Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كِتَابُ الاسْتِنْذَانِ
وروى أيوب عنه عن ابن عباس: إنما هي: (حتى تستأذنوا)، فسقط
من الكاتب(١)، وقال إسماعيل بن إسحاق: قوله: من خطأ الكاتب. هو
بقول سعيد بن جبير أشبه منه بقول ابن عباس؛ لأن هذا مما لا يجوز أن
يقوله أحد؛ إذ كان القرآن محفوظًا، قد حفظه الله من أن يأتيه الباطل من
بین یدیه، ولا من خلفه.
وقد روي عن مجاهد أن الاستئناس: التنحنح والتنخم إذا أراد أن
يدخل(٢). وروى ابن وهب، عن مالك أنه الجلوس، قال تعالى: ﴿وَلَا
مُسْتَكْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقال عمر حين دخل على رسول الله، وَل
في حديث المشربة: أستأنس يا رسول الله وَ ل؟ قال: ((نعم)). فجلس
(٣)
عمر(٣).
قال إسماعيل: وأحسب معنى الاستئناس -والله أعلم - إنما هو أن
يستأنس فإن الذي يدخل عليه لا يكره دخوله؛ يدل على ذلك قول عمر
السالف، فدل قوله على أنه أحب أن يعلم أنه العليا لا يكره جلوسه،
وهذا مما يضعف ما روي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله
عنهما، عن عمر.
(١) قال القرطبي في تفسيره)) ٢١٤/١٢: وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيره، فإن
مصاحف الإسلام كلها ثبت فيها ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ وصح الإجماع فيها من لدن
مدة عثمان فهي التي لا يجوز خلافها وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ
أجمع الصحابة عليه قول لا يصح عن ابن عباس؛ وقد قال الله وَى: ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴾﴾.
(٢) رواه الطبري ٩/ ٢٩٧ (٢٥٩٢٢-٢٥٩٢٥).
(٣) سلف برقم (٢٤٦٨) كتاب: المظالم، باب: الغرفة والعُلِيَّة المشرفة في السطوح
وغيرها.

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قلت: والاستئناس في اللغة: الإعلام، ومنه: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُ مِّنْهُمْ
رُشْدًا﴾ [النساء: ٦].
قال المهلب: ومعنى الاستئذان: هو خوف أن يفجأ الرجل أهل
البيت على عورة فينظر ما لا يحل له؛ يدل عليه قوله العَفيها: ((إنما جعل
الاستئذان من قبل البصر))(١).
وقال الطحاوي: الاستئناس: الاستئذان، في لغة أهل اليمن، وهو
موجود فيها إلى الآن(٢).
قال الفراء: تقول العرب: استأنس، فانظر هل في الدار من أحد،
بمعنى: استأذن به(٣).
فصل :
قام الإجماع على مشروعية الاستئذان، والسنة أن يسلم ويستأذن
ثلاثًا؛ ليجمع بين السلام والاستئذان، كما هو مصرح به في القرآن
العظيم.
واختلفوا في أنه: هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان،
أو عكسه؟ والصحيح الأول، وبه قال المحققون، وبه جاءت السنة،
فيقول: السلام عليكم أأدخل؟
واختار الماوردي وجهًا ثالثًا أنه إن وقعت عين المستأذن على
صاحب البيت قبل دخوله، قدم السلام(٤)، وإلا قدم الاستئذان.
(١) سيأتي برقم (٦٢٤١) باب: الاستئذان من أجل البصر.
(٢) (شرح مشكل الآثار)) ٤/ ٢٤٨.
(٣) ((معاني القرآن)) ٢٤٩/٢.
(٤) ((النكت والعيون)) ٤/ ٨٧.

