٥
= ڪِتَابُ القَسَامَةِ
مُحْصَنٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَدْ زَنَى وَلَمْ يَرَوْهُ (أَكُنْتَ)(١) تَرْجُمُهُ؟) قال الشيخ
أبو الحسن: لم (يأت)(٢) أبو قلابة بما نسبه؛ لأن الشهادة طريقها غير
طريق اليمين.
قال: والعجب من عمر بن عبد العزيز على مكانته من العلم كيف لم
يعارض أبا قلابة في قوله، وليس أبو قلابة من فقهاء التابعين، وهو عند
الناس معدود في البلد؟!
وقد أسلفنا بعض هذا، ويدل على صحة مقالة الشيخ أبي الحسن في
الفرق بين الشهادة واليمين أنه الكلية عرض على أولياء المقتول اليمين،
وعلم أنهم لم يحضروا بخيبر.
وقوله: (قطع في السرق) هو بفتح السين والراء مصدر سرق سرقًا.
وقوله: (فنقهت أجسامهم) هو بكسر القاف على وزن علم.
وقوله: ( ((أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟))) احتج به الشافعي
-كما قدمناه- أن القسامة تجب بها الدية دون الدم. وفيه دليل أيضًا أن
الحكم لا يكون بمجرد النكول دون أن يرد اليمين على المدعي، خلافًا
لأبي حنيفة في منعه الرد؛ وموضع الدلالة أنه حلّف المدعين.
فصل : في القتل بالقسامة:
جاء في حديث عمرو بن شعيب أنه الكليه قتل بالقسامة رجلاً من بني
نصر بن مالك(٣)، وفي حديث أبي المغيرة أن النبي ◌َّ أقاد بالقسامة
بالطائف (٤)، وكلاهما منقطع(٥).
(١) في الأصل: (لما).
(٢) كذا في الأصل وأعلاها كلمة: لعله. وفي الهامش: في الأصل: يمهل.
(٣) رواه أبو داود (٤٥٢٢)، والبيهقي ١٢٧/٨.
(٤) رواه البيهقي ١٢٧/٨.
(٥) قاله البيهقي ١٢٧/٨.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
قال ابن حزم: أما من جعل اليمين في دعوى الدم خمسين (يمينًا)(١)
ولا بد، لاحجة لهم إلا القياس، وأما من روى عن الزهري: أن القسامة
كانت في أمر الجاهلية فأقرها الشارع تعظيمًا للدم ومن سنتها، وما بلغنا
فيها أن القتيل إذا تكلم برئ أهله، وإن لم يتكلم حلف المدعي. وذلك
فعل عمر، وهو الذي أدركنا الناس عليه. فمرسل، وفيه رجل متهم
(٢)
بالوضع(٢).
قال ابن عبد البر في ((استذكاره)): لم يختلف قول مالك وأصحابه أن
قول المقتول قبل موته: دمي عند فلان. أنه لوث يوجب القسامة، ولم
يتابع مالك على ذلك (أحد إلا الليث بن سعد. وروى ابن القاسم عن
مالك)(٣): أن الشاهد الواحد العدل لوث. وفي رواية أشهب وإن لم
یکن عدلًا فهو لوث. وقد أسلفنا ذلك عنه.
قال مالك: واللوث الذي ليس بقوي ولا قاطع.
واختلفوا في المرأة الواحدة هل يكون شهادتها لوثًا يوجب القسامة؟
وكذلك اختلفوا في النساء والصبيان (٤).
فصل :
قال ابن حزم: وأما المالكيون، فإنهم خالفوا هذا الحكم ولا يرون
فیہ قسامة أصلا إذا لم يتكلم، وذكروا ما حدثناه عبد الله بن (ربيع)(٥)، ثنا
(١) في الأصل: (يومًا)، والمثبت من ((المحلى)).
(٢) ((المحلى) ٧٧/١١-٧٨ بتصرف.
(٣) من (ص١).
(٤) ((الاستذكار)) ٣٠٩/٢٥-٣١٠.
