Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كِتَابُ الحُدُودِ
=
فصل :
فيه من الفقه جواز إضحاك العالم والإمام بنادرة يندرها، وأمر يعني
به من الحق لا شيء من الباطل .
(فصل :
وحديث الباب ناسخ لقتله في الرابعة كما سلف، وبه قال أئمة
الفتوى)(١).
فصل :
وقوله: كان يلقب حمارًا، لعله كان لا يكره ذلك اللقب، وكان قد
اشتهر به .
(١) من (ص٢).

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦- باب الشَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ
٦٧٨٢ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلَّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ
غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّ قَالَ: (لَا يَزْنِي
الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ)). [٦٨٠٩ -
فتح ١٢ / ٨١].
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ((لَا يَزْنِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ
مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ)).
وقد سلف من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قريبًا واضحًا(١).
(١) سلف برقم (٦٧٧٢) من حديث أبي هريرة.

٤٣
كِتَابُ الحُدُودِ
٧- باب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
٦٧٨٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ﴿ قَالَ: (لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَشْرِقُ
البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَشْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)). قَالَ الأَغْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ
الحَدِيدِ، وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْوىُ دَرَاهِمَ. [انظر: ٦٧٩٩ - مسلم: ١٦٨٧ - فتح
١٢/ ٨١].
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ،
يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)). قَالَ الأَعْمَشُ:
كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الحَدِيدِ، وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يساوي
دَرَاهِمَ .
قد أسلفنا فقهه قريبًا .
واحتجت به الخوارج على عدم اعتبار النصاب، وأنه يقطع في قليل
الأشياء وكثيرها، ولا حجة لهم فيه؛ لأن آية السرقة لما نزلت قال التليفون:
((لعن الله السارق .. )) إلى آخره على (آخر)(١) ما نزل عليه في ذلك الوقت،
ثم أعلمه أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فما فوقه، على ما روته
عائشة رضي الله عنها كما يأتي(٢)، ولم يكن العلّا يعلم من حكم الله
إلا ما علمه الله، ولذلك قال: ((أوتيت الكتاب ومثله معه))(٣) يعني من
السنن، قاله ابن قتيبة (٤).
(١) من (ص٢).
(٢) سيأتي برقم (٦٧٨٩).
(٣) رواه أبو داود (٤٦٠٤).
(٤) (تأويل مختلف الحديث)) ص٢٤٥-٢٤٦.

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقول الأعمش: البيضة هنا: بيضة الحديد التي تغفر الرأس في
الحرب. والحبل: من حبال السفن. تأويل لا يجوز عند من يعرف
صحيح كلام العرب؛ لأن كل واحد من هذين يساوي دنانير كثيرة.
وفي الدارقطني: من حديث أبي عتاب الدلال، ثنا مختار بن نافع،
ثنا أبو حيان التيمي عن أبيه، عن علي ، عن رسول الله وَّ أنه قطع في
بيضة من حديد قيمتها أحد وعشرون درهمًا(١).
وهذا ليس موضع تكثير لما سرقه السارق، ولا من عادة العرب
والعجم أن يقولوا : قبح الله فلانًا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر،
وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا
أن يقال: (لعن الله فلانا)(٢) تعرض لقطع اليد في حبل رث، أو كبة
شعر أو رداء خلق، وكل ما كان من هذا الفن أحقر فهو أبلغ.
وقال الخطابي: إن ذلك من باب التدريج؛ لأنه إذا استمر ذلك به لم
يؤمن أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها حتى يبلغ فيه القطع فتقطع يده،
فليحذر هذا الفعل وليتركه قبل أن تملكه العادة ويموت عليها ليسلم من
سوء عاقبته(٣).
وقال الداودي: ما قاله الأعمش محتمل، وقد يحتمل أن يكون هذا
قبل أن يبين الشارع القدر الذي يقطع فيه السارق.
فصل :
قوله في الترجمة باب لعن السارق إذا لم يسم. كذا في جميع النسخ،
(١) ((سنن الدارقطني)) ١٩٥/٣ (٣٣٨٧).
(٢) في (ص٢): لعنه الله.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢٢٩١/٤.