٢٣
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
وصح عن رسول الله ◌ٍَّ﴾ حديثان في تقديم السلام(١).
فرع :
إذا استأذن ثلاثًا فلم يؤذن له، فظن أنه لم يسمعه ففيه ثلاثة مذاهب:
أظهرها: أنه ينصرف ولا يعيد الاستئذان.
وثانيها: يزيد فيه، قال مالك: لا بأس به(٢). وهو تأويل قوله:
﴿حََّ تَسْتَأَنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧]. وثالثها: إن كان بلفظ الاستئذان
المتقدم لم يعده وإن كان بغيره أعاده. فمن قال بالأظهر فحجته قوله
في الحديث: ((فلم يؤذن له فليرجع)) كما سيأتي(٣)، ومن قال بالثاني
حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه، وقول أبي بن كعب
فيه: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم(٤). معناه: أن هذا الحديث
(١) الحديث الأول رواه أبو داود (٥١٧٧)، عن منصور، عن ربعي قال رجل من بني
عامر أنه أستأذن على النبي ◌ّله وهو في بيت فقال: ألج؟ فقال النبي ◌َّ لخادمه
((اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟» فأذن له
النبي ◌ّ﴾ فدخل، ورواه بنحوه الترمذي (٢٧١٠) عن صفوان بن أمية به.
والثاني رواه أحمد ١٣٨/٣ من طريق معمر، عن ثابت البناني، عن أنس أو غيره
أن رسول الله مَ استأذن على سعد فقال: ((السلام عليكم ورحمة الله))، فقال
سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ◌َّل، حتى سلم ثلاثًا ورد سعد
ثلاثًا ولم يسمعه فرجع النبي ◌َّ، واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي
ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني ولقد رددت عليك ولم أُسْمِعْك أحببت أن أستكثر
من سلامك ومن البركة ثم أدخله البيت فقرب له زبيبًا فأكل نبي الله وَّرَ، فلما فرغ
قال: ((أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون)).
(٢) انظر: ((التمهيد)) ١٩٢/٣.
(٣) برقم (٦٢٤٥).
(٤) سيأتي قريبًا برقم (٦٢٤٥) باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا.

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، وقد تعلق به من يقول: لا يحتج
بخبر الواحد وأن عمر رد حديث أبي موسى هذا؛ لكونه خبر واحد،
وهو باطل، والإجماع يرده ممن يعتد به فيه، ودلائله من فعل الشارع
والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم، وقول عمر لأبي
موسى: أقم البينة. ليس معناه رد خبر الواحد من حديث هو خبر
واحد، ولكن خاف من مسارعة الناس إلى التقول على رسول الله وعليه
ما لم يقل من بعض المبتدعة أو الكذابين أو المنافقين، فيضع كل من
وقعت له قصة حديثًا فيها، فأراد سد الباب خوفًا من غير أبي موسى
لا شكًّا في روايته، فإنه كان عند عمر ﴾ أجل من أن يظن به أنه
يحدث عن رسول الله وَّ﴾ ما لم يقل، وإنما أراد زجر غيره بطريقه فإن
من دون أبي موسى إذا رأى هذِه القضية أو بلغته، وكان في قلبه
مرض أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبي موسى فامتنع من
وضعه والمسارعة في الرواية بغير يقين، ومما يدل على أن عمر ظه
لم يرد خبره؛ لكونه خبر واحد أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى
يعلم الحديث، ومعلوم أن خبر الأثنين خبر واحد، يوضحه ما في
مسلم أن أبيًّا لما شهد لأبي موسى قال: يا ابن الخطاب لا تكن
عذابًا على أصحاب رسول الله وَّل فقال: سبحان الله أنا سمعت
شيئًا فأحببت أن أتثبت(١). وأما رواية: أقم البينة وإلا أوجعتك(٢).
وفي أخرى والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن يشهد (٣).
(١) ((صحيح مسلم)) (٢١٥٤).
(٢) رواها مسلم (٣٣/٢١٥٣).
(٣) رواها مسلم برقم (٢١٥٣).

