Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كِتَابُ الأَدَب
=
وروي عن مالك أن رجلا قال له: إن أبي في بلاد السودان، وقد
كتب إليّ أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك. فقال: أطع أباك،
ولا تعص أمك، فدل قول مالك هذا أن برهما عنده متساويًا ولا فضل
لواحد منهما (فيه)(١) على صاحبه، لكنه قد أمره بالتخلص منهما
جميعا، وإن كان لا سبيل له إلى ذلك في هذِه المسألة، ولو كان
لأحدهما عنده فضل في البر على صاحبه لأمره بالمصير إلى أمره.
وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم، وزعم أن لها ثلثي
البر، وحديث أبي هريرة * يدل أن لها ثلاثة أرباع البر، وأن طاعة
الأم مقدمة، وهو الحجة على من خالفه.
وزعم (المحاسبي)(٢) أن تفضيل الأم على الأب في البر والطاعة
هي إجماع العلماء(٣) ، وقيل للحسن: ما بر الوالدين؟ قال: تبذل لهما
ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك ما لم تكن معصية.
(١) من (ص ٢).
(٢) في الأصل: النحاس، والمثبت من (ص٢).
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)): ١٨٩/٩-١٩١.

٢٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣- باب لَا يُجَاهِدُ إِلَّ بِإِذْنِ الوالدين
٥٩٧٢- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَجْيَى، عَنْ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ ح.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيِ العَبَّاسِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ وَلِ: أُجَاهِدُ؟ قَالَ: (لَكَ أَبَوَانٍ؟)). قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). [انظر: ٣٠٠٤ - مسلم: ٢٥٤٩ - فتح: ٤٠٣/١٠]
ذكر فيه حديث حبيب عَنْ أَبِي العَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ وَسِ: أَأُجَاهِدُ؟ قَالَ: ((لَكَ أَبَوَانٍ؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)).
هذا الحديث سلف في الجهاد (١) ، وأبو العباس هو الشاعر كما
صرح به هناك، واسمه السائب بن فروخ المكي (الأعمى)(٢)، روى
له الجماعة، وحبيب هو ابن أبي ثابت كما صرح به هناك، وهذا
موافق(٣) لحديث ابن مسعود: أن بر الوالدين أفضل من الجهاد (٤) ؛
لأنه رتب ذلك بـ (ثُمَّ) الدالة على الرتبة، وهذا إنما يكون في وقت قوة
الإسلام، وعليه أهل العلم إذا كان الجهاد من فروض الكفاية، فأما
إذا قوي أهل الشرك وضعف المسلمون -معاذ الله- فالجهاد متعين
على كل نفس ولا يجوز التخلف عنه، وإن منع منه الأبوان.
وقال ابن المنذر فيه: إن النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم
يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع، وذلك بيّن في حديث
أبي قتادة أنه الثّ بعث جيش الأمراء، فذكر قصة زيد بن حارثة،
وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة وأن منادي رسول الله و سلام نادى بعد
(١) سلف برقم (٣٠٠٤).
(٣) في (ص٢): لا يوافق.
(٢) في (ص٢): الأعور.
(٤) سلف قريبًا برقم (٥٩٧٠).

