Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠
١
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
وأما قولهم: واقعة حال فغير جيد؛ لأن أكثر السنة واقعة حال فمن
ترك ذلك ترك معظم السنة الشريفة، قال ابن حزم: ولا نعلم عن أحد من
السلف كراهة أكل لحم الخيل، إلا رواية عن ابن عباس لا تصح؛ لأنها
عن مولى علقمة بن نافع وهو مجهول(١).
قلت: قد أسندها ابن أبي شيبة عن وكيع وعلي بن هشام، عن ابن
أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير (٢)، وذكره الإسماعيلي في
((جمعه))(٣) حديث يحيى بن أبي كثير عن نافع بن علقمة أن ابن عباس
كان يكره لحوم الخيل .. الحديث.
فصل :
واحتج من كره أكلها أيضًا من وجه النظر أنه لو كانت لوجب أن
يؤكل أولادها، فلما أتفقنا على أن الأم إذا كانت من الخيل والأب
حمار لم يؤكل ما يولد منهما، علمنا أن الخيل لا تؤكل، ألا ترى أن
ولد البقرة يتبع أمه في جواز الأضحية به، وإن كان أبوه وحشيًّا فلو
كانت الخيل تؤكل تبع الولد أمه في ذلك.
فصل :
واحتج من جوزه بتواتر الأخبار في ذلك، وأن أحاديث الإباحة
أصح من أحاديث النهي.
قالوا: ولو كان ذلك مأخوذًا من طريق النظر لما كان بين الخيل
الأهلية والحمر الأهلية فُرقان، ولكن الآثار عن رسول الله وَله إذا
(١) ((المحلى)) ٤٠٩/٧.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٠/٥ (٢٤٣٠٨).
(٣) هكذا رسمت في الأصل، ولم أر كتابا للإسماعيلي بهذا الاسم، فلعله يقصد
((المستخرج)) والله أعلم.

٥٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
صحت أولى أن يقال بها من النظر، ولا سيما وقد أخبر جابر في حديثه
أنه التفيئها أباح لهم لحوم الخيل في وقت منعه إياهم لحوم الحمر، فدل
ذلك على اختلاف حكم لحومها، قاله الطحاوي(١).
(١) (شرح معاني الآثار)) ٢١١/٤.

٥٠٣
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
٢٨- باب لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ
فِيهِ : سَلَمَةُ ثُ عَنِ النَّبِّ
٥٥٢١- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَالمٍ وَنَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما: نَهَى النَّبِيُّ وََّ عَنْ لُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ. [انظر: ٨٥٣ -
مسلم: ٥٦١ - فتح ٦٥٣/٩]
٥٥٢٢- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعْ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ لُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. تَابَعَهُ ابن المُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ
نَافِعٍ. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَالم. [انظر: ٨٥٣ - مسلم: ٥٦١ - فتح ٩ / ٦٥٣]
٥٥٢٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
وَالْحَسَنِ ابنِيْ نُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَليّ ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّهِ عَنِ
المُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ وَلُوم ◌ُمرِ الإِنْسِيَّةِ. [انظر: ٤٢١٦ - مسلم: ١٤٠٧ - فتح ٩/ ٦٥٣]
٥٥٢٤- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ نُحَمَّدِ بْنِ عَلَّ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُومِ الحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي
الخُومِ الَخَيْلِ. [انظر: ٤٢١٩ - مسلم: ١٩٤١ - فتح ٩ /٦٥٣]
٥٥٢٥، ٥٥٢٦- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيٌّ، عَنِ
البَرَاءِ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ﴿ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَّرَ عَنْ لُومِ الحُمُرِ. [انظر: ٤٢٢١، ٣١٥٥-
مسلم: ١٩٣٨ - فتح ٩/ ٦٥٣]
٥٥٢٧- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَغْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ
ابن شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إِذْرِيسَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لُومَ الحُمُرِ
الأَهْلِيَّةِ. تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وَعُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَالْمَاحِشُونُ
وَيُونُسُ وَابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهَ عَنْ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ.
[مسلم: ١٩٣٦ - فتح ٦٥٣/٩]
٥٥٢٨- حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ

٥٠٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثُمَّ
جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُكِلَتِ الْحُمُرُ. ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُقْنِيَتِ الحُمُرُ. فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادِىُ
فِي النَّاسِ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ. فَأُكْفِئَتِ
القُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْم. [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٩٤٠ - فتح ٩/ ٦٥٣]
٥٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرُو: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدِ:
يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ نَهَى عَنْ حُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الَحَكَمُ بْنُ
عَمْرِوِ الغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ، ولكن أَبَى ذَاكَ البَحْرُ ابن عَبَّاسِ وَقَرَأَ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ
فِى مَا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا﴾. [الأنعام: ١٤٥] [فتح ٩/ ٦٥٤]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها: حديث عَبْدَة، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَالِم وَنَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما: نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ لُحُوم الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ.
ثم ساقه من حديث يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َِّ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ.
تَابَعَهُ ابن المُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَالِم. وسلف في المغازي بالمتّابعة(١) .
ثانيها: حديث مَالِك، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالْحَسَنِ ابنيْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنِ
المُتْعَةِ (يوم)(٢) خَيْبَرَ وَعن لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ.
وسلف في المغازي أيضًا والنكاح (٣) .
(١) سلف برقم (٤٢١٧) كتاب: المغازي ، باب: غزوة خيبر.
(٢) في (غ): عام .
(٣) سلف في المغازي (٤٢١٦) وسلف في النكاح (٥١١٥) باب: نهي النبي وَ لّ عن
نكاح المتعة آخرًا.

٥٠٥
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
=
ثالثها: حديث مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ ◌َّه قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ يَوْمَ
خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ .
سلف في المغازي أيضًا وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وقال:
لا أعلم أحدًا وافق حماد بن زيد عن محمد بن علي(١).
رابعها وخامسها: حديث عَدِيّ، عَنِ البَرَاءِ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ﴾ قَالَا:
نَهَىْ رسولُ اللهِ وَّه عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ.
سلف في المغازي وأخرجه مسلم(٢).
سادسها: حديث صَالِحِ(٣)، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ أَخْبَرَهُ،
أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. وأخرجه
مسلم (٤).
تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، قلت: أخرجها النسائي(٥).
وَعُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَالْمَاحِشُونُ وَيُونُسُ
وَابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: نَهَى النَّبِيُّ ◌ََّ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.
سابعها: حديث أنس : أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُكِلَتِ
الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُكِلَتِ الحُمُرُ. ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُقْنِيَتِ
الحُمُرُ. فَأَمَرَ مُنَادِيًّا فَنَادِى فِي النَّاسِ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ
لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ. فَأَكْفِئَتِ القُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْم.
(١) سلف برقم (٤٢١٩) باب: غزوة خيبر، وأخرجه مسلم (١٩٤١) كتاب : الصيد
والذبائح ، باب : أكل لحوم الخيل، وأبو داود (٣٧٨٨)، والنسائي ٧/ ٢٠١.
(٢) سلف في المغازي برقم (٤٢٢١) باب: غزوة خيبر، وأخرجه مسلم (١٩٣٨)
كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.
(٣) في الأصول (أبي صالح)، والصواب ما أثبتناه.
(٤) أخرجه مسلم (١٩٣٦).
(٥) أخرجه النسائي ٢٠٤/٧ - ٢٠٥.

٥٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
سلف في المغازي وأخرجه مسلم(١).
ثامنها: حديث سُفْيَان، قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلكَ الحَكَمُ بْنُ
عَمْرِو الغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ، ولكن أَبَبِى ذَلِكَ البَحْرُ ابن عَبَّاسٍ وَقَرَأَ :
﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية. [الأنعام: ١٤٥].
الشرح :
الكلام على الأحاديث وهي تحريم الحمر سلف في المغازي
وغيره، ومتابعة ابن المبارك أسندها في المغازي كما قلناه عن محمد
ابن مقاتل، ثنا عبد الله، ثنا عبيد الله، وكذا متابعة أبي أسامة أخرجها
هناك عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة به (٢) .
وقوله: (قال مالك) إلى آخره، يريد بحديثه ما يذكره بعد في كتابه
مسندًا (٣)، وحديث معمر أخرجه مسلم(٤) وكذا حديث يوسف بن يعقوب
ابن أبي سلمة الماجشون كذا ذكره في الأطراف في هذا الموضع وإن
كان مسلم أيضًا قد خرج حديث عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة
الماجشون، عن الزهري في ((صحيحه)) وحديث يونس في مسلم
(٥)
أيضًا (٥) .
(١) سلف في المغازي (٤١٩٩) باب: غزوة خيبر، ورواه مسلم (١٩٤٠) كتاب: الصيد
والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.
(٢) متابعة ابن المبارك أخرجها البخاري في المغازي (٤٢١٧) باب: غزوة خيبر،
ومتابعة أبي أسامة أخرجها برقم (٤٢١٥).
(٣) سيأتي برقم (٥٥٣٠) باب: أكل كل ذي ناب من السباع.
(٤) أخرجه مسلم (١٩٣٢) كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب.
(٥) مسلم (١٩٣٢).