٢٥
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
وفي أخرى: لأجعلنك نكالًا(١). فكلها محموله على أن التقدير: لأفعلن
بك هذا الوعيد إن بان أنك تعمدت كذبًا، وقوله: فهاه وإلا جعلتك
عظة. أي: فهات (البينة)(٢)، وضحك القوم من رؤيتهم فزع أبي
موسى وخوفه من العقوبة مع أنهم قد أمنوا أن يناله عقوبة أو غيرها؛
لقوة حجته وسماعهم ما أنكر عليه في رسول الله واله وقد سلف طرف
منه في البيوع(٣).
فصل :
وقوله: ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] أي: يأذن لكم أهلها
بالدخول؛ لأنه لا ينبغي أن يدخل منزل غيره وإن علم أنه ليس فيه
أحد حتى يأذن له صاحبه.
وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩]
قال مجاهد: كانت بيوتًا في طريق المدينة يجعلون فيها أمتعتهم (٤)،
وقيل: هي الخانات(٥) .
وقال عطاء: ﴿فِيهَا مَتَحُ لَّكُمْ﴾: للخلاء والبول(٦).
وسعيد بن أبي الحسن هذا هو: أخو الحسن البصري، تابعي
(فصل :
(١) رواها البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠٧٣).
(٢) في الأصل: (السنة) والرواية عند مسلم (٣٥/٢١٥٣).
(٣) راجع شرح حديث (٢٠٦٢).
(٤) رواه الطبري ٩/ ٣٠٠ (٢٥٩٣٦-٢٥٩٣٩)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٩ (١٤٣٦٦).
(٥) رواه الطبري ٩/ ٣٠٠ (٢٥٩٣٤: ٢٥٩٣٥) من قول محمد بن الحنفية، وقتادة
ورواه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٩ (١٤٣٦٥) من قول سعيد بن جبير.
(٦) رواه الطبري ٩/ ٣٠١ (٢٥٩٤٣)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٠ (١٤٣٧٠).

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
ثقة (١)، قال البخاري: مات قبل الحسن)(٢).
فصل :
وقوله: (من أبصارهم) (من) هنا؛ لبيان الجنس، وقد جاء في نظر
الفجأة الأمر بصرف البصر(٣).
ولا شك في أن غض البصر مأمور به للآيتين المذكورتين في الباب؛
ألا ترى صرف النبي ◌َّ لوجه الفضل عن المرأة، ونهيه القيمة عن
الجلوس على الطرقات إلا أن يغض البصر، وإنما أمر الله بغض
الأبصار عما لا يحل؛ لئلا يكون البصر ذريعة إلى الفتنة، فإذا أمنت
فالنظر مباح؛ ألا ترى أنه القَّه حول وجه الفضل حين علم بإدامته
النظر إليها أنه أعجبه حسنها، فخشي عليه الشيطان.
وما ذكره في خائنة الأعين : قال ابن عباس: هو الرجل ينظر إلى المرأة،
فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره. وقد علم الله سبحانه (أن يرده) (٤)
لو نظر إلى عورتها(٥)، وقول الزهري صحيح، ومعناه: في غير
(١) سعيد بن أبي الحسن واسمه: يسار الأنصاري مولاهم البصري. روى عن
ابن عباس وعلي، وأبي هريرة.
روى عنه: أخوه الحسن البصري، وخالد الحذاء والأعمش. وثقه الأئمة.
انظر: ((التاريخ الكبير)) ٣/ ٤٦٢ (١٥٣٨)، و((الجرح والتعديل)) ٤/ ٧٢ (٣٠٦)،
((تهذيب الكمال)) ٣٨٥/١٠ (٢٢٢٥١).
(٢) من (ص٢).
(٣) يشير المصنف - رحمه الله- إلى ما رواه مسلم (٢١٥٩) كتاب: الآداب، باب:
نظر الفجأة، وأبو داود (٢١٤٨) عن جرير أنه سأل النبي ◌َّر عن نظر الفجأة؛
فقال: ((اصرف بصرك)).
(٤) كذا في الأصل، ولعل الصحيح: أنه يود.
(٥) رواه الطبري ١١/ ٥٠ (٣٠٣١٦).

