Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ١١١- باب مَنْ دَعَا صَاحِبَهُ فَنَقَصَ مِنِ اسْمِهِ حَرْفًا وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّهِ: (يَا أَبَا هِرِ)). ٦٢٠١- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ََّ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((يَا عَائِشَ، هذا جِبْرِيلُ يُقْرِتُكِ السَّلَامَ)). قُلْتُ: وَالَ وَرَحْمَةُ اللهِ. قَالَتْ: وَهْوَ يَرىُ مَا لَا نَرى. [انظر: ٣٢١٧ - مسلم: ٢٤٤٧ - فتح ١٠ / ٥٨١] ٦٢٠٢- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَس ◌َّهِ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمِ فِ الثَّقَلِ، وَأَنْجَشَةُ غُلَامُ النَّبِيِّ ◌َ يَسُوقُ بِهِنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَ لَ: ((يَا أَنْجَشَ، رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ)). [انظر: ٦١٤٩- مسلم: ٢٣٢٣-فتح ٥٨١/١٠] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أنه بَّ قال لها: ((يَا عَائِشَ، هذا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ)). قالت: وَالَّْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَهْوَ يَرى مَا لَا نَرى. وحديث أَنَسِ ﴾، قَالَ الَّ لأنجشة: (يَا أَنْجَشَ، رُوَيْدََ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ)». الشرح: وأما قوله: ((يا أبا هر))) فليس من باب الترخيم -كما ذكره ابن بطال(١) وغيره- وإنما هو نقل اللفظ من التصغير والتأنيث إلى التكبير والتذكير؛ لأن أبا هريرة كناه رسول الله وَّله بتصغير هرة كانت له، فخاطبه باسمها مذكرًا مكبرًا، فهو وإن كان نقصانًا من اللفظ، ففيه زيادة في المعنى، (ويجوز أن يكون لما حذفت الهاء في آخره (١) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٣٥٠. ٦٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = صار مرخمًا؛ لأن الأصل: يا أبا هرة، وهريرة تصغيرها. وذكر ابن عساكر: أنه كان يكره تصغيره ويقول: كناني رسول الله 10َّ بأبي هر. والذي ذكره ابن إسحاق وأبو عمر وغيرهما أنه الكليهّ كناه بأبي هريرة، وقيل: كناه والده بذلك)(١). والهر: السنور، وجمعه: هررة، مثل: قرد وقردة. وأما قوله: ((يا عائش)) و((يا أنجش)) من باب النداء المرخم. والترخيم: نقصان أواخر الأسماء، تفعل ذَلِكَ العرب على وجه التخفيف، ولا يرخم ما ليس منادى إلا في ضرورة الشعر. ولا يرخم من الأسماء ما كان على ثلاثة أحرف، ساكن الوسط مثل: عمرو وفلس، لأن الثلاثة أقل (الأصول)(٢)، إلا ما كان في آخره هاء التأنيث؛ فإنه يرخم، قلت حروفه أو كثرت. واختلف فيما إذا كان وسطه متحركًا مثل: عمر وجمل، فمنع البصريون تصريفه، وأجازه الكوفيون، ويجوز في عائش وأنجش ضم الشين وفتحها، وكذا يا مال أقبل، ويا حار (للحارث)(٣)، وفي ترخيم جعفر يا جعف أقبل، فتحذف الراء ويدع ما قبلها على حركته، وقرأ الأعمش: (ونادوا يا مال) ووجه ترخيمهم أنهم ذهبت قواهم، ولم تبلغ شكواهم، فضعفوا عن تتميم نداء مالك خازن النار. وترخيم ما فيه تاء التأنيث مثل عائشة وفاطمة: أكثر من غيره؛ لأن تاء التأنيث يلحقها الحذف، بدليل سقوطها من التكسير والنسب. (١) من (ص٢). (٢) من (ص٢). (٣) من (ص٢). ٦٢٣ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ فصل : وقوله: (كانت أم سليم في الثقل). وهو بتحريك الثاء والقاف، وهو متاع المسافر، وروي بكسر الثاء، قال ابن التين: والأول هو الذي قرأناه. ٦٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١١٢- باب الكُنْيَةِ لِلصَّبِيِّ وَقَبْلَ أَنْ يُولَدَ لِلرَّجُلِ ٦٢٠٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَّسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخْ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ -قَالَ: أَحْسِبُهُ فَطِيمٌ- وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: (يَا أَبَا عُمَيْرِ، مَا فَعَلَ التُّغَيْرُ؟)). نُغَرّ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الذِي تَحْتَهُ فَيُكْتَسُ وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا. [انظر: ٦١٢٩ - مسلم: ٦٥٩، ٢١٥٠، ٢٣١٠ - فتح ١٠ /٥٨٢] ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﴾ في: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟)). ولا شك أن الكنية إنما هي على معنى الكرامة والتفاؤل أن يكون أبًا ويكون له ابن، وإذا جاز أن يكنى الصغير في صغره، فالرجل قبل أن يولد له أولى بذلك. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: عجلوا بكنى أولادكم؛ لا تسرع إليهم ألقاب السوء. وهذا كله من حسن الأدب ومما يثبت الود. وفيه: جواز المزاح مع الصبي الصغير. وفيه: جواز لعب الصبيان الصغار بالطير واتخاذها لهم وتسليتهم بها . وفيه: جواز استعمال النضح فيما يشك في طهارته ولم تتيقن نجاسته، وقيل: نضحه ليلين. وسلف ذكر النغير، وأن فيه: إباحة صيد حرم المدينة، وأنه قيل: إن ذَلِكَ كان قبل التحريم، (وقيل: نسخ تعذيب البهائم)(١)، وأن مشهور مذهب مالك: أن الصيد لا يُمنع الحلال أن يدخل به الحرم ويذبحه هناك(٢). (١) من (ص٢). (٢) ((الاستذكار)) ٢٩٣/١١-٢٩٤. ٦٢٥ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = ووقع في ((العتبية)) لابن القاسم: أنه يرسله إذا دخل الحرم كما يرسله إذا أحرم(١). وذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. (١) ((النوادر والزيادات)) ٢/ ٤٧٠. ٦٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح =- ١١٣- باب التّكَنِّي بِأَبِي تُرَابٍ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُنْيَةً أُخْرى ٦٢٠٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ ◌َ﴾ِ إِلَيْهِ لأَبَو تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ يُذْعَى بِهَا، وَمَا سَمَّهُ أَبُو تُرَابٍ إِلَّ النَّبِيُّ ◌ََّ غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ، فَخَرَجَ فَاضْطَجَعَ إِلَى الجِدَارِ إِلَى المَسْجِدِ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ وَّهِ يَتْبَعُهُ، فَقَالَ: هُوَ ذَا مُضْطَجِعْ فِي الجِدَارِ فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ◌ََّ وَامْتَلاَ ظَهْرُهُ تُرَابًا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ يَقُولُ: ((اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ)). [انظر: ٤٤١ - مسلم: ٢٤٠٩ - فتح ٥٨٧/١٠] ذكر فيه حديث سَهْلٍ قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ ◌ُ إِلَيْهِ لأَبُو تُرَابٍ .. الحدیث فذكر سببه. وقوله: ((اجلس يا أبا تراب)). وقد أسلفنا أن الكنية موضوعة؛ لإكرام المدعو بها وإتيان مسرته؛ لأنه لا يتكنى المرء إلا بأحب الكنى إليه، وهو مباح له أن يتكنى بكنيتين إن أختار ذَلِكَ، ولاسيما إن كناه بأحدهما رجل صالح أو عالم فله أن يتبرك بكنيته؛ لأن عليًا کان أحب الکنی إليه أبو تراب. وفيه: أن أهل الفضل قد يقع بينهم وبين أزواجهم ما جبل الله عليهم البشر من الغضب والحرج حَتَّى يدعوهم ذَلِكَ إلى الخروج عن بيوتهم، وليس ذَلِكَ بعائب لهم وفيه ما جبل الله عليه رسوله من كرم الأخلاق وحسن المعاشرة وشدة التواضع، وذلك أنه طلب عليًا واتبعه حَتَّى عرف مكانه ولقبه بالدعابة، وقال له: ((اجلس أبا تراب)). ومسح التراب عن ظهره؛ ليبسطه ويذهب غيظه ويسكن نفسه بذلك، ولم يعاتبه على مغضبته لابنته . ٦٢٧ = ڪِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وفيه من الفقه: الرفق بالأصهار وترك معاتبتهم، وسيأتي هذا المعنى في الاستئذان في باب: القائلة في المسجد(١)، وسلف في الصلاة في باب: نوم الرجل في المسجد. وفيه: ما ترجم له وهو جواز كنيتين سيما إن شرفه في الثانية كما مر. وقوله: (إن كانت أحب أسماء علي إليه لأبو تراب). أنث كانت على تأنيث الأسماء مثل: ﴿وَحَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١] ومثل: كما شرقت صدر القناة من الدم. وقوله: (ما سماه أبو تراب إلا النبي (وَلَّ) كذا هو في الأصول، وأورده ابن التين بلفظ: (أبو). قال: وصوابه: أبا . (فائدة: قوله: ((اجلس)) هو المستعمل. قال الخليل: يقال لمن كان قائمًا: أقعد. ولمن كان نائمًا يا ساجد أجلس. ورد عليه ابن دحية بحديث ((الموطأ)) في الحلبة حيث قال للقائم: أجلس (٢))(٣). (١) برقم (٦٢٨٠). (٢) ((الموطأ)» ص ٦٠٢ عن يحيى بن سعيد مرفوعًا. (٣) من (ص٢). ٦٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١١٤- باب أَبْغَضِ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ رَّ ٦٢٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ)). [٦٢٠٦ - مسلم: ٢١٤٣ - فتح ٥٨٨/١٠] ٦٢٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِ الزَّنَادِ، عَنِ الأَغَرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: ((أخْنَعُ أَسْم ◌ِنْدَ اللهِ وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللهِ- رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ)). [انظر: ٦٢٠٥ - مسلم: ٢١٤٣ - فتح ١٠/ ٥٨٨] قَالَ سُفْيَانُ يَقُولُ غَيْرُهُ: تَفْسِيْرُهُ: شَاهَانْ شَاهْ. [انظر: ٦٢٠٥- مسلم: ٢١٤٣ - فتح ٥٨٨/١٠] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ: ((أَخْنَى الأَسْمَاءِ عند الله يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ)). وعنه رِوَايَة: ((أخْنَعُ أَسْم عِنْدَ اللهِ - وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللهِ- رَجُلٌ تَسَمَّنَّ بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ)). قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ: تَفْسِيرُهُ: شان شاه. الشرح: قوله: ((أخنى الأسماء (عند الله)(١)) كذا في الأصول، وأورده ابن بطال(٢) وابن التين: «أخنى الأسماء)). وهو ما في بعض النسخ، وفي أخرى: ((أفحش))، وأخرى: ((أوضع))، وأخرىُ: ((أخنع)). وروي في حديثه الثاني: ((أخضع))، قال الخطابي: إن كان أخنى محفوظًا، فمعناه: أفحش الأسماء وأقبحها من الخناء، وهو الفحش، (١) عليها في الأصل علامة: (لا. إلى). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٥٣/٩. ٦٢٩ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = وأما ((أخنع)) فمعناه: أذل وأوضع، يقال: خنع خنوعًا إذا تواضع وذل، وقيل: (خضع)(١). وعبارة صاحب ((الأفعال)): إذا ذل وأعطى الحق من نفسه (٢)، فعاقب الله من طلب الرفعة في الدنيا بما لا يحل له من صفات ربه بالذل يوم القيامة، كما جاء في الحديث أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم(٣). فصل : وشاهنشاه بالفارسية: هو ملك الملوك، وقد روى سفيان عن ابن أبي نجيح عن (مجاهد) (٤) قال: ((أكره الأسماء إلى الله ملك الأملاك)). (وإنما كان ملك الأملاك)(٥) أبغض إلى الله تعالى وأكره إليه أن يسمى به مخلوق؛ لأنه صفة الله، ولا تليق بمخلوق صفات الله ولا أسماؤه، ولا ينبغي أن يتسمى أحد بشيء من ذَلِكَ؛ لأن العباد لا يوصفون إلا بالذل والخضوع والعبودية، وقد سلف حديث عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((لا تسموا أبناءكم حكمًا ولا أبا الحكم؛ فإن الله هو الحكيم العليم)» (٦). (١) في الأصل: (خنع) وانظر ((أعلام الحديث)) ٢٢١٦/٣. (٢) ((الأفعال)) ص ٢٠٢. (٣) رواه بنحوه الترمذي (٢٤٩٢)، وأحمد ١٧٩/٢ من طريق عمر بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي. (٤) في (ص٢): (جابر). (٥) من (ص٢). (٦) سبق تخريجه. ٦٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : قال الداودي في الحديث: أبغض الأسماء إلى الله: خالد ومالك؛ وذلك أن أحدًا ليس يخلد، والمالك الله تعالى. قال: وما أراه محفوظًا؛ لأن بعض الصحابة كان اسمه خالد ومالك. قُلْتُ: هذا عجب؛ ففي الصحابة من أسمه خالد فوق السبعين، ومالك في الصحابة فوق المائة وعشرة، والعباد وإن كانوا يموتون فالأرواح لا تفنى، ثم