Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
لورثته؛ لأن سعدًا أراد أن يتصدق بماله كله في مرضه، وكان وارثه ابنته،
والبنت لا طاقة لها على الكسب، فأمره أن يتصدق منه بثلثه، ويكون
باقيه لابنته وبيت المال. وله أجر في كل من يصل إليه من ماله شيء
بعد موته .
وحديث الباب إنما خاطب به أصحابه (في صحتهم)(١)، ونبه به (من
شح على ماله)(٢)، ولم تشح نفسه بإنفاقه في وجوه البر أن ينفق منه في
ذلك؛ لئلا يحصل وارثه عليه كاملًا موفرًا ويخيب هو من أجره، واس
الأمر فيه بصدقة المال كله، فيكون معارضًا لحديث سعد، بل حديث
عبد الله مجمل، يفسره حديث سعد، يوضح ذلك ما ذكره أهل السير
عن ابن شهاب: أن أبا لبابة قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن
أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأنخلع من مالي كله صدقة
إلى الله ورسوله، قال: ((يجزيك الثلث))، فلم يأمره بصدقة ماله كله.
(١) من (ص٢).
(٢) في الأصل: على شح على عامة. والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ١٦٢.

٤٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٣- باب المُكْثِرُونَ هُمُ المُقِلُّونَ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ
أَعْمَلَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ
بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرّ ◌َّهِ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يَمْشِي
وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ. قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ. قَالَ: فَجَعَلْتُ
أَمْشِي فِي ظِلِّ القَمَرِ فَالْتَفَتَ، فَرَآنِي فَقَالَ: ((مَنْ هذا؟)). قُلْتُ: أَبُو ذَرِّ، جَعَلَنِي اللهُ
فِدَاءَكَ. قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرِّ تَعَالَهْ)). قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: ((إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ
المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا، فَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ
يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا)). قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ لِي: ((اجْلِسْ هَا
هُنَا)). قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعِ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: ((اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ
إِلَيَْكَ)). قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الَحَرَّةِ حَتَّى لَ أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِّ سَمِعْتُهُ
وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُولُ: ((وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى)). قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا
نَبِيَّ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ
شَيْئًا. قَالَ: ((ذَلِكَ جِبْرِيلُ الَّْهُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الَحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ
مَاتَ لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟! قَالَ:
نَعَمْ)). قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟! (قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الخَمْرَ)).
قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، وَحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالأَغَمَشُ وَعَبْدُ العَزِيزِ
ابْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بهذا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ أَبِيِ صَالِحِ، عَنْ أَبِي
الدَّزْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَغْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرِّ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ
اللهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّزْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُ، وَالصَّحِيحُ
حَدِيثُ أَبِي ذَرِّ. وَقَالَ: أَضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِيِ الدَّزْدَاءِ هذا. إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إله إِلّ
اللهُ. عِنْدَ المؤْتِ. [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤ سيأتي بعد ٩٩١ برقم (٣٣) - فتح: ١١ /٢٦٠].

٤٤٣
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
ثم ذكر حديث زَيْدٍ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قال: قال النبي ◌َّ:
((إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلَّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا، فَتَفَحَ فِيهِ
يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا)) الحديث بطوله، وفي
آخره: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ شَرِبَ الخَمْرَ)).
ثم قال: قَالَ النَّصْرُ: ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالأَعْمَشُ
وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ (رُفَيْعِ)(١)، ثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بهذا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ:
حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُ، إِنَّمَا أَرَدْنَا
لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُّ حَدِيثُ أَبِي ذَرِّ. قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ عَطَاءٍ
بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُ، وَالصَّحِيحُ
حَدِيثُ أَبِي ذَرِّ. وَقَالَ: أَضْرِبُوا عَلَى حَدِيثٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ هُذا. إِذَا
مَاتَ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ. عِنْدَ المَوْتِ.
الشرح:
أما الآية فقال فيها سعيد بن جبير: من عمل عملًا يريد به غير الله
جوزي عليه في الدنيا. (ومنه: قصة القارئ والمتصدق والمجاهد. وعن
أنس: هم اليهود والنصارى إن أعطوا سائلًا أو وصلوا رحمًا عجل لهم
جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن. وقيل: هم الذين جاهدوا
من المنافقين مع رسول الله ◌َّ، فأسهم لهم من الغنائم. وقال الضحاك:
يعني: المشركين إذا عملوا عملًا جوزوا عليه في الدنيا)(٢). وهذا أبين؛
لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ﴾ [هود: ١٦] ونقله
ابن بطال عن أهل التأويل، فقال عنهم: هي عامة في اللفظ خاصة
(١) في الأصل: زريع.
(٢) من (ص٢).