٢٧
= كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
الصغيرة جدًّا، قد مست أم خالد(١) خاتم النبوة الذي كان بين كتفي
رسول الله وَل، ونهى الشارع من نهاها(٢). وقد سلف أن فيه حجة
لأشهب أن الرجل يُغسِّل الأجنبية الصغيرة الميتة، وأن ابن القاسم
لا يجيز ذلك(٣).
فصل :
وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه فيما تركب فيه من الميل
إلى النساء، والإعجاب بهن، وفيه دليل أن نساء المؤمنين ليس لزوم
الحجاب لهن فرضًا في كل حال كلزومه لأمهات المؤمنين، ولو لزم
جميع النساء فرضًا لأمر الشارع الخثعمية بالاستتار، ولَمَا صرف وجه
الفضل عن وجهها، بل كان أمره بصرف بصره ويعلمه أن ذلك فرضه؛
فصرف وجهه وقت خوف الفتنة وتركه قبل ذلك الوقت.
وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير محارمهن
سنة؛ لإجماعهم أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة منها ويراه الغرباء،
وأن قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] على
الفرض في غير الوجه.
(١) أم خالد: أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي، ولدت بالحبشة
وتزوجها الزبير فولدت له عمرًا، صحابية روى لها البخاري، وأبو داود والنسائي.
أنظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٢٣٤/٨، و(تهذيب الكمال)) ١٢٩/٣٥
(٧٧٨٨).
(٢) سلف برقم (٣٠٧١) كتاب الجهاد، باب: من تكلم بالفارسية والرطانة من حديث
أم خالد بنت خالد بن سعيد بلفظ ((فذهبت ألعب بخاتم النبوة».
(٣) أنظر ((النوادر والزيادات)) ٥٥٤/١.

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأن غض (البصر)(١) عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى منه
الفتنة واجب.
وقد قال القليقال: ((لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك
الثانية))(٢). وهذا معنى دخول (من) قوله تعالى: ﴿مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور:
٣٤]: لأن النظرة الأولى لا تملك، فوجب التبعيض لذلك بما قدمناه،
ولم يقل ذلك في الفروج؛ لأنها لا تملك.
فصل :
فإرادفه الفضل خلفه على عجز راحلته ظاهر في جواز الإرداف،
وقد مر. وعَجُز -بفتح أوله وضم ثانيه- أي: آخرها. وقوله: وكان
الفضل وضيئًا أي: حسنًا نظيفًا، أصله: وضُأ مثل گرُم.
وقوله: (فأخلف يده فأخذ بذَقَن الفضل). أي: أدارها من خلفه،
يقال: أخلف الرجل بيده إلى سيفه: مدها إليه؛ ليأخذه عند حاجته
إليه، وأخلف إلى مؤخر راحلته أو فرسه كذلك، وقال هنا: (والفضل
ينظر إليها)، وفي ((الموطأ)): وتنظر هي إليه(٣).
والذَّقَن : - بفتح الذال والقاف- مجتمع اللحيين، قيل: وكان الفضل
يومئذ صبيًّا .
(١) في الأصل: (الفرج) والمثبت هو المناسب للسياق.
(٢) رواه أبو داود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧)، وأحمد ٣٥٣/٥، ١٩٤/٢ والبيهقي
٧/ ٩٠ كلهم من حديث ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا، وقال الترمذي: حسن غريب
لا نعرفه إلا من حديث شريك، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم
يخرجاه.
وقال الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٩٠٣): حسن لغيره.
(٣) ((الموطأ)) ص ٢٣٦ (٩٨).

٢٩
= كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
وغُلِّط؛ لقوله: وكان رجلًا وضيئًا، وليس صريحًا فيه، فإن قلت:
سماه بما يؤول إليه أمره قيل: الظاهر منه أنه وصف حاله حينئذ،
وأيضا فإنه كان أكبر من أخيه عبد الله، وكان عبد الله في حجة الوداع
ناهز الاحتلام.
فصل :
قوله: ( ((إياكم والجلوس بالطرقات)) ) هي جمع طرق، وطرق جمع
طريق .

