Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = ٧٠- باب الهَدْيِ الصَّالِحِ ٦٠٩٧- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمُ الأَغَمَشُ، سَمِعْتُ شَقِيقًا قَالَ: سَمِعتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلَّا وَسَمْتًا وَهَذْيَا بِرَسُولٍ اللهِ وََّ لَبْنُ أُمِّ عَبْدِ، مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لَا نَذْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا؟ [انظر: ٣٧٦٢ - فتح: ٥٠٩/١٠] ٦٠٩٨- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُخَارِقٍ، سَمِعْتُ طَارِقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَحْسَنَ الَحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الهَدْي هَذْيُ مُحَمَّدٍ ◌َ. [٧٢٧٧- فتح: ٥٠٩/١٠] ذكر فيه حديث حُذَيْفَةَ ﴾: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلَّا وَسَمْتَا وَهَذْيًا بِرَسُولِ اللهِ وَّهَ لَابْنُ أَمِّ عَبْدٍ، مِنْ حِينٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ (إِلَيْهِ) (١)، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا؟ وقد سلف في مناقبه إلى قوله: (أم عبد). وذكر فيه أيضًا حديث عبد الله بن مسعود قال: إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ أَلّ . وفي سند هذا: مخارق، وهو ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن، وقيل: ابن خليفة بن جابر أبو سعد الأحْمَسي، أنفرد به البخاري. قال أبو عبيد: الهدي والدَّل أحدهما قريب من الآخر، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذَلِكَ. وذكر أبو عبيد في حديث عمر بن الخطاب أن أصحاب عبد الله كانوا يدخلون إليه فينظرون إلى سمته وهديه ودله فيتشبهون به. والسمت: حسن الهيئة والمنظر في مذهب الدين وليس من الخيال والزينة، ولكن يكون له (١) من (ص٢). ٤٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == هيئة أهل الخير ومنظرهم. والسمت أيضًا: الطريق، يقال: الزم هذا السمت. وكلاهما له معنى جيد، يكون أن يلزم طريقة أهل الإسلام فتكون له هيئة أهل الإسلام(١). وقال ابن التين: (والسمت)(٢): هيئة أهل الخير. قال الداودي: قال مالك: أشبه الناس برسول الله ◌َّل في هديه عمر، وأشبه الناس بعمر (ابنه)(٣) عبد الله، وأشبه الناس بعبد الله سالم. وفيه من الفقه: أنه ينبغي للناس الاقتداء بأهل الفضل والصلاح في جميع أحوالهم، في هيئتهم وتواضعهم للخلق ورحمتهم، وإنصافهم من أنفسهم، ورفقهم في أخذ الحق إذا وجب لهم إن أحبوا الاقتصاص، أو العفو عن ذَلِكَ إن آثروا العفو، وفي مأكلهم ومشربهم واقتصادهم في أمورهم؛ تبركًا بذلك. (١) ((غريب الحديث)) ١٠١/٢-١٠٢. (٢) من (ص٢). (٣) من (ص٢). ٤٦٣ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ٧١- باب الضَّبْ عَلَى الأَذى وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ٦.٩٩- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الأَغْمَشُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ، عَنِ النَّبِيِّ صَلىله وَسيكم قَالَ: ((لَيْسَ أَحَدٌ - أَوْ: لَيْسَ شَيْءٌ - أَصْبَرَ عَلَى أَدى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)). [٧٣٧٨ - مسلم: ٢٨٠٤ - فتح: ١٠ / ٥١١] ٦١٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَسَمَ النَّبِيُّ وَّ قِسْمَةً كَبَعْضٍ مَا كَانَ يَقْسِمُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ: والله إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ. قُلْتُ: أَمَّا أَنَا لِأَقُولَنَّ لِلنَّبِيِّ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَسَارَزْتُهُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ نَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ، حَتَّى وَدِدْتُ أَّ لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ)). [انظر: ٣١٥٠ - مسلم: ١٠٦٢ - فتح: ١٠/ ٥١١] ذكر فيه حديث أبي موسى عه عن النبيِ وَّه قال: ((لَيْسَ أَحَدٌ - أَوْ: لَيْسَ شَيْءٌ - أَصْبَرَ عَلَى الأَدى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ رََّ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ (الولد) (١)، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)). وحديث شقيق عن عَبْدِ اللهِ ه: قَسَمَ النَّبِيُّ وَّهِ قِسْمَةً كَبَعْضٍ مَا كَانَ يَقْسِمُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: والله إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ . قال: أَما لأَقُولَنَّ لِلنَّبِيِّ وَّهَ. فَأَتَيْتُهُ وَهْوَ فِي أَصْحَابِهِ فَسَارَرْتُهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ (١) في (ص٢): ولدًا. ٤٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عَلَى رسول الله وَّهِ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ، حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ)). الشرح: قوله: ( ((ليس أحد أصبر)) ) أوله ابن فورك على الحلم. وقوله: (أما لأقولن) صوابه - كما قال ابن التين- أن تكون مخففة، ووقع في بعض الروايات بتشديد الميم، وليس بيين، والرب جل جلاله ذكر جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدًّا فقال تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَّةِ فَلَمُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وجعل جزاء الصدقة في سبيله (فوق)(١) هذا فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. وجعل أجر الصابرين بغير حساب، ومدح أهله فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾﴾ [الشورى: ٤٣]. (وفي ((صحيح مسلم))(٢): ((والصبر ضياء)))(٣) والصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها عن تطاولها، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين، وإن كان قد جبل الله النفوس على تألمها من الأذى ومشقته، ألا ترى أنه الكليّه شق عليه تجوير الأنصاري له في القسمة حتَّى تغير وجهه وغضب، ثم سكن ذَلِكَ منه علمُه بما وعد الله تعالى على ذَلِكَ من جزيل الأجر، واقتدىُ الَّ بصبر موسى التيّ على أكثر من أذى الأنصاري له؛ رجاء ما عند الله. وللصبر أبواب غير الصبر على الأذى. (١) في (ص٢): غير. (٢) مسلم (٢٢٣). (٣) من (ص٢). ٤٦٥ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = روي عن علي مرفوعًا: ((الصبرُ ثلاثة: فصبرٌ على المصيبةِ، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية، فمن صَبَر على المصيبة حتَّى يردها بحسن عزائها كَتَبَ اللهُ له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجةِ إلى الدرجةِ ما بينَ السماء إلى الأرض، ومَنْ صبر على الطاعةِ كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجةِ إلى الدرجةِ ما بين تُخُوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش، ومن صَبَر على المعصية كَتَبَ الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجةٍ ما بين تخوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش مرتين)) (١). وقد روى يزيد الرقاشي عن أنس ظ أنه العَيْه قال: ((الإيمان نصفان: نصف في الصبر، ونصف في الشكر))(٢). وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه التلبي سئل عن الإيمان فقال: ((السماحة والصبر))(٣). وقال الشعبي: قال (علي) (٤): الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. قال الطبري: صدق؛ وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، فمن لم يصبر على العمل بشرائعه لم يستحق (١) رواه الديلمي في ((الفردوس)) (٣٨٤٦)، وابن الجوزي في ((ذم الهوى)) (١٨٨)، وأورده الألباني في ((الضعيفة)) (٣٧٩١). (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) ١٢٣/٧ (٩٧١٥)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ١٢٧/١ (١٥٩) وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٦٢٥): ضعيف جدًّا، يزيد هو ابن أبان، وهو متروك، كما قال النسائي وغيره. اهـ (٣) رواه أبو يعلى في ((المسند)) ٣٨٠/٣ (١٨٥٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ١٢٢/٧ (٩٧١٠) وقال الهيثمي في ((المجمع)): فيه: يوسف بن محمد بن المنكدر، وهو متروك. ((مجمع الزوائد)) ٥٩/١. (٤) من (ص٢). ٤٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - اسم الإيمان