Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
= كِتَابُ الرَّجُمِ
ومعنى (كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم). أي: (كفر)(١) حق ونعمة.
قوله: ( ((لا تطروني كما أُطري عيسى بن مريم)) ) أي: لا تمدحوني
مدح النصارى عيسى، جعله بعضهم إلهًا مع الله، وجعله بعضهم ولده،
ولذلك قال: ((وقولوا: عبد الله ورسوله)) عرفهم ما خشي عليهم جهله
والغلو فيه كما صنعته النصارى في قولهم في عيسى أنه ابن الله،
تعالى الله عن ذلك.
عاشرها: قوله: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة). وقول عمر (أنها كانت
- كذلك- فلتة). قال أبو عبيد: معنى: الفلتة: الفجأة؛ وإنما كانت
كذلك لأنها لم ينتظر بها العوام، وإنما أبتدرها أكابر أصحاب محمد
◌َّ من المهاجرين وعامة الأنصار إلا تلك الطيرة التي كانت من
بعضهم، ثم أصغوا له كافتهم لمعرفتهم أنه ليس لأبي بكر منازع
ولا شريك في الفضل، ولم يكن يحتاج في أمره إلى نظر ولا مشاورة،
فلذلك كانت فلتة وقى الله بها الإسلام وأهله شرها .
وقال الداودي: كانت فجأة من غير مشورة ( ( ... ) (٢) من غير
مشورة )(٣).
وقال الكرابيسي في قولهم: كانت فلتة؛ لأنهم تفلتوا في ذهابهم إلى
الأنصار وبايعوا الصديق بحضرتهم وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه،
(١) من (ص١).
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل، وليتابع التعليق التالي.
(٣) كذا في الأصل؟! والعبارة تبدو وكأنها مضطربة؛ يوضح ذلك أن الحافظ ساق في
((الفتح)) ١٥٠/١٢ قول الداودي هذا فقال: قال الداودي: معنى قوله: (كانت
فلتة) أنها وقعت من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور . اهـ ثم ساق
إنكار الكرابيسي كصنيع المصنف هنا .
قلت: وقد ساق غيرُ الحافظ قولَ الداودي بنفس مضمون الحافظ.

٢٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فقال قائل منهم: منا أمير ومنكم أمير. وقد ثبت أن رسول الله وَ خلاله قال
((الخلافة في قريش))(١)، فإما بايعناهم على ما لا يجوز لنا، وإما قاتلناهم
على ذلك، فهي الفلتة.
ألا ترى قول عمر : (والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من
بيعة أبي بكر، ولأن أقدم فتضرب عنقي أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم
فيهم أبو بكر)، فهذا يبين أن قول عمر: (كانت فلتة). لم يرد مبايعة أبي
بكر، وإنما أراد ما وصفه من خلافة الأنصار عليهم وما كان من أمر
سعد بن عبادة وقومه.
وقول عمر : (قتل الله سعدًا) ولو علموا(٢) في أبي بكر شبهة وأن
بين الخاصة والعامة فيه اختلافًا لما أستجازوا الحكم عليهم بعقد البيعة،
ولو استجازوه ما أجازه الآخرون إلا لمعرفة منهم به متقدمة، ويدل على
ذلك ما رواه النسائي من حديث سالم بن عبيد -وذكر موته التقنية - قال:
خرج أبو بكر فاجتمع المهاجرون يتشاورون بينهم، ثم قال: انطلقوا إلى
إخواننا الأنصار، فقالت: منا أمير ومنكم أمير. فقال عمر : سيفان
في غمد إذًا لا يصطلحان. ثم أخذ بيد أبي بكر فقال: من له هذِه
الثلاث: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِهِ، لَا تَحْزَنْ﴾ من صاحبه؟ ﴿إِذْ هُمَا فِى
اٌلْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] من هما؟ ثم بايعه الناس أحسن بيعة وأكملها(٣).
فدل هذا الحديث أن القوم لم يبايعوه إلا بعد التشاور والتناظر واتفاق
(١) رواه أحمد ١٨٥/٤ من حديث عتبة بن عبد، وله شاهد من حديث أبي هريرة سلف
برقم (٣٤٩٥)، ورواه مسلم (١٨١٨).
(٢) كذا بالأصل، وهذا القول قول أبي عبيد كما أفاده ابن بطال ٤٦١/٨ حيث قال:
قال أبو عبيد: ولو علموا أن في أمر أبي بكر ...
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٧/٥ (٨١٠٩)، والثالثة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ مع مَن؟.