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣- باب السَّلَامُ اسْمَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى
وقوله: ﴿وَإِذَا حُبِّيِنتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً!
[النساء: ٨٦]
٦٢٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي
شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّ إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ رَيِّ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ قَبْلَ
عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ
النَّبِيُّ نَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي
الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ الله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ
وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ
أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهً. ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الكَلَامِ مَا شَاءَ)). [انظر: ٨٣١- مسلم:
٤٠٢- فتح ١٣/١١]
ثم ساق حديث شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ في التشهد فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ هُوَ
السَّلَامُ)). وقد سلف.
قيل: إن الآية في السلام إذا قال: سلام (عليك) (١) رد عليه: وعليك
السلام ورحمة الله وإذا قال: السلام عليك ورحمة الله، رد : وعليك
السلام ورحمة الله وبركاته. وقيل: إنها في الهدية.
وعن مالك: يرجع فيها ما لم تقبض. وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة
ومشهور مذهب مالك -كما قاله ابن التين- أنها تلزم بالقول، وليس له
رجوع وإنما الحوز شرط في صحتها، واحتج بهذه الآية على من قال:
إذا سلم على جماعة يردون جميعهم، وهم الكوفيين؛ لأن معناه أن يرد
(١) من (ص٢).

٣١
= كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
واحد منهم مثلما يسلم واحد مثلما أبتدئت به من غير زيادة لقوله: ﴿أَوْ
رُذُوهَاً﴾ وروى مالك، عن زيد بن أسلم أنه العَيْه قال: ((إذا سلم واحد من
القوم أجزا عنهم))(١) وأنكر أبو يوسف مرسل مالك، واحتجوا بأنه لو رد
عنهم (غيرهم) (٢) لم يسقط ذلك عنهم، فدل أنه يلزم كل إنسان بعينه،
واستدل لمالك والشافعي مع ما سلف بقوله العفيها: ((يسلم القليل على
الكثير)»(٣). والرد سلام عند العرب، وبإجماعهم أن الواحد يسلم
على الجماعة، ولا يحتاج إلى تكريره على عددهم، وكذلك الرد،
وإنكارهم المرسل مالك لا وجه له؛ لأنه (لا)(٤) مستند لهم في قولهم،
والمصير إليه أولى من المصير إلى رأي يعارضه، وقد عضده ما أخرجه
أبو نعيم الأصبهاني في كتابه من حديث عبد الله بن الفضل عن عبيد
الله بن أبي رافع عن علي يرفعه: ((يجزئ عن الجماعة إذا مرت أن
يسلم أحدهم، ويجزي عن القعود أن يرد أحدهم)). وأخرجه أبو داود
من هذا الوجه، وقال: و((الجلوس)) بدل ((القعود))(٥) وهو هو.
فصل :
وقوله: ( ((إن الله هو السلام)) ) يريد أنه اسم من أسمائه، قال تعالى:
﴿َالسَّلَمُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] فمصداق هذا الحديث القرآن، والأسماء
إنما تؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة، ولا يجوز أن يسمى الله بغير
(١) ((موطأ مالك)) ص ٥٩٥ برواية يحيى الليثي.
(٢) من (ص٢).
(٣) سيأتي قريبًا برقم (٦٢٣٢) ورواه مسلم برقم (٢١٦٠) كتاب: السلام، باب: يسلم
الراكب على الماشي والقليل على الكثير.
(٤) من (ص٢).
(٥) رواه أبو داود برقم (٥٢١٠).

