Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = ٨٥- باب إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَخِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالَ: هُوَ زَوْرٌ، وهؤلاء زوْرٌ وَضَيْفٌ، وَمَعْنَاهُ أَضْيَافُهُ وَزُوَّارُهُ؛ لأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلُ: قَوِمِ، رِضًا، وَعَدْلٍ. يُقَالَ: مَاءٌ غَوْرٌ، وَبِثْرٌ غَوْرٌ، وَمَا آنٍ غَوْرٌ وَمَّيَاهٌ غَوْرٌ. وَيَقَالُ: الغَوْرُ: الغائِرُ لَا تَنَالُهُ الدِّلَاءُ، كُلُّ شَيْءٍ غُرْتَ فِيهِ فَهُوَ مَغَارَةٌ. تَزَّاوَرُ: تَمِيلُ مِنَ الزَّوَرِ، وَالْأَزْوَرُ: الأَمْيَلُ. ٦١٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِ شُرَيْحِ الكَغْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ يَّهِ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ)). حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ مِثْلَهُ، وَزَادَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)). [انظر: ٦٠١٩ - مسلم: ٤٨ - فتح: ١٠ / ٥٣١]. ٦١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابن مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)). [انظر: ٥١٨٥ مسلم :- ٤٧ فتح: ١٠ / ٥٣٢]. ٦١٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الَخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ تَّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَبْعَثْنَا فَتَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرِى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الصَّيْفِ الذِي يَنْبَغِي لَهُمْ)). [انظر: ٢٤٦١- مسلم: ١٧٢٧ - فتح: ١٠/ ٥٣٢]. ٥٢٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٦١٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنَ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)). [انظر: ٥١٨٥ - مسلم: ٤٧- فتح: ١٠ / ٥٣٢]. ذکر فیه أحاديث: أحدها : حديث أَبِي شُرَيْحِ الكَعْبِيِّ، السالف في باب: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)) . وأبو شريح: أسمه: خويلد بن عمر، وقيل غير ذَلِكَ، مات سنة ثمان وستين بالمدينة، وهو من بني عدي بن عمرو بن لحي، أخي كعب بن عمر . ثانیھا : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، وسلف فيه أيضًا، وكرره في الباب، وفي أحدهما أبو حَصِين: وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكاهلي الكوفي، مات سنة ثمان وعشرين ومائة. ثالثها : حديث أَبِي الخَيْرِ - واسمه مرثد بن عبد الله اليزني، مات سنة (سبعين)(١) - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَبْعَثْنَا فَتَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَله: (( إِنْ نَزَلْتُمْ (١) كذا بالأصل ولعل الصحيح: (تسعين)، أنظر: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٥١١/٧، و(تهذيب الكمال)) ٣٥٧/٢٧ (٥٨٥٠)، و((الكاشف)) للذهبى ٢٥٠/٢ (٥٣٤٩). ٥٢٣ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيَّفِ الذِي يَنْبَغِي لَهُمْ)). وقد سلف الكلام على الضيف وجائزته. وما اختلف فيه من معنى الحديث هل اليوم والليلة جائزة داخلة في الثلاث؟ وإذا قلنا بدخولها، فهل هي قبل الثلاثة أو بعدها؟ وهل الجائزة حسن ضيافته يوم أو يعطى ما بعد الثلاث ما يجوز به مسافة يوم وليلة؟ وروى ابن سنجر أنه التَّه قال: ((ليلة الضيف حق على كل مسلم واجبة، فمن أصبح بفنائه فهو له عليه دين إن شاء تركه أو اقتضاه))(١). وقد سئل مالك عن: ((جائزته يوم وليلة)) فقال: يكرمه ويتحفه يومًا وليلة وثلاثة أيام ضيافة، قسم رسول الله وَولي أمره إلى ثلاثة أقسام: إذا نزل به الضيف أتحفه في اليوم الأول وتكلف له على قدر وجده، فإذا كان اليوم الثاني قدم إليه ما بحضرته، فإذا جاوز مدة الثلاثة كان مخيرًا بين أن يستمر على (وثيرته)(٢) أو يمسك، وجعله كالصدقة النافلة. فصل : قوله: ((ولا يحل له أن يثوي عنده))) وهو بفتح أوله وکسر الواو، والفتح في الماضي، ثوى إذا أقام، ثوى وأثويت (عنده بفتح أوله)(٣) لغة في ثويت أي: لا يقيم عنده بعد الثلاث. وقوله: ((حتَّى يحرجه))). أي: يضيق صدره. (وأصل الحرج الضيق. وإنما كره له المقام عنده بعد الثلاث؛ لئلا يضيق صدره) (٤) (١) رواه أبو داود (٣٧٥٠)، وابن ماجه (٣٦٧٧)، وأحمد ١٣٠/٤. من حديث المقدام بن معدي کرب، أبي