٢٢٣
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
الملأ منهم الذين هم أهل الحل والعقد على الرضا بإمامته والتقديم
بحقه .
ولقولهم: (كانت فلتة). تفسير آخر: قال ثعلب وابن الأعرابي:
الفلتة عند العرب آخر ليلة من الأشهر الحرم يشك فيها، فيقول قوم:
هي من شعبان، ويقول قوم: هي من رجب.
(فصل)(١) :
وبيان هذا أن العرب كانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يقاتلون فيها،
ويرى الرجل قاتل أبيه فلا يمسه، فإذا كان آخر ليلة منها ربما شك قوم،
فقالوا: هي من الحل .
وقال بعضهم: من الحرم، فيبادر الموتور في تلك الليلة فينتهز
الفرصة في إدراك ثأره غير معلوم أن ينصرم الشهر الحرام عن يقين،
فيكره تلك الليلة سفك الدماء وشن الغارات، فشبه عمر ثلاث أيام حياة
رسول الله ﴿ ما كان الناس في عهده عليه من اجتماع الكلمة برسول
الله ◌ٌَّ (وشمول)(٢) الألفة ووقوع الأمنة في الشهر الحرام الذي لا قتال
فيه ولا نزاع، وكأن موته شبيهة القصة بالفلتة التي هي خروج من
(الحرام)(٣)؛ لما نجم عند ذلك من الخلاف وظهر من الفساد، وما كان
من أهل الردة، ومنع العرب الزكاة، وتخلف من تخلف من الأنصار
جريًا منهم على عادة العرب أن لا يسود القبيلة إلا رجل منها، فوقى
الله شرها بتلك البيعة المباركة التي كانت جماعًا للخير ونظامًا للألفة،
(١) من (ص١).
(٢) من (ص١).
(٣) كذا في الأصل، مولعل الصواب: (الحرم) كما عند ابن بطال ٨ /٤٦٢.

٢٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقد روينا في هذا المعنى عن سالم بن عبد الله، رواه سيف في كتاب
البيوع عن مبشر، عنه قال: قال عمر: كانت إمرة أبي بكر فلتة وقى
الله شرها. قلت: ما الفلتة؟ قال: كان أهل الجاهلية يتحاجزون في
الحرم فإذا كانت الليلة التي يشك فيها أدغلوا فأغاروا، وكذلك كانوا
يوم مات رسول الله وَلل أدغل الناس من بين مدع إمارة أو جاحد
زكاة، فلولا اعتراض الصديق دونها لكانت الفضيحة، ذكره الخطابي
كما نقله ابن بطال(١).
قال ابن التين: ولم أره، والذي رأيت له أنه قال: كانت فجأة من
غير مشورة أحد. وقال صاحب ((المنتهى)) في اللغة: الفلتة: آخر يوم من
كل شهر، وربما سمي آخر يوم من الشهر الحرام فلتة واستشهد لكل
منهما. وفي ((المحكم)) الفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وافتلت
عليه: قضي الأمر دونه، وأفلت الشيء: أخذته بسرعة(٢). وقال
الهروي والجوهري: الفلتة: الفجأة إذا لم تكن عن تدبر ولا تردد(٣).
زاد الهروي: وإذا عوجلت خشية أنتشار الأمر(٤). والفلتة بفتح الفاء
في اللغة وكذا رويناه. قال ابن التين: وروي بالضم.
الحادي عشر: إن قلت: فما معنى قول أبي بكر: وليتكم ولست
بخيركم؟ قلت: هذا من جملة فضله أن لا يرى لنفسه فضلا على غيره،
وهذه صفة الخائفين لله تعالى الذين لا يعجبون بعمل ولا يستكثرون
له مهج أنفسهم وأموالهم. قال الحسن ابن أبي الحسن: والله ما خلق الله
(١) ((غريب الحديث للخطابي ١٢٧/٢، ((شرح ابن بطال)) ٤٦١/٨ - ٤٦٢.
(٢) ((المحكم)) ١٠/ ١٨٤.
(٣) ((الصحاح)) ٢٦٠/١.
(٤) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٦٧/٣.