٤٥
كِتَابُ الحُدُودِ
=
والذي يشتق من معناه إن صح في الترجمة أنه لا ينبغي تعيير أهل
المعاصي ومواجهتهم باللعنة، إنما ينبغي أن يلعن في الجملة من فعل
فعلهم؛ ليكون ذلك ردعًا وزجرًا عن انتهاك شيء منها، فإذا وقعت
من معين لم يلعن بعينه؛ لئلا يقنط أو ييأس، ونهى الشارع عن لعن
النعيمان.
قال ابن بطال: فإن كان ذهب البخاري إلى هذا فهو غير صحيح؛
لأن الشارع إنما نهى عن لعنه بعد إقامة الحد عليه، فدل على الفرق بين
من تجب لعنته، وبين من لا تجب، وبان به أن من أقيم عليه الحد
لا ينبغي لعنته، ومن لم يقم عليه فاللعنة متوجهة إليه، سواء سمي
وعين أم لا؛ لأنه الظّها لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة، ما دام على
تلك الحالة الموجبة لها، فإذا تاب منها وطهره الحد فلا لعنة تتوجه
إليه، ويبين هذا قوله التَّهُ: ((إذا زنت الأمة فليجلدها ولا يثرب))(١)،
فدل أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحدود وقبل التوبة(٢).
وقال الداودي: قوله ((لعن الله السارق)) يحتمل الخبر؛ ليزدجر
الناس، ويحتمل الدعاء.
(١) سلف برقم (٢١٥٢) كتاب: البيوع، باب: بيع العبد الزاني.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٠١/٨-٤٠٢.

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٨- باب الحُدُودُ كَفَّارَةً
٦٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِذْرِیسَ
الَخَوْلَئِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ لَّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ وََّ فِي ◌َجْلِسِ فَقَالَ:
(بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا)) . - وَقَرَأَ هذِه
الآيَةَ كُلَّهَا - ((فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ
بِهِ فَهْوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ
شَاءَ عَذَّبَهُ)). [انظر: ١٨ - مسلم: ١٧٠٩ - فتح ١٢ / ٨٤].
ذكر فيه حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رسول الله ێ فِي
مَجْلِسٍ فَقَالَ: ((بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا،
وَلَا تَزْنُوا)). وَقَرَأَ هُذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا: ((فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ،
وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهْوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ
شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)).
هذا الحديث سلف. وللدار قطني: ((ومن أصاب من ذلك شيئًا فأقيم
عليه الحد في الدنيا فهو له طهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله إن شاء
عذبه وإن شاء غفر له))(١)، وله من حديث أسامة بن زيد، عن محمد بن
المنكدر، عن ابن خزيمة بن ثابت، عن أبيه أنه التَّه قال: ((من أصاب
ذنبًا فأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته))(٢).
ومن حديث علي مرفوعًا ((من أذنب في هذه الدنيا ذنبًا فعوقب به فالله
أكرم من أن يثني عقوبة على عبده، ومن أذنب في هذه الدنيا ذنبًا فستره الله
عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه))(٣).
(١) ((سنن الدارقطني)) ٢١٥/٣ (٣٤٥٤) من حديث عبادة بن الصامت.
(٣) السابق ٢١٥/٣ (٣٤٥٦).
(٢) السابق ٢١٤/٣ (٣٤٥١).