كريمة. (٢) ورد في هامش الأصل: الوتيرة: الطريقة بالمثناة فوق لا المثلثة. (٤) من (ص٢). (٣) من (ص٢). ٥٢٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح بمقامه فتكون الصدقة منه على وجه المن والأذى، فيبطل أجره، قال تعالى: ﴿لَا نُطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. فصل : قوله: (((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه))) معناه: من كان إيمانه إيمانًا كاملًا، فينبغي أن يكون هذا حاله وصفته؛ فالضيافة من سنن المرسلين . وقد سلف اختلاف العلماء في وجوبها، وأوجبها الليث بن سعد فرضًا ليلة واحدة، وأجاز للعبد المأذون له أن يضيف مما في يده، واحتج بحديث عقبة في الباب. وقال جماعة من أهل العلم: الضيافة من مكارم الأخلاق في باديته وحاضرته. وهو قول الشافعي. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. وقال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر(١). واحتج الليث أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ [النساء: ١٤٨] أنها نزلت فيمن منع الضيافة، فأبيح للضيف لوم من لم يحسن ضيافته، وذكر قبيح فعله، وروي ذَلِكَ عن مجاهد(٢) وغيره. فيقال لهم: إن الحقوق لا يتضيف فيها بالقول وإنما يتضيف فيها بالأداء والإبراء، فلو كانت الضيافة واجبة لوجب عليهم الخروج إلى القوم مما لزمهم من ضيافتهم، وقوله: ((جائزته يوم وليلة)) دليل أن الضيافة ليست بفريضة، والجائزة في لسان العرب: المنحة والعطية. وذلك تفضل وليس بواجب. (١) أنظر: ((الذخيرة)) ٣٣٥/١٣. (٢) ((تفسير مجاهد)) ١٧٩/١. ٥٢٥ - كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وأما حديث عقبة فتأويله عند جمهور العلماء أنه كان في أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة، فأما إذا أتى الله بالخير والسعة فالضيافة مندوب إليها . ٥٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٨٦- باب صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلِضَّيْفِ ٦١٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ◌َ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِ الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأى أُمَّ الدَّزْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ: لَهَا مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ، فَإِنّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلِ حَتَّى تَأْكُلَ. فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ: ثَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُم الآنَ. قَالَ: فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقّ، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقِّ، فَأَخْطِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َيِِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َثَةَ: ((صَدَقَ سَلْمَانُ)). أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبُ السُّوَائِيُّ، يُقَالُ وَهْبُ الخَيْرِ. [انظر: ١٩٦٨ - فتح: ١٠ / ٥٣٤]. ذكر فيه حديث أَبِي جُحَيْفَةَ: آخَى النَّبِيُّ وَّهِ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، إلى أن قال: فَجَاءَ أَبُو الذَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا . الحديث بطوله سلف في الصوم. وقوله في التبويب: (صُنع(١) هو بضم الصاد)(٢) (مصدر، وضبطه الدمياطي بخطه بالفتح)(٣). (١) في هامش الأصل: الجوهري نص على أن المصدر بالضم، وكذا في نسختي بأفعال ابن القطاع، وهي غاية في الصحة. وقوله عن الدمياطي ما ضبطه يحتمل أن يكون بالضم شيء يغاير ما تقدم، ويحتمل أن يستشهد بضبطه على ما قاله، والله أعلم. (٢) في الأصل: صَنع هو بفتح الصاد، والمثبت من (ص٢). (٣) ساقط من (ص٢). ٥٢٧ ■ ڪِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ قوله: (فرأى أم الدرداء مبتذلة (١)) أي: تمتهن نفسها للخدمة وتلبس ثياب بذلتها . وظاهر الحديث أنه أفطر بعد أن كان صائمًا، وهو مذهب الشافعي(٢)، وخالف فيه مالك(٣)، وهو مذهب ابن عمر. فصل : والتكلف للضيف لمن قدر على ذَلِكَ من سنن المرسلين وآداب النبيين (صلوات الله وسلامه [عليهم] أجمعين)(٤)، ألا ترى أن إبراهيم الخليل وَّل ذبح لضيفه عجلًا سمينًا؟! قال أهل التأويل: كانوا ثلاثة أنفس: جبريل وميكائيل وإسرافيل، فتكلف لهم ذبح عجل وقربه إليهم. وقوله الَّ فيما مضى: ((جائزته