٢٢٥
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
بعد النبيين أفضل من أبي بكر. قالوا: ولا مؤمن آل فرعون؟ قال: ولا مؤمن
آل فرعون. وروى الزهري عن أنس ﴾ قال: سمعت عمر بن الخطاب ذه
يقول حين بويع أبو بكر: إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول
الله ◌َّهُ وثاني اثنين إذ هما في الغار أبو بكر فبايعوه بيعة العامة.
الثاني عشر: قوله: (قد خالف عنا علي والزبير) وليس ذلك بخلاف
في الرأي والمذهب، وإنما هو في الاجتماع والحضور. وقيل: كانوا
لجئوا إلى بيت فاطمة ليتشاور الناس، فخشي الصديق والفاروق إن لم
يبادروا بالبيعة أن يبايع الأنصار أحدهم فتكون فلتة.
وقوله: (واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر) قال الداودي: ما أرى
هُذِهِ اللفظة تثبت؛ لأن أكثر الروايات المستفيضة رواها مالك وغيره
أن أبا بكر وعمر كانا في بيت عائشة، فأتى رجل من الأنصار فقال:
ليخرج إليَّ عمر. قيل له: هو مشغول. قال: لا بد أن يخرج، إنه قد
حدث أمر، فخرج إليه فقال: إن الأنصار أجتمعوا ليؤمروا أحدهم،
فأدركوا الأمر. فقال عمر لأبي بكر: أعزم، فخرجا فلقيا أبا عبيدة
فسارا فكان أبو بكر بينهما، فلقيهما رجلان من الأنصار عويم بن
ساعدة ومعن بن عدي فقالا: أين تريدون؟ فقالوا: إخواننا الأنصار
بلغنا ما أستقلوا به، فقالا: أمضوا لأمركم. فقالوا: لا بد أن نأتيهم.
وفي إشارة عمر على الصديق أن يأتي الأنصار دليل على أنه إذا
خشي من قوم فتنة أن لا يجيبوا إلى الإقبال إلى من فوقهم أن ينهض
إليهم من فوقهم، ويبين لجماعتهم الحق قبل أن يحكم بذلك الرأي
ويقضي به، ألا ترى إلى إجابة أبي بكر إلى ذلك وهو الإمام.
الثالث عشر: قول الرجلين من الأنصار: (لا عليكم ألا تقربوهم
أقضوا أمركم).

٢٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فيه: دلالة أن الأنصار لم تطبق على دعواها في الخلافة، وإنما
أُدعى ذلك الأقل، وهذان معن بن عدي بن الجد بن العجلان أخو
عاصم، وعويم بن ساعدة.
وقول الأنصار: (نحن كتيبة(١) الله) لا ينكر ذلك من فضلهم كما قال
الصديق: (ولكن لا يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) أي:
لا يخرج هذا الأمر عنهم.
وقوله (أوسط العرب نسبًا) أي: أعدل وأفضل، منه قوله تعالى:
﴿أُمَّةً وَسَطًّا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدلًا.
الرابع عشر: قول الصديق: (قد رضيت لكم أحد الرجلين) هو من
طريق الأدب خشي أن يزكي نفسه بعد ذلك عليه.
وقوله: (أحد) يدل أنه لا يكون للمسلمين أكثر من إمام واحد، وقد
صح(٢) أنه الَّيْل قال: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِرَ منهما))(٣) يعني:
أخلعوه واجعلوه كمن قتل ومات بأن لا تقبلوا له قولًا ولا تقيموا له دعوة
حتى يكون في أعداد من قتل وبطل.
وفيه: جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان من أهل
الغناء والكفاية، وقد قدم الشارع أسامة على جيش فيهم أبو بكر (٤)
وعمر .
(١) كذا بالأصل وفوقها (كذا)، وكتب بالهامش ما نصه: لفظ أصله: نحن كتيبة الله.
ولفظ الصحيح: نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام. وكأنه سقط من الكاتب.
(٢) ورد بهامش الأصل: هو في مسلم من طرق.
(٣) رواه مسلم (١٨٥٣) من حديث أبي سعيد.
(٤) ورد بهامش الأصل: أنكر ابن تيمية أن يكون في الرد على ابن المطهر الرافضي أن
یکون الصدیق فیھم.

٢٢٧
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
وقول عمر: (لم أكره من مقالته غيرها). يعني: إشارته بالخلافة إلى
عمر لما ذكر أن يقوم لضرب عنقه أحب إليه من التأمير والتقدم للخلافة
بحضرته .
وقوله: (إلا أن تسول لي نفسي) محافظة لما حلف عليه ولمعرفته
بالله من تقليب القلوب فأخذ في هذا بأبلغ العذر.
الخامس عشر: قول الحباب بن المنذر: (أنا جُذَيْلُهَا المحكك
وغُذَيْقُهَا المرجب).
قال الأصمعي فيما حكاه أبو عبيد: الجذيل: تصغير جذل،
(وأجذل)(١) بفتح الجيم وكسرها(٢)، وهو أصل الشجر كما قاله القزاز،
أو أصول الحطب العظام كما قاله الجوهري(٣)، وهو هنا عود ينصب
للإبل الجرباء تحتك به من الجرب، فأراد أن يستشفي به كما كانت
الإبل تستشفي بالاحتكاك بذلك العود. وقال غيره: أخبر أنه شديد
المعارضة غليظ الشكيمة ثبت القدر صلب الكسر، ويقال: معناه أنا
دون الأنصار جذل حكاك، وكقول الرجل لصاحبه: أجذل عن القوم.
أي: خاصم عنهم.
والعذيق: تصغير عِذق بكسر العين، والذي بالفتح النخلة نفسها
فأينما مالت النخلة الكريمة بنوا ناحية ميلها بناء مرتفعا يدعمها؛
لكيلا تسقط، وكذا في القنو، فذلك الترجيب، ولا يرجب إلا كريم
النخل. والترجيب: التعظيم، يقال: رجبت الرجل رجبا: عظمته،
(١) من (ص١).
(٢) ((غريب الحديث)) ٢٥٢/٢.
(٣) ((الصحاح)) ٤/ ١٦٥٤.

