Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
= كِتَابُ الحُدُودِ
غير مقيد، والحفاظ (يختلفون)(١) فيه الحديث.
وقال البخاري: قال ابن أبي مريم: ثنا يحيى بن أيوب، ثنا جعفر بن
ربيعة أن الأسود بن العلاء (بن الجارية)(٢)، حدثه أنه سمع عمرة تحدث
عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله مَّي مثله.
قال البخاري: وقال (ابن)(٣) إسماعيل: أنا علي بن المبارك، أنا
يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أن عمرة
حدثته أن عائشة حدثتها عن رسول الله وَ لّ مثله. قال: وقال الأويسي:
ثنا ابن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة، عن رسول الله
وَلّر نحوه. قال: وقال أصبغ: أخبرني ابن وهب، عن مخرمة بن
بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عمرة، عن عائشة رضي
الله عنها، عن النبي وسلم مثله (٤). هكذا وجدنا هذا الحديث في ((تاريخ
البخاري)) في ترجمة كثير بن حبيش، إلا أنه قال في ذكر كثير: سمع
عمرة بنت عبد الرحمن، روى عنه الأسود بن العلاء، أو العلاء ابن
الأسود، ثم أردفه بأحاديث جماعة ممن رواه عن عمرة، فيشبه أن
يكون الحديث عن جعفر بن ربيعة، عن الأسود، عن أبي سلمة
وصاحبيه أنهم تنازعوا فدخلوا على عمرة، ثم عمرة حدثت عن عائشة
رضي الله عنها، وعائشة حدثت عن رسول الله وَ له، ويحتمل أن يكون
الأسود معهم حين دخلوا على عمرة.
(١) وقع في المطبوع من ((معرفة السنن والآثار)) لا يختلفون.
(٢) في (ص٢): بن حارثة.
(٣) من (ص٢).
(٤) ((التاريخ الكبير)) ٢٠٩/٧-٢١٠ (٩١٤).

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفي رواية ابن أبي مريم دلالة على ذلك، وقد أثبت البخاري في
((التاريخ)) سماعه من أبي سلمة وعمرة، وقال: قاله جعفر بن ربيعة(١).
وسماع جعفر من الأسود غير مدفوع مع أنه قد سمع من عبد الرحمن
الأعرج، فليس من البعيد سماعه من أبي سلمة والمذكورين معه.
وقد روى الأسود، عن أبي سلمة غير هذا الحديث، فليس فيما رد
به هذا الشيخ حديث أبي سلمة ما يوجب الرد، وقد أغنى الله جل وعز
برواية الجماعة، عن عمرة، عن عائشة، ورواية الجماعة عن نافع، عن
مولاه، عن رواية جعفر بن (ربيعة)(٢)، وإن كان فيها زيادة بظاهر.
والذي نستدل به على أنقطاع حديث أيمن -ثم ساقه بإسناده- عن
أيمن مولى ابن الزبير، عن تبيع، عن كعب قال: من توضأ فأحسن
الوضوء ثم صلى العشاء .. الحديث(٣).
كذا قال مولى ابن الزبير. وقد قيل: هو مولى ابن أبي عمرة. يروي
عن عائشة، وليس له عمن فوقها رواية.
قلت: له رواية عن سعد بن أبي وقاص كما في ((التهذيب)) (٤).
وقد استدل الشافعي بهُذِه الرواية على أنقطاع حديثه في ثمن
المجن .
قال البيهقي: وأما روايته، عن أيمن بن أم أيمن فإنها خطأ، وإنما
قاله شريك بن عبد الله، وخلط في إسناده، وشريك ممن لا يحتج به
فيما خالف فيه أهل الحفظ والثقة لما ظهر من سوء حفظه .
(١) ((التاريخ الكبير)) ٤٤٧/١.
(٢) في الأصل: سليمان، والمثبت من (ص٢).
(٣) رواه النسائي في ((المجتبى)) ٨/ ٨٤.
(٤) ((تهذيب الكمال)) ٤٥١/٣ (٦٠٠).

