Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = ٧- باب مَنْ أَقَادَ بِالْحَجَرِ ٦٨٧٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ◌َُ، أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحِ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ بِِّ وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ: ((أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟)). فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ، فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ◌َّ بِحَجَرَيْنِ. [انظر: ٢٤١٣ - مسلم: ١٦٧٢ - فتح ١٢ / ٢٠٤] ذكر فيه حديث أنس ع في الأوضاح، وقد سلف. ٣٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٨- باب مَنْ قُتِلَ لَهُ فَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ٦٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ، عَنْ يَخْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثِ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الَجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذِه حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُودِى، وَإِمَّا يُقَادُ)). فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ فَقَالَ: آكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَله: ((اكْتُبُوا لأَّبِي شَاهٍ». ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((إِلَّا الإِذْخِرَ)). وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ فِي الفِيلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ، عَنْ أَبِي نُعَيْم: ((الْقَتْلَ)). وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ. [انظر: ١١٢ - مسلم: ١٣٥٥ - فتح ٢٠٥/١٢] ٦٨٨١- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍوٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللهُ لهذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ اُلْقِصَاصُ فِ اَلْقَلْلِ﴾ إِلَى هذِه الآيَةِ ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. قَالَ ابن عَبَّاسِ: فَالْعَقْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَّةَ فِي العَمْدِ، قَالَ: ﴿فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ، وَيُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ. [انظر: ٤٤٩٨- فتح ٢٠٥/١٢] حدثنا أَبُو نُعَيْمِ، ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَىُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: ثَنَا حَرْبٌ، ٣٤٣ = كِتَابُ الدِّيَّاتِ عَنْ يَحْيَى، ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُ أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةً الفِيلَ .. )) الحديث. وفيه: ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ وَلّهِ: ((إِلَّا الِإِذْخِرَ)). تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ فِي الفِيلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنْ أَبِي نُعَيْمِ: ((الْقَتْلَ)). وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ. ثم ساق عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ .. إلى آخره كما سلف في تفسير سورة البقرة. وقوله: (وقال عبد الله بن رجاء) هو شيخه، ومراده بإيراد ذلك تبيين عدم تدلیس یحیی فقال: (عن أبي سلمة) فإن جریرًا قاله عنه عن يحيى، ثنا أبو سلمة. ورواية ابن أبي عاصم عن دحيم ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، ومتابعة عبيد الله أخرجها مسلم عن إسحاق بن منصور عنه به(١)، والرجل من قريش هو العباس. وقوله فيه: (يقال له: أبو شاة) قال عياض: أبو شاة مصروفًا ضبطه، وقرأته أنا نكرة ومعرفة، وخط السلفي الحافظ في تأليفه في فضل الفرس: من قاله بالتاء، وقال: إنه من فرسان الفرس المرسولين من قبل كسرى إلى اليمن. وقوله: ( ((اكتبوا لأبي شاة)) ) يعني: الخطبة التي خطب بها. (١) مسلم (١٣٥٥/ ٤٤٧). ٣٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : واختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل العمد(١): فقالت طائفة: ولي المقتول بالخيار بين القصاص وأخذ الدية، وإن لم يرض القاتل، روي ذلك عن ابن المسيب والحسن وعطاء، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال آخرون: ليس له إذا كان عمدًا إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا أن يرضى القاتل. رواه ابن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه، وبه قال الثوري والكوفيون، وفائدة الخلاف تظهر فيمن قال: عفوت مطلقًا ولم يذكر دية، فالمعروف أنه لا دية له. وقال ابن القاسم: يحلف أنه لم يرد العفو على غير دية. حجة الأولين قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: ترك له دية ورضي منه بالدية، ﴿فَأَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: فعل صاحب الدم أتباع بالمعروف في المطالبة بالدية، وعلى القاتل إذ ذاك: ﴿وَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨] معناه: أن من كان قبلنا لم يفرض عليهم غير النفس بالنفس كما ذكره البخاري عن ابن عباس، واحتجوا أيضًا بحديث الباب: ((إما أن يودى وإما أن يقاد))، وهذا نص في أنه جعل أخذ الدية أو القود إلى أولياء الدم أيضًا، ومن طريق النظر: فإنما لزمته الدية بغير رضاه؛ لأن عليه فرضًا إحياء نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُوْاْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. (١) أنظر في هذِه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٦٩/٥، و((الاستذكار)) ٢٩/٢٥ - ٣٠. ٣٤٥ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = وحجة الآخرين: حديث أنس: أن ابنة النضر -وهي الرُّبَيِّعُ - كسرت ثنية جارية؛ فقال التعليق: ((يا أنس، كتاب الله القصاص))(١) فلما حكم بالقصاص ولم يخيرها (بينه و)(٢) بين أخذ الدية، ثبت بذلك أن الذي يجب بالكتاب والسنة في العمد هو القصاص، إذ لو كان يجب للمجتنى عليه التخيير بينه وبين العفو لأعلمها بما لها أن تختار من ذلك، فلما حكم بالقصاص وأخبر أنه كتاب الله ثبت بما قلناه، ووجب أن يعطف عليه حديث أبي هريرة ه ويجعل قوله: ((فهو بالخيار بين أن يعفو أو يقتص أو يأخذ الدية))(٣) على الرضا من الجاني بغرم الدية حتى تتفق معاني الاختيار، ألا ترى أن حاكمًا لو تقدم رجل إليه في شيء يجب له فيه أحد شيئين فثبت عنده حقه أنه لا يحكم بأحد الشيئين دون الآخر، والشارع أحكم الحكماء، وكذا حديث ابن عباس مرفوعًا: ((العمد قود)) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد (٤). وأما قولهم: إن عليه فرضًا إحياء نفسه، فإنا رأيناهم قد أجمعوا أن الولي لو قال للقاتل: قد رضيت أن آخذ دارك هذِه على ألا أقتلك، أن الواجب على القاتل فيما بينه وبين الله تعالی تسلیم ذلك وحقن دم نفسه، فإن أبى لم يجبره عليها ولم تؤخذ منه كرهًا فيدفع إلى الولي، فكذلك الدية لا يجبر ولا تؤخذ منه كرهًا. قال المهلب: وفي قوله: (((فهو بخير النظرين)) حض وندب لأولياء القتيل أن ينظروا خير نظر، فإن كان القصاص خيرًا من أخذ الدية أقتصوا (١) سلف برقم (٢٧٠٣)، ويأتي قريبًا مختصرًا برقم (٦٨٩٤). (٢) من: (ص١). (٣) رواه أبو داود (٤٤٩٦)، وأحمد ٣١/٤. (٤) أبو داود (٤٥٩١)، النسائي ٤٠/٨، ابن ماجه (٢٦٣٥). ٣٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ولم يقبلوها، وإن كان أخذها أقرب إلى الألفة وقطع الضغائن بين المسلمين أخذت من غير جبر القاتل على أخذها منه، ولا يقتضي قوله: ((بخير النظرين)) إكراه أحد الفريقين، كما لا يقتضي قوله تعالى: ﴿فَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] أخذ الدية من القاتل كرهًا. وقال جماعة من المفسرين: ذلك يقتضي أخذها منه كرهًا إذا لم يعقله برضى أحد، وانفصل عنه بعضهم بأنه تعالى ذكر الشيء منكرًا لا معرفًا، والعفو يكون للبدل في اللغة كما يكون في الترك. فصل : وفي حديث الباب حجة للثوري والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق في قولهم، أنه يجوز [العفو](١) في قتل الغيلة، وهو أن