٢٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومنه سمي رجب؛ لأنه كان يعظم، ومنه الحديث: ((ورجب مضر الذي
بين جمادى وشعبان))(١)، وأضاف رجبًا إلى مضر؛ لأنهم كانوا يعظمونه
خلاف غيرهم كأنهم اختصوا، ومنه سمي رجب وقد يكون ترجيبها بأن
يجعل حولها شوك؛ لئلا يترقى إليها، ومن الترجيب أن يعمد بخشبة ذات
شعبتين، والرجبية من النخل فنسبوه إليها .
قال الشاعر:
فليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايًا في السنين الجوائح
بسنهاء وزنه مفاعيل لكنه مكفوف، وكأنه أراد به مشرف معظم في
قومه(٢) ويدفع الجماعة به، وإنما صغرهما فقال: عُذيق وجُذَيل على
وجه المدح، وإنما وصفهما بالكرم.
السادس عشر: وقول عمر لأبي بكر رضي الله عنهما : أبسط يدك
لأبايعك، وإجابة أبي بكر له بعد أن قال: (قد رضيت لكم أحد
هذين)، دليل على أنه لم يحل له أن يتخلف عما قدمه رسول الله وَال
بالدليل من الصلاة، وهي عمدة الإسلام، وقوله للمرأة: ((إن لم
تجديني فأتي أبا بكر))(٣).
فإن قلت: كيف جاز له أن يجعل الأمر في أحدهما وقد علم بالدليل
الواضح استخلاف رسول الله وَيّ له؟
(١) سلف برقم (٤٤٠٦) من حديث أبي بكرة.
(٢) في (ص١): قوله.
(٣) سلف برقم (٣٦٥٩) كتاب فضائل الصحابة، باب: قول النبي وَ لّ «لو كنت متخذًا
خليلًا)). ولمسلم برقم (٢٣٨٦) كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر
الصدیق.

٢٢٩
ـ كِتَابُ الرَّجُمِ
قيل: ليس في قوله ذلك تخلية له من الأمر إذ كان الرضا موقوفًا عليه
والاختيار إليه، وليس ذلك بمخرجه أن يرى نفسه أهلًا لها، (وإنما تأدب
إذ لم يقل: رضيت لكم نفسي، فلم يجز أحدهما أن يرى نفسه أهلًا
لها)(١) في زمن فيه أبو بكر، وقد روي أن عمر قال لهم: أيكم تطيب
نفسه أن يؤخر أبا بكر عن مقام أقامه فيه رسول الله بَلٍ؟ فقالت
الأنصار بأجمعهم: لا. ولذلك قال عمر: (إنا والله ما وجدنا فيما
حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر) يعني: في قطع الخلاف
وبرضى الجماعة به وإقرارهم بفضله.
السابع عشر: قوله: (ونزونا على سعد بن عبادة) أي: درسناه
دروسًا عليه في متابعته إلى البيعة، والنزوان: الدنو.
الثامن عشر: فيه: الدعاء على من يخشى منه الفتنة. وقال
الخطابي: (معنى)(٢) قوله: (قتل الله سعدًا). أي: أجعلوه كمن قتل
واحسبوه في عداد الأموات ولا تعتدوا لمشهده، وذلك أن سعدًا أراد
في ذلك المقام أن يبعث أميرًا على قومه على مذهب العرب في
الجاهلية أن لا يسود القبيلة إلا رجل منها، وكان حكم الإسلام
خلاف ذلك، فرأى عمر إبطاله بما غلظ من القول وأشنعه، وكل شيء
أبطلت فعله وسلبت قوته فقد قتلته وأمته، وكذلك: قتلت الشراب:
إذا مزجته لتکسر شدته.
التاسع عشر: قوله: (وليس فيكم من تقطع الأعناق له مثل أبي بكر).
يريد أن السابق منكم لا يلحق شأوه في الفضل ولا يكون أحد مثله؛
لأنه أسبق من السابقين، فلذلك مضت بيعته على كل حال فجأة، ووقى
(١) من (ص١).
(٢) من (ص١).