٨٣
ـ كِتَابُ الحُدُودِ
فصل :
في مناظرة حسنة وقعت بين الإمام الشافعي مع من خالفه فلنذكرها :
قال الشافعي: قلت لبعض الناس هذِه سنة رسول الله لو أن تقطع
اليد في ربع دينار. ذكرت فيه حديث ((لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم
فصاعدًا)) وما حجتك في ذلك؟
قال: قد روينا عن شريك، عن منصور، عن مجاهد، عن أيمن، عن
رسول الله وَّله شبيهًا بقولنا .
قلت: أتعرف أيمن؟ أمّا أيمن الذي روى عنه عطاء فرجل حدث عن
تبيع ابن أمرأة كعب، عن كعب، فهذا منقطع، والحديث المنقطع
لا يكون حجة .
قال: وقد روى شريك عن منصور، عن مجاهد، عن أيمن بن أم
أيمن أخي أسامة لأمه.
قلت: لا علم لك بأصحابنا، أيمن أخو أسامة قتل مع رسول الله وحلول
يوم حنين قبل مولد مجاهد، ولم يبق بعد رسول الله وَ ل﴾ فيحدث عنه.
قال: فقد روي عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمرو أنه الكليئات
قطع في ثمن المجن. قال (ابن)(١) عمرو: وكانت قيمة المجن على عهد
رسول الله ﴾﴾ دینارًا .
قلت له: هذا رأي من عبد الله بن عمرو، والمجان قديمًا وحديثًا سلع
يكون ثمن عشرة ومائة ودرهمين، فإذا قطع رسول الله وَ لّ في ربع دينار قطع
في أكثر منه، وأنت تزعم أن عمرو بن شعيب ليس ممن تقبل روايته،
وتقول: غلط. فكيف ترد روايته مرة، ثم تحتج به على أهل الحفظ
(١) في الأصل: (أبو) وما أثبتناه هو الصواب. وأنظر: ((معرفة السنن والآثار)).

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والصدق، مع أنه لم يرو شيئًا يخالف قولنا؟ قال: فقد روينا قولنا عن علي
◌َّه. قلت: رواه الزعافري، عن الشعبي، عن علي، وقد أنبأنا أصحاب
جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عليًّا قال: القطع في ربع دينار فصاعدًا،
وحديث جعفر، عن علي أولى أن يثبت من حديث الزعافري.
قلت: وإن كان قال ابن عدي في داود بن يزيد الزعافري عم
عبد الله بن إدريس: لم أر له حديثًا منكرًا(١).
وقال العجلي: لا بأس به(٢)، وذكره ابن شاهين في ((ثقاته))(٣)،
وخرج له في ((مستدركه)).
وقد اختلف في سماع الشعبي من علي أيضًا .
قال: فقد روينا عن ابن مسعود أنه قال: لا تقطع اليد إلا في عشرة
دراهم .
قلنا: قد روى الثوريُّ، عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن
ابن مسعود ث أنه القيا قطع سارقًا في خمسة دراهم [وهذا أقرب](٤)
أن يكون صحيحًا عن عبد الله من حديث المسعودي، عن القاسم،
عن عبد الله(٥)، قال: فكيف لم تأخذوا بهذا؟
قلنا: هذا حديث لا يخالف حديثنا إذا قطع في ثلاثة دراهم قطع في
خمسة وأكثر.
(١) ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٥٤٢/٣ (٦٢٣).
(٢) (معرفة الثقات)) ٣٤٢/١ (٤٢٩).
(٣) ((تاريخ أسماء الثقات)) ص٨١ (٣٤١) قال أحمد: وهو غير داود عم ابن إدريس.
(٤) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها، والمثبت من ((معرفة السنن والآثار)) و((السنن
الکبری)» للبيهقي.
(٥) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٢٦٠/٨.

٨٥
كِتَابُ الحُدُودِ
قال: فقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه لم يقطع في ثمانية.
قلت: روايته عن عمر ث غير صحيحة، فقد روى معمر عن عطاء
الخراساني عن عمر القطع في ربع دينار، فلم ير أن يحتج به؛ لأنه ليس
بثابت وليس لأحد مع رسول الله وَ ل حجة، وعلى المسلمين أتباع أمره،
فلا إلى حديث صحيح ذهب من خالفنا، ولا إلى ما يذهب إليه من ترك
الحديث وإعمال ظاهر القرآن العزيز ذهب.
قال البيهقي: الحديث عن عمر إنما رواه القاسم بن عبد الرحمن،
وهو منقطع.
وقد روي عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وقيل: عن
سليمان بن يسار، عن عمر قال: لا تقطع الخمس إلا في الخمس.
وقيل: عن قتادة، عن أنس، عن أبي بكر وعمر أنهما قطعا في خمسة.
وقال الشافعي: فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن عيسى بن
أبي عزة، عن الشعبي، عن ابن مسعود أنه العلبها قطع سارقًا في قيمة
خمسة دراهم.
قلت: وفي كتاب أبي الشيخ من حديث بكر بن محمد، عن رزق
الله بن الأسود الواسطي، ثنا ثابت، عن أنس أنه التئها قال: ((يقطع
السارق في المجن وقيمته خمسة دراهم).
قال الشافعي: ونحن نأخذ بهذا، إلا أنا نقطع في ربع دينار،
وخمسة دراهم على عهد رسول الله ﴾ أكثر من ربع دينار، وهم
يخالفون هذا ويقولون: لا نقطع في أقل من عشرة دراهم.
قال: وكذلك رواه أبو خيثمة، عن ابن مهدي(١).
(١) ((معرفة السنن والآثار)) ٣٥٥/١٢-٣٩٢ بتصرف.