٤٧
كِتَابُ الحُدُودِ
=
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارة على حديث الباب،
وما ذكرناه، ومنهم من (يحجم)(١) عن هذا لما روى أبو هريرة ظه،
عن رسول الله وَّر قال: ((لا أدري الحدود كفارة أم لا))(٢) وليس
جيدًا؛ لأن حديث عبادة أصح من جهة الإسناد، ولو صح حديث أبي
هريرة لأمكن أن يقوله قبل حديث عبادة، ثم يعلمه الله أنها مطهرة
على ما في حديث عبادة، فإن قلت إن المجاز به يعارض حديث
عبادة، وهو قوله تعالى ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِىِ الدُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣]
يعني الحدود، ﴿وَلَهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] فدلت أن
الحدود ليست كفارة. والجواب أن الوعيد في المجاز به عند جميع
المؤمنين مرتب على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية.
[النساء: ٤٨] فتأويل الآية، إن شاء الله ذلك لقوله: ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾
[النساء: ٤٨] وهذه الآية تبطل نفاذ الوعيد على غير أهل الشرك، إلا أن
ذكر الشرك في حديث عبادة مع سائر المعاصي لا يوجب أن من عوقب
في الدنيا وهو مشرك، أن ذلك كفارة له؛ لأن الأمة مجمعة على تخليد
الكفار في النار، وبذلك نطق الكتاب والسنة، وقد سلف هذا المعنى في
كتاب الإيمان في باب علامة الإيمان حب الأنصار(٣). فحديث عبادة
معناه الخصوص فيمن أقيم عليه الحد من المسلمين خاصة أن ذلك
كفارة له .
(١) في (ص٢): يجبن.
(٢) رواه الحاكم ٢/ ٤٥٠، والبيهقي في ((الكبرى)) ٣٢٩/٨.
(٣) سلف برقم (١٨).

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٩- باب ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمَّى، إِلَّ فِي حَدِّ أَوْ حَقٌّ
٦٧٨٥ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ
مُحَمَّدٍ: عَنْ وَاقِدِ بْنِ نُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ فِي حَجَّةِ
الوَدَاعِ: ((أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟)). قَالُوا أَ شَهْرُنَا هذا. قَالَ: ((أَلَا أَيُّ
بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟)). قَالُوا: أَا بَلَدُنَا هذا. قَالَ: ((أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ
أَعْظَمُ حُرْمَةً؟)). قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هذا. قَالَ: ((فَإِنَّاللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا، فِي
شَهْرِكُمْ هذا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)). ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ: أَلَا نَعَمْ. قَالَ: ((وَيُحَكُمْ
-أَوْ وَيْلَكُمْ- لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). [انظر:
١٧٤٢ - مسلم: ٦٦ - فتح ١٢ / ٨٥].
ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: ((أَلَا أَيُّ شَهْرِ
تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟)) الحديث السالف.
وهذا الحديث أخرجه من حديث عاصم بن علي عن عاصم بن
محمد، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي قال: أتى عبد الله
فذكره. (وعاصم)(١) وواقد وزيد وعمر وأبو بكر أولاد محمد بن
زيد بن عبد الله بن عمر، روى عاصم عن أبيه، وعن أخويه واقد
وعمر، اتفقا على واقد وعاصم (وعمر)(٢)(٣)، وانفرد البخاري
بعاصم بن علي بن عاصم الواسطي.
قال المهلب: قوله: (ظهر المؤمن حمى) يعني أنه لا يحل للمسلم
أن يستبيح ظهر أخيه ولا بشرته لثائرة تكون بينه وبينه أو عداوة إذا لم يكن
(١) من (ص٢).
(٣) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٥٤٢/١٣ (٣٠٢٧).
(٢) من (ص٢).