٢٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الله شرها، فلا يطمع أحد بعده في مثل ذلك، ولا يبايع إلا على مشورة
واتفاق كلمة. ويقال للفرس الجواد: تقطعت أعناق الخيل إليه فلم
تلحقه .
وقوله: (على غير مشورة) هي بضم الشين(١).
العشرون: قوله: (تغرة أن يقتلا). (تغرة)(٢) مصدر غررته: إذا لقيته
في الغرر، وهي من التغرير كالتعلة من التعليل، وفي الكلام مضاف
محذوف تقديره: خوف تغرة أن يقتلا. أي: خوف وقوعهما في
القتل، فحذف المضاف الذي هو الخوف وأقام المضاف إليه الذي
هو (تغرة) مقامه، وانتصب على أنه مفعول له، ويجوز أن يكون
قوله: (أن يقتلا) معناه: خوف تغرة قتلهما .
قال أبو عبيد: التغرة: التغرير، غررت بالقوم تغريرًا وتغرة. وكذلك
يقال في المضاعف خاصة كقولك: حللت اليمين تحليلًا وتحلة. قال
الخطابي: وسئل سعد بن إبراهيم عن تفسير التغرة فقال: عقوبتهما
ألا يؤمَّر واحد منهما، وإنما أراد عمر أن ينعتهما تغريرًا بأنفسهما
بالقتل وتعريضًا له، فنهاهما عنه، وأمر ألا يؤمر واحد؛ لئلا يطمع في
ذلك فيفعل به هذا الفعل (٣).
الحادي بعد العشرين: الدافة: القوم يسيرون جماعة سير ليس
بالشديد لضعفهم وحاجتهم، يقال: هم يدفون دفيفًا. وقال أبو عمرو:
بدال مهملة .
(١) ورد بهامش الأصل: ويجوز إسكانها وفتح الواو.
(٢) من (ص١).
(٣) انظر: ((غريب الحديث)) لأبي عبيد ٨٦/٢، ((غريب الحديث)) للخطابي ١٢٣/٢.

٢٣١
= كِتَابُ الرَّحْمِ
وقوله: (فإذا رجل مزمل). أي: مغطى ومدثر.
وقوله: (متوعك). أي: ضعيف بالحمى.
وقوله: (يختزلونا من أصلنا). أي: يقطعونا ويذهبوا بنا متفرقين.
وفي حديث آخر: أرادوا أن يختزلوه دوننا. أي ينفردون به.
وقوله: (وأن يحضنونا من الأمر). أي يخرجوننا، يقال حضنت
الرجل من الشيء وأحضنته: أخرجته منه.
وقوله: (وكنت زورت مقالة) هو إصلاح الكلام وتهيئته، كما قال
الأصمعي .
وقال أبو زيد: المزور من الكلام والمزوق واحد، وهو المحسن
المصلح، وكذلك الخط إذا قومته.
وقوله: (فلا يبايع هو) بالياء، وروي يتابع. والمراد ما سلف من
قوله: (أنتم رهط دفت دافة من قومكم). يريد: إنكم قوم غرباء طراة
أقبلتم من مكة إلينا وأنتم نفر يسير بمنزلة الرهط ما بين الثلاثة إلى
العشرة .
وقول عمر: (كنت أداري بعض الحد). يعني: الحدة. هو بالحاء
المهملة .
وقوله: (ابسط يدك يا أبا بكر). فأجابه لذلك بعد قوله: (رضيت
لكم أحد هذين الرجلين). دليل على أنه لم يحل له أن يتخلف
عما قدمه إليه الشارع.

٢٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٢ - باب البِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ
وقوله تعالى ﴿الَِّيَةُ وَلَِّ فَأَجْلِدُوْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِْئَةَ جَلْدَّةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ
◌ِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللهِ﴾ الآيات [النور: ٢-٣]. قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: رَأْفَةٌ
في إِقَامَةِ الحد.
٦٨٣١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، أَخْبَرَنَا ابن شِهَابٍ،
عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َه
يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامِ. [انظر: ٢٣١٤ - مسلم: ١٦٩٨ - فتح
١٢/ ١٥٦]
٦٨٣٢ - قَالَ ابن شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخْطَّابِ غَرَّبَ، ثُمَّ لَمْ
تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ. [فتح ١٢/ ١٥٦]
٦٨٣٣ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلْ يُحْصَنْ
بِنَقْى عَامِ بِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ. [انظر: ٢٣١٥ - مسلم: ١٦٩٧ - فتحت ١٥٦/١٢]
ثم ساق حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ اَلّ
يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ.
قَالَ ابن شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ
غَرَّبَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ.
وحديث أبي هريرة أنه العَّا قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْي عَامٍ
وبِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ.
الشرح:
تفسير ابن عيينة رويناه في ((تفسيره))، وأخرجه ابن أبي شيبة عن
وكيع، عنه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بزيادة: يقطع