٢٤٣
كِتَابُ الأَدَبِ
ذلك أن الصلاة جامعة فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
((أيها الناس، أخرجوا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد)) فخرج الناس
مشاة وركبانا في حر شديد(١). فدل قوله: ((اخرجوا فأمدوا إخوانكم))
أن العذر في التخلف عن الجهاد إنما هو ما لم يقع النفير مع قوله
التَيْه: ((وإذا استنفرتم فانفروا))(٢).
فرع :
اختلف في الوالدين المشركين، فكان الثوري يقول: لا تغز
إلا بإذنهما. وقال الشافعي: له أن يغزو بغير إذنهما. وقال ابن
المنذر: والأجداد (آباء)(٣)، والجدات أمهات، فلا يغزو المرء
إلا بإذنهم، ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر
القرابات. وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد
في سبيل الله.
ومعنى ( ((فجاهد)): أي في طاعتهما وإبرارهما، فأما إذا أذنا له في
ذلك جاهد، وذلك لأن فرض الجهاد على الكفاية، وطاعتهما فرض
عين، وذكر أنه التَّه قال: ((أهل الأعراف قوم قتلوا في سبيل الله
بمعصية آبائهم، فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله))(٤).
(١) رواه أحمد ٢٩٩/٥.
(٢) سلف برقم (١٨٣٤).
(٣) من (ص ٢).
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٠١/٥ (١٤٧١٣) من طريق محمد بن عبد الرحمن،
عن أبيه. وذكره البيهقي في ((الشعب)) ٣٤٥/١ وقال: مرسل ضعيف. وعزاه الهيثمي
في ((المجمع)) ٧/ ٢٣-٢٤ للطبراني، عن عمر بن عبد الرحمن المدني، عن أبيه.
وقال: وفيه أبو معشر نجيح وهو ضعيف اهـ والحديث رواه الطبراني في
((الأوسط)) ٢٤٩/٣ (٣٠٥٣) من حديث أبي سعيد بنحوه، وقال الهيثمي في
((المجمع)) ٢٣/٧: فيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف.

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤- باب لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ
٥٩٧٣- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَغدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُمَيْدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةَ: ((إِنَّ
مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ
وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ((يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسْبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ)). [مسلم: ٩٠- فتح:
١٠/ ٤٠٣] .
ذكر فيه حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النبيّ
وَلَه : ((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ
اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ((يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ
أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فيسب أُمَّهُ)).
هذا الحديث أصل في قطع الذرائع، وأن من آل فعله إلى محرم وإن
لم يقصد فهو كمن قصده وتعمده في الإثم، ألا ترى أنه القّ نهى أن
يلعن الرجل والديه، فكان ظاهره تولي اللعن، فلما أخبر أنه إذا سب
أبا الرجل فسب الرجل أباه وأمه كان كمن تولى ذلك بنفسه، وكان
ما آل إليه فعله أنه كلعنه في المعنى؛ لأنه كان سببه، ومثله قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾
[الأنعام: ١٠٨] وهذِه من أحد آيات سد الذرائع، والثانية: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، والثالثة: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ
بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١]، وكذا قال (المازري)(١): يؤخذ منه المنع
من بيع ثياب الحرير ممن يلبسها وهي لا تحل له، وبيع العنب ممن
يعصره خمرا ويشربه؛ لأنه ذكر فيه أن من فعل السبب فكأنه الفاعل
لذلك الشيء مباشرة(٢).
(١) في (ص٢): الماوردي. خطأ.
(٢) ((المعلم)) ٧١/١-٧٢.

٢٤٥
كِتَابُ الأَدَبِ
٥- باب إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ
٥٩٧٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِ مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي
نَافِعْ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللهِ مَّ قَالَ: ((بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرِ يَتَمَاشَوْنَ
أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَم غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ
الجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَنْظُرُوا أَغَّمَالًا عَمِلْتُمُوهَا له
صَالِحَةً، فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَّدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ
شَيْخَانِ كَبِيرَانٍ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ
بَدَأْتُ بِوَ الِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ،
فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ
رُءُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا ، وَالصِّبْيَةُ
يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ
أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرِى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللهُ لَهُمْ
فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ، وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابنةُ عَمِّ، أُحِبُّهَا
كَأَشَدِّمَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِینَارٍ ،
فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ ، فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ:
يَا عَبْدَ اللهِ، أَتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ. فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ
فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفْرُجْ لَنَا مِنْهَا. فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ
إِنِّي كُنْتُ أُسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزُّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِي حَقِّي.
فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا
وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: أَتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي، وَأَعْطِي حَقِّي. فَقُلْتُ: أَذْهَبْ إِلَى
ذَلِكَ البَقَرِ وَرَاعِيهَا. فَقَالَ: أَتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْـ
ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا. فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ
وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ. فَفَرَجَ اللهُ عَنْهُمْ)). [انظر: ٢٢١٥ - مسلم: ٢٧٤٣ - فتح: ١٠ /٤٠٤]