يوم وليلة)) يقتضي (منع)(٥) التكلف له يومًا وليلة لمن وجد، ولمن لم يكن من أهل الوجود واليسار فليقدم لضيفه ما تيسر عنده ولا يتكلف له ما لا يقدر عليه. وقد ورد (بذلك)(٦) عن رسول الله مَل، روى الطبري من حديث خراش ثَنَا مسلم بن قتيبة، عن قيس بن الربيع، عن عثمان بن سابور، عن شقيق بن سلمة قال: دخلت على سلمان فقرب إلي خبز شعير وملحًا وقال: لولا أن رسول الله وَليل نهى أن يتكلف أحدنا ما ليس عنده لتكلفت لك(٧). (١) هكذا في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي، أنظر: ((اليونينية)) ٣٢/٨. (٢) ((الأم)) ٨٨/٢. (٣) ((المدونة)) ١٨٣/١، ((المنتقى)) ٦٧/٢. (٤) ساقطة من الأصل والمثبت من (ص٢). (٥) كذا بالأصل والمعنى يستقيم بدونها. (٦) في هامش الأصل: لعله: ذلك. (٧) رواه الطبراني ٢٣٥/٦ (٦٠٨٥) من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة. ٥٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فدل أن المراد إذا أضافه ضيف أن الحق عليه أن يأتيه من الطعام ما حضره وألا يتكلف له ما ليس عنده وإن كان ما حضره من ذَلِكَ دون ما يراه (المضيف)(١) أهلًا؛ لأن في تكليفه ما ليس عنده (معانٍ)(٢) مكروهة: منها: حبس الضيف عن القرى ولعله أن يكون جائعًا فيضر به. ومنها: أن يكون مستعجلًا في سفره فيقطعه عنه بحبسه إياه عن إحضاره ما حضره من الطعام إلى إصلاح ما لم يحضر. ومنها: احتقاره ما عظم الله قدره من الطعام. ومنها: خلافه أمر رسول الله وَله وإتيان ما قد نهى عنه من التكلف. وروى عبد الله(٣) بن الوليد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: دخل على جابر بن عبد الله نفر من أصحاب رسول الله ويهالر فقرب إليهم (خبزًا)(٤) وخلا ثم قال: كلوا فإني سمعت رسول الله وَلقه يقول: ((نعم الإدام الخل، هلاك بالرجل أن يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه إليه، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليهم)) (٥). وقال سفيان الثوري عن ابن سيرين: لا تلزم أخاك بما يشق عليه (٦). (١) في (ص٢): للضيف. (٢) كذا في الأصل وأعلاها كلمة: كذا. (٣) هكذا في الأصل، وفي ((المسند)) لأحمد عبيد الله. (٤) في الأصل: خلا. وأعلاها: كذا. وفي الحاشية: لعله بقلًا، والمثبت من ((المسند)) لأحمد. (٥) رواه أحمد ٣/ ٣٧١ عن أسباط بن محمد، عن عبيد الله بن الوليد به. (٦) رواه أبو نعيم في «الحلية)) ٢/ ٢٦٤ من طريق أيوب، والبيهقي في ((الشعب)) ٦/ ٤٠٣ (٨٦٧٢) من طريق ابن عون كلاهما عن ابن سيرين. ٥٢٩ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = وفسره الثوري فقال: إنه يحاضر ما عندك ولا تحبسه، فعسى أن يشق ذَلِكَ عليه. وفي حديث أبي جحيفة: زيارة الرجل الصالح صديقه الملاطف ودخوله داره في غيبته وجلوسه مع أهله. وفيه: شكوى المرأة لزوجها إلى صديقه الملاطف أن يأخذ على يده ويرده عما يضر بأهله. وفيه: أنه لا بأس ألا يأكل الضيف حتَّى يأكل معه رب الدار. وفيه: أنه لا بأس أن يفطر رب الدار لضيفه في صيام التطوع. وفيه: كراهية التشدد في العبادة والغلو فيها خشية ما يخاف من عاقبة ذَلِكَ، وأن الأفضل في العبادة القصد والتوسط، فهو أحرى للدوام، ألا ترى قوله القليفي: ((صدق سلمان)). وفيه: أن الصلاة آخر الليل أفضل؛ لأنه وقت (ينزل الله)(١) إلى سماء الدنيا فينادي فيستجيب الدعاء. (١) في (ص٢): ينزل الله ملائكته. ٥٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٨٧- باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الغَضَبِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ ٦١٤٠- حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغَلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ رضى الله عنهما أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإِّ مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ. فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَطْعَمُوا. فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: أَطْعَمُوا. قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا. قَالَ: أَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ. فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَخَيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَسَكَتُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتٍ لَا جِئْتَ. فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ. فَقَالُوا: صَدَقَ، أَتَانَا بِهِ. قَالَ: فَإِنَّمَا أَنْتَظَرُُّونِي، والله لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ الآخَرُونَ: والله لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ. قَالَ: لمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ، مَا أَنْتُمْ؟ لمَ لَا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ. فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ، الأُولَى لِلشَّيْطَانِ. فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. [انظر: ٦٠٢ - مسلم: ٢٠٥٧- فتح: ١٠ / ٥٣٤]. ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّ أَبَا بَكْرِ ◌ُ تَضَيَّفَ رَهْطًا .. الحديث بطوله، وقد سلف فقهه أنه ينبغي استعمال حسن الأخلاق للضيف وترك الضجر، لكن يبسط نفسه ولا ينقبض ويسقط المؤنة والرقبة؛ خشية أن يظن أن الضجر والغضب من أجله، فذلك من أدب الإسلام وما يثبت المودة، ألا ترى الصديق لما رأى إباءة أضيافه من الأكل حتَّى يأكل معهم آثر الأكل معهم وحنث نفسه. وإنما حمله على الحلف -والله أعلم- أنه استقصر ابنه وأهله في ٥٣١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = القيام ببر أضيافه، واشتد عليه تأخر عشائهم إلى ذَلِكَ الوقت من الليل، فلحقه ما يلحق البشر من الغضب، ثم لم يسعه مخالفة أضيافه لما أبوا من الأكل دونه، فرأى أن من تمام برهم إسعاف رغبتهم وترك التمادي في الغضب؛ وأخذ في ذَلِكَ بقوله الَيْه: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير))(١). وكان (مذهبه)(٢): اختيار الكفارة بعد الحنث. وقوله: ((بسم الله، الأولى من الشيطان)). يعني: اللقمة الأولى إخزاء للشيطان؛ لأنه الذي حمله على الحلف وسول له ألا يأكل مع أضيافه، وباللقمة الأولى وقع الحنث ووجبت الكفارة. وقد تقدم تفسير قوله: (يا غنثر). في الصلاة في باب السمر مع الضيف والأهل، ومر هناك شيء من معانيه، وسيأتي في الباب بعد هُذا شيء من ذَلِكَ. فصل : في بيان ألفاظ واقعة فيه: قوله: (دونك أضيافك). هو إغراء يقال: دونك زيدًا أي: الزمه. ومعنى: أطعموا: كلوا. قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنَشِرُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقوله: (اقبلوا عنا قراكم) أي: منا قراكم، ومصدر قريت: قِرى وقَراءً إذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت، والاسم قِرى بالكسر والقصر. (١) رواه مسلم (١٦٥٠) كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها .. (٢) في (ص٢): مذهب مالك. ٥٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قوله: (يا غنثر). هو مشتق من الغثر والنون زائدة مثل: غندر، والغثار، والغثر: سفلة الناس، الواحد أغثر كأحمر، وهو سب له ونقص، هذا الذي يظهر فيه. وقال أبو عبد الملك: لم أسمع أحدًا يذكر اشتقاقه، ومعناه: كأنه أتهمه أن يكون فرط. وقوله: (أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت). هو مشدد بمعنى (إلا) كأنه أتهمه عند سيبويه كما سلف. ويصح أن يكون مخففًا وما زائدة. وقوله: (لم أر في الشر كالليلة). يعني: في أكثر الأحوال، ذكره الداودي. ويحتمل أن يكون قال ذَلِكَ من كثرة اللغط . وقوله: (الأولى من الشيطان)(١). يعني: يمينه. أي: كانت من الشيطان. وقيل: يعني: اللقمة الأولى؛ لأنه الذي حمله أن يحلف، وباللقمة الأولى وقع الحنث ووجبت الكفارة. (١) ورد بهامش الأصل: قدم الكلام على قوله: (الأولى للشيطان) أعلاه، ولكن زاد هنا قولًا، وهما قولان ذكرهما القاضي عياض رحمه الله، والله أعلم. [((الإكمال)) ٥٥١/٦] ٥٣٣ = ڪِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ٨٨- باب قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ لَ آَكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَيَِّ. ٦١٤١- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابن أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رضى الله عنهما جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِضَيْفٍ لَهُ أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ، فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ بَّهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ أُمِّي: أَحْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ - أَوْ أَضْيَافِكَ - اللَّيْلَةَ. قَالَ: مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ فَقَالَتْ عَرَضْنَا عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا أَوْ- فَأَبَى، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَسَبَّ وَجَدَّعَ وَحَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ، فَاخْتَبَأْتُ أَنَا، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ. فَحَلَفَتِ المَزْأَةٌ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ - أَوِ الأَضْيَافُ- أَنْ لَا يَطْعَمَهُ أَوْ -يَطْعَمُوهُ - حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّ هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسِ، مَا هذا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةٍ عَيْنِي إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ. فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ وَجَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. [انظر: ٦٠٢ - مسلم: ٢٠٥٧ - فتح: ١٠ /٥٣٥]. قد سلف مسندًا قريبًا في باب صنع الطعام. ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، المذكور في الباب قبله بزيادة: فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها. إلى آخره. ولا شك أن صاحب المنزل في منزله كالأمير لا ينبغي لأحد أن يتقدم عليه في أمر، يدل على ذَلِكَ الحديث الصحيح: ((لا يَؤُمَّنَّ الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه))، وهو من أفراد مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري(١). (١) مسلم (٦٧٣) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة. ٥٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فكان هذا الحديث أصلًا لهذا المعنى. ودل هذا أنه ينبغي للضيف المصير إلى ما (يحثه)(١) عليه ضيفه، ويشهد لهذا المعنى حديث أنس ﴾ أن غلامًا خياطًا دعى رسول الله وَّير للطعام فقدمه بين يديه فأكل، وأقبل الخياط على عمله، وقد ترجم البخاري فيما سلف باب: من أضاف رجلًا إلى طعام وأقبل هو على عمله، ثم ذكر حديث أنس السالف فيه(٢)، فدل هذا الحديث أن أكل صاحب الطعام مع الضيف ليس من الواجبات، إلا أنه جاء في حديث ضيف أبي بكر معنى يختص بخلاف هذا الأصل المتقدم، وذلك أن أضيافه أقسموا ألا يفطروا حتَّى ينصرف من عند رسول الله وَير فأحبس عنده إلى هوى من الليل فبقوا دون أكل، وقد كان ينبغي على ظاهر الأصل السالف من أن صاحب المنزل لا ينبغي لأحد التسور عليه في منزله في أمرهم أن يفطروا حين عرض عليهم الأكل ولا يأتونه، فلما امتنعوا من ذَلِكَ وبقوا غير مفطرين إلى إقباله، ثم حنث نفسه في يمينه التي بدرت منه؛ إيثارًا لموافقتهم؛ لأن ذَلِكَ أنه يجوز للضيف أن يخالف صاحب المنزل في تأخير الطعام وشبهه؛ إذا رأى لذلك وجهًا من وجوه المصلحة، وأنه لا حرج عليه في ذَلِكَ، ألا ترى أن الصديق وإن كان غضب لتأخر قراهم إلى وقت قدومه لم ينكر عليهم يمينهم ولا قال لهم: أتيتم ما لا يجوز لكم فعله. ولا شك أن الصديق أعلم بذلك رسول الله وَله حين حمل إليه بقية الطعام ولم يعنف القوم ولا خطأهم في يمينهم، وهذا الذي يغلب على الوهم؛ لأن أصحابه كانوا لا يخفون عنه كل ما يعرض لهم ليسن لهم فيه . (١) في (ص٢): يحمله. (٢) سلف برقم (٥٤٣٥) كتاب: الأطعمة. ٥٣٥ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = فصل : قوله: (فسبَّ وجدَّع). (معنى: جدع) (١) مثل سب؛ لأن الجدع: الخصام [قال](٢) ابن فارس: جادعته مجادعة: خاصمته(٣). وقال الداودي: معناه سب ابنه ودعاه (بلعنه) (٤). وفي ((الصحاح)): جدعه إذا قال: جدعًا لك. والجدع: قطع الأنف(٥). وللشيخ أبي الحسن: وجذع والجذع نقيض الصبر أي: لم يصبر من الغيظ. وقوله: (وجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسفلها) كذا وقع غير مهموز، وربا إذا كان غير مهموز معناه: زاد. وفي ((الصحاح)): ربا يربو إذا أخذه الربو، قال: وربوت الرابية: علوتها(٦). قال: ومعنى المهموز أي: لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه(٧). والمعنى على هذا: أرتفع ما كان تحت اللقمة، وعلى الأول ربا وزاد، فالمعنيان متقاربان. وقولها: (وقرة عيني) لعل هذا كان قبل النهي عن الحلف بغير الله، أو لم تعلمه. وقوله: (فحلفت المرأة لا تطعمه حتَّى يطعمه) قال الداودي: يعني : حلفت للأضياف. قال: وقد يكون هذا قبل مجيء أبي بكر، والظاهر أنها حلفت على بعلها أبي بكر ﴾. (١) من (ص٢). (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٤) في (ص٢): ناحية. (٦) ((الصحاح)) ٢٣٤٩/٦ -٢٣٥٠. (٣) ((مجمل اللغة)) ١٧٩/١. (٥) ((الصحاح)) ١١٩٣/٣. (٧) ((الصحاح)) ٥٢/١. ٥٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٨٩- باب إِكْرَامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأَكْبُرُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ ٦١٤٢، ٦١٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابن زَيْدِ - عَنْ يَخْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيِرِ بْنِ يَسَارٍ - مَؤْلَى الأَنَّصَارِ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِیچِ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ وَنُخَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَّيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَنُخَيِّصَةُ ابنا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ القَوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((كَبِّرِ الْكُبْرَ)). قَالَ يَخْيَى: لِيَلِيَ الكَلَامَ الأَكْبَرُ. فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَتَسْتَحِقُونَ قَتِيلَكُمْ - أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ- بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْرٌ لَمْ ذَرَهُ. قَالَ: ((فَتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ. فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ، فَدَخَلَتْ مِزْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا. قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَخْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ، قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ ابن عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ. [انظر: ٢٧٠٢ - مسلم: ١٦٦٩ - فتح: ٥٣٥/١٠]. ٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَنَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعْ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ المُسْلِم، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَا تَحُتُّ وَرَقَهَا)). فَوَقَعَ فِي نَفْسِي [أَنَّهَا] النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َهَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)). فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ يَا أَبَتَاهُ وَقَعَ فِي نَفْسِي [أَنَّهَا] النَّخْلَةُ. قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّ أَّ لَمْ أَرَكَ وَلَ أَبَا بَكْرِ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ. [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١٠ /٢٥٣٦]. ٥٣٧ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = ذكر فيه حديث رَافِعِ بْنِ خدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ في القسامة، وقد سلف في بابها(١). وموضع الحاجة منه: فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ القَوْمِ فَقَالَ له الَِّهُ: ((كَبِّرِ الكُبْرَ)). قَالَ يَحْيَى: لِيَلِيَ الكَلَامَ الأَكْبَرُ. وحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما(٢) في النخلة: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما . الشرح : إكرام الكبير وتقديمه في الكلام وجميع الأمور من آداب الإسلام ومعاني الأخلاق. (روى الحاكم من حديث أبي الزبير، عن جابر قال: قدم وفد جهينة على رسول الله وَّ فقام غلام منهم، فقال الَّة: ((فأين الكبراء)). ونقل ابن طاهر في ((صفوة التصوف)) بإسناده إلى مسلم بن الحجاج أنه صححه. وروى الحاكم أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((مَنْ لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا فليس منَّا)). ثم قال: صحيح الإسناد (٢). وأخرجه أبو داود(٤) من حديث عبد الله بن عمرو)(٥)، وذكر عبد الرزاق أن في الحديث: ((من تعظيم جلال الله أن يوقر ذو الشيب في الإسلام)) (٦). (١) سيأتي في القسامة برقم (٦٨٩٨). (٢) ورد في (ص٢) بعد هذِه الكلمة: (السالف قريبًا، وفي العلم قريبًا). (٤) أبو داود (٤٩٤٣). (٣) ((المستدرك)) ٤ / ١٧٨. (٥) ما بين القوسين من (ص٢). (٦) ((جامع معمر)) ١٣٨/١١ (٢٠١٣٦). ٥٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ولهذا