٢٣٣
- كِتَابُ الرَّمجمِ
ولا يعطل(١). وحديث أبي هريرة اختصره هنا، وسيأتي على الإثر
مطولا، وكذا حديث زيد بن خالد، وهُذِهِ الآية وهي ﴿الَّنِيَّةُ وَالَِّ
فَجْلِدُوا﴾ ناسخة لقوله ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ﴾ الآية
[النساء: ١٥] ولقوله ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فََاذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]
فكل من زنا منهما أوذي إلى الموت. قال مجاهد: بالسب، ثم نسخ
ذلك بهذه الآية(٢).
قال النحاس: ولا اختلاف في ذلك بين المفسرين، ثم اختلفوا هل
هذِهِ الآية خاصة في الأبكار أو عامة في كل شيء وتضرب الثيب ثم
ترجم (٣)؟
وقد سلف عن ابن عيينة وغيره: الرأفة: إقامة الحدود، يريد:
لا يرتفق بهم فيعطوا إقامة الحدود الواجبة، وقد أسلفناه عن مجاهد.
وقاله عطاء أيضًا، فالمعنى: لا ترحموهم فتتركوا الحد.
فصل :
والطائفة في الآية أربعة كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما. قال
الزجاج: ولا يجوز أن تكون الطائفة واحدًا؛ لأن معناها معنى
الجماعة، (والجماعة)(٤) لا تكون أقل من أثنين. وقال غيره: لا يمنع
ذلك على قول أهل اللغة؛ لأن معنى طائفة قطعة، يقال: أكلت طائفة
من الشاة. أي: قطعة منها. وروي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَإِن
طَايِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] أنهما كانا رجلين.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٣٠/٥ (٢٨٧٣٠) ولفظه: يقام ولا يعطل.
(٢) ((تفسير مجاهد)) ١٤٩/١.
(٣) أنظر: ((الناسخ والمنسوخ)) ١٦٢/٢.
(٤) من (ص١).

٢٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
وقوله تعالى: ﴿الزَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ أصلها أنه كان في الجاهلية
نساء يزنين فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، فنزلت، قاله مجاهد
والزهري وقتادة، وقال الحسن: الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله.
وروي عن ابن عباس: النكاح هنا: الجماع، وعنه أيضًا: لا يزني.
وقيل: لا يزني مكتسب الزنا إلا بزانية حراما فيكونان زانيين، أو حلالًا
فیکونان کافرین.
وعن ابن المسيب وغيره أنها منسوخة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾
[النور: ٣٢] فدخلت في الأيامى وقوله ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾(١)
[النور: ٣].
فصل :
في الحديث تغريب البكر مع الجلد، وكذا في حديث العسيف، وهو
حجة على أبي حنيفة ومحمد في (إنكاره)(٢) التغريب(٣)، وعند مالك
تُنفى البكر الحر، ولا تغرب المرأة ولا العبد (٤).
وقال الثوري والأوزاعي والشافعي: تغرب المرأة والرجل.
واختلف قول الشافعي في نفي العبد(٥). قال ابن المنذر: وهو قول
الراشدين -يعني: تغريب البكر بعد جلده- روي عن الخلفاء الأربعة
(١) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٢٦١/٩-٢٦٤.
(٢) ورد في هامش الأصل: الجادة: إنكارهما.
(٣) أنظر: ((الهداية)) ٣٨٦/٢.
(٤) أنظر ((المدونة)) ٣٩٧/٤، ((الكافي)) ص ٥٧٢، ((القوانين الفقهية)) ص ٣٤٧.
(٥) أنظر: ((البيان)) ٣٥٣/١٢-٣٥٥، ((روضة الطالبين)) ٨٧/١٠، ((الشرح الكبير))
للرافعي ١١/ ١٣٤.