٤٩
=
= ڪِتَابُ الحُدُودِ
على حكم ديانة الإسلام مما كانت الجاهلية تستبيحه من الأعراض
والدماء، وإنما يجوز استباحة ذلك في حقوق الله، أو في حقوق
الآدميين، أو في أدب لمن قصر في الدين، كما كان عمر غله يؤدب
بالدرة وبغيرها كل مظنون به ومقصر(١).
فصل :
قوله: ((ألا أي))) وقول أصحابه: (ألا شهرنا هذا)، العرب تزيد (ألا)
في افتتاح الكلام للتنبيه، كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]
و﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾، [هود: ٥]، و﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا
وقال الشاعر:
عنـ
ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق
قال ابن التين: (أي) هنا مرفوعة ويجوز نصبها، والاختيار الرفع.
فصل :
قوله: (قال ((ويحكم -أو ويلكم- لا ترجعوا بعدي كفارًا))) هو شك
من المحدث أي الكلمتين قال؟ وهل معناهما واحد أو يفترق؟ فويح
كلمة رحمة، وويل عذاب، أو ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة
يستحقها .
قال الخليل: ولم أسمع على ثباتها إلا ويس وويب وويل(٢). وقد
سلف ذلك واضحًا .
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٠٤/٨.
(٢) ((العين)) ٣١٩/٣.

٥٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٠- باب إِقَامَةِ الحُدُودِ وَالإِنْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللهِ
٦٧٨٦ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ◌ََِّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّ أَخْتَارَ
أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَأْثُمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، والله مَا أَنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ
يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللهِ، فَيَنْتَقِمُ لله. [انظر: ٣٥٦٠ - مسلم: ٢٣٢٧ - فتح
١٢/ ٨٦].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رسول الله وَل
بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يكن إثما، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ
أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، والله مَا أَنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قٌَ، حَتَّى تُنْتَهَكَ
حرمة اللهِ، فَيَنْتَقِمُ لله.
يحتمل كما قال ابن بطال أن (يكون)(١) هذا التخيير ليس من الله؛
لأن الله لا يخير رسوله بين أمرين من أمور الدنيا على سبيل المشورة
والإرشاد، وإلا أختار لهم أيسرهما ما لم يكن عليهم في الأيسر
إثمًا؛ لأن العباد غير معصومين من أرتكاب الإثم، ويحتمل أن يكون
ما لم يكن إثمًا في أمور (الدين)(٢)، وذلك أن الغلو في الدين
مذموم، والتشديد فيه غير محمود؛ لقوله العَيْئا ((إياكم والغلو في الدين
فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين)) (٣) فإذا أوجب الإنسان
على نفسه شيئًا شاقًّا من العبادة ثم لم يقدر على التمادي فيه، كان
ذلك إثمًا، ولذلك نهى الشارع أصحابه عن الترهب.
(١) من (ص٢).
(٢) في الأصل: الدنيا، والمثبت من (ص٢).
(٣) رواه النسائي ٢٦٧/٥، وابن ماجه (٣٠٢٥٩) من حديث ابن عباس.

٥١
كِتَابُ الحُدُودِ
=
قال أبو قلابة: بلغ رسول الله وَ﴿ أن قومًا حرموا الطيب واللحم،
منهم عثمان بن مظعون، وابن مسعود، وأرادوا أن يختصوا، فقام على
المنبر فأوعد في ذلك وعيدًا شديدًا، ثم قال: ((إني لم أبعث بالرهبانية،
وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة، وإن أهل الكتاب إنما هلكوا
بالتشديد، شددوا فشدد عليهم)) ثم قال: ((اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا،
وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة وحجوا البيت، واستقيموا يستقم لكم)) (١)
وقد جعل مطرف بن الشخير، ويزيد بن مرة الجعفي مجاوزة القصد
في العبادة وغيرها والتقصير عنه سيئة، فقالا: الحسنة بين السيئتين،
والسيئتان. إحداهما: مجاوزة القصد، والثانية: التقصير عنه،
والحسنة التي بينهما هي: القصد والعدل.
وقدم ابن التين على هذين الاحتمالين أنه قيل: إنه يريد في أمر
الدنيا، وأما أمر الآخرة فكلما صعب كان أعظم ثوابًا، واستدل قائل
هُذا بقوله: (ما لم يكن إثمًا). وفي رواية: (ما لم يكن يأثم).
فصل :
وقولها: (وما أنتقم لنفسه) قال الداودي: يعني: إذا أوذي بغير
السبب الذي لا يخرج إلى الكفر، مثل الأذى في المال والجفاء في
رفع الصوت فوق صوته، ونحو التظاهر الذي تظاهرت عليه عائشة
وحفصة، ومثل جبذ الأعرابي له حتى أثرت حاشية البرد في عنقه
أخذًا منه بقوله تعالى ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُوُرِ
٤٣
[الشورى: ٤٣]، وأما إذا أوذي بسبب هو كفر وهو أنتهاك حرمة الله
(١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ٣٩٥/٣ مختصرًا، ورواه أبو الشيخ في ((طبقات
المحدثين بأصبهان)) ٣/ ٥٠٠ (٦٥٧) متصلًا من حديث أبي هريرة.