تعود الأجسام التي كانت في الدنيا وتعود فيها تلك الأرواح ويخلد كل فريق في أحد الدارين، وفي التنزيل: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] الخازن النار. ٦٣١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ١١٥- باب كُنْيَةِ المُشْرِكِ وَقَالَ المِسْوَرُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابن أَبِي طَالِبٍ)). [انظر: ٥٢٣٠] ٦٢٠٧- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِ عَتِيقٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ رَكِبَ عَلَىْ حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي حَارِثِ بْنِ الَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِيِّ ابن سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِّ، فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الُسْلِمِينَ وَاْشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوَّثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِي المُسْلِمِينَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَّرَ ابن أُبِيِّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ إِ لَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبِيِّ ابْنِ سَلُولَ: أَيُّهَا اَزْءُ، لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي ◌َجَالِسِنَا، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا فِي ◌َجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ وَد. يَخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِو ◌َلِ دَابَتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((أَى سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ - يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَى - قَالَ: كَذَا وَكَذَا)). فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَيْ رَسُولَ الهِ، بِأَبِي أَنْتَ، أَغْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْحَقٌّ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اضْطَلَحَ أَهْلُ هذِهِ البَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوَّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الذِي أَغْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِّ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَىْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ [آل ٦٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - عمران: ١٨٦] الآيَةَ، وَقَالَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ [البقرة: ١٠٩] فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ يَتَأَوَّلُ في العَقْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ وََّ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ، فَقَفَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارِى مِنْ صَنَادِيدِ الكُفَّارِ وَسَادَةِ قُرَيْشِ، قَالَ ابنِ أُبِّ ابن سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوَثَانِ هذا أَمْرُ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايِعُوا رَسُولَ اللهِ فَّ عَلَى الإِسْلَامِ. فَأَسْلَمُوا. [انظر: ٢٩٨٧ - مسلم: ١٧٩٨ - فتح ١٠ / ٥٩١] ٦٢٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الَحَارِثِ بْنِ تَوْفَلٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: ((نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحِ مِنْ نَارٍ ، لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)). [انظر: ٣٨٨٣- مسلم: ٢٠٩ - فتح ١٠ / ٥٩٢]. ثم ساق حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النبيِ نَّهِ رَكِبَ عَلَى قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ .. الحديث بطوله، وموضع الحاجة منه قوله الفيلا: ((أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟)). يريد: عبد الله بن أبي وحديث عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَلِبِ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟ .. الحديث. وهما دالان على ما ترجم له، وهو جواز كنية المشركين على وجه التألف لهم بذلك؛ رجاء رجوعهم وإسلامهم أو لمنفعة عندهم، فأما إذا لم يرج ذَلِكَ منهم فلا ينبغي تكنيتهم، بل يلقون بالأغلاظ والشدة في ذات الله، ألا ترى قوله في الحديث: أنه القَّه (كان يتأول في العفو عنهم ما أمره الله تعالى به، حَتَّى أذن له فيهم). يعني: أذن له في قتالهم والشدة عليهم، وآيات الشدة والقتال ناسخة لآيات الصفح والعفو، حَتَّى قال مالك: لا أحب أن يرفعوا وينبغي أن يذلوا. ٦٣٣ = ڪِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وأرخص غيره في ذَلِكَ؛ لقوله: أنزل أبا وهب. فإن قُلْت: فما معنى تكنية أبي لهب في القرآن؟ قيل له: ليست على طريق التعظيم له. وقد تأول أهل العلم في ذَلِكَ وجوهًا منها: ما قاله ثعلب أن اسمه عبد العزى، والله لا يجعله عبدًا لغيره ومنها : أن اسمه عبد العزى وكنيته : أبو عتبة، وأبو لهب لقب، وإنما لقب به - فيما ذكر ابن عباس؛ لأن وجهه كان يتلهب جمالًا، فليس بكنية قاله ابن أبي زمنين (١). ومنها: أن تكون تكنيته من طريق التجنيس في البلاغة ومقابلة اللفظ بما شابهه، فكناه في أول السورة بأبي لهب؛ لقوله في آخرها: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَبٍ ﴾﴾ [المسد: ٣] فجعل الله ما كان يفتخر به في الدنيا ويزينه من جماله سببًا إلى المبالغة في خزيه وعذابه، فليس ذَلِكَ من طريق الترفيع والتعظيم. فصل : قوله في الحديث الأول: (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة). أي: غبار. (وخمَّر ابن أبي وجهه). غطاه كبرًا وحسدًا. وقوله: (يتشاورون) أي: يتناوبون. يقال: انتظر حَتَّى تسكن هذِه الثورة وهي الهيج. والبُحيرة: البلدة. يقال: هذِه بحرتنا أي: أرضنا. ومعنى: شرق في ذَلِكَ: غص. والصنديد: السيد الشجاع. فصل : قوله: (هل نفعت أبا طالب بشيء؟) فيه دلالة أن الله قد يعطي الكافر عوضًا من أعماله التي مثلها يكون قربة لأهل الإيمان بالله تعالى؛ لأنه الكمية أخبر أن عمه نفعه نصرته إياه وحياطته له التخفيف الذي لو لم (١) ((تفسير القرآن العزيز)) لابن أبي زمنين ١٧١/٥. ٦٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ينصره في الدنيا لم يخفف عنه. فعلم بذلك أنه عوض نصرته لا لأجل قرابته منه، فقد كان لأبي لهب من القرابة مثلما كان لأبي طالب فلم ينفعه ذَلِكَ، إذ كان له مؤذيًا بل قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١]. فصل : والضحضاح من النار: الرقيق الخفيف، وكذلك الضحضاح من الماء، ومن كل شيء: هو القليل الرقيق منه. والدرك الأسفل: الطبقة السفلى من أطباق جهنم، وقد تأول بعض السلف: أن الدرك الأسفل توابيت من نار تطبق عليهم، وقال ابن مسعود: توابيت من حديد تطبق عليهم، والأدراك في اللغة: المنازل. وذكر عن ابن مسعود أنها أيضًا: توابيت من حديد مبهمة لا أبواب لها(١). (١) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١٠٩٨/٤، ((تفسير الطبري)) ٣٣٦/٤-٣٣٧. ٦٣٥ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = ١١٦- باب المَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ وقَّالَ إِسْحَاقُ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﴾ يقول: مَاتَ ابن لأَّبِي طَلْحَةَ، فَقَالَ: كَيْفَ الغُلَامُ؟ فقَالَتْ أُمُّ سُلَيْم: هَدَأَ نَفَسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ أُسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ. [انظر: ١٣٠١ ] ٦٢٠٩- حَدَّثَنَا أَدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ ثَابِتِ البُنَاِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّه فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَحَدَا الَحَادِي، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ - وَيْحَكَ - بِالْقَوَارِيرِ)). [انظر: ٦١٤٩ - مسلم: ٢٣٢٣ - فتح ١٠/ ٥٩٣] ٦٢١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ وَأَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ لَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه: ((رُوَيْدَََ يَا أَنْجَشَةُ سَوْفَكَ بِالْقَوَارِيرِ)). قَالَ أَبُو قِلَابَةَ يَعْنِي: النِّسَاءَ. [انظر: ٦١٤٩ - مسلم: ٢٣٢٣ - فتح ١٠ /٥٩٣] ٦٢١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ حَادٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّ: (رُوَيْدََ يَا أَنْجَشَةُ، لَا تَكْسِرِ القَوَارِيرَ)). قَالَ قَتَادَةُ: يَغْنِي: ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. [انظر: ٦١٤٩ - مسلم: ٢٣٢٣ - فتح ١٠ / ٥٩٤] ٦٢١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُغْبَةً قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: ((مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)). [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح ١٠ / ٥٩٤] ثم ساق حديث أَنَسٍ ﴾: ((وَيْحَكَ أَرْفُقْ بِالْقَوَارِيرِ)). وفي رواية ((رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير)). قَالَ أَبُو قِلَابَةَ يَعْنِي: ضعفة النِّسَاءَ. ٦٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي رواية: ((لا تكسر القوارير)). وحديثه أيضًا: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: ((مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرً!)) . الشرح: (المعاريض): كذا هو في الأصول، وكذا أورده ابن بطال(١)، وأما ابن التين فأورده بلفظ: المعارض، ثم قال: كذا التبويب، والصواب: المعاريض، كما في رواية أبي ذر. وهي من التعريض الذي هو خلاف التصريح، وهو التورية بالشيء عن الشيء. ومعنى: مندوحة: متسع، يقال: منه: أنتدح فلان بكذا ينتدح به أنتداحًا؛ إذا أتسع به. وقال ابن الأنباري: يقال: ندحت الشيء: وسعته. قال الطبري: ويقال: أنتدحت الغنم في مرابضها إذا (تبغددت)(٢) واتسعت من البطنة. وانتدح بطن فلان واندحى: يعني: أسترخى (واتسع)(٣). قُلْتُ: فالحاصل أن هُذِه اللفظة ترجع إلى الفسحة والسعة أي: فيما يستغني به الرجل عند الاضطرار إلى الكذب. وهذه الترجمة ذكرها الطبري بإسناد عن عمر بن الخطاب : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب (٤) . (١) ((شرح ابن بطال)) ٣٥٦/٩. (٢) كذا بالأصل، وفي ((تهذيب الآثار)) مسند علي ص ١٥٤: (تبددت). (٣) ساقطة من الأصل. وانظر: ((تهذيب الآثار))، مسند علي بن أبي طالب ص ١٥٤. (٤) ((تهذيب الآثار)) مسند علي بن أبي طالب ص ١٤٤ -١٤٥. ٦٣٧ -- ڪِتَابُ البِرِّ والصِّلَّةِ وقال الهروي: إنه في حديث عمران بن الحصين(١). وقوله: (وظن أنها صادقة). أي: بما ورت به من أستراحة الحياة وهدوء النفس من تعب العلة وهي صادقة في الذي قصدته. ولم تكن صادقة فيما ظنه أبو طلحة، وفهمه من ظاهر كلامها، ومثل هذا لا يسمى كذبًا على الحقيقة. وقوله في النساء: ((القوارير)) شبههن بها؛ لأنهن عند حركة الإبل بالحداء وزيادة مشيها به، يخاف عليهن السقوط فيحدث لهن ما يحدث بالقوارير من التكسر. وكذلك قوله: ((إنه لبحر)). شبه جريه بالبحر الذي لا ينقطع، أي: واسع الجري واسمه مندوب. فهذا كله أصل في جواز المعاريض واستعمالها فيما يحل ويحرم، ونحو هذا ما روي عن ابن سيرين أنه قال: كان رجل من باهل عيونًا فرأى بغلة شريح فأعجبته، فقال له شريح: إنها إذا ربضت لم تقم حَتَّى تقام. يعني أن الله تعالى هو الذي يقيمها بقدرته. فقال الرجل: أف أف. يعني: استصغرها. والأف تقال للنتن. (١) حديث عمران بن حصين رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٢٨٧/٤، وابن أبي شيبة ٢٨٣/٥ (٢٦٠٨٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٥٧)، والطبراني ١٨ (٢٠١)، والبيهقي في ((السنن)) ١٩٩/١٠، وفي ((الشعب)) ٢٠٣/٤- ٢٠٤ (٤٧٩٤) من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين موقوفًا. وهو الصحيح؛ صححه البيهقي، والألباني في تعليقه على ((الأدب المفرد)) (٨٥٧). ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ٥٦٧/٣، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ١١٩/٢ - ١٢٠ (١٠١١)، والبيهقي في («السنن)) ١٩٩/١٠ من طريق قتادة عن زرارة بن أوفي عن عمران بن حصين مرفوعًا. وهو ضعيف؛ ضعفه البيهقي في ((الشعب)) ٢٠٤/٤، والألباني في ((الضعيفة)) (١٠٩٤). ٦٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وذكر الطبري عن الثوري في الرجل يزوره إخوانه وهو صائم، فيكره أن يعلموا بصومه، وهو يحب أن يطعموا عنده، فأي ذَلِكَ أفضل ترك ذَلِكَ أو إطعامهم؟ قال: إطعامهم أحب إلي وإن شاء قام عليهم. وقال: قد أصبت من الطعام، ويقول: قد تغديت. يعني: أمس أو قبل ذَلِكَ (١). وروي عن النخعي: أنه كان إذا كره أن يخرج إلى الرجل جلس في مسجد بيته ويقول للخادم: قولي له: هو في المسجد. وقال ابن حبيب: ما كان منها على وجه العذر أو لحياء من سخط أخيك لما بلغه عنك، ونحوه فلا بأس. وحكى عن مالك أنه لا يحب فعل ذَلِكَ. وقال بعض العلماء: المعاريض شيء يتخلص الرجل بها من الحرام إلى الحلال، فيتحيل بها، وإنما يكره أن يحتال في حق فيبطله أو في باطل حَتَّى يموهه ويشتبه أمره، وقد قال إبراهيم النخعي ومالك: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلومًا، وإن كان ظالمًا فعلى نية المحلوف له. وفي كتاب ابن حبيب فيمن ألغز في يمينه فما كان في خديعة لنفر من حق عليه فهو آثم ولا يكفر ولا يأثم في غير ذَلِكَ ولا كفارة، ولا أحب له أن يفعل فجعل الأمر إلى نية الحالف، وإن كان في حق، وقد رخص الَّ في الكذب في ثلاث: إصلاح بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب في الحرب(٢). فمما يجوز فيه المعاريض: ما روي عن عقبة بن العيزار أنه قال: كنا (١) ((تهذيب الآثار)) مسند علي ص١٤٥-١٤٦ (٢٤٩). (٢) رواه مسلم (٢٦٠٥) من حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. ٦٣٩ ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ نأتي إبراهيم النخعي وكان مختفيًا من الحجاج، فكنا إذا خرجنا من عنده يقول لنا: إن سئلتم عني وحلفتم فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا ولا لنا به علم ولا في أي موضع هو واعنوا أنكم لا تدرون في أي موضع أنا فيه : قاعد أو قائم، فتكونون قد صدقتم. قال عقبة: وأتاه رجل فقال: إني آت الديوان، وإني اعترضت على دابة وقد نفقت، وهم يريدون أن يحلفوني بالله أنها هذه التي اعترضت عليها، فكيف أحلف؟ قال إبراهيم: أركب دابة واعترض عليها. يعني: يظنك راكبًا ثم أحلف بالله أنها الدابة التي اعترضت تعني بظنك. وعاتبت إبراهيمَ النخعي أمرأتُه في جاريةٍ له وبيده مروحة فقال: أُشْهِدُتكُم أنها لها. وأشار بالمروحة، فلما خرجنا من عنده فقال: على أي شيء أُشَهدتُكم؟ قالوا: على الجارية. قال: ألم تروني أشير بالمروحة(١). وسئل النخعي عن رجل مر بعشار فادعى حقًّا فقال: أحلف بالمشي إلى بيت الله ماله عندك شيء واعن مسجد حيِّك(٢). وقال رجل لإبراهيم: إن السلطان أمرني أن آتي مكان كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذَلِكَ المكان فكيف الحيلة؟ قال: قل: والله ما أبصر إلا ما سددني غيري. يعني: إلا ما بصرني ربي (٣). وفي الباب تأليف مفرد لابن دريد (سماه ((الملاحن))، فمنه: والله ما سألت فلانًا وما رأيت فلانًا ولا كلمته. أي: ما ضربت رئته وما جرحته. (١) رواه الطبري في (تهذيب الآثار)) مسند علي ص ١٤٠-١٤١ (٢٣٠). (٢) رواه الطبري في ((تهذيب الآثار)) (٢٣١). (٣) رواه الطبري (٢٣٣). ٦٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= وبطنت فلانًا: ضربت بطنه. وما أعلمته ولا أعلمني. أي: ما جعلته أعلم أي: ما شققت شفته العليا. وذكر فيه ألفاظًا أخر كثيرة)(١). (١) من (ص٢).