٢٣٥
- كِتَابُ الرَّجُمِ
وأبي بن كعب وابن عمر، وبه قال أئمة الأمصار (١)، وقد قيل: التغريب:
بأنه التعزير، فيرجع إلى رأي الإمام فيه، إن شاء فعله. ويرد عليه قوله:
(لأقضين بينكما بكتاب الله))، ثم قضى بالتغريب(٢).
قال ابن بطال: وأجمعوا على أن قوله تعالى: ﴿الَّنَةُ وَالَِّىِ فَاجْلِدُ وا﴾
في زنا الأبكار خاصة؛ لما ثبت في حد الثيب أنه الرجم. وقال عمر ظـ
على رءوس الناس كافة: الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن
ولم يكن في الصحابة مخالف، فكان إجماعًا. وحجة أبي حنيفة ظاهر
القرآن فإنه لا نفي فيه، وقد سلف الرد عليه، فلا معنى لقوله بخلافه السنة
الثابتة، ألا ترى أنه أقسم في حديث العسيف: ((لأقضين بينكما بكتاب
الله))؟! فقضى به على العسيف، فكان فعله بيانًا لكتاب الله، فهو إجماع
الصحابة وعليه عامة العلماء، فسقط قول من خالفه.
فصل :
اختلف في المسافة التي يغرب إليها، فروي عن عمر أنه قال:
فدك، ومثله عن ابنه، وبه قال عبد الملك، وزادوا إلى ميل الجار من
المدينة، وروي عن علي من الكوفة إلى البصرة. وقال الشعبي: ينفيه
من عمله إلى غيره. وقال مالك: يغرب عامًا في بلد يحبس فيه؛
لئلا يرجع إلى البلد الذي نفي منه(٣). وعن أحمد إلى قدر ما تقصر
فيه الصلاة (٤) .
(١) أنظر: ((الشرح الكبير)) ٢٥٤/٢٦.
(٢) سلف برقم (٢٦٩٥)، ورواه مسلم أيضًا (١٦٩٧) من حديث أبي هريرة وزيد بن
خالد.
(٣) ((المدونة)) ٣٩٨/٤، ((الاستذكار)) ٥٤/٢٤.
(٤) انظر: ((الكافي)) ٣٩٩/٥، ((المقنع)) مع ((الشرح الكبير)) ٢٥٤/٢٦.

٢٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال أبو ثور. إلى ميل وأقل منه(١). وقال ابن المنذر: يجزئ من
ذلك ما يقع عليه اسم النفي قل أو كثر. لا حجة لمن جعل لذلك
حدًّا(٢) .
وعندنا لا تغرب المرأة وحدها بل مع زوج أو محرم(٣)، واحتج
المالك أنها لا تغرب خوف هتك حرمتها، وقد قال العليا: ((لا تسافر
المرأة إلا ومعها ذو محرم)) (٤) وخروج المحرم معها فيه عقوبة لمن لم
يزن(٥). وقال بعض متأخريهم: إن كانت العلة الولي فتسافر مع رجال
ونساء كما في الحج، فإن عدم سجنت موضعها عامًا؛ لأن العقوبة
التغريب والسجن، فإذا عدم أحدهما فعل الآخر، واحتج له في العبد
بأنه لا وطن له حتى يعاقب بإخراجه عنه، فلا حاجة إلى تغريبه إذا
حاله يستوي في كل البلاد.
فصل :
واختلفوا في مواضع الضرب والرجم، قال مالك: الحدود كلها
الزنا والخمر والفرية والتعزير لا يضرب إلا في الظهر، ولا تضرب
الأعضاء(٦). وقال أبو حنيفة: تضرب الأعضاء كلها إلا الفرج
والرأس والوجه(٧).
(١) أنظر: ((الشرح الكبير)) مع ((الإنصاف)) ٢٥٨/٢٦.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٦٧ -٤٦٨.
(٣) أنظر: ((روضة الطالبين)) ١٠/ ٨٧.
(٤) سلف برقم (١٠٨٦)، ورواه مسلم (١٣٣٨) من حديث ابن عمر.
(٥) أنظر: ((المنتقى)) ١٣٧/٧، ((الذخيرة» ٨٨/١٢، ٨٩.
(٦) ((المدونة)) ٣٩٨/٤.
(٧) (بداية المبتدي)) مع ((الهداية)) ٣٨٤/٢.

٢٣٧
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
وروي عن عمر وابنه أنهما قالا : لا تضرب الرأس. وقال الشافعي :
يتقى الفرج والوجه. وروي ذلك عن علي ﴾(١)، وبه قال ابن شعبان،
وأما الفرج إذا لم يحفر للمرجوم فقال الأبهري: ما قدمناه عنه لا يحفر
له؛ لأن الرجم يجب أن يكون على سائر الجسد، فإذا حفر له غاب شيء
من بدنه عن الرجم. وقال الشيخ أبو الحسن في ((تبصرته)): لا يضرب -
إذا لم يحفر له- رجليه ولا ساقيه ولا بدنه؛ لأن ذلك تعذيب وليس
بتمثيل. واستحسن قول مالك أنه يجلد في الظهر؛ لقوله القليفي: ((البينة
وإلا حد في ظهرك))(٢).
(١) ((مختصر المزني)» ص٣٥٥.
(٢) سلف برقم (٢٦٧١) من حديث ابن عباس.