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فيجب عليه الانتقام لنفسه؛ كفعله في ابن خطل يوم الفتح، حين تعوذ
بالكعبة من القتل، فأمر بقتله دون سائر الكفار؛ لأنه كان يكثر من
سبه، وقد أمر بقتل القينتين اللتين كانتا تغنيان بسبه وانتقم لنفسه؛ لأنه
من سبه فقد كفر ومن كفر فقد آذى الله ورسوله؛ ولذلك قال: ((من
لكعب بن الأشرف فقد آذى الله ورسوله))(١) فانتقم منه كذلك.
قال المهلب: ولا يحل لأحد من الأئمة ترك حرمات الله أن تنتهك،
وعلیهم تغییر ذلك.
وقد روي عن مالك في الرجل يؤذى وتنتهك حرمته، ثم يأتيه الظالم
المنتهك لحرمته، قال: لا أرى أن يغفر له، ووجه ذلك إذا كان معروفًا
بانتهاك حرم المسلمين، فلا يجب أن يجري على هذا ويرد بالإغلاظ
عليه والقمع له من ظلم أحد(٢).
وروي عن مالك أنه قال: كان القاسم بن محمد يحلل من ظلمه يكره
لنفسه الخصوم، وكان ابن المسيب لا يحلل أحدًا، وسئل عن ذلك فقيل
له: أرأيت الرجل يموت ولك عليه دين لا وفاء له به، (قال)(٣): الأفضل
عندي أن أحلل.
وفي رواية أخرى: كان بعض الناس يحلل من ظلمه ويتأول:
((الحسنة بعشر أمثالها))(٤) وما هذا بالدين عندي، وإن من لم يعفه
لمستوف حقه .
(١) سلف برقم (٢٥١٠) كتاب: الرهن، باب: رهن السلاح.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٠٥/٨ - ٤٠٧.
(٣) من (ص٢).
(٤) قطعة من حديث سلف برقم (١٩٧٦)، كتاب: الصوم باب: صوم الدهر، ورواه
مسلم (١١٥٩)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر.

٥٣
كِتَابُ الحُدُودِ
-
وقيل: المراد بقول عائشة السالف الأموال؛ لأنها روت خبر اللدٌ
وكل من كان في البيت إلا العباس فإنه لم يحضر معهم واعتزل نساءه
شهرًا تواطأت عليه عائشة وحفصة، وقتل عقبة بن أبي معيط يوم بدر
من بين الأسرى. وقيل: أرادت أنه لم يكن ينتقم لنفسه غالبًا،
حكاهما ابن التين، قيل: ما حكيناه عن الداودي.