٢٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصخرة، وقد سلف،
وحاصله أن كل من دعا الله بنية صادقة من قلبه وتوسل إليه بما صنعه
لوجهه خالصا (جاءته)(١) الإجابة، ألا ترى أن أصحاب الغار توسلوا
إلى الله بأعمال عملوها خالصة لوجهه ورجوا الفرج بها، فذكر
أحدهم بر أبويه، والثاني المرأة وأنه ترك الزنا بها لوجه الله، والثالث
أنه تجر في أجرة الأجير حتى صار منها غنم وراعها، وأنه دفعه إليه
حين طلب منه الأجرة، فتفضل الله عليهم بإجابة دعائهم ونجاهم من
الغار، فكما أجيبت دعوة هؤلاء النفر فكذلك يرجى إجابة دعاء كل
من أخلص فعله لله تعالى، وأراد به وجهه.
فصل في ضبط ألفاظه :
قوله: ( ((فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ)) ) هو رباعي من أطبقت الشيء عليه وجعلته
مطبقا فتطبق هو، ومنه قولهم: لو تطبقت السماء على الأرض ما فعلت
كذا .
وقوله: ( ((لَعَلَّهُ يُفْرِجُهَا)) ) (ضبط بالضم، وبكسر الراء)(٢) ، قال
ابن التين: وكذا قرأناه. قال الجوهري: فرج الله عنك غمك تفريجًا،
وكذلك: فرج الله عنك غمك يفرِج بالكسر(٣).
وقوله: ( ((إِنَّهُ ناء بي الشَّجَرُ)) ) أي: تباعد عن مكاننا الشجر التي
ترعاها مواشينا .
وقوله: ( ((كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ)) ) هو بضم اللام.
(١) في الأصل: من حاله، والمثبت من (ص٢).
(٢) وقع في الأصل (ضبط بالضم). وكتب فوقها: (لعله سقط). ووقع في (ص٢):
(ضبط بكسر الراء). فقط.
(٣) ((الصحاح)) ٣٣٣/١.

٢٤٧
كِتَابُ الأَدَبِ
وقوله: ( ((فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ)) ) هو بكسر الحاء أي: الإناء الذي
یحلب فيه .
وقوله: ( ((وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ)) ) أي: يصيحون، وكذلك كل صوت
ذليل مقهور، ضغا يضغو: صاح وبكى وضج، وعبارة الداودي: يبكون
ويتوجعون.
وقوله: ( ((فَاقْرُجْ لَنَا فُرْجَةً)) ) هو بضم الفاء، وأما إذا فتحتها فهي
للتفصِّي من الهم. والفُرْجة بالضم فرجة الحائط، وهو المراد هنا.
والفرق: مكتل معروف بالمدينة ستة عشر رطلًا وقد تحرك راؤه وأنكر
القتبي إسكانها .

٢٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦- باب عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ مِنَ الكَبَائِرِ
قَالَهُ عَبْدُ اللهِ بْن عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ نَال
٥٩٧٥- حَدَّثَنَا سَغْدُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ المُسَيَّبِ، عَنْ
وَزَّادٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأَمَّهَاتِ، وَمَنْعَ
وَهَاتٍ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ)).
[انظر: ٨٤٤- مسلم :- فتح: ٤٠٥/١٠]
٥٩٧٦- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الوَاسِطِيُّ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِهِ عَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ
الكَبَائِرِ؟)). قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)).
وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: ((أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ
وَشَهَادَةُ الزُّورِ)). فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ. [انظر: ٢٦٥٤- مسلم: ٨٧-
فتح: ٤٠٥/١٠]
٥٩٧٧- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَغْفٍَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ:
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ ◌َّهِ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ
وََّ الكَبَائِرَ - أَوْ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ- فَقَالَ: ((الشِّرْلُكُ باللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ
الوَالِدَيْنِ)». فَقَالَ: ((أَلَا أُنَّكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ - قَالَ: ((قَوْلُ الزُّورِ)) أَو قَالَ:
(شَهَادَةُ الزُّورِ)).
قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: ((شَهَادَةُ الزُّورِ)). [انظر: ٢٦٥٣ - مسلم: ٨٨-
فتح: ٤٠٥/١٠]
وذكر فيه ثلاثة أحاديث:
(أحدها)(١): حديث المغيرة: عَن رسول الله وَّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأَمَّهَاتِ، وَمَنْعَ وَهَاتِ .. )) الحديث.
(١) من (ص ٢).