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلت: وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن وكيع، عن حمزة
الزيات، عن الحكم، عن أبي جعفر قال: قيمة المجن دينار الذي تقطع
فیه الید(١).
وفي ((الاستذكار)) عن جعفر، عن أبيه أن عليًّا ﴾ قطع في ربع دينار
درهمين ونصف (٢). ولا يقال: اضطربت الآثار عنه؛ لجواز أن يكون
نقص قيمة ربع دینار إلى ذلك.
وروي أيضًا عن علي # أنه قطع في بيضة حديد، ثمنها ربع
دينار(٣).
فصل :
لما ذكر ابن أبي حاتم حديث أيمن السالف في ((علله)) قال: قال
أبي: هذا مرسل، وأرى أنه والد عبد الواحد بن أيمن، وليست له
صحبة .
وأما قول من قال: أيمن بن أم أيمن، عن أم أيمن فخطأ من
وجھین :
أحدهما: أن أصحاب شريك لا يقولون عن أم أيمن، إنما قالوا عن
أيمن بن أم أيمن.
ثانيهما: أن الثقات يروون عن منصور، عن الحكم ، عن مجاهد
وعطاء، عن أيمن وابن أم أيمن لم يدرك رسول الله وَال﴾ (٤).
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٧٣/٥.
(٢) ((الاستذكار)) ١٥٩/٢٤.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٧١/٥.
(٤) ((علل ابن أبي حاتم)) ١/ ٤٥٧-٤٥٨.

٨٧
- كِتَابُ الحُدُودِ
وفيه مخالف لما سلف أنه توفي بحنين، ورواه أبو الشيخ من حديث
عطاء، عن مجاهد، عن أم أيمن، ومن حديث شريك عن منصور، عن
عطاء، عن أم أيمن، ومن حديث شريك، عنهما مرفوعًا .
فصل :
رويت آثار مختلفة أيضًا، روى ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة ظه،
عن أبي سعيد أنهما قالا: لا تقطع اليد إلا في أربعة الدراهم فصاعدًا.
وقطع ابن الزبير في نعلين وقال ابن معمر: كانوا يتسارقون السياط،
فقال عثمان: لئن عدتم لأقطعن فيه، وكان عروة بن الزبير والزهري
وسليمان بن يسار يقولون: ثمن المجن خمسة دراهم، رواه عن
الثقفي، عن المثنى، عن عمرو بن شعيب عنهم(١).
فصل :
رجح بعض الحفاظ حديث عائشة بأنه لم يختلف عنها، واعترض
بعض شيوخنا بأن في كتاب ((القطع)) لابن حبان من حديث إسحاق
القروي، ثنا عبد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه
عنها مرفوعًا: ((القطع فيما زاد على ربع دينار)) ورواه أيضًا من حديث
عروة عنها .
وقال عروة: وقيمة المجن أربعة دراهم (٢)، وفي رواية عنها: وكان
المجن يومئذٍ له ثمن(٣)، وهذا الاعتراض غلط؛ لأنا نقول: القطع في
ربع دينار فما زاد، كما سلف إيضاحه من كلام الشافعي.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٧٢/٥ - ٤٧٣.
(٢) رواه النسائي في ((سننه)) ٨/ ٨١، بعد حديث رقم (٤٩٣٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٧٣/٥ عن عروة بن الزبير.

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
قال ابن حزم: أما حديث العشرة دراهم أو الدينار فليس فيه شيء
أصلًا عن رسول الله وَليل، والموصول منه من قول عبد الله بن عمرو،
ولا يصح عنه أيضًا، ومن قول عبد الله بن عباس وابن المسيب وأيمن
كذلك وهو عنهم صحيح، إلا حديثًا موضوعًا مكذوبًا لا ندري من
رواه من طريق ابن مسعود مسندًا ((لا قطع إلا في دينار أو عشرة
دراهم)). وليس فيه مع علته ذكر القيمة أصلًا(١).
قلت: وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
مرفوعًا، من طريق ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء،
عن ابن عباس، قال: كان المجن يقوم في عهد رسول الله وَل عشرة
الدراهم. وفي لفظ: كان ثمن المجن يقوم على عهد رسول الله
وَ يَ﴾ (٢). وأخرجه أبو الشيخ بلفظ: كان ثمن المجن على عهد رسول
الله وَله عشرة دراهم.
وأخرجه مرة بإسقاط أيوب بن موسى، وقال ابن إسحاق فيه: ثنا
عطاء، عن ابن عباس، وحدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
قالا: كان ثمن المجن على عهد رسول الله حمّلله عشرة دراهم.
وأخرجه الدارقطني من هذا الوجه بلفظ: قال رسول الله اعلاه :
((لا تقطع اليد إلا في عشرة الدراهم)) وفي لفظ: ((في أقل من عشرة
الدراهم))(٣)، وفي لفظ: ((لا تقطع يد السارق في أقل من ثمن المجن))
وكان ثمنه عشرة الدراهم.
(١) ((المحلى)) ٣٥٤/١١.
(٢) ((سنن الدار قطني)) ١٩٣/٣.
(٣) السابق ٣/ ٢٠٠.