٤٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بالكفار بدليل هذِه الآية؛ وذكرها البخاري هنا لتحذير المؤمنين من
مشابهة أفعال الكافرين في بيعهم الآخرة الباقية بزينة الحياة
الدنيا الفانية، فيدخلون في معنى قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ﴾ الآية(١)
[الأحقاف: ٢٠].
(و﴿نُوَفِ﴾: نوصل إليهم أجور أعمالهم كاملة وافية من غير بخس،
وهي ما يرزقون فيها من الصحة والرزق، وقرئ: (يوفِّ) بالياء على أن
الفعل لله، وبالتاء على أن البناء للمفعول، ويوفي بالتخفيف وإثبات
الياء؛ لأن الشرط وقع ماضيًا (٢). وحبط في الآخرة ما صنعوه
أو صنيعهم يعني: لم يكن لهم ثواب؛ لأنهم لا يريدون به الآخرة.
﴿وَيَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: عملهم في نفسه باطلًا. وقرئ:
(وبطل) على الفعل. وعن عاصم: (وباطلًا) قراءة بالنصب أي: باطل
كانوا يعملون، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر على وبطل بطلانًا
ما كانوا يعملون (٣).
فصل) (٤) :
وقوله: (وقال النضر، أنا شعبة .. ) إلى آخره، قال الإسماعيلي:
ليس في حديث شعبة قصة المكثرين والمقلين. إنما فيه قصة: من
مات لا يشرك بالله شيئًا، والعجب من أبي عبد الله كيف أطلق فيه
الكلام، ثم ساقه (من حديث)(٥) الحسن: ثنا حميد - يعني:
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ١٦٣ -١٦٤.
(٢) أنظر: ((مختصر شواذ القرآن)) ص٦٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) من (ص٢).
(٥) من (ص٢).

٤٤٥
كِتَابُ الرِّقَاقِ
ابن زنجويه- حدثنا النضر بن شُميل به: ((إن جبريل أتاني، فبشرني أن من
مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة)) قلت: (وإن زنا وإن سرق؟)) قال:
(وإن زنا وإن سرق)).
قال سليمان: وإنما يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء، قال:
أما أنا فإنما سمعته من أبي ذر أخبرنيه يحيى بن محمد الجياني، ثنا
عبد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا (شعبة) (١)، عن حبيب. وبلال والأعمش
وعبد العزيز المكي سمعوا زيد بن وهب، عن أبي ذر عن رسول الله
وَلّ الحديث، قال: ورواه أبو داود عن شعبة فذكرهم ولم يذكر بلالا ولم
يزد علىَ هُذِه القصة. ثم ساق من حديث أبي داود: ثنا شعبة، عن بلال
وهو ابن مرداس، ويقال: ابن معاذ، وتفرد بهذا الحديث عنه. ورواه
شعبة أيضًا عن المعرور بن سويد سمع أبا ذر عن رسول الله وَخلال مثل
قصة من مات لا يشرك بالله شيئًا ثم ساقه بإسناده.
وقوله: (وقال أبو عبد الله: حديث أبي صالح .. ) إلى آخره، وقد
أخرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث ابن إسحاق عن عيسى بن
مالك، عن زيد، عن أبي الدرداء(٢).
ولما ذكر الدارقطني رواية الحسن وعيسى مع رواية من رواه عن أبي
ذر قال: يشبه أن يكون القولان صحيحين(٣).
وقوله: (وحديث عطاء بن يسار مرسل)، قد أخرجه الطبراني بإسناد
جيد مصرحًا بسماعه منه: أخبرني أبو الدرداء أنه التّهر: قال .. فذكره، ثم
ساقه من حديث محمد بن سعد بن مالك، عن أبي الدرداء قال رسول الله
(١) في الأصل: شعيب. والمثبت من (ص٢).
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائي ٢٧٦/٦ (١٠٩٦٤).
(٣) ((علل الدارقطني)) ٦/ ٢٤٠.