٢٤٩
كِتَابُ الأَدَبِ
=
وشيخه فيه سعد بن حفص أبو محمد الطلحي مولاهم الكوفي يعرف
بالضخم انفرد به البخاري عن الخمسة، وليس في شيوخهم من اسمه
سعد سواه مات سنة خمس عشرة ومائتين.
ثانيها: حديث أبي بكرة عُ: ((أَلَا أُنَبَّكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟)). قُلْنَا: بَلَى
يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)). الحديث.
ثالثها: حديث أنس : ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ الكَبَائِرَ فعد منها:
((عُقُوقُ الوَالِدَیْنِ)).
وذكر البخاري في الأيمان والنذور حديث عبد الله بن عمر في
الكبائر. وفيه: زيادة ((اليمين الغموس)) (١) . وفي الديات والاعتصام
حديث ابن مسعود ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك))(٢). وفيه:
الزنا بحليلة الجار من الكبائر.
وروى الزنا من الكبائر عن رسول الله وَّل عمران بن حصين وعبد
الله بن أنيس(٣) وأبو هريرة.
وفي حديث أبي هريرة: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (٤).
وفي الحدود حديث أبي هريرة : ((اجتنبوا السبع الموبقات)). وفيه:
((السحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف
المحصنات الغافلات المؤمنات))(٥).
(١) سيأتي برقم (٦٦٧٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٢) سيأتي في الديات برقم (٦٨٦١)، وفي التوحيد برقم (٧٥٢٠).
(٣) حديث عمران رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٠)، وحديث عبد الله بن أنيس
رواه الترمذي (٣٠٢٠)، وأحمد ٤٩٥/٣ وليس فيه ذكر الزنا .
(٤) سلف برقم (٢٤٧٥)، ورواه مسلم (٥٧).
(٥) سيأتي برقم (٦٨٥٧).

٢٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي هذا الباب زيادة: ((منع وهات، ووأد البنات)) وفي حديث
ابن عباس أن النميمة وترك التحرز من البول من الكبائر(١) . وروى
السرقة من الكبائر وشرب الخمر، عمران بن حصين (٢) في غير
«صحيح البخاري)).
وفي البخاري: ((ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر
حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة وهو مؤمن))(٣). وفي غير
البخاري من حديث ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر (٤) .
(١) سلف برقم (٢١٦) كتاب: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله .
(٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٠).
(٣) سبق تخريجه من حديث أبي هريرة.
(٤) روي عنه موقوفًا ومرفوعًا، فرواه الطبري في ((تفسيره)) ٣/ ٦٣١ (٨٧٨٩)، وابن
أبي حاتم في «تفسيره» ٨٨٨/٣ (٤٩٣٩)، والطبراني في «الأوسط)) ٥/٩ (٨٩٤٧)،
والدار قطني ١٥١/٤ والبيهقي ٢٧١/٦. كلهم من طريق عمر بن المغيرة، عن
داود بن أبي هند، عن عكرمة، عنه مرفوعًا ورواه غير واحد عن داود بن أبي هند،
عن عكرمة، عن ابن عباس قوله ولم يرفعه للنبي ◌َّةٍ منهم سفيان الثوري: كما في
(تفسيره)) ومن طريقه -أي سفيان- عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٨٨/٩ (١٦٤٥٦)
وسعيد بن منصور في ((سننه)) ١٠٩/١ (٣٤٤) كلاهما عنه، عن داود به.
وابن إدريس: رواه عنه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٦/ ٢٢٩ (٣٠٩٢٤) عن داود به.
وابن علية ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل وعبد الوهاب وعبيدة بن حميد وابن أبي
عدي وعبد الأعلى، رواه من طرق عنهم الطبري في ((تفسيره)) ٦٣٠/٣ -٦٣١
(٨٧٨٤- ٨٧٨٩) عن داود به.
وعلي بن مسهر: رواه من طريقه النسائي في ((الكبرى)) ٣٢٠/٦ (١١٠٩٢) عن
علي بن حجر عنه، عن داود به.
وعائذ بن حبيب: رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره) ٨٨٨/٣ (٤٩٤٠) عن الأشج،
عنه، عن داود به.
وهشيم: رواه البيهقي ٢٧١/٦ من طريقه عن داود به، وقال: هذا هو الصحيح =

٢٥١
= كِتَابُ الأَدَبِ
والقنوط من رحمة الله(١) . وفي حديث أبي أيوب الأنصاري عن رسول
الله ◌َطِير: منع ابن السبيل (من الماء)(٢) من الكبائر. وروى بريدة عن
رسول الله * عد ابن السبيل منها(٣) . وفي حديث ابن عمر: عد
الإلحاد في البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا (٤) . وحديث عبد الله بن
عمرو: ((أكبر الكبائر أن يشتم الرجل والديه)) قالوا: وكيف؟ قال:
((يساب الرجل فيسب أباه))(٥).
فهذِه آثار رويت عن رسول الله مثل ﴿ تذكر الكبائر، فجميع هذه الكبائر
في هذِه الآثار ست وعشرون كبيرة وهي :
الشرك، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين
الغموس، وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، والزنا، والسحر،
وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات،
والسرقة، وشرب الخمر، والإضرار في الوصية، والقنوط من رحمة
الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والذي
يستسب(٦) لوالديه، ومنع وهات، ووأد البنات، والنميمة، وترك
التحرز من البول، والغلول.
= موقوف. قال: وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفًا، وروي من وجه آخر
مرفوعًا، ورفعه ضعيف. اهـ
(١) رواه البزار كما في (كشف الأستار)) (١٠٦) وعزاه الهيثمي أيضًا للطبراني في
((الأوسط))، ((مجمع الزوائد)) ١/ ١٠٤ وقال: ورجاله موثقون. اهـ
(٢) من هامش الأصل وكتب فوقها: لعله سقط.
(٣) رواه البزار في ((المسند)) ١٠/ ٣١٤ (٤٤٣٧) بلفظ ((منع فضل الماء)).
(٤) رواه البيهقي ٤٠٩/٣. وانظر: ((الإرواء)) (٦٩٠).
(٥) سلف بنحوه قريبًا (٥٩٧٣).
(٦) في الأصل: يسب، والمثبت من (ص٢).

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فَهُذِه ست وعشرون، وتستنبط كبائر أخر من الأحاديث منها حديث
ابن المسيب عن رسول الله ◌َ أنه قال: ((من أربى الربا استطالة الرجل
في عرض أخيه))(١) وقد ثبت أن الربا من الكبائر كما سلف. ومنها
حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنه العَّه قال: ((أسوأ
السرقة الذي يسرق صلاته))(٢) وقد ثبت أن السرقة من الكبائر.
وفي التنزيل: الجور في الحكم. قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، و﴿ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:
٤٥] و﴿اُلْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ
لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾﴾ [الجن: ١٥] فهذِه تسع وعشرون(٣).
قال الطبري: واختلف أهل التأويل في الكبائر التي وعد الله عباده
بالنهي (عنه)(٤) ، من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين آية منها، هذا
قول ابن مسعود والنخعي. وقال آخرون: الكبائر سبع، روي عن علي ﴾.
وهو قول عبيد بن عمير، وعبيدة، وعطاء، وقال عبيد: ليس من هذِه
كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا
(١) رواه عبد الرزاق في ((جامع معمر)) ١٧٦/١١ (٢٠٢٥٣)، ورواه أبو داود (٤٨٧٦)
من حدیث سعید بن زيد.
(٢) حديث أبي هريرة رواه ابن حبان ٢٠٩/٥ (١٨٨٨)، والحاكم ٢٢٩/١. وحديث
أبي سعيد رواه أحمد ٥٦/٣، وأبو يعلى ٤٨١/٢-٤٨٢ (١٣١١).
(٣) وقع في هامش الأصل: قد أفرد الذهبي الكبائر في جزء جعلها ستا وسبعين كبيرة،
وقد قرأه بعض مشايخي عليه، وأجازني به وبغيره ذاك الشيخ، وفي بعض نسخ
كتاب ((الكبائر)) للذهبي ذكر فصلاً لما يحتمل أنه كبيرة نحو أربعين غير المذكورة
في المؤلف المذكور، وقد ذكر ابن قيم الجوزية في أواخر ((أعلام الموقعين)) جملة
من الكبائر، فانظرها إن أردتها.
(٤) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ١٩٦/٩: عنها.

٢٥٣
كِتَابُ الأَدَبِ
=
خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ﴾ [الحج: ٣١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى
ظُلْمًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوا﴾ الآية
[البقرة: ٢٧٥]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ﴾ الآية [النور:
٢٣]. وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:
١٥] والسابعة: التعرب بعد الهجرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَىَّ أَدْبَرِهِمِ مِّنْ بَعْدِ
مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ اُلْهُدَىّ﴾ الآية [محمد: ٢٥]. وقال آخرون: هي تسع،
روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وزاد فيه: السحر والإلحاد في
المسجد الحرام. وقال آخرون: هي أربع. رواه الأعمش عن وبرة بن
عبد الرحمن، عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع:
الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من (رحمة)(١) الله،
والأمن من مكر الله. ففي حديث أبي الطفيل مما لم يمض في
الآثار: الأمن من مكر الله. وفي حديث عبيد بن عمير: التعرب بعد
الهجرة. فتمت إحدى وثلاثين.
وقال آخرون: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، روي ذلك عن
ابن عباس # قال: وقد ذكرت الطرفة وهي النظرة.
قال ابن الحداد: وهذا قول الخوارج، قالوا: كل ما عُصي الله به
فهو كبيرة يخلد صاحبه في النار. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] قالوا: فالكلام على العموم
في جميع المعاصي.
وعن ابن عباس قول آخر حكاه الطبري قال: كل ذنب ختمه الله بنار
أو لعنة أو غضب فهو كبيرة. قال طاوس: قيل لابن عباس: الكبائر
(١) في (ص ٢): روح.

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن
عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير
أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار(١).
وذهب جماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر،
وهو قول عامة الفقهاء، وخالفهم الأشعرية أبو بكر بن الطيب وأصحابه
فقالوا: معاصي الله كلها عندنا كبائر. كذا في كتاب ابن بطال(٢). وهو
محكي عن الأستاذ، قالوا: وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو
أكبر منها كما يقال: الزنا صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقبلة المحرمة
صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلها كبائر، ولا ذنب عندنا يغفر واجبًا
باجتناب ذنب آخر بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
كَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] واحتجوا بقراءة من قرأ: (إن تجتنبوا كبير ما تنهون
عنه)(٣) على التوحيد، يعنون الشرك.
وقال الفراء: من قرأ ﴿كَبَآبِرَ﴾، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم
الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع ويراد به الواحد. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ
[الشعراء: ١٠٥] ولم يأتهم إلا نوح وحده،
قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ
ولا أرسل إليهم رسولًا قبله بدليل قوله في حديث الشفاعة: ((ولكن
ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)» (٤)، قالوا:
فجواز العقاب عندنا على الصغيرة كجوازه على الكبيرة.
(١) ((تفسير الطبري)) ٣٩/٤-٤٤.
(٢) ((شرح ابن بطال) ٩ / ١٩٨.
(٣) ذكر هذِه القراءة ابن عطية في ((تفسيره)) ٣٠/٤ وعزاها لابن مسعود وابن جبير.
(٤) سلف برقم (٤٤٧٦) كتاب: التفسير.

٢٥٥
= ڪِتَابُ الأَدَبِ
وقوله الليفقال: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أنها
تبلغ حيث بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه))(١) ، وحجة
أهل التأويل والفقهاء ظاهر قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ثُنْهَوَّنَ عَنْهُ
نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. قال الطبري: يعني: نكفر عنكم
أيها المؤمنون باجتناب الكبائر صغائر سيئاتكم؛ لأن الله قد وعد
مجتنبها بتكفير ما عداها من سيئاته، ولا يخلف الميعاد(٢)، واحتجوا
بما رواه موسى بن عقبة عن عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبيه، عن
أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله وَل ـ: ((ما من عبد يعبد الله
لا يشرك به شيئًا ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويجتنب
الكبائر إلا دخل الجنة))(٣) وقال أنس : إن الله تجوز عما دون
الكبائر فما لنا ولها، وتلا الآية.
وأما قول الفراء: من قرأ (الكبائر) (٤) فالمراد بها كبير الإثم، وهو
الشرك وهو خلاف ما ثبت في الآثار، وذلك أن في حديث أبي بكرة ((ألا
أنبئكم بأكبر الكبائر)) الحديث. فجعل فيه قول الزور والعقوق من أكبرها،
وجعل في حديث ابن مسعود: قتل الولد خشية أن يأكل معه، والزنا
بحليلة الجار من أعظم الذنوب، فهذا يرد تأويل الفراء أن كبائر يراد
بها كبير وهو الشرك خاصة، ولو عكسه من قوله(٥) ، فقيل له: من
(١) رواه الترمذي (٢٣١٩)، وابن ماجه (٣٩٦٩) من حديث بلال بن الحارث المزني،
وسيأتي برقم (٦٤٧٨) كتاب: الرقاق، باب: حفظ اللسان، من حديث أبي
هريرة، بنحوه.
(٢) (تفسير الطبري)) ٤ /٤٦.
(٣) رواه ابن حبان ٣٩/٨ (٣٢٤٧)، والحاكم ٢٣/١ كلاهما من طريق فضيل بن
سليمان، عن موسى بن عقبة، به.
(٤) هكذا في الأصل وبالهامش: الكبير.

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قرأ كبير الإثم المراد به كبائر، كان أولى في التأويل بدليل هذِه الآثار
الصحاح وبالمتعارف المشهور في كلام العرب وذلك أنه يأتي لفظ
الواحد يراد به الجمع، كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِه٤ِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. والتفريق
لا يكون إلا بين أثنين فصاعدًا. والعرب تقول: فلان كثير الدينار
والدرهم يريدون الدنانير والدراهم.
وقولهم: إن الصغائر كلها كبائر دعوى، وقد ميز الله بينها وبين
ما سماه سيئات من غيرها بقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ﴾ الآية، وأخبر أن
الكبائر إذا جونبت كفر ما سواها، وما سوى الشيء هو غيره،
ولا يكون هو، ولا ضد الكبائر إلا الصغائر، والصغائر معلومة عند
الأمة، وهي ما أجمع المسلمون على رفع الحرج في شهادة من
أتاها، ولا يخفى هذا على ذي لُبِّ.
وأما احتجاجهم بحديث: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة .. )) إلى آخره،
فلا دلالة فيه أن تلك الكلمة ليست من الكبائر.
ومعنى الحديث: إن الرجل ليتكلم بالكلمة عند السلطان يغريه بعدو
له يطلب أذاه، فربما قتله السلطان أو أخذ ماله أو عاقبه أشد عقوبة،
والمتكلم بها لا يعتقد أن السلطان يبلغ به كل ذلك فيسخط الله عليه
إلى يوم القيامة، وهذا كقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ﴾
[النور: ١٥](١).
(١) هكذا في الأصل، وعبارة ابن بطال: ولو عكس قول الفراء.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٩٤/٩-٢٠١.

٢٥٧
كِتَابُ الأَدَبِ
=
فصل :
معنى ((مَنْعَ وَهَاتٍ)): منع الواجب وأخذ ما ليس له، (ووأد البنات)))
هو قتلها قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِلْأَنَى﴾ [النحل: ٥٨] وقوله:
((وقيل وقال))) كذا روينا بغير صرف، ويروى بالتنوين. قال
أبو (عبيد) (١) : فيه نحوت غريبة، وذلك أنه جعل القال مصدرًا كأنه
قال: هو قيل، يقال: قلت قولًا وقيلة وقالا. ومعناه كثير القول فيما
لا يغني، وكثرة السؤال: يحتمل سؤال الناس ما في أيدي الناس،
أو السؤال عما لا يغني من العلم.
(١) في (ص٢): عبيدة.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٧- باب صِلَةِ الوَالِدِ المُشْرِكِ
٥٩٧٨- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي،
أَخْبَرَتْنِي أَسْمَاءُ ابنةُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ
وَثَةِ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ: أَصِلُهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا:
﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ اٌلِينِ﴾ [الممتحنة: ٨]. [انظر: ٢٦٢٠ - مسلم:
١٠٠٣ - فتح: ١٠/ ٤١٣]
ذكر فيه حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: قَالَتْ: أَتَتْنِي
أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ رسول الله ﴿ ﴿ِ، فَسَأَلْتُ رسول اللهِ وَّهِ: أَأْصِلُهَا؟
قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهَا: ﴿لَا يَنْهَكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ
لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾ .
(هذا الحديث سلف في الهبة، و)(١) صلة الأبوين المشركين
مطلوبة بنص القرآن، قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
[لقمان: ١٥]. وعبر ابن بطال عنه بالوجوب، فأمر الله تعالى في هذِه
الآية ببرهما ومصاحبتهما بالمعروف وإن كانا مشركين، وقد سلف في
الهبة أيضًا، وأسماء هذِه بنت الصديق، زوج الزبير بن العوام وأمها
قتيلة(٢)، وقد ترجم له أيضًا عقب هذا الباب.
(١) من (ص٢).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٠١/٩.

٢٥٩
- كِتَابُ الأَدَبِ
٨- باب صِلَةِ المَرْأَةِ أُمَّهَا وَلَهَا زَوْجٌ
٥٩٧٩- وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي هِشَامٌ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي
وَهْيَ مُشْرِكَةٌ - فِ عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ، إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ ◌ََّ- مَعَ أَبِهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ
النَّبِيَّ ◌ََّ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهْيَ رَاغِبَةٌ [أَفَأَصِلُهَا؟] قَالَ: ((نَعَمْ، صِلِي أُمَِّكِ)).
[انظر: ٢٦٢٠ - مسلم: ١٠٠٣ - فتح: ٤١٣/١٠]
٥٩٨٠- حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ
اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَزْسَلَ
إِلَيْهِ، فَقَالَ - يَغْنِي: النَّبِيَّ ◌ََّ -: يَأْمُرْنَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالصَّلَةِ. [انظر:
٧- مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ٤١٣/١٠]
وذكر معلقًا فقال: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي هِشَام بن عروة، عن أبيه،
عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَدِمَتْ [أُمِّي](١) وَهْيَ مُشْرِكَةٌ -فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ
عَاهَدُوا النَّبِيَّ ◌ََّ- مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ وَلَّ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي
قَدِمَتْ وَهْيَ رَاغِبَةٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)).
ثم أسند من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ
أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، [فَقَالَ](٢) -يَعْنِي: أي النَّبِيَّ نََّ -: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ
وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ.
وفقه هُذِه الترجمة أن الشارع أباح لأسماء أن تصل أمها ولها زوج،
ولم يشترط في ذلك مشاورة زوجها، ففيه حجة لمن أجاز من الفقهاء أن
تتصرف المرأة في مالها وتتصدق بغير إذن زوجها، وقد سلف ما فيه في
الهبة وغيرها، وتنفصل عنه بأن النفقة عليها واجبة للأم.
(١) سقطت من الأصل، والمثبت من اليونينية.
(٢) سقطت من الأصل، والمثبت من اليونينية.

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية. قال مجاهد: هم
من آمن وأقام بمكة ولم يهاجر، والذين قاتلوهم في الدين كفار مكة.
وقال أبو صالح: خزاعة. وقال قتادة: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاقْئُلُواْ
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقول سفيان قاله عبد الله بن
الزبير(١) .
(١) هُذِهِ الآثار رواها الطبري في ((تفسيره)) ٦٢/١٢-٦٣.