٥٠٧
كِتَابُ الذِّبَائِحِ والصَّيْدِ
13
وقوله: (عن عمرو قلت لجابر بن زيد) إلى آخره: يريد بذلك ما هو
مخرج في كتاب ((السنن)) لأبي داود(١).
فصل :
الزبيدي: اسمه محمد بن الوليد الشامي، وقد روى عن الزهري من
بني الماجشون عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وابن عمه يوسف بن
يعقوب بن أبي سلمة دينار، وقيل: ميمون، والماجشون بالفارسية المورد
وقيل: كان أبوهم من أهل أصبهان، نزل المدينة وكان يلقى الناس
فيقول: شونى شونى، فلقب الماجشون، وهو مولى الهدير جد
محمد بن المنكدر بن الهدير التيمي، مات عبد العزيز ببغداد، وصلى
عليه المهدي سنة أربع وستين ومائة ودفن في مقابر قريش قاله
الواقدي، وقال غيره: مات سنة ست وستين.
وروى البخاري عن هارون بن محمد عن عبد الملك بن عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة قال: هلك جدي عبد الله سنة ست ومائة(٢).
وكان عبد الملك فقيهًا من أصحاب مالك بن أنس وكان أستاذ
أحمد بن المعدل، وهذا اللقب إنما حمله يعقوب بن أبي سلمة أخو
عبد الله فجرئ على بنيه وعلى أخيه.
فصل :
جابر بن زيد هو: أبو الشعثاء الأزدي الإمام صاحب ابن عباس،
قال ابن عباس: لو نزل أهل البصرة عند قوله: لأوسعهم علمًا من
كتاب الله(٣)، مات سنة ثلاث وتسعين.
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٨٠٨).
(٢) ((التاريخ الأوسط)) ٢٥٩/١، المطبوع باسم ((التاريخ الصغير)).
(٣) قول ابن عباس أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢٠٤/٢.

٥٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قوله في حديث مالك: (نهى رسول الله وَّخلال عام خيبر عن المتعة
ولحوم الحمر الإنسية).
قال بعض العلماء: لم يروِ هذا الحديث هكذا غير مالك وإنما قالوا
في روايتهم نهى عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر يوم خيبر؛ لأن
تحريم المتعة إنما كان يوم الفتح عام ثمان وخيبر قبل ذلك عام ست
أو سبع ولا يبعد أن يكون أعلمهم يوم الفتح بما كان قدمه من
التحريم؛ لأنهم كانوا كفارًا فلما فتح مكة وأسلم أهلها أعلمهم
بتحريم ذلك؛ لأنه كان عندهم حلالًا في الجاهلية، وانفصل الداودي
بأن قال: نهى عن لحوم الحمر يوم خيبر وعن متعة النساء. يريد في
يوم آخر، ولا يصح هذا التأويل في رواية مالك السالفة، فقدم المتعة.
فصل :
فقهاء الأمصار مجمعون على تحريم الحمر، وروي خلافه عن ابن
عباس فأباح أكلها، وروي مثله عن عائشة والشعبي وقد روي عنهم
خلافه. قال الطحاوي: وقد افترق الذين أباحوا أكلها على مذاهب
في معنى نهيه العليا عن أكلها. فقال قوم: إبقاء على الظهر لا التحريم،
ورووا في ذلك حديث يحيى بن سعيد عن الأعمش قال: عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال ابن عباس: ما نهى رسول الله
وَلّر عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر إلا من أجل أنها ظهر.
وابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى
رسول الله ◌َّر عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر، وكانوا قد احتاجوا
إليها. فكان من الحجة عليهم أن جابرًا قد أخبر أنه الكلية أطعمهم