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ما سمى به نفسه، ولما كان السلام من أسمائه لم يجز أن يقال: السلام
على الله، وجاز أن يقال: السلام عليكم؛ لأن معناه الله عليكم، والسلام
أيضًا السلامة؛ قال تعالى: ﴿لَمْ دَارُ السَّلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] أي: السلامة،
وهي: الجنة، والسلام: التسليم، والسلام: الشجر، وشجر عظام
واحدتها سلامة، والسلام: الإسلام، والسلامة: البراءة من العيوب.
فصل :
قد أسلفنا أن الابتداء به سنة، ورده فريضة، وهو إجماع، ومن
الدليل على كونه سنة قوله في المتهاجرين: ((وخيرهما الذي يبدأ
بالسلام)» (١) وسلف أيضًا أن الرد فرض كفاية، وهو داخل في معنى
قوله: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦]؛ لأنه رد عليه مثل
قوله وشبهوه بالتشميت أي: في كونه سنة كفاية، نعم هو كالجهاد،
وطلب العلم، ودفن الموتى. وإن الكوفيين ذهبوا إلى أن الرد فرض
عين على كل واحد، قالوا: والسلام خلاف رده، نعم قد يكون من
السنن ما يسد الفرض كغسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة عند
جماعة من العلماء، وكغسل اليدين قبل الوضوء يجزئ عن غسلهما مع
الذراعين في الوضوء، في قول عطاء.
فصل :
قد أسلفنا أن تشهد ابن مسعود هذا أخرجه مسلم أيضًا مع باقي
الأربعة(٢).
(١) سلف برقم (٦٠٧٧) كتاب: الأدب، باب: الهجرة.
(٢) مسلم برقم (٤٠٢) كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، أبو داود (٩٦٨)،
الترمذي (٢٨٩)، النسائي ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، ابن ماجه (٨٩٩).

٣٣
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
وأخذ به أحمد(١) والكوفيون(٢)، وأخذ الشافعي بتشهد ابن عباس (٢)
وهو من أفراد مسلم، وأخذ مالك بتشهد عمر (٤)، وادعوا أنه يجري
مجرى التواتر كتعليمه الناس على المنبر بحضرة جماعة من الصحابة
وأئمة المسلمين ولم ينكر عليه أحد.
فصل :
التحيات: السلام أو البقاء. والصلوات، قال ابن حبيب: قيل:
معناه لا يراد بها غير الله والطيبات طيب القول والأعمال (الراتبة)(٥) (٦).
فصل :
لم يذكر في هذا الحديث هنا الصلاة على رسول الله فتحزبت
المالكية وقالوا: فيه رد على الشافعي وابن المواز منهم(٧)، قالوا:
واحتجاج الشافعي(٨) بالآية المراد: مرة في العمر (ولغى) (٩) ثم
غلط فادعى أن الشافعي أختار تشهد ابن مسعود والعجب أن
الصلاة ثابتة فيه في الحديث الصحيح من طريقين، وفي الذهن أني
أسلفت ذلك.
(١) أنظر: ((المغني)) ٢٢٠/٢.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢١٤/١.
(٣) ((الأم)) ١/ ١٠١.
(٤) ((الموطأ)) ص ٧٧، وانظر ((المدونة)) ١٣٤/١.
(٥) في (ص٢): (الزاكية).
(٦) ((النوادر والزيادات))) ١٨٨/١، ((الذخيرة)) ٢١٨/٣.
(٧) ((المنتقى)) ١٧٤/١.
(٨) ((روضة الطالبين)) ٢٦٣/١ - ٢٦٤.
(٩) في الأصل: (ولغ) وفي (ص٢): (وتشفى في الشفا) غير منقوطة، ولعل المثبت له
معنّی یوافق السیاق.

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤- باب تَسْلِيمِ القَلِيلِ عَلَى الكَثِيرِ
٦٢٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ قَالَ: ((يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ،
وَالْمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)). [٦٢٣٢، ٦٢٣٣، ٦٢٣٤ - مسلم: ٢١٦٠ - فتح
١١/ ١٤]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَه، عَنِ رسول الله وَلَ قَالَ: ((يُسَلِّمُ
الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)).
ثم ترجم له:

٣٥
ـ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
٥- باب تَسْلِيمِ الرَّاكِبِ عَلَى المَاشِي
٦٢٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجَ قَالَ: أَخْبَرَنِ زِيَادٌ أَنَّهُ سَمِعَ
ثَابِتًا -مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَّةٍ:
(يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)).
[انظر: ٦٢٣١ - مسلم: ٢١٦٠ - فتح ١٥/١١]
ثم ساقه بلفظ: (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى القَاعِدِ،
وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)).
وفي سنده: زياد وهو ابن سعد، وثابت هو ابن عياض الأحنف
الأعرج، مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ولأبي أحمد يزيد
بدل زياد، وهو وهم، قال الجياني: والصواب الأول(١).
ثم ترجم عليه :
(١) قلت: نظرت في ((تقييد المهمل)) ٧٣٨/٢-٧٣٩ للجياني فعجبت؛ لأنه قال: في
نسخة أبي محمد عن أبي أحمد: ثابت مولى عبد الرحمن بن يزيد بزيادة ياء في
الأسم، وهو وهم والصواب: زید. اهـ
فالجياني إنما ذكر أن الوهم فيمن قال: يزيد بن الخطاب، بدل زيد، والذي حكاه
عنه المصنف أن الوهم فيمن قال: يزيد بدل زياد، وكأنه عنى زياد بن سعد،
المذكور أولًا. والله أعلم.

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦- باب تَسْلِيمِ المَاشِي عَلَى القَاعِدِ
٦٢٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابن جُرَيْج
قَالَ: أَخْبَرَبِي زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتَا أَخْبَرَهُ - وَهْوَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ُ،
عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى القَاعِدِ،
وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)). [انظر: ٦٢٣١ - مسلم: ٢١٦٠-فتح ١١ /١٥]
وساقه به سواء.
ثم ترجم عليه :

٣٧
ـ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
٧- باب تَسْلِيمِ الصَّغِيرِ عَلَى الكَبِيرِ
٦٢٣٤ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَّهِ: ((يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ
عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)). [انظر: ٦٢٣١ - مسلم: ٢١٦٠ - فتح ١٦/١١]
ثم قال: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يُسَلِّمُ
الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)).
وهذا أسنده أبو نعيم في كتابه عن الأجُرِّي: ثنا عبد الله بن العباس،
ثنا أحمد بن حفص، ثنا أبي، ثنا إبراهيم بن طهمان، فذكره، والبخاري
قد ساقه أولا من حديث معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، كما
سلف أولًا، فهذا طريق آخر زيادة عليه، والراكب بالإضافة إلى الماشي
كأنه مار على قاعد لإشرافه، وكذلك الماشي مع القاعد، ومقصود
السلام: الأمان، والماشي يخاف الراكب، وكذلك القاعد يخاف
الماشي فأمروا بالسلام؛ ليحصل الأمن، نبه عليه ابن الجوزي.
وقال المهلب: هذِه آداب من الشارع أما تسليم الصغير على الكبير
فمن أجل حق الكبير عليه فأمر الصغير بالتواضع له والتوقير وتسليم المار
على القاعد هو من باب الداخل على القوم فعليه أن يبدأهم بالسلام
وكذلك فعل آدم التّئه بالملائكة حين قيل له: ((اذهب فسلم على أولئك
النفر من الملائكة جلوس)) (١) ويسلم القليل على الكثير من باب
التواضع أيضًا؛ لأن حق الكثير أعظم من حق القليل وكذلك فعل
أيضًا آدم العَّها؛ كان وحده والملأ من الملائكة كثير حين أمر بالسلام
(١) سلف قريبًا برقم (٦٢٢٧) أول كتاب الاستئذان.

٣٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عليهم، وسلام الراكب على الماشي؛ لئلا يتكبر بركوبه على الماشي
فأمر بالتواضع له.