٤٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وَالر .. فذكره. وأخرجه أبي محمد بن سعد، وأحذرته أن يكون ابن أبي
وقاص.
قال: وثنا معاذ بن المثنى، ثنا ابن المديني، ثنا يحيى بن سعيد
القطان، عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم، عن أبي الدرداء أظنه
مرفوعًا .. فذكره. وهذا إسناد جيد، وأخرجه من حديث عمران(١) بن
داود عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة،
عن أبي الدرداء. ومن حديث بقية، عن صفوان بن عمرو قال:
حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير وشريح بن عبيد، عن عمرو بن
الأسود، عن أبي الدرداء.
وذكر الدارقطني في حديث الأعمش، عن زيد بن وهب عنه: إن
صحت فهي تقدح في صحته، وهي رواية حرير بن حازم عن الأعمش
فقال رجل: عن (زيد)(٢) بن وهب عن أبي ذر(٣).
فصل :
هُذا الحديث يدل على أن كثرة المال يؤول بصاحبه إلى الإقلال من
الحسنات يوم القيامة إذا لم ينفقه في طاعة الله، فإن أنفقه فيها كان غنيًّا
من الحسنات يوم القيامة.
فصل :
قد احتج به من فضل الغنى على الفقر؛ لأنه أستثنى فيه من المكثرين
من نفع بالمال عن يمينه وشماله وبين يديه، وقد اختلف في هذِه
المسألة، وسيأتي في باب: من فضل الفقر بعد.
(١) في الأصل: (عمار).
(٣) ((علل الدار قطني)) ٦/ ٢٤٠-٢٤١.
(٢) مكررة في الأصل.

٤٤٧
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
فصل :
وأبو ذر: اسمه جندب بن جنادة. وأبو الدرداء: عويمر.
فصل :
قوله: ( ((يا أبا ذر تعال))). وروي: ((تعاله)) أي: جئ، وألحق الهاء
ليقف على ساكن؛ لأن العرب لا تقف بمتحرك، وإذا وقف على
(اللام)(١) جمع بین ساکنین، قاله الداودي.
ومعنى (نفح) بالحاء المهملة: أعطى منه، وصرفه في وجوه البر،
قال صاحب ((الأفعال)): نفح بالعطاء: أعطى، والله نفاح بالخيرات(٢).
ولصاحب ((العين)): نفح بالمال والسيف، ونفحات المعروف: دفعه.
ونفحت الدابة: رمت بحافرها الأرض (٣).
وقوله: (ووراءه) قيل: معناه: يوصي فيه ويبقيه لوارثه أو حبس
يحبسه، والحرة: أرض بركتها حجارة سود كأنها أحرقت بالنار، قاله
الجوهري وابن فارس(٤)، وعبارة ابن الأعرابي: هي حجارة سود بين
جبلين. والقاع: المستوي من الأرض.
وقوله: ( ((وإن زنا وإن سرق))) تمثيل يحتمل معنيين: أحدهما: أن
هذه الأمة يغفر لجميعها، والثاني: يدخل الجنة من عوقب ببعض ذنوبه
فأدخل النار وأخرج منها بإيمانه، وإن عوفوا جميعًا كان (الذي)(٥) جاء
فيهم الخبر أنهم يخرجون من النار المؤمنين غير هذِه الأمة.
(١) في الأصل: الأمر. والمثبت من (ص٢).
(٢) ((الأفعال)) لابن القوطية ص٢٥٩.
(٣) ((العين)) ٢٤٩/٣، مادة: (نفح).
(٤) ((الصحاح)) ٦٢٦/٢، ((مجمل اللغة)) ٢١١/١.
(٥) في الأصل: (الذي). والسياق يقتضي الذين.