٨٩
ـ كِتَابُ الحُدُودِ
وحديث ابن مسعود ظ أخرجه الدارقطني من حديث محمد بن
الحسن وأبي مطيع، عن أبي حنيفة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن
أبيه، عن ابن مسعود : لا يقطع السارق في أقل من عشرة
الدراهم. قال: وأرسله المسعودي، عن القاسم بن معن، فقال: عن
عبد الله. وقال الشعبي: عن ابن مسعود: أنه التفي٣ قطع في خمسة
(١)
دراهم(١) .
وفي كتاب ابن حبان من حديث ابن أبي زائدة، ثنا القاسم بن معن،
قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثنا زحر بن ربيعة أن ابن مسعود
حدثه، فذكره بلفظ القطع في دينار أو عشرة دراهم.
فصل :
أغرب ابن شاهين؛ حيث قال: يمكن أن حديث القطع في ثلاثة
دراهم يشبه أن يكون منسوخًا بحديث العشرة(٢). وهو من أعاجيبه.
(فصل) (٣):
إذا تقرر ما ذكرناه من الفوائد الحديثية التي يرحل إليها، فلنشرع في
ذكر مذاهب العلماء فيما نقطع به، ولا شك أن آية السرقة محكمة في
وجوب قطع السارق، ومجملة في مقدار ما يجب فيه القطع، فلو
تركنا مع ظاهرها لوجب القطع في قليل الأشياء وكثيرها، لكن بين لنا
رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام مقدار ما يجب فيه القطع بما
أسلفناه من الأحاديث بقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا وغيره مما
سلف، ففهمنا بهذا الحديث وغيره أن الرب جل جلاله إنما أراد
(١) السابق ١٩٢/٣ - ١٩٣.
(٢) «ناسخ الحدیث ومنسوخه)) ص ٤٥٣ -٤٥٧.
(٣) من (ص٢).

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
بقوله: ﴿فَقْطَعُواْ﴾ بعض السراق دون بعض، فلا يجوز قطع يد السارق
إلا في ربع دينار فصاعدًا، أو فيما قيمته ربع دينار مما يجوز ملكه إذا
سرق من حرز، روي هذا القول عن عمر وعثمان وعلي وعائشة ﴾،
وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور (١).
وذهب الثوري والكوفيون إلى أنه: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم،
وقالوا: من سرق مثقالاً لا يساوي عشرة دراهم لا قطع عليه، وكذلك
من سرق عشرة دراهم فضة لا تساوي عشرة مضروبة لم تقطع.
وكذا ذكر أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتابه ((اختلاف
العلماء)) أن الثوري وأهل الرأي قالوا ذلك، ولا يقطع حتى يخرج
المتاع من ملك الرجل، [و](٢) إذا سرق العبد من سيده، فلا قطع عليه .
وقال أحمد: إذا سرق من الذهب ربع دينار قطعته، وإذا سرق من
الفضة ثلاثة دراهم (فصاعدًا)(٣) قطعت يده، وإذا سرق عروضًا، فإن
بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطعت يده. وعبارة غيره ذهب مالك وأحمد
في أظهر الروايات عنه: أن نصابها ربع دينار، أو ثلاثة دراهم،
(أو قيمة ثلاثة دراهم) (٤) من العروض. والتقويم بالدراهم خاصة،
والأثمان أصول لا يقوم بعضها ببعض.
وعن أحمد رواية ثانية: نصابها ثلاثة دراهم، أو قيمة ذلك من
الذهب والعروض، والأصل في هذه الرواية نوع واحد الفضة.
(١) أنظر: ((الإشراف)) ٢٨٩/٢.
(٢) غير موجودة بالأصل، والسياق يقتضيها، والمثبت من ((اختلاف الفقهاء))
للمروزي.
(٣) من (ص٢).
(٤) من (ص٢).