٢٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٣- باب نَفْي أَهْلِ المَعَاصِي وَالْمُخَتَّتِينَ
٦٨٣٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ◌َ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْتَرَجِّلَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: ((أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ)). وَأَخْرَجَ فُلَانَا، وَأَخْرَجَ [عُمَرُأَ فُلَانًا.
[انظر: ٥٨٨٥- فتح ١٢ / ١٥٩]
ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: لَعَنَ رسول الله
المُخَِّينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: ((أَخْرِجُوهُمْ مِنْ
بُيُوتِكُمْ)). وَأَخْرَجَ النبيِ نََِّّ فُلَانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا .
وقد سلف في اللباس، وذكر هنا؛ لنعرفك أن التغريب واجب على
الزاني؛ لأنه القَّ لما نفى من أتى من المعاصي ما لا حد فيه، فنفي من
أتى ما فيه الحد أوجب في النظر، لو لم يكن في نفي الزاني سنة ثابتة
لتبين خطأ أبي حنيفة في القياس، وذكر في الإشخاص والملازمة،
والأحكام في مثل هذه الترجمة حديث أبي هريرة ظه في تحريق بيوت
المتخلفين عن الصلاة معه(١).
ولعنة الشارع ما ذكره هنا، وأمره بإخراجهم يدل على أنه ينفى كل
من خشيت منه فتنة على الناس في دين أو دنيا، وهذا الحديث أصل
لذلك.
فصل :
المخنث بكسر النون وفتحها مأخوذ من خنثت الشيء، فتخنث،
أي: عطفته فتعطف، وهو المشبه في كلامه بالنساء تكسرًا وتعطفا.
(١) سلف برقم (٢٤٢٠) وسيأتي في الأحكام برقم (٧٢٢٤).

٢٣٩
ـ كِتَابُ الرَّحْمِ
والمترجلات: المتشبهات بالرجال في كلامهم وهيئتهم. والمخنث إذا
كان يؤتى يرجم مع الفاعل أحصنا أو لم يحصنا عند مالك. (وقال
الشافعي)(١): إن كان غير محصن فعليه الجلد(٢). وكذا عند مالك إن
كانا كافرين أو عبدين. وقال أشهب في العبدين: يحدان حد الزنا
خمسين خمسين، وفي الكافرين يؤدبان ويرفعان إلى أهل دينهما(٣)،
قاله ابن شعبان. زاد: ومن الناس من يرقى بالمرجوم على رأس جبل
ثم يرميه منكوسا ثم يتبعه بالحجارة، وهو نوع من الرجم وفعله جائز.
وقال أبو حنيفة: لا حد فيه إنما فيه التعزير. وهذا الفعل ليس عندهم
بزنا، ورأيت عندهم أن محل ذلك ما إذا لم يتكرر، فإن تكرر قتل (٤)،
وحديث: ((ارجموا الفاعل والمفعول به))(٥) متكلم فيه، وإن كان لم
يشترط فيه إحصائهم وليس على شرطه. وقال بعض أهل الظاهر:
لا شيء على من فعل هذا الصنيع، وهو من عجب العجاب،
ولما حكاه الخطابي في ((معالمه)) قال: إنه أبعد الأقاويل من الصواب
وأدعاها إلى إغراء الفجار به وتهوين ذلك في أعينهم، وهو قول
مرغوب عنه(٦).
(١) من (ص١).
(٢) انظر: ((أسنى المطالب)) ١٢٩/٤.
(٣) أنظر: ((الذخيرة)) ١٢ /٦٥.
(٤) ورد بهامش الأصل: وكذا حكاه ابن قيم الجوزية الحافظ شمس الدين عنهم أنه إذا
عرف بالتلوط فإنه يقتل تعزيرًا. وسألت أنا عنهم بعض فضلاء الحنفية فقال: نعم.
(٥) رواه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٥)، وابن ماجه (٢٥٦١) من حديث
ابن عباس بلفظ: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به))،
وانظر تمام تخريجه في ((البدر المنير)) ٨/ ٦٠٢ .
(٦) («معالم السنن)) ٢٨٧/٣.

٢٤٠
التوضيح اشرح الجامع الصحيح -
(فصل) (١) :
قال بعض العلماء: لا ينفى إلا ثلاثة بكر ومخنث ومحارب.
فصل :
يعود على ما استنبطناه من النفي للمخنث: ذكر الهروي أن عروة
قال للحجاج: يا ابن المتمنية، أراد أمه وهي فريعة بنت الهمام،
وكانت تحت المغيرة بن شعبة، وهي القائلة فيما قيل:
ألا سبيل إلى خمر فأشربها ألا سبيل إلى نصر بن حجاج
وكان نصر رجلا من بني سليم رائع الجمال تفتن به النساء، فمر
عمر بن الخطاب بهذه المرأة وهي تنشد هذا البيت فدعا بنصر فسيره
إلى البصرة.
(١) في (ص١): فائدة.