٥٠٩
= كِتَابُ النَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ
يومئذ لحوم الخيل، ونهاهم عن لحوم الحمر فهم كانوا إلى الخيل أحوج
منه إلى الحمر، فدل تركه منعهم أكل لحوم الخيل، أنهم كانوا في بقية
من الظهر، ولو كانوا في (قلة)(١) منه حتى احتيج لذلك أن يمنعوا من
أكل لحوم الحمر لكانوا إلى المنع من أكل لحوم الخيل أحوج؛ لأنهم
يحملون على الخيل كما يحملون على الحمر ويركبون الخيل بعد
ذلك (لمعان)(٢) لا يركبون لها الحمر، فدل أن العلة التي ذكروها
ليست علة المنع، وقال آخرون: إنما منعوا منها؛ لأنها كانت تأكل
العذرة وورد في ذلك حديث شعبة عن الشيباني.
قال: ذكرت لسعيد بن جبير حديث ابن أبي أوفى في أمره التعليقات
بإكفاء القدور يوم خيبر فقال: إنما نهى عنها؛ لأنها كانت تأكل
العذرة. فكان من الحجة عليهم في ذلك أنه لو لم يكن جاء ذلك
إلا الأمر بإكفاء القدور لاحتمل ما قالوا ولكن قد جاء هذا وجاء
النهي في ذلك مطلقًا، فروى شبابة بن سوار عن أبي زبد عبد الله (بن
العلاء)(٣) عن مسلم بن مشكم عن أبي ثعلبة، قلت: يا رسول الله،
حدثني ما يحل لي مما يحرم علي، فقال لي: ((لا تأكل الحمار
الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع))، فكان كلامه جوابًا للسؤال عما
يحل له مما يحرم عليه، فدل أن النهي لا لعلة تكون في بعضها دون
بعض من أكل العذرة وشبهها .
وقال قوم: إنما نهى عنها؛ لأنها كانت نهبة واحتجوا بما روى
يحيى بن أبي كثير النحاز الحنفي، عن سنان بن سلمة، عن أبيه أنه
(١) في الأصول: (كلفة) والمثبت من ((شرح معاني الآثار)) ٢٠٦/٤.
(٢) في الأصول: (لقال) والمثبت من ((شرح معاني الآثار)) ٢٠٧/٤.
(٣) في الأصول: (العلام) والمثبت من ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ٢٠٧.

٥١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الكلي مر يوم خيبر بقدور فيها لحم حمر الناس فأمر بها فأكفئت، فكان من
الحجة عليهم في ذلك أن قوله: (حمر الناس) يحتمل أن يكونوا نهبوها
منهم، وأن يكون نسبت إليهم؛ لكونهم يركبونها، فيكون وقع النهي
عنها؛ لأنها أهلية لا لغير ذلك.
وقد بين أنس في حديث أنه التَّئلا قال لهم: ((اكفئوها لأنها رجس)). فدل
أن النهي وقع عنها؛ لأنها رجس لا لأنها نهبة، وروى سلمة بن الأكوع أنه
الَّقال: قال لهم: ((اكفئوا القدور واكسروها)). قالوا: يا رسول الله،
أو نغسلها؟ قال: ((أو ذاك)) فدل ذلك على أن النهي كان للنجاسة
لا لأنها نهبة؛ ألا ترى لو أن رجلا غصب شاة فذبحها وطبخ لحمها أن
قدره التي طبخ فيها لا تنجس، وأن حكمها حكم ما طبخ فيه لحم غير
مغصوب، فدل أمره بغسلها على نجاسة ما طبخ بها، وعلى الأمر
بطرح ما كان فيها لنجاسته، وكذلك من غصب شاة فذبحها وطبخها أنه
لا يؤمر بطرح لحمها في قول أحد، فلما انتفى أن يكون نهيه عن أكلها
لمعنى من هذِه المعاني التي أدعاها الذين أباحوا لحمها ثبت أن نهيه
كان عنها في أنفسها، فإن قلت: قد رويتم عن ابن عباس احتجاجه
بقوله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] قلت:
النص أولى بالرجوع إليه وما قاله العليّ هو مستثنى من الآية، وعلى هذا
ينبغي أن يحمل ما جاء عنه مجيئًا متواترًا في الشيء المقصود إليه بعينه
مما قد أنزل الله في كتابه آية مطلقة على ذلك الجنس، فيكون ما جاء
عنه مستثنى من تلك الآية غير مخالف لها؛ حتى لا يضاد القرآن السنة
ولا السنة القرآن (١). قد قال غيره: وأما حديث أبي ثعلبة فلا يصح فيه
لحوم الحمر إنما يصح فيه ما رواه مالك عن الزهري، أنه القائل: نهى
(١) انتهى كلام الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٠٦/٤-٢١٠.