(٥) في الأصل: (يذيع)، والمثبت من ((المحلى)).

٤٣٧
كِتَابُ القَسَامَةِ
=
محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما-
قال: أول قسامة كانت في الجاهلية أن رجلاً من بني هاشم استأجره
رجل من قريش، فانطلق معه، فمرَّ رجل من بني هاشم أنقطعت عروة
جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد عروة جوالقي. فأعطاه، فلما نزلوا
عقل الإبل إلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا
البعير؟ (قال)(١): ليس له عقال. قال: فأين عقاله؟ قال: أعطيته رجلًا
من بني هاشم. فحذفه بعصى كان فيها أجله، فتركه وانصرف. فمرَّ به
رجل من أهل اليمن، فقال له وهو يموت: أتشهد الموسم؟ قال:
نعم. قال: إذا شهدته فنادي: يا آل قريش، ثم يا بني هاشم، ثم أسأل
عن أبي طالب فأخبره أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المستأجر،
فلما قدم الذي كان أستأجره سأله أبو طالب عن صاحبهم: ما فعل؟
قال: مرض ومات، فمكث حينًا، ثم إن الرجل الذي شهد الموسم
وأخبر أبا طالب الخبر، فقال: اختر منا إحدى ثلاث: إما أن تودي
مائة من الإبل؛ فإنك قتلت صاحبنا خطأ، وإن شئت حلف خمسون
من قومك: أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به. فأتى قومه فذكر ذلك
لهم فقالوا: نحلف، فجاءت امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل
منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب أحب أن تجيز ابني هذا
برجل غيره، ولا تصبر يمينه، ففعل.
وأتاه آخر منهم فقال: يا أبا طالب، نصيب كل رجل من الخمسين
بعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان. فقبلهما، وجاء
ثمانية وأربعون فحلفوا.
(١) من (ص١).

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية
والأربعين عين تطرف(١).
قال ابن حزم: وإن كان قد احتجوا بهذا فلقد خالفوه في ثلاثة
مواضع؛ لأن قول المقتول لم يتبين بشاهدين، وهم لا يرون القسامة
بمثل هذا، وأن أبا طالب بدأ بالمدعى عليهم بالأيمان، وهم لا يقولون
بهذا، وأن أبا طالب أقر أن ذلك الذي قتل الهاشمي خطأ، ثم قال
له: إن أبيت قتلناك به. وهم لا يرون القود في قتيل الخطأ، فمن
العجب احتجاجهم بخبر هم أول مخالف له.
وأما نحن، فلا ننكر أن تكون القسامة كانت في الجاهلية في القتيل
توجد فأقرها الشارع على ذلك، وهو حق عندنا؛ لصحة الخبر،
ومن غامض انتزاعهم، ولا حجة لهم فيه أيضًا؛ لأنه حكم كان في بني
إسرائيل، ولا يلزمنا ما كان فيهم إلا أن يلزمناه عليه أفضل الصلاة
والسلام، وهو قوله -تبارك وتعالى -: ﴿وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَأَذَّرَأْتُمْ فِيهَا﴾.
[البقرة: ٧٢] ثم ذكر ما أسلفناه عن ابن جبير، عن ابن عباس
من قصة البقرة، وأنهم ضربوا قبر الميت ببعضها فقام وقال: قتلني
ابن أخي.
فإن احتجوا بحديث رض اليهودي رأس الجارية، فليس صحيحًا؛
لأنهم لا يرون القسامة بدعوى من لم يبلغ. والأظهر في هذِه الجارية أنها
لم تبلغ؛ لأن في الحديث أنها جارية ذات أوضاح، وهذه الصفة عند
العرب -الذين بلغتهم يتكلم أنس بن مالك- يوقعونها على الصبية
(١) سلف برقم (٣٨٤٥) كتاب مناقب الأنصار، باب: القسامة في الجاهلية. وانظر:
«المحلى)) ٧٨/١١-٧٩.