٩١
كِتَابُ الحُدُودِ
=
وعنه ثالثة: أن النصاب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو قيمة
أحدهما من العروض، ولا يختص التقويم بالدراهم، فعلى هذِه
الرواية الذهب والفضة أصلان، ويقع التقويم بكل واحد منهما، وفيه
قول ثالث قاله ابن شبرمة وابن أبي ليلى: تقطع في خمسة دراهم
فصاعدًا، ذهبا إلى حديث الشعبي، عن ابن مسعود، ولا يصح(١).
وحكي أيضًا عن مالك واستغربه ابن التين قال: وذكر ذلك عن
النخعي قال: وذكر عنه أيضًا أربعون درهمًا، قال: وعن ابن الزبير أنه
قطع في نصف درهم. وعن زياد في درهمين، وعن أبي سعيد في أربعة.
(وفيه)(٢) قول رابع: أنه يقطع في كل ما له قيمة، قل أو كثر.
وخامس: الذهب ربع دينار وغيره ما له قيمة، قلَّت أو كثرت.
وسادس: لا قطع إلا في درهمين، أو ما يساويهما .
وسابع: الذهب ربع دينار وغيره ما له قيمة ثلاثة دراهم، وإن ساوئ
ربع دينار أو نصفه أو أكثر، أو لم يساو لرخص الذهب ثلاثة دراهم
لا قطع فیه .
وثامن: الذهب ربع دینار، وغيره كل ما يساوي ربعه، فإن ساوى
عشرة [دراهم](٣) أو أقل أو أكثر ولم يساو ربع دينار لغلاء الذهب،
أو يساوي ربع دينار، أو لم يساو نصف درهم لرخص الذهب قطع.
وتاسع: الذهب ربع دینار، وغیرہ إن ساوی ربع دینار، أو لم يساو
ثلاثة دراهم أو عكسه قطع، وإن لم يساو ربع دينار ولا ثلاثة دراهم
فلا قطع فیه .
(١) ((اختلاف الفقهاء)) ص ٤٩٣-٤٩٤.
(٢) في (ص٢): وقيل.
(٣) غير موجودة بالأصل، والسياق يقتضيها، والمثبت من ((المحلى)).

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعاشر: أنه لا قطع إلا في أربعة دراهم أو ما يساويها فصاعدًا.
وحادي عشر: أنه لا قطع إلا في خمسة دراهم أو ما يساويها فصاعدًا.
وثاني عشر: لا قطع إلا في ربع دينار أو عشرة دراهم أو ما
يساویھما .
وثالث عشر: لا قطع إلا في ربع دينار ذهب، أو ما يساويه.
حكى هُذِه المذاهب (التسعة)(١) ابن حزم، كل واحد عن طائفة(٢).
وحكى ابن عبد البر في ((استذكاره))، عن عثمان البتي: يقطع في
درهم. وفي رواية منصور، عن الحسن أنه كان لا يؤقت في السرقة
شيئًا، ويتلو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وفي رواية قتادة عنه
أجمع على درهمين.
وقالت الخوارج وطائفة من أهل الكلام: كل سارق بالغ سرق ما له
قيمة قلَّت أو كثرت فعليه القطع(٣) .
وفي ((الموازية)) على مذهب مالك: تقطع في كلٍ، في الماء إذا
أحرز لوضوء أو شرب أو غيره، وكذلك الحطب والورد والياسمين
والرمان إذا أخذ من حرز وكان قيمته ثلاثة دراهم(٤).
وفي ((المنتقى)) للباجي: من سرق لحم أضحية أو جلدها قطع، قاله
أشهب. وقال أصبغ: إن سرقت قبل الذبح، وإن كان بعده فلا(٥) .
احتج الكوفيون بما سلف.
(١) في (ص٢): السبعة.
(٢) ((المحلى)) ٣٥٠/١١-٣٥١.
(٣) ((الاستذكار)) ١٦٥/٢٤-١٦٦.
(٤) انظر: ((المنتقى)) ١٥٧/٧.
(٥) ((المنتقى)) ١٥٧/٧.

٩٣
ـ كِتَابُ الحُدُودِ
ومنها حديث ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن
ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان قيمة المجن الذي قطع رسول
الله وَيّ فيه عشرة دراهم(١). وعليه أقتصر ابن بطال.
والحجة على الكوفيين أنه يحتمل أن يكون القطع في عهد رسول الله
وَّ في مجنين مختلفين أحدهما: قيمته ثلاثة دراهم، والثاني: عشرة؛
لأنه إذا صح القطع بنقل، فنقل الثقات في ثلاثة دراهم دخل فيه عشرة
دراهم .
وهذا أولى من حمل الأخبار على التضاد، ومع (الأئمة)(٢) الأربعة
الراشدين عائشة وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن الزبير.
واختلف مالك والشافعي في تقويم الأشياء المسروقة، فقال مالك:
تقوم بالدراهم على حديث ابن عمر أن المجن كان ثمنه ثلاث دراهم،
ولا ترد الفضة إلى الذهب في القيمة ولا عكسه، فمن سرق عبده ربع
دينار فعليه القطع، ومن سرق عبده ثلاثة دراهم فعليه القطع، ولو
سرق عبده درهمين صرفهما ربع دينار لم يجب عليه القطع، ولو سرق
ربع دينار لا تبلغ قيمته ثلاثة دراهم قطع.
وذهب الشافعي إلى أن تقويم الأشياء الذهب، على حديث عائشة
في ربع دينار، ولا يقوِّم شيئًا بالدراهم فيقطع في ربع دينار، ولا يقطع في
ثلاثة دراهم، إلا أن يكون قيمتها ربع دينار، قال: لأن الثلاثة الدراهم
إنما ذكرت في الحديث؛ لأنها كانت يومئذٍ ربع دينار ذهبًا، فيقال له :
(١) رواه النسائي في ((سننه)) ٨٣/٨، والحاكم ٣٧٨/٤-٣٧٩ وقال: صحيح على
شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٢) من (ص٢).

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الذهب والورق أصلان كالدية التي جعلت ألف دينار أو أثني عشر ألف
درهم(١). وكالزكاة التي جعلت في مائتي درهم وعشرين دينارًا، لا يرد
أحدهما إلى الآخر، فكذلك لا ينبغي أن يقوّم الذهب بالدنانير
ولا عكسه؛ لأنهما قيم المتلفات وأثمان الأشياء، بل الغالب قيمة
الدراهم، ومحال أن يحكي ابن عمر رضي الله عنهما أن المجن قيمته
ثلاثة دراهم، إلا وقد قوم بها دون الذهب، وإذا ثبت أن المجن قوم
بالدراهم، ولم ينقل أن الدراهم بعد ذلك قومت بالذهب لم يجز
تقويمها بالذهب، كما لا يقوم الذهب بها، ووجه استعمال الأحاديث
يوجب القطع في ربع دينار وثلاثة دراهم(٢).
قال ابن حزم بعد أن ذكر ما سلف: فنظرنا في ذلك، فوجدنا
البخاري روى عن أبي هريرة : ((لعن السارق في البيضة والحبل)).
وحديثه أيضًا: ((لا يسرق السارق وهو مؤمن))، فعم الشارع كل سرقة
ولم يخص عددًا من عدد، ولو أراد مقدارًا من مقدار لبينه، كما بينه في
النهبة فقال: ((ذات شرف))، فلم يخص في السرقة، فكانت هذه النصوص
المتواترة المترادفة المتظاهرة موافقة لنص القرآن العزيز(٣).
قال ابن عبد البر: قالوا إن حديث أبي هريرة في سرقة البيضة كان في
حين نزول هذه الآية، ثم أحكمت الأمور بعد ما جاء عن رسول الله وَل
مما روته عائشة رضي الله عنها (٤).
قال ابن حزم: ثم نظرنا فوجدنا في السنة حديث عائشة رضي الله
(١) أنظر: ((الاستذكار)) ١٥٥/٢٤-١٥٦.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤١١/٨ -٤١٣.
(٣) ((المحلى)) ٣٥١/١١-٣٥٢.
(٤) ((الاستذكار)) ١٦٦/٢٤-١٦٧.

٩٥
ـ كِتَابُ الحُدُودِ
عنها ((تقطع اليد في ربع دينار)) فخرج الذهب لهذا الأثر عن جملة الآية
الكريمة، وهو عموم النص الذي ذكرنا قبل، فوجب الأخذ بكل ذلك،
وأن يستثنى الذهب من بين سائر الأشياء، ولا تقطع اليد إلا في ربع دينار
بوزن مكة؛ لأن حنظلة بن أبي سفيان روى عنه النسائي، عن طاوس، عن
ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا ((الوزن وزن أهل مكة))(١)، ووجدنا عن
عائشة رضي الله عنها أن يد السارق (لم تكن تقطع على عهد رسول الله
وَّر في الشيء التافه)(٢) (٣)، ولم تكن تقطع في أدنى من ثمن حجفة
أو ترس، كل واحد منهما ذو ثمن، قال: وهو حديث مسند صحيح،
وفيه أحكام ثلاثة: أن القطع إنما يجب في سرقة ما سوى الذهب
فيما يساوي ثمن حجفة أو ترس، قل ذلك أو كثر دون تحديد،
وأما دون ذلك مما لا قيمة له أصلًا وهو التافه لا قطع فيه أصلًا،
وبيان فساد قول من أدعى أن ثمن المجن الذي فيه القطع إنما هو في
مجن معين معروف (٤).
فصل :
في ((الإشراف)): أجمعوا على وجوب قطع السارق والسارقة إذا
جمع أوصافًا منها: أن يكون المسروق يقطع في جنسه ونصاب السرقة،
وأن يكون السارق على أوصاف مخصوصة، وأن تكون السرقة على
صفة مخصوصة، وأن يكون الموضع المسروق منه مخصوصًا(٥).
(١) ((سنن النسائي)) ٥٤/٥.
(٢) من (ص٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٧٣/٥، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٥٥/٨.
(٤) ((المحلى)) ٣٥٢/١١-٣٥٣.
(٥) ((الإشراف)) ٢٨٩/٢. والكلام بمعناه.