٥١١
= كِتَابُ النَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ
عن أكل كل ذي ناب من السباع(١) ومن ذكر فيه بهذا الإسناد الحمر فقد
وهم؛ لأن مالكًا ومعمرًا وابن الماجشون ويونس بن يزيد أثبت في ابن
شهاب من صالح بن كيسان والزبيدي وعقيل.
فصل :
اختلف مالك وابن القاسم في الحمر الوحشية إذا تأنست هل تؤكل؟
فقال مالك: لا. من أجل احتمال لفظ الخبر؛ لأنه حمر إنسية، وأجازه
ابن القاسم؛ حملًا على أصلها وهو التوحش(٢).
فصل :
ذكر في هذه الأحاديث المتعة، وقد أوضحناها فيما مضى،
والعلماء على تحريمها إلا ما يحكى شذوذًا عن ابن عباس من إباحتها .
وبه قال ابن جريج والرافضة، وعنه إباحتها للمضطر حتى يستغني
عنها، وثبت رجوعه عنها من طرق صحاح، كما قاله القاضي في
((شرح الرسالة))، وذلك أنه لما بلغه قول الشاعر:
يا صاح، هل لك في فتيا ابن عباس.
قام على زمزم وقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا ابن
عباس: ألا إنها حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير(٣).
واختلف هل يحد فيه: والمشهور: لا . وعليه فقهاء الأمصار.
(١) ((الموطأ)) ص ٣٠٧.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٧٣/٤.
(٣) رواه الطبراني ٢٥٩/١٠ (١٠٦٠١) من طريق الحجاج بن أرطاة، والبيهقي
٧/ ٢٠٥ من طريق الحسن بن عمارة كلاهما عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس. ورواه البيهقي أيضًا ٧/ ٢٠٥ من طريق ابن شهاب، عن
عبد الله، عن ابن عباس. وانظر ((إرواء الغليل)) ٣١٨/٦-٣١٩.

٥١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٩- باب أَثْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ.
٥٥٣٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ
الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّه نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.
تَابَعَهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالماجِشُونُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: ٥٧٨٠، ٥٧٨١ -مسلم:
١٩٣٢ - فتح ٩ / ٦٥٧]
ذكر فيه حديث مالك: عَنِ الزهري، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.
تَابَعَهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْمَاجِشُونُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وانفرد بإخراجه مسلم أيضًا من
حديث أبي هريرة بلفظ: ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام)) (١) ومن
حديث ابن عباس: نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي
مخلب من الطير (٢).
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فذهب الكوفيون
والشافعي إلى أن النهي فيه على التحريم، ولا يؤكل ذو الناب من
السباع، ولا ذو المخلب من الطير (٣)، ولا تعمل الذكاة عند الشافعي
في جلود السباع شيئًا، ولا يجوز الانتفاع بها إلا أن تدبغ (٤).
وذكر ابن القصار أن الذكاة عاملة في جلودها عند مالك وأبي
حنيفة، فإن ذكي سبع فجلده يجوز أن يتوضأ منه ويجوز بيعه وإن لم
(١) مسلم (١٩٣٣) كتاب الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع
وكل ذي مخلب من الطير.
(٢) مسلم (١٩٣٤).
(٣) أنظر: ((بدائع الصنائع) ٣٩/٥، ((روضة الطالبين)) ٢٧١/٣.
(٤) أنظر (الأم)) ١/ ٨.

٥١٣
= ڪِتَابُ النَّبَائِحِ والصَّيْدِ
يدبغ، والكلب منها، إلا الخنزير خاصة(١).
والشافعي يحلل من السباع الضبع والثعلب خاصة؛ لأن نابهما
ضعيف (٢)، وقال ابن القصار إن محمل النهي في هذا الحديث على
الكراهة عند مالك. قال: والدليل على أن السباع ليست بمحرمة
كالخنزير أختلاف الصحابة فيها. وقد كان ابن عباس وعائشة إذا
سئلا عن أكلها احتجا بقوله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَ﴾ الآية(٣)
[الأنعام: ١٤٥].
ولا يجوز أن يذهب التحريم على مثل ابن عباس وعائشة مع
مكانهما من رسول الله صل﴾ ويستدركه غيرهما، ولا يجوز نسخ القرآن
بالسنة إلا بتاريخ متفق عليه، فوجب مع هذا الخلاف ألا يحرمها
كالميتة ويكرهها؛ لأنه لو ثبت تحريمها لوجب نقله من حيث يقطع
العذر.
وقد روي عن رسول الله ولو أنه أجاز أكل الضبع -قلت: أخرجه
الحاكم من حديث جابر، وقال: صحيح الإسناد (٤)- وهو ذو ناب،
فدل بهذا أنه الثَّلا أراد بتحريم كل ذي ناب من السباع الكراهية،
وقال الكوفيون والشافعي: ليس في الآية لمن خالفنا؛ لأن سورة
(١) أنظر: ((عيون المجالس)) ١٨١/١-١٨٢ (٤٤).
(٢) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٢٧٢/٣.
(٣) سلف في الباب السابق برقم (٥٥٢٩).
(٤) ((المستدرك)) ١/ ٤٥٢، ورواه أيضًا أبو داود (٣٨٠١)، والترمذي (٨٥١)، والنسائي
١٩١/٥، وابن ماجه (٣٠٨٥) وأحمد ٣/ ٢٩٧. كلهم من طريق عبد الله بن عبيد بن
عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر. وقال الترمذي: هذا حديث حسن
صحيح. وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وصححه الألباني في ((الإرواء))
(١٠٥٠). وانظر تمام تخريجه في ((البدر المنير)) للمصنف ٣٥٩/٦.