٤٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤- باب قَوْلِ النَّبِيِّ وََّ: ((مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدَا ذَهَبًا))
٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيع، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ زَيْدِ
بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرِّ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ◌َِ فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ
فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرِّ). قُلْتُ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ
هذا ذَهَبَّا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّ شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ، إِلَّا أَنْ
أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)). عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. ثُمَّ
مَشَى فَقَالَ: «إِنَّ الأَْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا
وَهَكَذَا -عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ - وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)). ثُمَّ قَالَ لِي: ((مَكَانَكَ
لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ)). ثُمَّ أَنْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارِىُ، فَسَمِعْتُ صَوْتَّا قَدِ
أَزْتَفَعَ، فَتَخَوَّقْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ وَّةِ، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي:
(لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ)). فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا
تَخَوَّفْتُ، فَذَكَرْتُ لَهُ. فَقَالَ: ((وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((ذَاَكَ جِبْرِيلُ أَثَانِي
فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ)). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ
سَرَقَ؟! قَال:
((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَق)).
[انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤ - فتح: ١١ / ٢٦٣].
٦٤٤٥ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَله: ((لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ
وَعِنْدِي مِنْهُ شَىء، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ)). [انظر: ٢٣٨٩ - مسلم: ٩٩١- فتح:
١١/ ٢٦٤].
ذكر فيه حديث أبي ذَرٍّ: قال العَيْهِ: ((مَا أُحِبُّ أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا،
تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ
فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)). عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. ثُمَّ
قَالَ: ((إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلَّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ .. )). الحديث بطوله.

٤٤٩
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَِيبٍ، ثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، لَسَرَّنِي أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ
لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَىء، إِلَّ شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ عليَّ)) .
في هذا الحديث: أن المؤمن لا ينبغي له أن يتمنى كثرة المال،
إلا بشريطة أن يسلطه الله تعالى على إنفاقه في طاعته اقتداء بالشارع
في ذلك.
وفيه: أن المبادرة إلى الطاعة مطلوبة، وهي أفضل من التواني فيها .
ألا ترى أنه التي لم يحب أن يبقى عنده من مقدار جبل أحد ذهبًا لو
کان بعد ثلاث إلا دینار یرصده لدین؟
وفيه: أنه الكليها كان يكون عليه الدين؛ لكثرة مواساته بقوته وقوت
عياله وإيثاره على نفسه أهل الرضا والحاجة، والرضا بالتقلل والصبر
على خشونة العيش، وهذه سيرة الأنبياء والصالحين.
وهذا كله يدل على أن فضل المال في إنفاقه في سبيل البر، لا في
إمساكه وإدخاره.
فصل :
و( ((أرصده))) بضم الهمزة، قال الكسائي والأصمعي: أرصدت له:
أعددت له ورصدته: ترقبته قال تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
مِن قَبْلٌ﴾ [التوبة: ١٠٧] أي: عدة.

٤٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٥- باب الغِنَى غِنَى النَّفْسِ
ـةَ﴾ إِلَى
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبَنِنٌّ
قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥- ٦٣]. قَالَ
ابن عُيَيْنَةَ: لَمْ يَعْمَلُوهَا، لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا .
٦٤٤٦- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، ولكن
الغِنَىَ غِنَى النَّفْسِ)). [مسلم: ١٠٥١ - فتح: ١١/ ٢٧١].
قلت: وافقه الحسن وزاد أنها أعمال رديئة. وعبارة مجاهد: لهم
خطايا لا بد أن يعملوها(١).
قال قتادة: ورجع إلى أهل البر (فقال)(٢): ﴿وَلَمُمْ أَعْمَلُ مِّن دُونِ ذَلِكَ﴾
[المؤمنون: ٦٣] أي: سوى ما عددتم.
قال البخاري: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ - هو ابن عياش
السالف قريبا - ثَنَا أَبُو حَصِينٍ - هو عثمان بن عاصم وهو بفتح الحاء - عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ قَالَ: (لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةٍ
العَرَضِ، ولكن الغِنَى غِنَى النَّفْسِ».
الشرح :
الآية نزلت في الكفار فليست بمعارضة لدعائه لأنس بكثرة المال
والولد، والمعنى: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين مجازاة لهم
وخيرًا؟ بل هو استدراج؛ ولذلك قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةٍ مِّنْ
هَذَا﴾ [المؤمنون ٦٣ ] أي: في غطاء عن المعرفة أن الذي يمدهم به
من مال استدراج لهم.
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٩/ ٢٢٧.
(٢) من (ص٢).