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١١- باب إِقَامَةِ الحُدُودِ عَلَى الشّرِيفِ وَالْوَضِيعِ
٦٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةً،
أَنَّ أُسَامَةً كَلَّمَ النَّبِيَّ ◌َّهِ فِي أَمْرَأَةٍ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا
يُقِيمُونَ الحَدَّ عَلَى الوَضِيعِ، وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ فَاطِمَةُ
فَعَلَتْ ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)). [انظر: ٢٦٤٨ - مسلم: ١٦٨٨ - فتح ١٢ /٨٦].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ، رضي الله عنها: أَنَّ أُسَامَةَ كَلَّمَ النَّبِيَّ وَّ فِي
أَمْرَأَةٍ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الحَدَّ عَلَى
الوَضِيعِ، وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَن فَاطِمَةَ فَعَلَتْ
ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)).
قال المهلب: هذا يدل أن حدود الله لا يحل للأئمة ترك إقامتها على
القريب والشريف، وأن من ترك ذلك من الأئمة فقد خالف سنة رسول الله
وَله ورغب عن أتباع سبيله، وفيه أن إنفاذ الحكم على الضعيف ومحاباة
الشريف مما أهلك الله به الأمم.
ألا ترى أنه العقلية وصف أن بني إسرائيل هلكوا بإقامة الحد على
الوضيع وتركهم الشريف، وقد وصفهم الله بالكفر والفسوق لمخالفتهم
أمر الله، فقال تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾.
[المائدة: ٤٤] الظالمون، الفاسقون.
فصل :
وقوله: ((لو أن فاطمة)) إلى آخره، كذا هو ثابت في الأصول،
وأورده ابن التين بحذف ((أن)) ثم قال: تقديره: لو فعلت ذلك؛ لأن
(لو) يليها الفعل دون الأسم، وهذا من معنى قوله ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ
بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَاُلْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]

٥٥
كِتَابُ الحُدُودِ
=
فامتثل العَيْه أمر ربه في ذلك، وامتثله بعده الأئمة الراشدون في تقويم
أهليهم فيما دون الحدود.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال:
كان عمر بن الخطاب إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني
نهيت الناس عن كذا وكذا، والناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى
اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أؤتى برجل
منكم وقع في شيء مما نهيته عنه إلا أضعفت عليه العقوبة لمكانه
مني، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر(١) (٢).
وضرب عمر أخاه الوليد بن عقبة في الخمر، وضرب عمر ابنه
عبد الرحمن في الخمر، وضرب فيها قدامة بن مظعون وكان بدريًّا،
وكان خال بنيه عبد الله وحفصة وعبيد الله، ولما أمر بضربه، وكان أنكر
شربها وأكثر عليه الجارود، وكان فيمن شهد، فقال له عمر: أراك
خصمًا، وتواعده عبد الله، فقال له الجارود: أشرب جاروانها، أما والله
لتعجزن خالدًا ولتعجزن أبوك، فقال قدامة حين أمر بضربه وكان فيما قيل
لم يكن علي شيء: قال تعالى ﴿إِذَا مَا أُنَّقَواْ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، وظن
ذلك فيما يستقبل، وإنما أنزل ذلك حين حرمت، فلم يدر ما يقولون
فيمن شربها قبل [أن](٣) تحرم فنزلت، قال عمر: وأيضًا تأول كتاب الله
على غير تأويله فضربه ثمانين للشرب (وخمسين)(٤) لتأويله(٥).
(١) (مصنف عبد الرزاق)) ٣٤٣/١١-٣٤٤.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٠٧/٨-٤٠٨.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) في الأصل: خمسة والمثبت من (ص٢).
(٥) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٩/ ٢٤٠، وابن سعد في ((طبقاته)) ٥٦١/٥ والبيهقي
في ((السنن الكبرى)) ٣١٥/٨- ٣١٦.

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وكان عبيد الله بن أبي رافع على بيت المال، وكان في بيت المال
جوهرة نفيسة فأعطاها عبيدُ الله أمّ كلثوم بنت علي وفاطمة ﴾ تزين
وتردها، فرآها علي، فقال: أسرقتها والله لأقطعنك، قال له عبد الله:
أنا أعطيتها إياها تزين بها وتردها، فمن أين كان تصل إليها؟ فبكت.