٥١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الأنعام مكية، وقد نزل بعدها، وأن فيه أشياء محرمات، ونزلت سورة
المائدة بالمدينة وهو من آخر ما نزل وفيها تحريم الخمر والمنخنقة
إلى آخره.
وحرم رسول الله وقليل من البيوع أشياء كثيرة، ونهيه عن ذلك كان
بالمدينة؛ لأنه رواه عنه متأخرو أصحابه، أبو هريرة، وأبو ثعلبة،
وابن عباس، وقد حرم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، ولم يقل
أحد من العلماء أن قوله: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
يعارض ذلك بل جعلوا نهيه عن ذلك زيادة على ما في الكتاب.
ثم اختلفوا في النهي عن أكل (كل)(١) ذي ناب من السباع جميعها،
أو بعضها: فقال الشافعي: إنما أراد به ما كان يعدو على الناس ويفترس
مثل الأسد والذئب والنمر والكلب العادي وشبهه مما في طبعه في
الأغلب أن يعدو وما لم يكن يعدو، فلم يدخل في النهي، فلا بأس
بأكله. واحتج بحديث الضبع في إباحة أكلها وأنها سبع(٢)، ولابن
حبيب شيء نحو هذا، قال في جلود السباع العادية: إن ذكيت فلا تباع
ولا يصلى عليها ولا تلبس، وينتفع بها في غير ذلك، وأما السبع الذي
لا يعدو فإذا ذكي جاز بيعه ولباسه والصلاة عليه(٣).
وعند الكوفيين النهي في ذلك على العموم، فلا يحل عندهم أكل
شيء من سباع الوحش كلها ولا الهر الوحشي ولا الأهلي- لأنه
سبع - ولا الضبع، ولا الثعلب؛ لعموم نهيه عن أكل (كل) (٤) ذي ناب
(١) من (غ).
(٢) ((الأم)) ٢٢٠/٢-٢٢٣.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٣٦/٣.
(٤) من (غ).

٥١٥
كِتَابُ الذِّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
من السباع(١). قالوا: فما وقع عليه أسم سبع فهو داخل تحت النهي.
قالوا: وليس حديث الضبع يعارض به حديث النهي؛ لأنه أنفرد به
عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر، وليس بمشهور بنقل العلم ولا هو
حجة .
إذا تقرر ذلك فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه، وقد قال سعيد بن
المسيب: إن الضبع لا يصلح أكلها(٢)، وهو قول الليث(٣). وقال ابن
شهاب: الثعلب سبع لا يأكل (٤) .
ومالك يكره أكل كل ما يعدو من السباع، وما لا يعدو من غير
تحريم(٥)، وممن أجاز من السلف أكل الضبع والثعلب، روي عن
عمر أنه كان لا يرى بأسًا بأكل الضبع ويجعلها صيدًا، وعن علي
وسعد بن أبي وقاص وجابر، وأبي هريرة مثله. وقال عكرمة: لقد
رأيتها على مائدة ابن عباس. وبه قال عطاء(٦) ومالك والشافعي
وأحمد وإسحاق(٧).
وأجاز الثعلبَ طاوسُ وقتادةُ، واحتجا بأنه يؤذي وقالا: كل شيء
يؤذي فهو صيد(٨) .
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٩٢/٣-١٩٣، ((المحيط البرهاني)) ٤١٥/٨.
(٢) رواه عبد الرزاق ١٥١٤/٤ (٨٦٨٨).
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٩٣/٣.
(٤) رواه عبد الرزاق ٥٢٨/٤ (٨٧٤١).
(٥) أنظر: ((عيون المجالس)) ٩٧٩/٢.
(٦) روىْ هذِه الآثار عبد الرزاق في ((المصنف)) ٥١٢/٤-٥١٣ (٨٦٨١-٨٦٨٥)،
٥٢٩/٤ (٨٧٤٤)، وابن أبي شيبة ١١٧/٥ (٢٤٢٨٠-٢٤٢٨٣).
(٧) انظر: ((المجموع)) ١١/٥، ((المغني)) ٣٤١/١٣-٣٤٢.
(٨) رواه عبد الرزاق ٤/ ٥٢٩ (٨٧٤٢، ٨٧٤٣).