٤٥١
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿أَنَّمَا نُعِدُهُم بِهِ﴾ هي الخيرات،
فالمعنى: نسارع فيه، ثم أظهر فقال: ﴿فِي الْخَيْرَتِ﴾ أي: نسارع لهم في
الخيرات. والخبر محذوف، والمعنى: نسارع لهم به. وقيل: (أنه
ما)(١)، فالمعنى: نسارع لهم، وقرئ بالياء مضمومة وكسر الراء (٢)،
وهذا على حذف، أي: الإمداد ويسارع لهم به في الخيرات.
والمراد بالحديث: ليس حقيقة الغنى كثرة متاع الدنيا؛ لأن كثيرًا
ممن وسع الله عليه في المال يكون فقير النفس لا يقنع بما أعطى فهو
يجهد دائمًا في الزيادة ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير من المال
لشدة شرهه وحرصه على الجمع، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس
الذي استغنى صاحبه بالقليل وقنع به، ولم يحرص على الزيادة فيه،
ولا ألح في الطلب، فكأنه غني واجد(٣) أبدًا، وغنى النفس: هو باب
الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره، علما أن ما عند الله خير
للأبرار. وفي قضائه لأوليائه الخيار.
روى الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: «ارض
بما قسم لك تكن أشكر الناس))(٤) .
(١) في (ص٢): (أما).
(٢) أنظر: ((مختصر شواذ القرآن)) لابن خالويه ص ١٠٠.
(٣) في الأصل: واجدًا والمثبت من (ص٢)، وهو الصحيح.
(٤) رواه الترمذي (٢٣٠٥)، وأحمد ٣١٠/٢، بلفظ: (تكن أغنى الناس)).
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على («المسند» (٨٠٨١): في إسناده ضعف،
ولكنه يكون صحيحا لغيره.
وقال الشيخ الألباني في ((صحيح الترغيب)) (٢٣٤٩، ٢٥٦٧): صحيح لغيره.

٤٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
العَرض -بفتح الراء - : كل ما ينتفع به من متاعها وحطامها، وهو
بالإسكان: الأمتعة التي يتجر فيها، قال الجوهري: العرض بالتحريك
ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه، وعرض الدنيا أيضًا: ما كان من
مال قل أو كثر، يقال: الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر (١).
وقال أبو عبد الملك: اتصل بي عن شيخ من شيوخ القيروان أنه قال:
عرض -بتحريك الراء- الواحد من العروض، وهو خطأ؟ قال تعالى:
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩]. ولا خلاف بين أهل
اللغة في أنه ما يعرض فيه، وليس بواحد، قال: وهو بإسكان الراء:
المتاع لكل شيء سوى الدنانير والدراهم، فإنها عين. وقال أبو عبيد:
العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا تكون حيوانًا،
ولا عقارًا .
فصل :
الغنى مقصور، وربما مده الشاعر اضطرارًا، وهو من الصوت
ممدود، يقال: غنى غناء، والغناء -بالفتح والمدح: الكفاية.
(١) ((الصحاح)) ١٠٨٣/٣، مادة: (عرض).

==
٤٥٣
كِتَابُ الرِّقَاقِ
١٦- باب فَضْلِ الفَقْرِ
٦٤٤٧- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِ حَازِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَغْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ لَّهِ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ
جَالِسٍ: (مَا رَأَيُكَ فِي هذا؟)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هذا والله حَرِيٌّ إِنْ
خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ تََّ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا رَأَيُكَ فِي هذا؟)). فَقَالَ: يَا رَسُولَ الهِ، هذا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ
المُسْلِمِينَ، هذا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ
لَا يُشْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هذا)).
[انظر: ٥٠٩١- فتح: ١١ /٢٧٣].
٦٤٤٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا وَائِلٍ
قَالَ: عُذْنَا خَبَّابًا فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ نََّ نُرِيدُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ،
فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةَ،
فَإِذَا خَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ نُغَطِّيَ
رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَّتُهُ فَهْوَ يَهْدُبُهَا. [انظر:
١٢٧٦ - مسلم: ٩٤٠ - فتح: ٢٧٣/١١].
٦٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ
حُصَيْنٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ
أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَالطَّلَعْتُ فِي النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)). [انظر: ٣٢٤١ -
مسلم: ٢٧٣٨ - فتح: ٢٧٣/١١]. تَابَعَهُ أَيُّوبُ وَعَوْفٌ، وَقَالَ صَخْرٌ وَحَمَّدُ بْنُ نَجِيحِ، عَنْ أَبِي
رَجَاءِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ.
٦٤٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ لَّهُ قَالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ ◌َِّّ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا
مُرَقَّقَا حَتَّى مَاتَ. [انظر: ٥٣٨٦ - فتح: ١١ / ٢٧٣].

٤٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
٦٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو ◌ُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَقَدْ تُنفّ النَّبِيُّ ◌َلَ وَمَا فِي رَأْ مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو
كَبِدٍ، إِلَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفِّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. [انظر:
٣٠٩٧ - مسلم: ٢٩٧٣ - فتح: ١١ / ٢٧٤].
ذكر فيه أحاديث :
أحدها :
حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ لِرَجُلٍ
عِنْدَهُ جَالِسٍ: (مَا رَأْيُكَ فِي هذا؟)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ:
هذا والله حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وقد سلف(١) .
ثانیھا :
حديث خباب: (هَاجَرْنَا)(٢) مَعَ رسول الله بَلَهَ نُرِيدُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ
أَجْرُنَا عَلَى اللهِ .. الحديث، وسلف أيضًا(٣).
ثالثها :
حديث سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي
الله عنهما، عَنِ النَّبِّ وََّ قَالَ: ((الطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا
الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)).
تَابَعَهُ أَيُّوبُ وَعَوْفٌ، وَقَالَ صَخْرٌ وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ.
(١) سلف برقم (٠٥٠٩١) كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين.
(٢) في هامش (ص٢): لعله خرجنا.
(٣) سلف برقم (١٢٧٦) كتاب: الجنائز، باب: إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه
أو قدمیه غطئ به رأسه.

٤٥٥
كِتَابُ الرِّقَاقِ
رابعها :
حديث أَنَسِ ◌َ﴾ قَالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَِّيُّ ◌َ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا
أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ.
خامسها :
حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لَقَدْ تُوُفِّيَ رسول الله بَ ◌ّ وَمَا فِي
رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفِّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى
طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ .
الشرح:
ظاهر هُذِه الأحاديث فضل الفقر كما ترجم له، لكن أعترض عليه
بأن الشارع إنما فضله باعتبار الأعمال، غير أن الغنى أعز، والفضل في
الكفاف، وقد طال تنازع الناس في هذه المسألة، وأفردت بالتأليف،
فذهب قوم إلى تفضيل الفقر، وممن ألف فيه ابن الفخَّار. وذهب
آخرون إلى تفضيل الغنى، وممن ألف فيه ابن قتيبة. واحتج من فضل
الفقر بهذه الآثار وغيرها .
فمنها: حديث أنس في الترمذي -وقال: غريب -: أنه الكلية كان
يقول في دعائه: ((اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في
زمرة المساکین))(١) .
وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)) من حديث أبي سعيد، ثم قال:
صحيح الإسناد(٢).
(١) الترمذي (٢٣٥٢)، والحديث رواه ابن ماجه (٤١٢٦)، وصححه الألباني في
(الإرواء)) (٨٦١)، وفي ((الصحيحة)) (٣٠٨).
(٢) ((المستدرك)) ٣٢١/٤.

٤٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ومنها: أنه العَيْ قال: ((اللهم من آمن بي وصدق ما جئت به فأقلل له
من المال والولد))(١).
ومنها قوله التّة: ((إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة
عام، وأصحاب الجد محبوسون)) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة،
ثم قال: صحيح(٢).
واحتج من فضَّل الغنى بقوله اللّه: ((إن المكثرين هم (الأقلون)(٣)
إلا من قال هكذا أو هكذا)) (٤).
وبقوله التّها: ((لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل أتاه الله مالا فيسلطه الله
على هلكته في الحق .. )) الحديث(٥).
وبقوله التّ لسعد: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم
عالة يتكففون الناس))(٦).
وقال لأبي لبابة: ((أمسك عنك بعض مالك، فإنه خير لك))(٧).
وقال في معاوية: ((إنه صعلوك لا مال له))(٨).
(١) رواه ابن ماجه (٤١٣٣)، وانظر: ((الصحيحة)) (١٣٣٨).
(٢) الترمذي (٢٣٥٤).
(٣) في الأصل: (المقلون) والمثبت من (ص٢).
(٤) سلف برقم (٦٤٤٤) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي ◌َّلة: ((ما يسرني أن عندي
مثل أحد ذهبا)».
(٥) سلف برقم (٧٣) كتاب: العلم، باب: الاغتباط في العلم والحكمة، ورواه مسلم
(٨١٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل من يقوم بالقرآن، ويعلمه وفضل من
تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) سبق تخريجه.
(٨) رواه مسلم (١٤٨٠) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها.

٤٥٧
=ِ كِتَابُ الرِّقَاقِ
ولم يكن التَّ يذم حالة فيها الفضل.
قال ابن بطال: وأحسن ما رأيت في هذه المسألة ما قاله أحمد بن
نصر الداودي قال: الفقر والغنى محنتان من الله، وبليتان يبلو بهما خيار
عباده؛ ليبدي صبر الصابرين وطغيان البطرين، وإنما أشكل ذلك على
غير الراسخين، فوضع قوم الكتب في تفضيل الغنى على الفقر،
وعكس آخرون وأغفلوا الوجه الذي يجب الحض عليه والندب إليه.
وأرجو لمن صحت نيته، وخلصت له طويته، وكانت لوجهه مقالته أن
(يجازيه)(١) الله على نيته ويعلمه، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
[الأنبياء ٣٥] وقال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ﴾ الآية [الإسراء: ٨٣]. وقال:
﴿إِنَّ الْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿1﴾ الآية [المعارج: ١٩] وقال: ﴿فَمَّا الْإِنْسَنُ إِذَا مَا
أَبْثَنَهُ رَبُُّ﴾ إلى قوله: ﴿أَهَنَنٍ﴾(٢) [الفجر ١٥-١٦] وقال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ
الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى ٢٧] وقال:
﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا﴾ الآية [الزخرف: ٣٣] وقال:
﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيَطْغَىَّ ٦ أَنْ رَّءَهُ أَسْتَغْنَى ﴾﴾ [العلق: ٦-٧] وقال: ﴿وَإِنَّهُ
لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾﴾ [العاديات: ٨] يعني: لحب المال. وقال رسول
الله التَّه: ((ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخاف أن تفتح الدنيا عليكم .. ))
الحديث(٣). وكان العلئلا يستعيذ من فتنة الفقر وفتنة الغنى، فدل هذا كله على
أن ما فوق الكفاف محنة لا يسلم منها إلا من عصم، وقد قال الشيخالا: ((ما قل
وكفى خير مما كثر وألهى))(٤) .
(١) في الأصل: يحيله. والمثبت من (ص٢).
(٢) في الأصل: أهانني. والمثبت من (ص٢).
(٣) سلف برقم (٣١٥٨)، وبرقم (٦٤٢٥)، ورواه مسلم (٢٩٦١).
(٤) رواه أحمد ٥/ ١٩٧، وصححه ابن حبان ١٢١/٨ (٣٣٢٩)، والحاكم ٤٤٤/٢.

٤٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال عمر بن الخطاب # لما أتي بأموال كسرى: ما فتح الله هذا
على قوم إلا سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم. وقال: اللهم إنا
لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم إنك منعت هذا رسولك؛
إكرامًا له وفتحته علي لتبتليني به، اللهم سلطني على هلكته في الحق
واعصمني من فتنته.
فهذا كله يدل على فضل الكفاف لا فضل الفقر كما خيل لهم، بل
الغنى والفقر بليتان كأن التقلي يستعيذ من فتنتهما، ويدل على ذلك قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ الآية. [الإسراء: ٢٩] وقال:
﴿﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ الآية. [الفرقان: ٦٧] وقال:
﴿وَلَا تُؤْثُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦،٥]،
وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾
الآية [النساء: ٩] وقال القَّ لأبي لبابة وسعد ما سلف، وهذا من
الغنى الذي لا يطغي، ولو كان كلما زاد كان أفضل لنهاه الشارع أن
يوصي بشيء، ولقصرت أيدي الناس عن الصدقات، وعن الإنفاق في
سبيل الله، وقال لعمرو بن العاصي: ((هل لك أن أبعثك في جيش
يسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة من المال؟» فقال: ما للمال
كانت هجرتي، إنما كانت لله ولرسوله. فقال: ((نِعْمَ المال الصالح
للرجل الصالح)»(١). ولم يكن التَّه ليحض أحدًا على ما ينقص حظه
عند الله .
فلا يجوز أن يقال: إن إحدى هاتين الخصلتين أفضل من الأخرى؛
لأنهما محنتان، وكأن قائل هذا يقول: إن ذهاب يد الإنسان أفضل عند
(١) رواه أحمد ١٩٧/٤، وصححه ابن حبان ٦/٨ (٣٢١٠).

٤٥٩
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
الله من ذهاب رجله، وإن ذهاب سمعه أفضل من ذهاب بصره، فليس
ههنا موضع للفضل، وإنما هي محن يبلو الله بها عباده؛ ليعلم
الصابرين والشاكرين من غيرهم. ولم يأت في الحديث فيما علمت
أنه اللّه كان يدعو على نفسه بالفقر، ولا يدعو كذلك على أحد يريد
به الخير، بل كان يدعو بالكفاف، ويستعيذ بالله من شر فتنة الفقر
وفتنة الغنى، ولم يكن يدعو بالغنى إلا بشريطة يذكرها في دعائه.
فأما ما روي عنه أنه كان يقول: ((اللهم أحيني مسكينًا .. )). الحديث
فإن ثبت في النقل فمعناه: ألا يجاوز به الكفاف، أو يريد به الاستكانة
إلى الله. يوضحه أنه ترك أموال بني النضير وسهمه من فدك وخيبر فغير
جائز أن يظن به أن يدعو إلى الله ألا يكون بيده شيء، وهو يقدر على
إزالته من يده بإنفاقه .
وما روي عنه أنه قال: ((اللهم من آمن بي .. )) إلى آخره، فلا يصح في
النقل ولا في الاعتبار، ولو كان إنما دعا بذلك في قلة المال وحدها،
لكان محتملًا أن يدعو لهم بالكفاف، وأما دعاؤه في قلة الولد فكيف
يدعو أن يقل المسلمون؟ وما يدفعه العيان (فمدفوع)(١) عنه القيا،
وأحاديثه لا تتناقض، كيف يذم معاوية ويأمر أبا لبابة وسعدًا أن
يبقيا ما ذكر من المال؟ ويقول: إنه خير، ثم يخالف في ذلك، وقد
ثبت أنه دعا لأنس بكثرة ماله وولده، وأن يبارك له فيما أعطيه، قال
أنس: ولقد أحصت ابنتي أني قدمت من صلبي مقدم الحجاج البصرة
مائة وبضعة وعشرين نسمة بدعوة رسول الله وير كما سلف، وعاش
بعد ذلك ستين سنة، وولد له.
(١) في الأصل: قد نزع. والمثبت من (ص٢).

٤٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فلم يدع له بكثرة المال إلا وقد قرن ذلك بقوله: ((وبارك له
فيما أعطيته))(١) .
فإن قلت: فأي الرجلين أفضل المبتلى بالفقر أو بالغنى إذا صلحت
حال كل واحد منهما؟ قيل: السؤال عن هذا لا يستقيم، إذ قد يكون لهذا
أعمال سوى تلك المحنة يفضل بها صاحبه وللآخر كذلك، وقد يكون
هذا الذي صلح حاله على (الفقر لا يصلح حاله على)(٢) الغنى،
ويصلح حال الآخر على الفقر والغنى.
فإن قلت: فإن كان كل واحد يصلح حاله في الأمرين، وهما في غير
ذلك من الأعمال متساويان قد أدى الفقير ما يجب عليه في فقره من الصبر
والعفاف والرضا، وأدى الغني ما يجب عليه من الإنفاق والبذل والشكر
والتواضع، فأي الرجلين أفضل؟ قيل: عِلْمُ هذا عند الله تعالى.
فصل :
وأما قوله: ( ((وأصحاب الجد محبوسون)) ) فإنما يحبس لهذا أهل
التفاخر والتكاثر: وأما من أدى حق الله في ماله، ولم يرد به التفاخر،
وأرصد باقيه لحاجته إليه، فليس أولئك بأولى منه في السبق إلى شيء.
ويدل على هذا الحديث السالف: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه
الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق)). فيبين أنه لا شيء أرفع من هاتين
الحالتين، وهو المبين عن الله (معنى)(٣): ما أراد، ولو كان من هذِه
(١) سلف برقم (٦٣٤٤)، كتاب: الدعوات، باب: دعوة النبي ◌َّ لخادمه بطول العمر
ويكثر ماله.
(٢) من (ص٢).
(٣) في الأصل جزئت الكلمة إلى كلمتين غير مقروءتين، وما أثبتناه من ((شرح
ابن بطال)) ١٠/ ١٧٢.