المعنى قال الكلية: ((كبر الكبر)) فأمر أن يبدأ الأكبر بالكلام، فكان ذَلِكَ سنة. إلا أنه دل معنى حديث ابن عمر أن معنى ذَلِكَ ليس على العموم وأنه إنما ينبغي أن يبدأ بالأكبر فيما يستوي في علم الصغير والكبير، فأما إذا علم الصغير ما يجهل الكبير فإنه ينبغي لمن كان عنده علم أن يذكره وينزع به وإن كان صغيرًا، ولا يعد ذَلِكَ منه سوء أدب ولا تنقصًا لحق الكبير في التقدم عليه؛ لأنه التقنية حين سأل أصحابه عن الشجرة التي شبهها بالمؤمن- وفيهم ابن عمر وغيره ممن كان دونه في السن- لم يوقف الجواب على الكبار فيهم خاصة، وإنما سأل جماعتهم ليجيب كلٌّ بما علم، وعلىُ ذَلِكَ دل قول عمر لابنه: لو كنت قلتها كان أحب إليَّ من كذا وكذا؛ لأن عمر لا يحب ما يخالف أدب الإسلام وسننه. وقد كان يسأل ابن عباس وهو صبي (١) مع المشيخة، وقد كان ذَلِكَ معدودًا في فضائله. وقد تقدم هذا المعنى في باب: الحياء في العلم من كتاب: العلم(٢). فصل : قوله: ((الكُبر))) بضم الكاف، قال الجوهري: قولهم هو كبر قومه أي: هو أقعدهم في النسب، قال: وفي الحديث: الولاء للكبر(٣). وهو أن يموت ويترك ابنا وابن ابن، فالولاء للابن دون ابن الابن. (١) ورد بهامش الأصل: لما كان عمر خلیفة کان ابن عباس کبیرًا، وقد كان عمره لما توفي تَّ ثلاث عشرة ودخل في أربع عشرة على الصحيح من أقوال العلماء. وبعدها خلافة الصدیق سنتین وکسر، ثم عمر فکان شابًا، ولکن یتأتى كلام شيخنا على قول مرجوح. (٢) في حديث رقم (١٣١). (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٩/ ٣٠، وابن أبي شيبة ٢٩٧/٦-١٩٨، والدارمي ١٩٦٦/٤-١٩٦٩ عن عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود موقوفًا. ٥٣٩ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ قال: والكبر في السن، يقال: كبر يكبر كبرًا إذا أسن(١). قال ابن التين: وقرأناه بضم الكاف وسكون الباء. قال: وإنما يكون أولى إذا لم يكن الصغير أدرى ولا أفهم، وإن كان الصغير أعلم وأفضل فهو أولى؛ بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو كما قال، وقد سلف . فصل : في الحديث الأول إثبات القسامة، وأن القول قول المدعي مع يمينه، وقد سلف ذَلِكَ مع إنكار أبي حنيفة لها . وقوله: (فدخلتْ مربدًا لهم) يريد (لإحدى)(٢) الإبل أو القوم، أو يكون صوابه لهن، وهو الموضع تحبس فيه الإبل. (١) ((الصحاح)) ٨٠١/٢-٨٠٢ مادة [كبر]. (٢) ورد بهامش الأصل: لعله لأصحاب. ٥٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٩٠- باب مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ وقَوْلِهِ: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاؤُنَ ﴿٢﴾ أَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَأَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٣) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَادٍ يَهِيمُونَ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَذَّكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَأَنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٦﴾﴾ [الشعراء: ٢٢٤ -٢٢٧]. قَالَ ابن عَبَّاسٍ فِي كُلِّ لَغْوِ يَخُوضُونَ. ٦١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ مَزْوَانَ بْنَ الَحَكَمْ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً)). [١٠ / ٥٣٧]. ٦١٤٦- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ بَيْنَمَا النَّبِيُّ نَّهَ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ: (هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعُ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ)) ٦١٤٧- حَدَّثَنَا ابن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابن مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ. وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ)) [انظر: ٣٨٤١ - مسلم: ٢٢٥٦ - فتح: ١٠ / ٥٣٧]. ٦١٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ إِلَى خَيْبَرَ، فَسِرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ: أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ؟ قَالَ: وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا، فَنَزَلَ يَجْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ: وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا أَهْتَدَيْنَا