٥١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأما الضب فقد ثبت عن الشارع جواز أكله كما سيأتي(١).
وقال أبو يوسف: لا بأس بأكل الوبر، وهو عندي مثل الأرنب؛ لأنه
يعتلف البقول والنبات(٢)، وأجاز أكله طاوس(٣) وعطاء(٤)، وأجاز عروة
وعطاء اليربوع(٥)، وكره الحسن أكل الفيل؛ لأنه ذو ناب(٦)، وأجاز أكله
أشھب(٧) .
واختلفوا في سباع الطير، فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: ولم
أسمع أحدًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا بأرضنا ينهى عن أكل كل ذي
مخلب من الطير (٨).
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يؤكل(٩).
وروي في ذلك حديث شعبة، عن الحكم، عن ميمون بن مهران،
عن ابن عباس، عن النبي وير أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من
السباع ومخلب من الطير (١٠).
(١) سيأتي برقم (٥٥٣٦) من حديث ابن عمر، ورقم (٥٥٣٧) من حديث خالد بن
الوليد.
(٢) انظر: ((الجوهرة النيرة)) ١٨٥/٢.
(٣) أنظر: ((التمهيد)) ١٥٧/١، ((المغني)) ٣٢٦/١٣.
(٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٥٠٤ -٥٠٦ (٨٢٣٧).
(٥) رواه عبد الرزاق ٤/ ٥١٤ (٨٦٨٩)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٠ (١٩٨٧٧- ١٩٨٨٠).
(٦) رواه عبد الرزاق ٤/ ٥٣٥ (٨٧٧٠).
(٧) انظر: ((التمهيد)) ١٥٤/١.
(٨) المصدر السابق.
(٩) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٩٢/٣، ((البيان)) ٥٠٦/٤.
(١٠) رواه مسلم (١٩٣٤) كتاب الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من
السباع .. ، من طريق معاذ العنبري، وسهل بن حماد، عن شعبة به.

٥١٧
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
ودفع أصحاب مالك هذا الحديث وقالوا: لا يثبت.
وقد أوقفه جماعة على ابن عباس(١)، ولم يسمعه منه ميمون وإنما
رواه عن سعيد بن جبير عنه(٢). وقد روي عن ابن عباس خلافه، وما يدل
على أنه ليس عن النبي ◌َّ وإنما هو قول لابن عباس ثم رجع عنه.
وقد روى عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال:
كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله
تعالى نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه وما سكت عنه فهو
عفو وتلا: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية(٣) [الأنعام: ١٤٥]
فإن صح حديث النهي فيجوز أن يكون نهى عنها؛ لأن النفس تعافها؛
لأكلها الأنجاس في الأغلب.
قلت: الحديث أخرجه مسلم كما أسلفناه، وهو من رواية ميمون بن
مهران عنه، وإن كان أبو داود ذكر في ((سننه)) والبزار في ((مسنده)) أنه لم
يسمع من ابن عباس، فقد قال الخطيب: الصحيح: ميمون عن ابن
عباس ليس بينهما أحد.
فرع :
قال ابن حبيب المالكي: لم يختلف المدنيون في تحريم السباع
(١) رواه أحمد ٣٣٩/١، قال المزي في ((التحفة)) ٢٥٣/٥: ورواه سفيان الثوري عن
حجاج بن أرطاة وجعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن ابن عباس، قال
أحدهما: نهى رسول الله وَالر، وقال الآخر: نهى.
(٢) رواه أبو داود (٣٨٠٥)، والنسائي ٢٠٦/٧، وابن ماجه (٣٢٣٤)، والإمام أحمد
٣٣٩/١ كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن علي بن الحكم، عن ميمون بن
مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا.
(٣) رواه أبو داود (٣٨٠٠) من طريق محمد بن شريك، عن عمرو، به.