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأجمعوا على أن الحرز معتبر في وجوب القطع، واختلفوا في
صفته، هل يختلف باختلاف الأموال اعتبارًا بما يعرف؟ فقال
أبو حنيفة: كلما كان حرز الشيء من الأموال كان حرزًا لجميعها.
وقال الباقون: هو مختلف باختلاف الأموال، والعرف معتبر في
ذلك(١).
وقال ابن حزم عن طائفة: لا قطع إلا فيما أخرج من حرزه، وأما إن
أخذ من غير حرزه ومضى به فلا قطع به، وكذلك لو أخذ - وقد أخذه من
حرز- فأدرك قبل أن يخرجه من الحرز يمضي به فلا قطع عليه؛ لما روي
عن عمرو بن شعيب أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لا قطع على
سارق حتى يخرج المتاع(٢)، وعن سليمان بن موسى أن عثمان قضى
أنه لا قطع على سارق وإن كان قد جمع المتاع وأراد أن يسرق حتى
يحمله ويخرج(٣). وعن عمرو بن شعيب أن سارقًا دخل خزانة
المطلب بن أبي وداعة فوجده قد جمع المتاع ولم يخرجه، فأتي به
ابن الزبير فجلده وأمر به أن يقطع، فقال ابن عمر: ليس عليه قطع
حتى يخرج به من البيت، أرأيت لو رأيت رجلاً بين رجلي أمرأة لم
يصبها أكنت حاده؟ قال ابن الزبير: لا. قال: قد يكون نازعًا تائبًا،
أو تاركًا للمتاع(٤) ومن حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن
علي بن سليمان، عن مكحول، عن عثمان: لا تقطع يد السارق وإن
وجد معه المتاع ما لم يخرج به من الدار.
(١) السابق ٢٩٧/٢ - ٣٠٠. والكلام - أيضًا - بمعناه.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٥ /٤٧٤.
(٣) رواه عبد الرزاق ١٩٦/١٠.
(٤) السابق ١٩٦/١٠-١٩٧.

٩٧
كِتَابُ الحُدُودِ
=
ومن حديث الشهر بن نمير، عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة، عن
أبيه، عن جده، عن علي ◌ّه في الرجل يوجد في البيت وقد لقي معه
المتاع قال: لا يقطع حتى يحمل المتاع ويخرج به عن الباب(١)،
وقاله عامر والشعبي وعطاء وربيعة وعمر بن عبد العزيز.
قال ابن حزم: وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد
وأصحابهم وإسحاق بن إبراهيم، وقالت طائفة: عليه القطع سواء سرق
من حرز أو غيره، كما روينا من حديث عبد الرحمن بن القاسم بن
محمد بن أبي بكر قال: بلغ عائشة رضي الله عنها أنهم يقولون: إذا
لم يخرج السارق المتاع لم يقطع. فقالت: لو لم أجد إلا سكينًا
لقطعته (٢). وهو قول عبد الله بن الزبير.
وأنكر النخعي قول الشعبي -يعني السالف- وقاله ابن المسيب
وعبيد الله بن عبد الله والحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن أبي بكر.
قال ابن حزم: وبه يقول أبو سليمان وجميع أصحابنا .
فصل :
واختلفوا في المختلس فكان علي لا يقطعه، وكذا قاله زيد بن ثابت
والشعبي وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والحسن وإبراهيم
وقتادة، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم
وإسحاق بن راهويه، وقالت طائفة: عليه القطع منهم علي بن رباح
وعطاء بن أبي رباح.
(١) رواه عبد الرزاق ١٩٧/١٠-١٩٨ من حديث الثوري عن إبراهيم، عن حسين بن
عبد الله بن ضميرة به.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤٧٤/٥.

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن حزم: فلما اختلفوا وجب أن ننظر في ذلك، فنظرنا في قول
من لم ير القطع إلا في أخذ من حرز، فوجدناهم يذكرون حديث عمرو بن
شعيب السالف ((من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء
عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا
منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع))(١).
وفي رواية: سئل التَّ في كم تقطع اليد؟ فقال: ((لا تقطع اليد في
ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطع في ثمن المجن))(٢).
ومن حديث النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
عبد الله بن عمرو أن رجلًا من مزينة أتى رسول الله وَلا فقال:
يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل؟ قال: «هي ومثلها والنكال،
وليس في شيء من الماشية قطع إلا فيما أواه المراح فبلغ ثمن المجن
ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات
نکال))(٣).
وفي حديث سفيان عن أبي الزبير، عن جابر ته رفعه: ((ليس على
خائن ولا مختلس قطع)) وفي لفظ ((ولا منتهب))(٤)، أخرجه أصحاب
السنن الأربعة(٥). وقال الترمذي: حسن صحيح.
وروى ابن ماجه بإسناد كل رجاله ثقات من حديث عبد الرحمن بن
(١) رواه أبو داود (١٧١٠)، والنسائي ٨٥/٨.
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٦٣/٨.
(٣) ((سنن النسائي)) ٨٦/٨.
(٤) ((المحلى)) ٣٢٣/١١-٣٢٤.
(٥) (سنن أبي داود)) (٤٣٩٣)، ((سنن الترمذي)) (١٤٤٨)، ((سنن النسائي)) ٨٨/٨،
((سنن ابن ماجه)) (٢٥٩١).

٩٩
كِتَابُ الحُدُودِ
عوف، قال: سمعت رسول الله وَّجله يقول: ((ليس على المختلس قطع))(١)
قال ابن المنذر: ثبت هذا عن رسول الله وَطير، وممن روينا عنه أنه قال:
لا قطع عليه. عمر وعلي، وبه قال عطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز
والشعبي وعمرو بن دينار والزهري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي،
وروينا عن إياس بن معاوية أنه قال: أقطعه(٢). وقال الترمذي: قال
محمد -يعني البخاري -: رواه المغيرة بن مسلم أيضًا، عن أبي
الزبير(٣).
.
قال ابن حزم: فقالوا لم يجعل القطع في مختلس ولا خائن، فسقط
بذلك القطع عن كل من أؤتمن، وعن حريسة الجبل والثمر المعلق حتى
يؤويه الجرين والمراح، وهو حرزهما .
قالوا: وما وجد في غير حرز فإنما هو لقطة فقد أبيح أخذها
وتحصيلها .
وقالوا: قد جاء عن عمر وزيد وعلي وعمار أنه لا قطع على
مختلس، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، فدل ذلك على اعتبار
الحرز (٤).
وقال ابن المنذر: ليس فيه خبر ثابت بلا مقال فيه لأهل العلم، لكن
يقول عوام أهل العلم في وجوب الحرز. أقول: وهو كالإجماع
(٥)
منهم(٥) .
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٥٩٢).
(٢) ((الإشراف)) ٣٠١/٢.
(٣) ((علل الترمذي الكبير)) ٦١٠/٢ -٦١١.
(٤) ((المحلى)) ٣٢٤/١١.
(٥) ((الإشراف)) ٢٩٨/٢.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال ابن حزم: فنظرنا فوجدنا لا حجة لهم في شيء من ذلك،
أما الخبران المذكوران فلا يصحان، أما حديث حريسة الجبل والثمر
المعلق فلا يصح؛ (لأن)(١) أحد طرفيه عن ابن المسيب مرسل،
والأخرى مما أنفرد به عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهي
صحيفة لا يحتج بها. ودليل آخر: أنه لو صح لكان عليهم لا لهم؛
لأن المخالفين كلهم مخالفون لما فيه من قوله: ((وغرامة مثليه)) وهم
لا يقولون بهذا، (وكذلك إذا لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه،
وهم لا يقولون بهذا)(٢)، وكذلك في حريسة الجبل غرامة مثليها،
فهم قد خالفوا هذا الخبر الذي احتجوا به في أربعة مواضع من
أحكامه، فقد يجوز الاحتجاج بخبر يصححونه، ثم يخالفونه في أربعة
أحكام من أحكام على مَن لا يصححه أصلًا ولا يراه حجة، فإن
ادعوا في ترك هذِه الأحكام إجماعًا فليس جيدًا؛ لأن عمر بن
الخطاب قد حكم بها بسند كالشمس بحضرة الصحابة، ولا نعرف
منهم له مخالف، ولا ندري منهم عليه منكر. وقد روي عن عثمان
بسند في غاية الصحة وغيره نحو هذا في إتلاف الأموال(٣).
قلت: قال به أحمد فيما إذا سرق ثمرًا معلقًا على النخل والشجر إذا
لم يكن محرزًا بحرز تجب عليه قيمته مرتين.
قال ابن حزم: وأما الخبر الذي رواه أبو الزبير، عن جابر فهو
مدلس، ولا سيما في جابر، وقد أقر على نفسه بالتدليس فيه (٤).
(١) في الأصل: أن. والمثبت من ((المحلى)).
(٢) من (ص٢).
(٣) ((المحلى)) ٣٢٤/١١-٣٢٥.
(٤) السابق ٣٢٥/١١.