٤٣٩
= كِتَابُ القَسَامَةِ
لا على المرأة البالغة، وليس القود بالشاهدين إجماعًا، كما أدعاه
بعضهم؛ لأن الحسن بن أبي الحسن يقول: لا يقبل في القود
إلا أربعة، وقد صح أنه التَّها قال في حديث سهل لليهود: ((إما أن
تدوا صاحبكم أو تؤذنوا بحرب))(١) وكان ذلك قبل فتحها.
كما في الحديث الثابت عن بشير بن يسار: أن خيبر كانت يومئذٍ
صلحًا، ولم تكن قط صلحًا بعد فتحها عنوة، بل كانوا ذمة يجري
عليهم الصغار، ولا يسمون صلحًا، ولا يمكن أن يؤذنوا للحرب.
فصح يقينًا أن ذلك الحكم من الشارع إجماع من جميع الصحابة،
أولهم وآخرهم بيقين لا شك فيه؛ لأن اليهود بينهم وبين المدينة مائة
ميل إلا أربعة أميال يتردد في ذلك الرسل، فلم يخف ذلك على أحد
من الصحابة بالمدينة، ولا على اليهود، وليس الإسلام يومئذ في غير
المدينة؛ إلا من كان مهاجرًا بالحبشة أو مستضعفًا بمكة. وكذا
قال الشافعي: كانت خيبر دار يهود محضة لا يخالطهم غيرهم كما
أسلفناه عنه(٢).
فصل :
قال ابن حزم: فإن قيل: فما تقولون في قتيل يوجد وفيه رمق
فيحمل، فيموت في مكان آخر أو في الطريق؟
فجوابنا: أنه لا قسامة في هذا، إنما فيه التداعي فقط، فإن وجد أثر
فيه فقد قلنا: أنه التلّة إنما حكم في المقتول، وليس كل ميت مات حتف
أنفه مقتولًا.
(١) سبق تخريجه.
(٢) ((المحلى)) ٨٠/١١-٨٣ بتصرف.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فإن تیقنا أنه قتل بأثر وجد فيه من ضرب أو شدخ وشبه ذلك، فهو
مقتول بالقسامة فيه، فإن أشكل أمره فأمكن أن (يكون)(١) ميتًا حتف أنفه
مقتولًا.
فإن تيقنا أنه بشئ وضع على فيه فقطع نفسه، فالقسامة فيه، وسواء
وجدنا القتيل في دار أعدائنا من الكفار أو من المؤمنين، أو أصدقاء
مؤمنين، أو كفار، أو في دار أخيه أو ابنه، أو حيث ما وجد فالقسامة
في ذلك، وهو قول ابن الزبير ومعاوية بحضرة الصحابة، ولا يصح
خلافهما عن أحد من الصحابة؛ فإنهما حكما في إسماعيل بن هبار؛
-وجد مقتولًا بالمدينة، وادعى قوم قتله- على ثلاثة من قبائل شتى
متفرقة الدور، زهري وتيمي وليثي كناني، ولم يوجد المقتول بين
(٢)
أظهرهم(٢).
قال ابن حزم: وسواء وجد المقتول في مسجد، أو في دار
(نفسه)(٣)، أو في المسجد الجامع، أو في السوق، أو الفلاة، أو في
سفينة، أو نهر يجرى، أو في بحر، أو على عنق إنسان، أو في
سقف، أو في شجرة، أو في غار، أو على دابة واقفة، أو سائرة،
فکله سواء کما ذكرناه.
وقالوا: إن وجد بين قريتين فإنه يذرع ما بينهما فإلى أيهما كان
أقرب، حلفوا وودوا، فإن تعلقوا في ذلك بما رويناه عن عطية
العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: وجد قتيل بين قريتين، فأمر
الكَلِّ فقيس بينهما إلى أيهما هو أقرب؟ (فوجد أقرب) (٤) إلى إحداهما
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) ((المحلى)) ٨٣/١١-٨٤ بتصرف.
(٣) من (ص١).
(٤) ساقطة من الأصل.