بالإطلاق. والصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من جسد الإنسان الذي لا تمام له إلا به، وهذا في معنى حديث أنس وجابر أن الصبر نصف الإيمان، وعامة المواضع التي ذكر الله فيها الصبر وحث عليه عباده إنما هي مواضع الشدائد ومواطن المكاره التي يعظم على النفوس فعلها، ويشتد عندها جزعها، كل ذَلِكَ محن وبلاء؛ ألا ترى قوله الَّه للأنصار: ((لن تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر))(١). والصبر في لسان العرب: حبس النفس عن المطلوب حتَّى تدركه، ومنه نهيه اللّه عن صبر البهائم، يعني: عن حبسها للتمثيل بها، ورميها كما ترمى الأغراض. ومنه قولهم: صبر الحاكم بيمين فلان. يعني: حبسه عن حلفه. فإن قلتَ: هُذِه صفات توجب التغير وحدوث الحوادث لمن وصف بها، فما معنى (وصفه)(٢) بالصبر؟ قلتُ: معناه: هو يعني الحلم كما أسلفناه، ومعنى وصفه بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها. ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل، وإنما ورد في حديث الباب، وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم، هذا قول ابن فورك(٣). (١) سلف برقم (١٤٦٩). (٢) في (س): (وُصف). (٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٨٤/٩-٢٨٥. ٤٦٧ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = ٧٢- باب مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ ٦١٠١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَشْرُوقٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَنَعَ النَّبِيُّ ◌ِ لَّ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َِّ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ؟! فَوَ اللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)). [٧٣٠١- مسلم: ٢٣٥٦ - فتح: ١٠/ ٥١٣] ٦١٠٢- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ- هُوَ ابن أَبِي عُثْبَةَ مَوْلَى أَنَسٍ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأىُ شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. [انظر: ٣٥٦٢- مسلم: ٢٣٢٠ - فتح: ٥١٣/١٠] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: صَنَعَ النَّبِيُّ وَ لِّ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسَولُ الله ◌َّهِ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ؟! فَوَالَّهِ إِنِّي لِأَعْلَمُهُمْ باللهِ دَتْ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خُشْيَةً)). وحديث أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِذْرِهَا، فَإِذَا رَأْىُ شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. وجه إيراده حديث عائشة رضي الله عنها وأنه خطب به أن هذا العتاب ولم يعين فيه فاعله، وكل ما جرى من عتاب يعم الجميع ولا يعين قائله، وهو من باب الرفق والستر كما أراد عمر حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة وهو يخطب من أجل الرجل الذي أحدث بين يديه، الستر له والرفق به، وليس ذَلِكَ بمنزلة أمره له بالوضوء من بينهم وحده في الستر له بعد ذَلِكَ. ٤٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح والعذراء: البكر، وتجمع على عذارى وعذاري وعذراوات. والخدر: الستر. قال ابن بطال: وإنما كان لا يواجه الناس بالعتاب، يعني على ما يكون في خاصة نفسه كالصبر على جهل الجاهل وجفاء الأعراب، ألا ترى أنه ترك الذي جبذ البردة من عنقه حتَّى أثرت جبذته فيه؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه. وهذا معنى حديث أبي سعيد، فأما إن انتهكت من الدين حرمة فإنه لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها، ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها، ويقتص منه، وسواء كان حقًا لله أو للعباد. فإن قلت: فإن كان معنى حديث أبي سعيد ما ذكرت من أنه كان لا يعاتب فيما يكون في خاصة نفسه، فقد واجه بالعتاب في حديث عائشة وخطب به. قلت: قد أسلفنا الجواب عنه وإنما فعل ذَلِكَ - والله أعلم - لأن كل رخصة في دين الله فالعباد مخيرون بين الأخذ بها والترك لها . وكان التَّ رفيقًا بأمته حريصًا على التخفيف عنهم، فلذلك خفف عنهم