٥٧
كِتَابُ الحُدُودِ
=
١٢- باب ڪَرَاهِيَةِ الشّفَاعَةِ في الحَدِّ،
إِذَا رُفِعَ إِلَى السُّلْطَانِ
٦٧٨٨- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ المَزْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ التِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ
يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ◌ِّهِ وَمَنْ يَخْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّ أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﴿؟. فَكَلَّمَ رَسُولَ
اللهِ ◌ِ؟ فَقَالَ: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟!)). ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا
النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ
الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ
لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا)). [انظر: ٢٦٤٨ - مسلم: ١٦٨٨ - فتح ١٢ / ٨٧].
ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المخزومية التي سرقت
المذكور قبل، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الحد إذا بلغ الإمام
أنه يجب عليه إقامته؛ لأنه قد تعلق بذلك حق الله تعالى، فلا تجوز
الشفاعة فيه؛ لإنكاره ذلك على أسامة، وذلك من أبلغ النهي، ثم قام
الَّ خطيبًا فحذر أمته من الشفاعة في الحدود إذا بلغت إلى الإمام،
فإن قلت فقد قال مالك وأبو يوسف والشافعي: إن القذف إذا بلغ إلى
الإمام يجوز للمقذوف العفو عنه إذا أراد سترًا. قيل له: إن هذِه شبهة
يجوز بها درأ الحد؛ لأنه إن ذهب الإمام إلى حد القاذف حتى يأتي
بالبينة على صدق ما قال فيسقط الحد عنه، وربما وجب على
المقذوف، بفوت السنة في ذلك، وقد قال مالك في القطع في
((المدونة)): يجوز وإن بلغ الإمام وإن لم يرد سترًا، وقال مرة أيضًا:
إنه لا يجوز عفوه إذا بلغ الإمام(١).
(١) ((المدونة)) ٤١٤/٤.

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي: وهو أشبه بظاهر
الحديث، وأجاز أكثر أهل العلم الشفاعة في الحدود قبل وصولها إلى
(الإمام)(١)، روي ذلك عن الزبير بن العوام، وابن عباس، وعمار،
ومن التابعين سعيد بن جبير والزهري، وهو قول الأوزاعي، قالوا:
وليس على الإمام التجسس على ما لم يبلغه، وكره ذلك طائفة فقال
ابن عمر رضي الله عنهما: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله
فقد ضاد الله في حکمه.
وفرق مالك بين من لم يعرف منه أذى للناس، فقال: لا بأس أن
يشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عرف بشر وفساد في الأرض فلا أحب
أن يشفع له أحد، ولكن يترك حتى يقام عليه الحد(٢).
والذي في ((المدونة)): أن هذا في التعزير والنكال إذا كان من أهل
المروءة والعفاف، وإذا طلبوه تجافى السلطان عن عقوبته، وإن كان
عرف بالبطش والأذى ضربه النكال بخلاف الحدود(٣).
قال الشيخ أبو إسحاق: إذا كان ذلك في حق من حقوق الله،
وأما حقوق الآدميين فلا تسقط إلا برضا صاحبها، ولكن في ((المدونة)):
وقد تكون منه الزلة وهو معروف بالصلاح والفضل، وأن الإمام ينظر
فإن كان شيخًا فاحشًا أدبه قدر ما يؤدب مثله في فعله، وإن كان
خفيفًا فيتجافى السلطان عن الزلة التي تكون من ذوي المروءات(٤).
وهذا رد على الشيخ أبي إسحاق.
(١) في الأصل: الأمير.
(٢) أنظر: ((الإشراف)) ٣١٦/٢.
(٣) ((المدونة)) ٤/ ٣٨٧.
(٤) ((المدونة)) ٣٩١/٤.