٣٩
= ڪِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
٨- باب إِفْشَاءِ السَّلَامِ
٦٢٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيّ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِيِ الشَّغْثَاءِ،
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ
اللهِ وَّهُ بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتَّاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ،
وَعَوْنِ المَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ، وَنَهَى عَنِ الشَّرْبِ فِيِ الفِضَّةِ، وَنَهَانَا عَنْ
تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ رُكُوبِ المَيَاثِ، وَعَنْ لُبْسِ الَحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْقَسِّيِّ، وَالإِسْتَثْرَقِ.
[انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦-فتح ١٨/١١]
ذكر فيه حديث البَرَاءِ ﴿ قَالَ: أَمَرَنَا النبي ◌ََّ بِسَبْع: منها: إفشاء
السلام. وقد سلف غير مرة (١).
والشيباني في الإسناد هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان
فيروز(٢).
قال الطبري: ومن هذِه السبع ما يكون بتركه عاصيًا وهو نصر
الضعيف، وعون المظلوم، وإبرار المقسم، فهُذِه فرض في كل حال،
وذلك أنه العَيّ قال: ((انصر أخاك ظالما أو مظلومًا))(٣). وقال:
((إن المؤمنين جميعًا كالجسد الواحد))(٤).
(١) سلف برقم (٥١٧٥) كتاب: النكاح، باب: حق إجابة الوليمة والدعوة.
(٢) روى عن سعيد بن جبير، وعكرمة، والقاسم بن عبد الرحمن. وروى عنه:
إبراهيم بن طهمان، وأسباط بن محمد وغيرهم. وثقه الأئمة.
انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ١٦ (١٨٠٨)، و((الجرح والتعديل)) ١٣٥/٤
(٥٩٢) و(تهذيب الكمال)) ٤٤٤/١١ (٢٥٢٥).
(٣) سلف برقم (٢٤٤٣) كتاب: المظالم، باب: أعن أخاك ظالما أو مظلومًا.
(٤) سلف بنحوه برقم (٦٠١١) بلفظ ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
مثل الجسد ... )) من حديث النعمان بن بشير.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعلى المرء أن يسعى لصلاح كل عضو من أعضاء جسده سعيه
لبعضها، فكذلك عليهم في إخوانهم في الدين، وشركائهم في الملة،
وأنصارهم من الأعداء من نصرهم وعوضهم مثل ما عليهم ذلك في
أنفسهم لأنفسهم إذ كان بعضهم عونًا لبعض، وجميعهم يد على
العدو، ولذلك خاطبهم ربنا في كتابه فقال: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
إذا كان القاتل منهم غيره بمنزلة القاتل نفسه، ولم يقل لهم: لا يقتل
بعضكم بعضًا؛ إذ كان المؤمن لأخيه المؤمن بمنزلة نفسه في التعاون
على الذكر والتقوى، يؤلم كل واحد منهما ما يؤلم الآخر، ألا ترى
أن الله تعالى نهى المؤمنين أن يلمز بعضهم بعضًا، وأن يتنابزوا
بالألقاب، قال تعالى: ﴿وَلَا نَلِمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] فجعل
اللامز أخاه لامزًا نفسه، إذ كان أخوه بمنزلة نفسه، ومعلوم أنه لا أحد
صحيح العقل يلمز نفسه، فعلم أن معناه: لا يلمز أحدكم أخاه المؤمن،
وإنما الإبرار بقوله: ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ومنها ما يكون
بتركه غير عاص، وهو ابتداء السلام والعيادة، ومنها ما يكون فرضًا
في بعض الأحوال وفضلًا في بعضها، وهو شهود الجنازة، إذا لم
يكن لها قيم أو يكون ولا يستغنى عن حضوره إياها. وتشميت
العاطس عند الحمد فهو فرض كفاية على الجميع، كذا قال: وإنما هو
سنة كفاية.
وأما التي فرض في بعض الأحوال دون بعض وفضل في بعضها
فشهود جنازة الأخ المؤمن، فالحال التي هو فيها فرض إذا لم يكن
لها قيم غيره كما مر، وذلك أن الذي يلزم من أمر موتى المسلمين
للأحياء غسلهم وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم، وذلك فرض على