العتاب؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشدة، وقد ترك عتابهم مرة أخرى على ترك الرخصة وأخذهم بالشدة حين صاموا في السفر وهو مفطر، (وإن كان قد جاء في الحديث: ((إنَّ دينَ الله يُسْر))(١) كما سلف)(٢). (١) سلف برقم (٣٩). (٢) من (ص٢). ٤٦٩ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ قال الشعبي: إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه(١) - قلت: وهو حديث مرفوع صحيح- فليس ذَلِكَ دليلًا على تحريم الأخذ بالعزائم؛ لأن ذَلِكَ لو كان حرامًا لأمر الذين خالفوا رخصته بالرجوع عن فعلهم إلى فعله. وفي حديث أبي سعيد الحكم بالدليل؛ لأنهم كانوا يعرفون كراهية رسول الله مر الشيء بتغير وجهه، كما كانوا يعرفون قراءته فيما أسر به في الصلاة باضطراب لحيته(٢). (١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٢٩١/١١ (٢٠٥٦٩). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٨٦/٩-٢٨٧. ٤٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧٣- باب مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهْوَ (كَمَا قَالَ)(١) ٦١٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيٍ، عَنْ أَبِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا)). وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ. [فتح: ٥١٤/١٠] ٦١٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِینَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلِ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)). [مسلم: ٦٠ - فتح: ٥١٤/١٠] ٦١٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذَّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ)). [انظر: ١٣٦٣ - مسلم: ١١٠- فتح: ١٠/ ٥١٤] ذكر فيه حديث عَلِيٍّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ قَالَ: ((من قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا». وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَُه، عَنِ رسول الله وَّل. (١) في (ص٢): (كافر). ٤٧١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = وحديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلِ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ .. الحديث. وحديث ثابت بن الضحاك السالف قريبًا (١)، وفيه: ((ولعن المؤمن کقتله ومن رمى مؤمنًا بكفر كقتله)) . (١) سلف برقم (٦٠٤٧). ٤٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٧٤- باب مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوَّلَا أَوْ جَاهِلًا وَقَالَ عُمَرُ لِخَاطِبٍ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ أَطَلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)). [انظر: ٣٠٠٧] ٦١٠٦- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا سَلِيمٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ عَظُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ، ثُمَّ يَأْتِ قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلَاةَ، فَقَرَأَ بِهِمُ البَقَرَةَ، قَالَ: فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَأَتَى النَّبِيَّ رَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا، وَإِنَّ مُعَاذَا صَلَّى بِنَا البَارِحَةَ، فَقَرَأَ البَقَرَةَ فَتَجَوَّرْتُ، فَزَعَمَ أَّ مُنَافِقٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ بَةِ: (يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟- ثَلَاثَا - أَقْرَأْ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَا ﴾﴾ وَ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ وَنَحْوَهَا)). [انظر: ٧٠٠ - مسلم: ٤٦٥ - فتح: ٥١٥/١٠] ٦١٠٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو المُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوَزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ ◌ُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: ((مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ : بِاللَّاتِ وَالْعُزِىُ. فَلْيَقُلْ: لَا إله إِلَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ)). [انظر: ٤٨٦٠- مسلم: ٤٦٥ - فتح: ١٠ /٥١٥] ٦١٠٨- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّهُ أَذْرَكَ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ فِي رَكْبٍ وَهْوَ يَخْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ)). [انظر: ٢٦٧٩ - مسلم: ١٦٤٦ - فتح: ٥١٦/١٠] ٤٧٣ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ثم ساق حديث جابر من حديث يزيد، وهو ابن هارون الواسطي: أنا سَلِيم -بفتح السين - وهو ابن حيان الهذلي البصري، ثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، ثَنَا جَابِرٌ، عن مُعَاذٍ في صلاته بالْبَقَرَةِ، وتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ .. الحديث. وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزِىُ. فَلْيَقُلْ: لَا إله إِلَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْلَكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ)). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ تَ﴾ فِي رَكْبٍ وَهْوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ)). والحاصل أنه يفرق بين أن يقوله له بتأويل أو بدونه، وكذا قال (١) الخطابي(١) . هذا إذا قاله من غير تأويل، وإن كان المقول له من أهل الكفر، وإلا باء بها القائل في هذا نحو تأويل البخاري. وسأل أشهب مالكًا عن هذا الحديث فقال: أراهم الحرورية. قيل له: أفتراهم بذلك كفارًا؟ قال: لا ندري ما هذا(٢). وحجته قوله القليّا: ((سباب (المسلم)(٣) فسوق وقتاله كفر)) (٤) والفسوق غير الكفر. ومعنى (((باء))): بإثم رميه لأخيه بالكفر ورجع وزر ذَلِكَ عليه إن کان كاذبًا . (١) ((أعلام الحديث)) ٢١٩٢/٣. (٣) في (ص٢): (المؤمن). (٢) ((التمهيد)) ١٧ /١٥. (٤) سلف برقم (٤٨). ٤٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقد روي هذا المعنى من حديث أبي ذر مرفوعًا: ((لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا (ارتدت)(١) عليه إن لم يكن صاحبه كذلك)). ذكره البخاري في باب: ما ينهى عنه من السباب واللعن، في أول الأدب(٢). قال المهلب(٣): وهذا معنى (تبويبه) (٤): من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، أن المكفر له هو الذي يرجع عليه إثم التكفير؛ لأن الذي رمي بها عند الرامي صحيح الإيمان، إذ لم يتأول عليه شيئًا يخرجه من الإيمان، فكما هو صحيح كصحة إيمان الرامي، فقد صح أنه أراد برميه له بالكفر كل من هو على دينه، فقد كفر نفسه؛ لأنه على دينه. ومتأوله في إيمانه فإن أستحق ذَلِكَ الكفر المرمي به أستحق مثله الرامي (به غيره)(٥). وقد يجيب الفقهاء عن هذا بأن يقولوا: فقد كفر بحق أخيه المسلم، وليس ذَلِكَ مما يسمى به الجاحد حق أخيه كافرًا؛ لأنه لا يستحق أسم الكفر من جحد حق أخيه في بر أو مال. قال: وقوله: ((فقد باء بها أحدهما)) هو على مذهب العرب في استعمالها الكناية في كلامها، وترك التصريح بالسوء، وهذا كقول الرجل لمن أراد أن يلزمه: والله إن أحدنا لكاذب، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَلِ شُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. (١) في (ص٢): (ردت). (٢) سلف برقم (٦٠٤٥). (٣) نقله عنه والذي يأتي، ابن بطال ٢٨٨/٩-٢٨٩. (٤) في الأصل: (يبوء به) والمثبت من (ص٢). (٥) من الأصل. ٤٧٥ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = فصل : قوله: ( ((ومنْ حَلف بملةٍ غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال)) ) سلف في الجنائز في باب قاتل النفس (١). وسيأتي في الأيمان والنذور، في باب: من حلف بملة سوى ملة الإسلام بما فيه كفاية(٢). قال المهلب: وقوله: ((فهو كما قال)) يعني: فهو كاذب لا كافر، إلا أنه لما تعمد بالكذب الذي حلف عليه التزام الملة التي حلف بها؛ قال التَّ: ((فهو كما قال)) من التزام اليهودية والنصرانية. وعيدًا منه لمن صح قصده بكذبه إلى التزام تلك الملة في حين كذبه لا في وقت ثان إذ كان ذَلِكَ على سبيل المكر والخديعة للمحلوف له، يبينه قوله: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))(٣) فلم ينف عنه الإيمان إلا وقت الزنا خاصة، وكذلك هذا الحالف بملة غير الإسلام لقيام الدليل على أنه لم يرد (نبذ) (٤) الإسلام؛ لتعلق يمينه بشرط المحلوف له، ولو أراد الارتداد لم يعلق قوله: أنا يهودي لمحلوف عليه من معاني الدنيا؛ ولذلك قال الظّه: ((من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)) خشية منه استدامة حاله على ما قال وقتئذٍ فينفذ عليه الوعيد، فيحبط عمله ويطبع على قلبه لما قال من كلمة الكفر بعد الإيمان، فتكون كلمة وافقت قدرًا فيزين له سوء عمله؛ فيراه حسنًا، فیستدیم على ما قال، ويصر عليه. (١) سلف برقم (١٣٦٣). (٢) سيأتي برقم (٦٦٥٢). (٣) سلف برقم (٢٤٧٥). (٤) في الأصل: (بهذا))، والمثبت من ابن بطال ٢٨٩/٩، وهو الصواب. ٤٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأما من حلف بملة غير الإسلام، وهو فيما حلف عليه صادق، فهو تصحيح براءته من تلك المسألة مثل أن يقول: أنا يهودي إن طعمت اليوم أو شربت. وهو صادق لم يشرب ولم يأكل، فلما عقد يمينه بشرط هو في الحقيقة معدوم بعدم ما ربطه به، وهو الأكل والشرب اللذان لم يقعا منه، لم يتعين عليه وعيد يخشى إنفاذه عليه، فلم يتوجه إليه إثم الملة التي حلف عليها (لعقده نيته)(١) على نفيها كنفي شرطها لكن لا يبرأ من الملامة؛ لمخالفته لقوله: ((من كان حالفًا فليحلف بالله)). فصل : سلف معنى ( ((لعن المؤمن كقتله)) ). قال الطبري(٢): يريد في بعض معناه، لا في الإثم والعقوبة، ألا ترى أن القتل فيه القود بخلاف لعنه، وهو في اللغة: الإبعاد من الرحمة، وكذلك القتل إبعاد للمقتول من الحياة التي يجب بها نصرة المؤمنين، وعون بعضهم لبعض وقد قال القَّه: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان)) (٣)، وكذلك قوله: ((من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله)) لما أجمع المسلمون أنه لا قتل عليه في رميه له بالكفر، على أن التشبيه إنما وقع بينهما في معنى يجمعهما، وهو ما قلناه، وقد قال بعض العلماء: إن معناه الحرمة كما ستعلمه في الأيمان والنذور أيضًا . فصل : قال المهلب: معنى الباب الثاني أن المتأول معذور غير مأثوم، ألا ترى أن عمر قال لحاطب لما كاتب المشركين بخبره التَّه: (إنه (١) في (ص١): (بعقد ملته)، والمثبت الصواب. (٢) نقله عنه ابن بطال ٩/ ٢٩٠. (٣) سلف برقم (٤٨١). ٤٧٧ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ نافق) فعزره الشارع لما نسبه إلى النفاق، وهو أسوأ الكفر، ولم يكفر عمر بذلك من أجل ما جناه حاطب. وكذلك عذر القيّه معاذًا حين قال للذي خفف الصلاة وقطعها خلفه: (إنه منافق)؛ لأنه كان متأولًا ، فلم يكفر معاذًا بذلك. ومثله قوله حين سمع عمر يحلف بأبيه: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) فلم ير إكفار عمر حين حلف بأبيه، وترك الحلف بخالقه وقصد اليمين بغير الله؛ تشريكًا لله في حقه، لاسيما على طراوة عبادة غير الله، فلما لم يعرفه الشارع بأن يمينه (بغير الله) (١) ليس بكفر من أجل تأويله: إن له أن يحلف بأبيه؛ (للحق)(٢) الذي له بالأبوة، عذر عمر في ذَلِكَ لجهالته أن الله لا يريد أن يشرك معه غيره في الأيمان، إذ لا يحلف الحالف إلا بأعظم ما عنده من الحقوق، ولا أعظم من حق الله تعالى على عباده. وهذا وجه حديث عمر في هذا الباب. قال ابن بطال: وكذلك عذر العليّ من حلف من أصحابه باللات والعزى لقرب عهدهم بجري ذَلِكَ على ألسنتهم في الجاهلية. وروى سعد بن أبي وقاص أنه حلف بذلك، فأتى رسول الله وَليل فقال: يا رسول الله إن العهد كان قريبًا فحلفت باللات والعزى فقال العليا: ((قل لا إله إلا الله)). وسيأتي هذا في باب: لا يحلف باللات والعزى، في الأيمان(٣)، وليس في قوله: ((من حلف باللات .. ))، إلى آخره؛ إطلاق منه لهم على الحلف بذلك وكفارته بذلك، فإنه (علمهم التليف أنه) (٤) من نسي أو جهل فحلف بذلك أن كفارته أن يشهد بشهادة (١) في (ص٢): (بأبيه). (٢) سقط من الأصل، والمثبت من (ص٢). (٣) سيأتي برقم (٦٦٥٠). (٤) في الأصل: (الَّ أمر). ٤٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = التوحيد؛ لأنه قد تقدم إليهم بالنهي عن أن يحلف أحد بغير الله فعذر الناسي والجاهل. ولذلك سوى البخاري في ترجمته الجاهل مع المتأول في سقوط الحرج عنه؛ لأن حديث أبي هريرة في الجاهل (١) والناسي(١). فصل : قوله: (وقال عكرمة .. ) إلى آخره ذكر الإسماعيلي الحافظ في (جمعه)) أحاديث (يحيى)(٢) فقال: حَدَّثَنَا القاسم بن زكريا، ثَنَا محمود بن محمد بن ثابت، ثَنَا أيوب بن النجار، عن عكرمة .. فذكره. فصل : صلاة معاذ بقومه فيه دلالة على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وانتصر ابن التين لمذهبه فقال: يحتمل أن يكون جعل صلاته مع رسول الله -18 نافلة، ويحتمل أن يكون لم يعلم الشارع بذلك، وما أبعدهما. وكيف يظن بمعاذ أن يؤخر الفرض ليصليها بقومه ويؤثر النفل خلفه؟ وكيف يدعي أن الشارع لم يعلم بذلك مع أنه شُكِي إليه؟ وقال: ((أفتان أنت يا معاذ؟)). فصل : وقوله: (فتجوز): هو بالجيم. وقال ابن التين: يحتمل ذَلِكَ أي: خفف، ويحتمل أن يكون بالحاء أي: أنحاز وصلى وحده. قلت: يؤيد هذا رواية مسلم: (فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده ثم انصرف)(٣) . (١) ((شرح ابن بطال)) ٢٩٢/٩. (٢) من (ص٢). (٣) مسلم (٤٦٥). ٤٧٩ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = لكن قال البيهقي: قوله: فسلم، لا أدري هل حفظت أم لا؟ لكثرة من رواه عن سفيان (بدونها(١). وانفرد بها محمد بن عباد عن سفيان)(٢). فصل : هُذِهِ الصلاة كانت العشاء، ولأبي داود والنسائي (٣) أنها كانت المغرب، لكن قال البيهقي: روايات العشاء أصح (٤). فصل : احتج أبو حنيفة بقوله: ((من حلف بملة غير الإسلام)) قال: إن من قال هو يهودي إن فعل كذا، ففعل، أن عليه كفارة يمين؛ ولا حجة فيه لأنه لم يذكرها، وعنه رواية: أن ذَلِكَ ردة. فصل : قوله: ( ((ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق)) ) يحتمل أن یرید أنه لما أراد إخراج المال الباطل وأخذه بذلك أمر أن يخرج المال في وجه البر؛ ليكون ذَلِكَ كفارة لما أراد. (١) ((معرفة السنن والآثار)) ١٩٨/٤. (٢) من (ص٢). (٣) أبو داود (٧٩١)، ((سنن النسائي)) ١٦٨/٢. (٤) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١١٧/٣. ٤٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧٥- باب مَا يَجُوزُ مِنَ الغَضَبِ وَالشِّدَّةِ لأَمْرِ اللهِ وَقَالَ اللهُ: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. ٦١٠٩ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَّهِ، وَفِي البَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ. وَقَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهَ: ((مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الذِينَ يُصَوِّرُونَ هذِه الصُّوَرَ)). [انظر: ٢٤٧٩ - مسلم: ٢١٠٧ (٩١) - فتح: ١٠ / ٥١٧] ٦١١٠- حَدَّثَنَا مُسَلَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدِ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: أَتَّى رَجُلُ النَّبِيَّ نَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ - قَالَ :- فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ)). [انظر: ٩٠- مسلم: ٤٦٦- فتح: ٥١٧/١٠] ٦١١١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ◌َّه يُصَلِّي رَأَىْ فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، فَتَغَيَّظَ ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللهَ حِيَالَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَتَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ)) [انظر: ٤٠٦- مسلم: ٥٤٧- فتح ١٠/ ٥١٧]. ٦١١٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ - مَوْلَى المُنْبَعِثِ - عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَِّ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: ((عَرَّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ أَعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ أُسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمَ قَالَ: ((خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيَكَ، أَوْ لِلذَّتْبِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى أَحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ - أَوِ أَحْمَرَّ وَجْهُهُ- ثُمَّ قَالَ: ((مَالَكَ وَلَهَا؟