٥٩
كِتَابُ الحُدُودِ
=
قال ابن المنذر: واحتج من رأى الشفاعة مباحة قبل الوصول
بحديث الباب؛ لأنه القّ إنما أنكر شفاعة أسامة في حد قد وصل إليه
وعلمه(١) .
فصل :
وفي هذا الحديث بيان رواية معمر، عن الزهري أن أمرأة مخزومية
كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر القليل بقطع يدها(٢)، وقد تعلق به قوم
فقالوا: من استعار ما يجب القطع فيه، فجحده فعليه القطع، هذا قول
أحمد وإسحاق.
قال أحمد: ولا أعلم شيئًا (يخالفه)(٣).
وخالفهم المدنيون والكوفيون والشافعي وجمهور العلماء فقالوا :
لا قطع عليه، حجتهم رواية الكتاب التي سرقت، فدل أنها لم تقطع
على العارية، يوضحه قوله التَّه ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت
لقطعت يدها)) (٤).
فوضح بذلك لو لم يذكر الليث في رواية البخاري أنها سرقت.
قال ابن المنذر: وقد يجوز أن تستعير المتاع وتجحده، ثم سرقت
فوجب القطع للسرقة .
وقد تابع الليث على روايته يونس بن يزيد، وأيوب بن موسى، عن
الزهري كرواية الليث عند الشيخين.
(١) ((الإشراف)) ٣١٦/٢. بمعناه.
(٢) رواه عبد الرزاق ١٠/ ٢٠١.
(٣) في (ص٢): يدفعه.
(٤) أنظر: ((الاستذكار)) ٢٤٤/٢٤-٢٤٨.

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي رواية أيوب أيضًا، عند النسائي: أتي رسول الله وَّه بسارق
فقطعه، فقالوا: ما كنا نرى أن يبلغ به هذا فقال: ((لو كانت فاطمة
لقطعت يدها))(١). وإذا اختلفت الآثار وجب الرجوع إلى النظر، ووجب
رد ما اختلف فيه إلى كتاب الله، وإنما أوجب الله القطع على السارق
لا على المستعير، وروى النسائي: فأمر بلالا فأخذ بيدها فقطعها
فكانت تستعير متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحده(٢)، وفي لفظ:
((لَتُبْ هذِه المرأة إلى الله وإلى رسوله، وترد ما تأخذ على القوم))(٣).
وفي رواية: استعارت على ألسنة أناس يعرفون وهى لا تعرف حليًّا
فباعته وأخذت ثمنه(٤)، وفي ((المصنف)): عن ابن نمير، ثنا ابن إسحاق،
عن محمد بن طلحة بن ركانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود [عن
أبيها](٥) قال: لما سرقت المرأة القرشية تلك القطيفة من بيت رسول الله
وَالر أعظمنا ذلك، فجئنا رسول الله ◌َّله لكلمه فقلنا: نحن نفديها بأربعين
أوقية، قال: ((تطهر خير لها)) فلما سمعنا قوله أتينا أسامة فقلنا: كلم لنا
رسول الله وَل .. الحديث (٦).
وفي النسائي من حديث أبي الزبير، عن جابر أن أمرأة سرقت
فقالوا: من يكلم فيها رسول الله وسلّ إلا أسامة(٧).
(١) ((سنن النسائي)) ٨/ ٧١.
(٢) ((سنن النسائي)) ٨/ ٧٠-٧١ (٤٨٨٨) من حديث ابن عمر.
(٣) السابق ٨/ ٧١ (٤٨٨٩) من حديث ابن عمر.
(٤) السابق ٧١/٨ (٤٨٩٢) من حديث سعيد بن المسيب.
(٥) ليست في الأصل والمثبت من ((المصنف)).
(٦) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٧٠/٥ -٤٧١.
(٧) ((سنن النسائي)) ٧١/٨ بلفظ: فعاذت بأم سلمة. ورواه بلفظه عن عروة عن عائشة
٨/ ٧٢-٧٣ (٤٨٩٧).