يغتال الإنسان فيخدع بالمشي حتى يصير إلى موضع فيختفي فيه، فإذا صار إليه قتله، وقال مالك: الغيلة بمنزلة المحاربة، وليس لولاة الدم العفو فيها، وذلك إلى السلطان أن يقتل به القاتل. فصل : قال ابن المنذر: وقوله: ((فأهله))(٢) وظاهر الكتاب يدل على أن ذلك للأولياء دون السلطان(٣). فصل : قوله: ( ((إما أن يودى وإما أن يقاد)) ) وقال في آخره: (وقال عبيد الله: إما أن يفادى أهل القتيل). (١) ليست بالأصل وهي مثبتة من ((شرح ابن بطال)) ٥٠٩/٨ والسياق يستقيم بها. (٢) رواه بهذا اللفظ الترمذي (١٤٠٦)، وأحمد ٣٨٤/٦، من حديث أبي شريح الكعبي. (٣) انظر: ((الإشراف)) ٧٥/٣. ٣٤٧ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = قال الداودي: إن كان المحفوظ بالفاء فيحتمل أن يكون للمقتول وليان فيخاطبهما على التثنية، فقال: إما أن يقاد أو يقتلهما، وهذا غير صحيح كما نبه عليه ابن التين؛ لأنه لو كان للتثنية لكان يوديان أو يفاديان، وهذه الرواية إن صحت فإنما هي بالفاء: إما أن يودى القتيل، وإما أن یفادى. واحتج بها لمالك أن القاتل لا يجبر على الدية، والصحيح يقاد بغير ألف، يقال: أقدت القاتل بالقتيل، أي: قتلته به، وأقاده السلطان، ومعنى رواية عبيد الله: يؤخذ لهم بثأرهم، والمفاداة لا تكون إلا من أثنين غالبًا، وقد يرد خلافه، ويحتمل على غير جنس الدية لا يصح إلا برضاهما. فصل : قال المهلب: وقوله(١): ((إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ليدخلوا في دين الله أفواجًا)) فكان ذلك ساعة من نهار، فلما دخلوا عادت حرمتها المعظمة على سائر الأرض من تضعيف إثم منتهك الذنوب فيها، وزالت حرمتها الغير مشروعة من الله ولا من رسوله من ترك من لجأ إليها ودخلها مستأمنًا فارًّا بدم أو بخربةٍ، وجعل القصاص في قتيل الحرم لقوله الكلية: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين)) قاله في قتيل خزاعة المقتول في الحرم، علمنا أنه يجوز القصاص في الحرم، ولو لم يجز ذلك لبينه الشارع. وبين أن الحرمة الباقية بمكة على ما كانت في الجاهلية هو تعظيم الدم فيها عند الله على سائر الأرض؛ الحديث الآتي بعد (١) ورد بعدها في الأصل: فأهله، ولعلها سبق نظر. ٣٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ((أبغض الناس إلى الله ملحد في الحرم)) فهذا نص منه على المعنى الباقي للحرم، ويؤيد هذا قوله تعالى لما ذكر تحريم الأربعة الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] تعظيمًا للظلم فيهن، إذ الظلم في غيرهن محرم أيضًا، فدل أن لها مزية على غيرها في إثم الظلم والقتل وغيره. فصل : الساعة التي أُحلت له لم يكن القتل له فيها محرمًا لإدخاله إياهم في شرائع الإسلام، وكذلك كل قتل يكون على شرائع الله لا تعظيم فيها، ويقتص فيها من صاحبه، وقد سلف اختلاف العلماء في هذه المسألة في الحج. (فصل)(١) : قوله: ( ((لا يختلى شوكها))) أي: لا يجعل خلا، والخلا: -مقصور- الحشيش من اليابس، وقيل: الرطب. وقوله: ( ((ولا يعضد شجرها)) ) أي: لا يقطع بالمعضد، وهي حديدة يقطع بها، والمنشد: المعرف، يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها : عرفتها. ومشهور مذهب مالك أن لقطة مكة كغيرها من البلاد تعرف، وظاهر الحديث خلافه، وهو قول الشافعي. والإذخر جمع إذخرة، وهو نبت(٢) إذا يبس صار كالتبن يوقده الصاغة، ويجعل في الطين يطين به. (١) من (ص١). (٢) ورد بعدها في (ص١): يابس. ٣٤٩ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = فرع : إذا قلنا: ولي المقتول بالخيار، فهل يكون ذلك في الجراح أيضًا أم لا؟ فالمعروف أنه ليس ذلك له، وذكر في ((المعونة)) في الرهن جراح العمد التي يقاد فيها. وقيل: العمد على قول مالك: إنه مخير بين القود والدية، فإذا لزمت الدية جاز الرهن بها(١). فصل : روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يزاد في دية القتيل في الأشهر الحرم أربعة آلاف، والمقتول في مكة يزاد في ديته أربعة آلاف، قيمة دية الحرم عشرين ألفًا، وفي حديث ابن أبي نجيح، عن أبيه، أن عثمان قضى في أمرأة قتلت في الحرم بدية وثلث دية، وعن ابن المسيب وسليمان بن يسار ومجاهد وابن جبير وعطاء: إذا قتل في البلد الحرام فدية وثلث دية، وفي الشهر الحرام وهو محرم فدية مغلظة، وحكاه أيضًا عن ابن شهاب(٢). (١) ((المعونة)) ١٤٥/٢. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٢٠/٥-٤٢١ (٢٧٥٩٨، ٢٧٦٠٠ -٢٧٦٠٢). ٣٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - يِ ٩- باب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرٍ حَقِّ ٦٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغْ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَم أَمْرِئٍ بِغَيْرِ حَقّ لِيُّهَرِيقَ دَمَهُ)). [فتح ١٢ / ٢١٠] ذكر فيه حديثَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ وَقَ (ثَلَاثَةٌ) (١): مُلْحِدٌ فِي الحَرَم، وَمُبْتَغْ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمَّا بِغَيْرِ حَقٌّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ)). الشرح : المراد أبغض أهل الذنوب ممن هو من جملة (المسلمين)(٢)، ولا يجوز أن يكون هؤلاء أبغض إليه من أهل الكفر، وقد عظم الله تعالى الإلحاد في الحرم في كتابه فقال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ يُظُلْمِ نُذِقَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فاشترط أليم العذاب لمن ألحد في الحرم زائدًا على عذابه لو ألحد في غير الحرم. وقيل: كل ظالم فیه ملحد. وقال عمر بن الخطاب : احتكار الطعام بمكة إلحاد(٣). وقال ابن مسعود: مكثرهم القتل بمكة. وقال أهل اللغة: المعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم والباء زائدة. (١) من (ص١). (٢) في (ص١): المفسدين. (٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ١٣٢/٢ (١٤٨٥) مرفوعًا من حديث عمر بن الخطاب ورواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢٥٥/٧- ٢٥٦ موقوفًا على عمر. ٣٥١ ـ كِتَابُ الدِّيَّاتِ وخالف الزجاج فقال: مذهبنا أن الباء ليست زائدة، والمعنى: ومن أراد فيه بأن يلحد بظلم، ومعنى الإلحاد لغة: العدل عن القصد، ومنه سمي اللحد، ولَحَدَ وأَلْحَدَ، وخالف الأحمر فحكى: ألحد: إذا جار، ولحد إذا عدل، وحكى الفراء عن بعضهم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ من الورود(١)، واستبعده النحاس، قال: لأنه إنما يقال: وردته، ولا یقال: وردت فيه(٢). وقوله: ( ((ومبتغ)) ) (روي)(٣) بالغين والعين المهملة، والذي شرحه ابن بطال الأول؛ فقال: والمبتغي في الإسلام سنة الجاهلية فهو طلبهم بالذحول غير القاتل وقتلهم كل من وجدوه من قبله، ومنها أنتهاك المحارم، واتباع الشهوات؛ لأنها كانت مباحة في الجاهلية فنسخها الله تعالى بالإسلام وحرمها على المؤمنين، وقال العليا: ((الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)) (٤)، ومنها النياحة والطيرة والكهانة وغير ذلك، وقد قال الشّه: ((من رغب عن سنتي فليس مني))(٥). وأما إثم الدم الحرام فقد عظمه الله في غير موضع من كتابه وعلى لسان نبيه، حتى قال بعض الصحابة: (إن القاتل)(٦) لا توبة له، وقد سلف بيان مذاهب العلماء في ذلك(٧). (١) ((معاني القرآن)) للفراء ٢٢٣/٢. (٢) ((معاني القرآن)) للنحاس ٣٩٥/٤. (٣) من (ص١). (٤) رواه أبو داود (٢٧٦٩) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٧٤). (٥) سلف برقم (٥٠٦٣). (٦) من (ص١). (٧) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٥١١. ٣٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- فائدة : (أبغض) هو أفعل من أبغض، وأبغض رباعي وهو شاذ لا يقاس عليه، ومثله ما أعدم (من أعدم)(١) إذا افتقر، وكذلك قول عمر عليه في الصلاة: ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع(٢). وإنما يقال: أفعل من كذا للمفاضلة في الفعل الثلاثي. وقوله: ( ((ومطلب)) ) كذا في الأصول: وذكره ابن التين بلفظ ((ومن طلب)) ثم قال: أصله (مطلب)(٣) أسم، مفتعل من طلب فأبدلت التاء طاء وأدغمت التاء في الطاء. وقوله: (امرؤ) يعرب منه حرفان الراء والهمزة في أشهر اللغات. وثانيها: فتح الراء على كل حال، والإعراب في الهمزة، ثالثها: ضم الراء على كل حال. (١) من (ص١). (٢) رواه مالك في الموطأ ص٣١ برواية يحيى الليثي. (٣) كذا بالأصل ولعل الصواب: (مطتلب). ٣٥٣ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = ١٠- باب العَفْوِ في الخَطَإٍ بَعْدَ المَوْتِ ٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَزْوَةُ، حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ مُشْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ. وَحَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَزْوَانَ يَخْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: صَرَخَ إِنْلِيسُ يَوْمَ أَحَدٍ فِي النَّاسِ: يَا عِبَادَ اللهِ، أُخْرَاكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي. فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَنْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى ◌ِحَقُوا بِالطَّائِفِ. [انظر: ٣٢٩٠ - فتح ١٢ /٢١١] حدثنا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عن هشام بن عروة، وفي بعض النسخ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ -الواسطي، وهو غساني شامي مات سنة ثمان وثمانين أو تسعين ومائة، من أفراده- عَنْ هِشَام، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ: يَا عِبَادَ اللهِ، أُخْرَاكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِي، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي. فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَنْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ. وقد سلف في غزوة أحد(١)، وهذا أصل مجمع عليه، أن عفو الولي لا يكون إلا بعد الموت؛ لأنه يمكن أن يبرَّأ، وأما عفو القتيل فإنه يكون قبله، قال علي بن أبي طالب: إن أعش فأنا ولي دمي، (١) برقم (٤٠٦٥). ٣٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وإن أمت فأنتم وذاك(١). وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن قتادة أن عروة بن مسعود الثقفي دعا قومه إلى الله وإلى رسوله، فرماه رجل منهم بسهم فمات فعفا عنه، رفع ذلك إلى رسول الله وَ ليم فأجاز عفوه، وعن الحسن أنه كان يقول: إذا عفا الرجل عن قاتله في العمد قبل أن يموت فهو جائز. وقال ابن طاوس: قلت لأبي: الرجل يقتل فيعفو عن ديته. قال: جائز. قال: قلت: خطأ أم عمد؟ قال: نعم (٢). وزعم أهل الظاهر أن العفو لا يكون للقتيل ولا يكون إلا للولي خاصة، وهو خطأ؛ لأن الولي إنما جعل إليه القيام لما هو للقتيل من أمر نفسه من أجل ولايته له ومحله منه، فالقتيل أولى بذلك وإنما فهم العفو في هذا الحديث من قول حذيفة: (غفر الله لكم)، وقد كان يتوجه الحكم إلى اليمان إلى أخذ الدية من عاقلة المقاتلين وإن لم يعرف منهم. قال ابن التين: ويحتمل أن يريد بقوله: (غفر الله لكم): ترك الدية، ويحتمل أن يكون ذلك قبل أن تفرض الدية، أو سكت عنها لعلم السامع. قلت: قد جاء مصرحًا به أنه تصدق بديته على المسلمين. فصل : وترجم عليه باب: إذا مات في الزحام أو قتل (٣). وقد اختلف العلماء فيمن مات في يوم الزحام ولا يدرى من قتله، فقالت طائفة: دمه في بيت المال، روي ذلك عن عمر وعلي، وبه قال إسحاق. (١) رواه البيهقي ٨/ ١٨٣ بنحوه. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٢٠/٥ (٢٧٥٩٣ -٢٧٥٩٥). (٣) سيأتي برقم (٦٨٩٠). ٣٥٥ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = وقالت أخرى: ديته على من حضر، وهو قول الحسن البصري والزهري ومروان بن الحكم(١). وقالت أخرى: يقال لوليه: آذَّع على من شئت. فإذا حلف على أحد بعينه أو جماعة يمكن أن يكونوا قاتليه في الجمع، (و)(٢) أستحق على عواقلهم الدية في ثلاث سنين، هذا قول الشافعي. وقال مالك: دمه هدر. ووجه من قال: إنه في بيت المال، أنا قد أتفقنا أن من مات من فعل قوم من المسلمين (ولم)(٣) يتعين من قتله فحسن أن يودى من بيت المال؛ لأن بيت مالهم كالعاقلة. ووجه الثاني: أنا قد أيقنا أن من فعلهم مات فلا تتعدى إلى غيرهم، وهو أشبه بحديث الباب؛ لأن حذيفة قال: (غفر الله لكم) يدل أنه لم يغفر لهم (إلا ماله مطالبتهم به) (٤)، ألا ترى قوله فيه هناك: فلم يزل في حذيفة منها بقية. يريد: أنها ظهرت بركة ذلك العفو عنهم. ووجه قول الشافعي أن الدماء والأموال لا تجب إلا بالطلب، فإذا أدعى أولياء المقتول على قوم وأتوا بما يوجب القسامة حلفوا واستحقوا، ووجه قول مالك أنه لما لم يعلم قاتله بعينه علم يقين أَستَحَالَ أن يؤخذ أحد فيه بالظن، فوجب أن يهدر دمه. (١) انظر هذِه الآثار في ((مصنف عبد الرزاق)) ٥٠/١٠-٥١ (١٨٣١٤-١٨٣١٧) و((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٤٥/٥ (٢٧٨٤٧ -٢٧٨٥٠). (٢) لعلها زائدة، والسياق يستقيم بدونها. (٣) في الأصل: (ومن)، والمثبت من (ص١). (٤) من (ص١). ٣٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : وقوله: (وكان أنهزم منهم قوم حتى لحقوا بالطائف). قال الداودي: يعني من المشركين وكان الله تعالى أزال المشركين، وقال رسوله لهم: ((لا تبرحوا حتى يؤذن لكم)) فهزم المشركون فمال القوم للغنيمة فصرف الله وجوههم وهزموا وقتل من المسلمين يومئذ سبعون. قال الداودي: قتل من المهاجرين أربعة ومن الأنصار سبعون. وقال غيره: أربعة من المهاجرين وأحد وستون من الأنصار، وفيها نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَ الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، قال مالك: ولم يكن في عهده القيمة ملحمة هي أشد ولا أكثر قتلى منها وكانت سنة ثلاث (من الهجرة)(١). (١) من (ص١). ٣٥٧ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = ١١- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّ خَطَا﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. هذِه الآية أصل في الديات فذكر فيها ديتين وثلاث كفارات، ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار الإسلام، وذكر الكفارة دون الدية بقتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين إذا حضر معهم الصف فقتله مسلم، فقال: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وإن كان كناية عن المؤمن السالف، وقوله: ﴿مِن قَوْمٍ﴾ معناه عند الشافعي: في قوم فعبر بـ(من) عن (في) إبدالًا لحروف الجر بعضها من بعض، ثم ذكر الدية والكفارة بقتل (الذمي)(١) في دار الإسلام فقال: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيْثَقٌ﴾ فدلت الآية على ما قدمناه، ففي الخطأ الدية بإجماع. فصل : قوله: ﴿إِلَّا خَطَا﴾ ظاهره ليس مرادًا؛ فإنه لا يسوغ له قتله خطأ ولا عمدًا، لكن تقديره: لكن إن خطأه، ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأنه لا يعرف (إلا) بمعنى حرف العطف؛ ولأن الخطأ لا يحذر؛ لأنه ليس بشيء يقصد. وحكى سيبويه أن (إلا) تأتي بمعنى (لكن) كثيرًا. وقال الأصمعي وأبو عبيد: المعنى إلا أن يقتله مخطئا، وكذا قال الزجاج: أن معنى أن يقتل مؤمنا البتة إلا خطأ، وهو استثناء منقطع، (١) في الأصل: (مؤمن)، وما أثبتناه من (ص١)، ولعله الصواب بدليل الآية. ٣٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ومعنى ﴿إِلَّ أَنْ يَصَدَّقُوا﴾ أي: إلا أن يتصدق أهل القتيل على من لزمته دية القتيل (فيعفو عنه ويتجاوز) (١) عن دمه فتسقط عنه. قال مجاهد وعكرمة: وهذه الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قتل رجلًا مسلمًا ولم يعلم بإسلامه، وكان ذلك يعذبه بمثله مع أبي جهل، ثم أسلم وخرج مهاجرًا إلى رسول الله وَّر فلقيه عياش في الطريق فقتله وهو يحسبه كافرًا، ثم جاء إلى رسول الله وَلّ فأخبره بذلك، فأمره أن يعتق رقبة ونزلت الآية، حكاه الطبري عنهما (٢). وقال السدي: قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة، ولا يعلم بإسلامه، وقيل: نزلت في أبي عامر والد أبي الدرداء، خرج إلى سرية فعدل إلى شعب فوجد رجلًا في غنم فقتله، وأخذها وكان يقول: لا إله إلا الله، فوجد في نفسه من ذلك فذكره لرسول الله وَليه فأنكر عليه قتله إذ قال: لا إله إلا الله، فنزلت(٣). وقيل: نزلت في والد أبي حذيفة بن اليمان، قتل خطأ يوم أحد حسبما سلف. فصل : وقوله: ﴿فَإِن كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ يعني: فإن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم ناصبوكم الحرب على الأسلام فقتله مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ولا دية تؤدى إلى قومه؛ لئلا يتقووا بها عليكم ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ﴾ أي: عهد وذمة وليسوا (١) كذا بالأصل وفي ((ابن بطال)) ٨/ ٥١٣: (فيعفوا عنه ويتجاوزوا). (٢) ((تفسير الطبري)) ٤/ ٢٠٥. (٣) أنظر هذِه الآثار في ((تفسير الطبري)) ٢٠٥/٤-٢٠٦ (١٠٠٩٥-١٠٠٩٩). ٣٥٩ كِتَابُ الدِّيَّاتِ أهل حرب لكم ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ يعني على عاقلته وتحرير رقبة مؤمنة كفارة قتله. ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، هل هو مؤمن أو كافر؟ على قولين: أحدهما: أنه كافر (إلا)(١) أنه لزمت قاتليه ديته؛ لأن له ولقومه عهدًا فوجب أداء ديته إلى قومه للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين، وأنها مال من أموالهم فلا يحل للمؤمنين أموالهم بغير طيب أنفسهم، قاله ابن عباس والنخعي والزهري، قالوا: ودية الذمي كدية المسلم. ثانيهما: أنه مؤمن، قاله النخعي وجابر بن زيد والحسن البصري(٢). قال الطبري: وأولاهما عندي قول من قال: إنه من أهل العهد؛ لأن الله أبهم ذلك فقال: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيْثَقٌ﴾ ولم يقل: وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب ﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ إذ ليس هناك مستحق لها إن كان أولياؤه كفارًا(٣). ومذهب مالك أن المسلم إذا قُتِلَ في دار الحرب خطأ أن فيه الدية، وإن قتل عمدًا قتل به قاتله، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قود فيه. والمعنى في إيجاب الكفارة في ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌ﴾ لأجل إيمانه، والدية دفعت من أجل الميثاق والميراث للمسلمين. قال: وهذا الآخر منسوخ؛ لأن المهادنات والمواثيق كانت بين الشارع وطوائف من المشركين، فنسخ ذلك بسورة براءة بقوله: (١) في الأصل (لا)، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٥١٣/٨. (٢) أنظر هذِه الآثار في ((تفسير الطبري)) ٢١٠/٤-٢١١ (١٠١٢٢ - ١٠١٣٠). (٣) ((تفسير الطبري)) ٤/ ٢١١. ٣٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] وقال: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةَ﴾ [التوبة: ٣٦] وفيها أمن أهل الذمة، واستقر الأمر في مشركي العرب بعد الأربعة أشهر على الدخول في الإسلام وإعطاء الجزية أو القتال، فكان هذا ناسخًا لما مضى قبله فلا دية الآن لمسلم يقتل في دار الحرب إذا كان في جملتهم إذ لا ميثاق. ألا تراه قال: ﴿إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْهٍِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيْثَقُ﴾ وقال مالك في: ((كتاب محمد)) و((المستخرجة)) في قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ﴾ لم يذكر فيه دية لمؤمن أسلم ولم يهاجر من مكة فلا دية له إذا قتل؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُ مِّن وَلَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] وروى محمد، عن ابن القاسم في علج دعا إلى المبارزة بين الصفين فبرز إليه رجل، ثم رماه آخر(لم يبارزه فقتله)(١) فديته على الذي رماه؛ لأنه تأول فأخطأ، وليعتق رقبة مؤمنة، وقال أشهب: لا بأس يعينه ولا دية عليه(٢). وهُذِه الآية حجة للمخالفين في أن من أسلم بدار الحرب فلم يخرج إلينا لا دية فيه، فحصل الخلاف في الآية في موضعين: أحدهما: أنه إذا قتل مسلم قاطن بدار الحرب فيه دية. وقال ابن عباس: لا دية له(٣). وإن قتل بدار الإسلام إذا كان قومه كفارًا وقتله خطأ وداه. والحاصل ثلاثة أقوال: الدية مطلقًا سواء قتل ببلاد الحرب أو ببلاد الإسلام لا مطلق التفضيل بينهما. (١) من (ص١). (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٨٩/١٣ -٤٩٠. (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٠٩/٤ (١٠١١٤، ١٠١١٩).