٥١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
العادية الأسد والنمر والذئب والكلب، فأما غير العادية كالدب والثعلب
والضبع والهر الوحشي والإنسي فمكروهة، قاله مالك وابن الماجشون(١)،
وجعل في كتاب محمد مكروهًا بخلاف السبع، وعند ابن الجلاب أن
الضبع كالأسد سواء(٢)، وانفصل عن الآية بوجوه:
منها: أنها إخبار عن الماضي ولا يقضي ذلك على المستقبل وهذا
سلف.
ومنها : أنه وجد تحريم ذبائح المجوس والحمر، وذلك غير مسمى
في الآية.
ومما أحتج به من حرم بحديث ((الموطأ)) عن إسماعيل بن أبي
حكيم، عن عَبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة أنه التَّه قال: ((أكل
كل ذي ناب من السباع حرام))(٣) وأجاب عنه ابن الجهم وغيره بأن
عبيدة هذا غير معلوم الحفظ وقد رواه الزهري فلم يذكر هذِه
اللفظة(٤). وقال غيره: بل هو مفسر بحديث أبي ثعلبة؛ لأنه مقيد،
وحديث أبي ثعلبة يحتمل الكراهة والتحريم والمقيد يقضي على
المجمل، قال ابن حبيب: لا يحل أكل القرد،
وقيل : مكروه(٥). وقال ابن شعبان: أجاز بعض أصحابنا ثمنه وأكل
لحمه إذا كان يرعى الكلا.
وسئل عنه مجاهد فقال: ليس من بهيمة الأنعام(٦).
(١) أنظر ((النوادر والزيادات)) ٣٧٢/٤.
(٢) ((التفريع)) ٤٠٦/١.
(٣) ((الموطأ)) ص ٣٠٧.
(٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٧٢/٤.
(٥) أنظر: ((المنتقى)) ١٣٢/٣.
(٦) رواه عبد الرزاق ٥٢٩/٤ (٨٧٤٥) وابن أبي شيبة ١٤٣/٥ (٢٤٥٤٨).

٥١٩
- كِتَابُ النَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ
وكره مالك أكل الثعلب(١) وأجازه ابن الجلاب(٢)، وقال القاضي
في ((مبسوطه)) أحسب أن مالكًا حمل النهي عن أكل كل ذي ناب من
السباع على النهي عن أكلها خاصة، عملًا بحديث عبيدة السالف،
فذهب مالك إلى أن النهي مختص بالأكل وأن التذكية تطهير لغير
الأكل فقال: لا بأس بجلود السباع المذكاة يصلى عليها(٣).
(١) أنظر: ((المدونة)) ٣٣٥/١.
(٢) «التفريع)) ٤٠٦/١.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٣١/٣.

٥٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٠- باب جُلُودِ المَيْتَةِ
٥٥٣١- حَدَّثَنَا زُهَیْرُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا یَعْقُوبُ بنُ إِنْرَاهِیمَ، حَدَّثَنَا أَبي، عَنْ صَالِحِ
قَالَ: حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي
الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: ((هَلَّا أَسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟)).
قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). [انظر: ١٤٩٢ - مسلم: ٣٦٣ - فتح ٩ / ٦٥٨]
٥٥٣٢- حَدَّثَنَا خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ
قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: مَرَّ
النَّبِيُّ ◌َّةِ بِعَنْزِ مَيْتَةٍ فَقَالَ: ((مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوِ أَنْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا)). [انظر: ١٤٩٢ -
مسلم: ٣٦٣ - فتح ٦٥٨/٩]
ذكر فيه حديث صالح، عن الزهري، عن عُبَيْد اللهِ بْن عَبْدِ اللهِ عن ابن
عَبَّاسِ أَنَّهِ وَّهِ مَرَّ بِشَاةٍ مَيَِّةٍ فَقَالَ: ((هَلََّّ أَسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟)). قَالُوا: إِنَّهَا
مَيَِّّةٌ. قَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)).
ثم أخرجه عن (خطاب بن عثمان) وهو الفوزي الحمصي، وروى
النسائي عن رجل عنه(١).
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ) أي: بالحاء المهملة، وهو السليحي، من
قضاعة الحمصي، أنفرد به البخاري (عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ) وهو أنصاري
حمصي، انفرد به أيضًا (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَرَّ النَّبِيُّ وَهَ بِعَنْزِ مَيْتَةٍ فَقَالَ: ((مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوِ
أَنْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا)) ).
الشرح :
هذان الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (٢) وفي أفراده: ((إذا دبغ
(١) النسائي ١٧٨/٧.
(٢) مسلم (٣٦٣) كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ.