Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ كِتَابُ النَّفَقَاتِ = وعبارة ابن حزم: وقالت طائفة: يطلقها عليه الحاكم. ثم اختلفوا، فقال مالك: يؤجل في عدم النفقة شهرًا أو نحوه، فإن أنقضى وهي حائض أُخّر حَتَّى تطهر، وفي الصداق عامين، ثم يطلقها عليه الحاكم طلقة رجعية، فإن أيسر في العدة فله ارتجاعها(١). وفي (الإشراف))، عن حماد بن أبي سليمان: يؤجل سنة. وعن عمر بن عبد العزيز: شهرًا أو شهرين. وقال الشافعي: لا يؤجل أكثر من ثلاث(٢). وقالت طائفة: لا يؤجل إلا يومًا واحدًا، ثم يطلقها الحاكم عليه، وممن روينا نحو هذا عنه: سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن سعيد، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، قال: وأما الرواية عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز في تأجيل شهر أو شهرين فساقطة جدًّا؛ لأنها من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الجبار بن عمر، وكلاهما لا شيء (٣). واحتج الشافعيون على أصحاب مالك بقولهم: إذا كلفتموها صبر شهر؛ ولا سبيل إلى صبر شهر بلا أكل، فأي فرق بين ذَلِكَ وبين تكليفها الصبر أبدًا؟ قال ابن حزم: يقال له: إذا طلقتموها عليه وكلفتموها العدة - وربما كانت أشهرًا- فقد كلفتموها الصبر بلا نفقة مُدة لا حياة معها بلا أكل. وقالوا للحنفي: قد اتفقنا على التفريق بين من (عُنّ) (٤) عن امرأته وبينها بضرر فقد الجماع، فضرر فقد النفقة أشد. أجاب الحنفيون بأنّا أتفقنا (١) ((المحلى)) ٩٤/١٠. (٢) ((الإشراف)) ١٢٥/١. (٣) أنظر: ((المحلى)) ٩٤/١٠-٩٦ بتصرف. (٤) في الأصول: عسر، والمثبت هو الموافق للسياق. ٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - نحن وأنتم على أنه إذا وطئها مرة فأكثر ثم أعسر بنفقتها، فيلزمكم ألا تفرقوا بينهما . وقالت طائفة كقولنا، كما روينا من طريق مسلم، عن جابر رضي الله عنه قال: دخل عمر على رسول الله وَله، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها. فضحك رسول الله ◌َي﴿ وقال: ((هن حولي يسألنني النفقة)) فقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر رضي الله عنه إلى حفصة يجأ عنقها، وكلاهما يقول: ويحكنّ تسألن رسول الله وَلقر ما ليس عنده! فقلن: والله لا نسأله شيئًا أبدًا ما ليس عنده(١). قال ابن حزم: إنما أوردنا هذا لما فيه عن أبي بكر وعمر وابنتيهما، ومن المحال المتيقن أن يضربا طالبة حق بحضرة رسول الله وَله. وقال عطاء، وسئل عمن لم يجد ما يصلح امرأته من النفقة: ليس لها إلا ما وجدت، وليس لها أن يطلقها . وقال الحسن: تواسيه، وتتقي الله، وتصبر، وينفق عليها ما استطاع. وسئل ابن شهاب عن رجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما؟ قال: تستأنى، ولا يفرق بينهما، وتلا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنُهَاَ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]. قال معمر: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز مثل قول الزهري سواء، ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان بن سعيد، في المرأة يعسر زوجها بنفقتها، قال: هي امرأته(٢) ابتليت فلتصبر، ولا نأخذ بقول من فرق (١) مسلم (١٤٧٨) كتاب الطلاق باب، بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية. (٢) ورد في هامش الأصل: كذا أحفظه: أمرأة. ٢٣ = كِتَابُ النَّفَقَاتِ بينهما(١)، وهو قول ابن شبرمة، وأبي حنيفة، قال: تتعلق النفقة بذمته إذا حكم بينهما حاكم، وأبي سليمان وأصحابهم. بيان صحة قولنا قول الله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَنِةٍ ﴾ الآية [الطلاق: ٧] وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) [البقرة: ٢٨٦]. فمن قَدَر على بعض النفقة والكسوة، سواءُ قَلّ ما يقدر عليه أو كَثُر، فالواجب أن يقضى عليه بما قدر، وأُسْقط عنه ما لا يقدر، فإن لم يقدر على شيء من ذَلِكَ سقط عنه، ولم يجب أن يقضى عليه بشيء، فإن أيسر بعد ذَلِكَ قضي عليه من حين يوسر، ولا يقضي عليه بشيء مما أنفقته على نفسها مدة عسره، وهذا بخلاف ما وجب لها من نفقة أو كسوة يمنعها إياها وهو قادر عليهما، فهذا يؤخذ به أبدًا، أعسر بعد ذَلِكَ أو لم يعسر؛ لأنه قد كلفه الله إياه وهو واجب عليه فلا يسقط عنه إعساره، لكن الإعسار يوجب أن ينظره إلى الميسرة فقط، ولو أن الزوج يمنعها النفقة والكسوة أو الصداق ظلمًا، أو لأنه فقير لا يقدر، لم يجز لها منع نفسها منه من أجل ذَلِكَ، فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية كلفت النفقة عليه، ولا يرجع عليه بشيء من ذَلِكَ إن أيسر، إلا أن يكون عبدًا، فنفقته على سيده؛ لأن الزوجة وارثة، فعليها نفقته بنص القرآن. وقال عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة: إذا لم يقدر الزوج على النفقة يسجن، ولا يطلق، ولا آمره بطلاقها، إذا عجز يحبس (٣) أبدًا(٣). (١) ((المصنف)) ٩٥/٧-٩٦ (١٢٣٥٥)، (١٢٣٥٦). (٢) ((المحلى)) ١٠ / ٩٤، ٩٥، ٩٦، ٩٧. (٣) أنظر: ((المحلى)) ٩١/١٠، ٩٢. ٢٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : قال ابن حزم: ولا يلزمه لها حلي ولا طيب، فإن منعها النفقة والكسوة وهو قادر عليهما، سواء أكان حاضرًا أو غائبًا، هو دين في ذمته، يؤخذ منه أبدًا، ويقضى لها به في حياته، وبعد موته من رأس ماله، يضرب به مع الغرماء، وليس عليه أن ينفق على خادمها، ولو أنه ابن الخليفة وهي بنت الخليفة، إنما عليه أن يقوم لها بمن يأتيها بالطعام والماء غدوة وعشية، وبمن يكفيها جميع العمل من الكنس والفرش، وإنما تجب لها النفقة مياومة، فإن أخرها أدب، وإن عجلها ثم طلقها بائنًا وعندها فطر يوم أو غداء أو عشاء قضي عليها برده إليه، وإن ماتت كان مأخوذًا من رأس مالها(١). فصل : من حجج من قال: لا تفريق، الآية السالفة ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فوجب أن يُنْظر إلى أن يوسر. وبقوله: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] إلى قوله ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سببًا للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح، واحتج عليهم من قال بالتفريق بحديث الباب، وهو نص قاطع في موضع الخلاف، وهو قولها: (إما أن تطعمني، وإما أن تطلقني). وقالوا أيضًا: المراد بالآية الثانية الفقير التي حالته منحطة عن حالة الغني، لا الفقير الذي لا شيء معه أصلًا، بدليل أنه ندبه إلى النكاح، وأجمعوا أنه من لا يقدر على نفقة الزوجة غير مندوب إلى النكاح، وأما الآية الأولى (١) ((المحلى)) ٩٠/١٠، ٩١. ٢٥ كِتَابُ النَّفَقَاتِ = فإنما وردت في المداينات التى تتعلق بالذمم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسِكُوُهُنَ ضِرَارًا لِّيَعْنَدُواْ﴾ [البقرة: ٢٣١] وإذا لم ينفق عليها فهو مضر بها، فوجب عليه الفراق إن طلبته. قال الكوفيون: لو كان ذَلِكَ هنا واجبًا لم يجب الإمساك وإن رضيته. فيقال لهم: قامت دلالة الإجماع على جواز إمساكهن إذا رضين بذلك، وأما الإعسار فلو أعسر بنفقة خادم أو حيوان له فإن ذَلِكَ يزيل ملكه عنه ويباع عليه، فكذلك الزوجة، وأيضًا فالعنين يجبر على طلاق زوجته إذا لم يطأ، والوطء لمدة يمكن الصبر على فقدها، ويقوم بدنها بعدمها، بخلاف القوت كما سلف، فكانت الفرقة عند عدم النفقة. فصل : اختلفوا - كما قال ابن المنذر- في السائل يتزوج وهي تعلم أن مثله لا يجزئ النفقة، فقال مالك: لا أرى لها قولًا بعد ذَلِكَ وقال الشافعي: يفرق بينهما إذا سألت ذَلِكَ - فإن فرق الإمام بينهما تكون تطليقة، وهو أحق بها إن أيسر ما دامت في العدة. قال الشافعي: تكون فرقة بلا طلاق، ولا يملك رجعتها. قال ابن المنذر: تكون أنقطاعًا للعصمة من غير طلاق، وتكون فيه الرجعة (١). فروع : قال مالك والشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد: تباع العروض في نفقة الزوجة. قال أبو حنيفة: النفقة في ماله في الدنانير والدراهم، ولا يباع من عروضه شيء إلا برضاه. (١) ((الإشراف)) ١٢٥/١. ٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وعن الشعبي أنه فرض لامرأة (في قوتها)(١) خمسة عشر صاعًا بالحجازي، ودرهمين لدهنها وحاجتها في كل شهر (٢). وقال أصحاب الرأي: يفرض لامرأة المعسر في كل شهر بكذا. قال أبو بكر: لو جاز أن يفرض لشهر تقبضه في أول الشهر لجاز أن يفرض لسنة وتقبضه في أول السنة. والصحيح من ذَلِكَ ما ذهب إليه الشافعي أن ينفق عليها يومًا بيوم، فإن مرضت مرضًا شديدًا لا يقدر معه على إتيانها كانت عليه نفقتها -هذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي- فإذا قالت أمرأة الرجل: هو موسر، (فأفرضوا)(٣) على قدر ذَلِكَ. فقال هو: أنا معسر. فالقول قوله مع يمينه، فإذا قامت البينة على ما يدعي أخذ بما قال، هذا قول الحنفيين والشافعي وأبي ثور. فإذا كان الرجل على المرأة دين فقال: (احسبوا من مالي عليها)(٤). وجب ذَلِكَ، وقاضها به في قول أصحاب الرأي، وقال أبو ثور فيها قولان: الأول: ما أسلفناه، والثاني: يترك إلى أن يوسر. وإذا كان على الزوج صداق ونفقة فدفع شيئًا، فاختلفا فيما دفع، فقال الزوج: من المهر. وقالت: من النفقة. فالقول قول الزوج مع يمينه، في قول الشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور، فإن اختلفا في النفقة، فقال الزوج: دفعتها إليها. وأنكرت، قال الشافعي وأبو ثور: القول قولها مع یمینها . (١) في الأصول: من قومها، والمثبت من ((الإشراف)). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١٨٥/٤ (١٩١٠٣) .. (٣) في الأصول: أوصوا، والمثبت من ((الإشراف)). (٤) كذا بالأصل وفي ((الإشراف)) ١٢٦/١: (احبسوا نفقتها مما لي عليها). ٢٧ = كِتَابُ النَّفَقَاتِ وقال أصحاب الرأي: إذا قال الزوج: قضى عليَّ القاضي منذ شهر وإنما لك نفقة شهر. فقالت: قضى لي بنفقة ثلاثة أشهر. فالقول في ذَلِكَ قوله مع يمينه، وعليها البينة. وقال مالك: القول قوله إذا كان مقيمًا، فإن كان غائبًا فالقول قولها من يوم رفعت أمرها إلى السلطان، فإن بعث لها الزوج بقوت فقال: هو من الكسوة. وقالت: بل هو هبة. فالقول قوله مع يمينه، في قول الشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور (١)، وكان أبو حنيفة والشافعي يوجبان على الذمي نفقة زوجته الذمية إذا أسلمت وهي حامل، حَتَّى تضع وأجر الرضاع (٢) . (١) ((الإشراف)) ١٢٥/١-١٢٨. (٢) ((الإشراف)) ١٣١/١. ٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣- باب حَبْسِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَيْفَ نَفَقَاتُ العِيَالِ؟ ٥٣٥٧- حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابن غُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أَوْ بَغْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُزْنٍِ، ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثَا حَدَّثَنَاهُ ابن شِهَابِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيِ، وَيَخْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ. [انظر: ٢٩٠٤ - مسلم: ١٧٥٧ - فتح: ٩ / ٥٠١] ٥٣٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ذَكَرَ لي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسِ فَسَأَلَّتُهُ، فَقَالَّ مَالِكٌ: أَنْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَزْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَغدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ. قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَا قَلِيلًا، فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هذا. فَقَالَ الرَّهْطُ -عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَتَّتِدُوا، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرَضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَّ قَالَ: ((لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟)). يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ وَّ نَفْسَهُ، قَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإِّ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هذا الأَمْرِ، إِنَّ اللهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ بَِّ في هذا المالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ اللهُ: ﴿وَمَا أَقَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]. فَكَانَتْ هذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِوَّةِ، وَالله مَا أَحْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلَا أَسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الَمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ٢٩ كِتَابُ النَّفَقَاتِ = وَّ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هذا المَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ، فَيَجْعَلُهُ نَجْعَلَ مَالِ اللهِ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ وَلَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَغْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ. ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ بَِّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ يَّهَ. فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسِ - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ كَذَا وَكَذَا، والله يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارَّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ◌َّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ وَّ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانٍ وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْن أَخِيكَ، وَأَتَّى هذا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ آَمْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ يَّةِ، وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا، مُنْذُ وُلِّيْتُهَا، وَإِلَّ فَلَا تُكَلِّمَانٍ فِيهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ. فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى عَلَيَّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَ أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتَمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا. [انظر: ٢٩٠٤ - مسلم: ١٧٥٧ - فتح: ٩/ ٥٠٢] ذكر فيه حديث محمد - هو ابن سلام- عن وكيع، عن ابن عيينة قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أَوْ بَعْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرْنِي ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثًا ثَنَاهُ ابن شِهَابِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أنه العَيْ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ ٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ثم ذكر حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن مالك، عن عمر رضي الله عنه مطولًا . وفيه: ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، وقد سلف في الخمس والمغازي(١). وفيه: دليل - كما ترجم له- ادخار القوت للأهل والعيال، وأنه ليس بحكرة، وأن ما ضمه الإنسان من أرضه أو جَدَّهُ من نخله وثمره وحبسه لقوته، لا يسمى حكرة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء، كما قاله المهلب. قال الطبري: وفيه رد على الصوفية في قولهم: إنه ليس لأحد أدخار شيء في يومه لغده، وأن فاعل ذَلِكَ قد أساء الظن بربه، ولم يتوكل عليه حق توكله. ولا خفاء بفساد هذا القول؛ لثبوت الخبر عن الشارع أنه كان يدخر لأهله قوت السنة. وفيه أكبر الأسوة؛ لأمر الله تعالى عباده أتباع سنته، فهو الحجة على جميع خلقه، (٢) وقد سلف ذَلِكَ في الخمس واضحًا. فصل : قوله فيه: ( ((لا نورث ما تركناه صدقة)) ) أخطأ فيه الشيعة وطعنوا فيه، وقالوا: إنه مردود بقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية [النساء: ١١]، وهو من العجائب، وأعجب منه استدلالهم بمطالبة فاطمة وعليّ والعباس أبا بكر بالميراث. (١) برقم (٢٩٠٤، ٣٠٩٤). (٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٥٣٣/٧-٥٣٤. ٣١ كِتَابُ النَّفَقَاتِ = قال القاضي أبو بكر الباقلاني: الآية وإن كانت عامة فإنما توجب أن يورث عنه ما يملكه دون ما لا يملكه، فيقال لهم: دلوا على أنه كان يملك ذَلِكَ سلمناه، لكن ليست عندنا وعند منكر العموم؛ لاستغراق الجنس في المالكين وكل متوفى، فإنما بنى على أقل الجمع، وما فوقه محتمل يوجب التوقف فيه. وعند كثير من القائلين بالعموم خص منه الشارع كما بينه، وبه احتج الصديق، وكذا حديث ((ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة))(١) وغيره، فإن قيل: هذِه الأموال صدقة في المصالح، فقد ساغ لعليّ والعباس الأكل منها إن وقع، والصدقة محرمة عليهما. قلت: لا، فإنما حرم عليهم الفرض فقط، أو أكلوا بحق العمل، وقد سلف كل ذَلِكَ. وقوله: (تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا) إما أن يريد ما كانت بنو هاشم تطلب من خمس الخمس ويأبى الصديق إلا ما يكفيهم، أو غير ذَلِكَ، لا يريد من جهة الميراث. (١) سلف برقم (٢٧٧٦). ٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٤- باب قول الله تَعَالَى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرٌ﴾ وَقَالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وَقَالَ تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ: أُخْرَى﴾ الآية [الطلاق: ٦] وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: نَهَى اللهُ أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الوَالِدَةُ: لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ. وَهْيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ، فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيبٍ نَفْسِ الوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ، ﴿وَفِصَلَهُ﴾ [الأحقاف: ١٥]: فِطَامُهُ. الشرح : الآية الأولى لفظها خبر ومعناه الأمر؛ لما فيه من الإلزام. أي: لترضع الوالدات أولادهن، يعني: اللواتي بِنَّ من أزواجهن، وهن أحق، وليس ذَلِكَ بإيجابٍ إذا كان المولود له حيًّا موسرًا؛ بقوله في سورة النساء القصرىُ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَثَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأَتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُو أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] أي: إن تعاسرا في الأجرة فأخری ترضعه. وذكر الحولين؛ لأنه غاية الرضاع عند الشارع. ٣٣ كِتَابُ النّفَقَاتِ = وأكثر المفسرين على أن المراد بالوالدات هنا المبتوتات فقط. وقام الإجماع على أن أجر الرضاع على الزوج إذا خرجت المطلقة من العدة، قال مالك: الرضاع على المرأة إن طلقها طلاقًا رجعيًّا، ما لم تنقض العدة، فإن أنقضت فعلى الأب أجرة الرضاع، وكذلك إذا كان الطلاق بائنًا فعليه أجرة الرضاع، وإن لم تنقضِ العدة، والأم أولى بذلك، إلا أن يجد الأب بدون ما سألت، فذلك له إلا أن لا يقبل الولد غيرها، ويخاف على الولد الموت، فلها رضاعه بأجر مثلها، وتجبر على ذَلِكَ(١)، وهذا في غير اللِّبَأَ(٢)، أما اللِّبَأ وهو ما لا يعيش الولد إلا به غالبًا فتجبر عليه. واختلفوا في ذات الزوج، هل تجبر على رضاع ولدها؟ قال ابن أبي ليلى: نعم، ما كانت أمرأته. وهو قول مالك وأبي ثور، وقال الثوري: والكوفيون والشافعي: لا يلزمها رضاعه، وهو على الزوج على كل حال(٣) وقال ابن القاسم: وتجبر على رضاعه إلا أن يكون مثلها لا ترضع، فذلك على الزوج (٤). حجة من جعل الإرضاع على الأم الآية الأولى إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوَّلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ فأمر الوالدات الزوجات بإرضاع أولادهنّ، فأوجب لهنّ على الأزواج النفقة والكسوة، والزوجية قائمة، فلم يجمع لها النفقة والأجرة، فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكر من (١) ((المدونة)) ٢٩٥/٢. (٢) اللبأ: هو أول اللبن عند الولادة، قال أبو زيد: وأكثر ما يكون ثلاث حلبات وأقله حلبة. أنظر: ((تهذيب اللغة)) ٣٢٢٤/٤، (المصباح المنير)) ص (٥٤٨). (٣) أنظر: ((الإشراف)) ١٣١/١. (٤) انظر: ((المدونة)) ٢٩٥/٢. ٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = رزقهنّ وكسوتهنّ، ولم يوجب ذَلِكَ على الوالدات، ولا يراد بالآية الوالدات اللاتي بِنَّ من أزواجهنّ. وحجة من قال إنه على الأب أنه لا يخلو أن تجبر على رضاعة بحرمة الولد أو بحرمة الزوج، والأول باطل؛ لأنها لا تجب إذا كانت مطلقة ثلاثًا بالإجماع، وحرمة الولد موجودة، وكذا الثاني؛ لأنه لو أراد أن يستخدمها في حق نفسه لم يكن له ذَلِكَ، ولأن لا يكون له ذَلِكَ في حق غيره أولى، مع أنها لا تجبر عليه أصلًا، ومن رد الأمر في ذَلِكَ إلى العادة والعرف؛ فلأنّ ذَلِكَ أصل محكوم به في نفقته عليها وخدمتها له، فكذلك الرضاع إذا كانت ممن ترضع أو لا ترضع. فصل : روي عن بعجة الجهني قال: تزوج رجل ما أمرأة فولدت لستة أشهر، فأتى عثمان، فأمر برجمها، فأتاه علي فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿وَفِصَلُ فِى عَامَيْنٍ﴾(١) وقال ابن عباس: إذا ذهبت رضاعه فإنما الحمل ستة أشهر (٢) . الفائدة في ﴿كَامِلَيْنِ﴾ أي: لرضاعه كقوله تعالى: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ تے فصل : وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ أي أن لا يضار. قاله ابن عباس(٣). وروي عن عمر والحسن بن صالح وابن شبرمة مثل ذَلِكَ أي: الكسوة والرضاع. (١) رواه الطبري في ((التفسير)) ٢١٦/١١. (٢) رواه عبد الرزاق ٣٥١/٧ (١٣٤٤٦). (٣) رواه ابن أبي شيبة ١٨٩/٤ (١٩١٥٠). ٣٥ كِتَابُ النّفَقَاتِ = وقال أبو حنيفة وأصحابه: أي: الرضاع والكسوة والرزق، إذا كان ذا رحم محرم، وقال: ﴿اَلْوَارِثِ﴾: المولود (١). ومعنى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾: أي: مثل الذي كان على والده من رزق والدته (وكسوتها)(٢) بالمعروف إن كانت من أهل الحاجة وهي ذات زمانة، ولا أحتراف لها ولا زوج، وإن (كان)(٣) من أهل الغنى والصحة فمثل الذي كان على والده لها من الرضاعة، وهذا اختيار ابن جرير، وقال: إنه الظاهر ولا يكون غيره إلا بحجة (٤). وقول أبي حنيفة في تفسيره ليس في القرآن، ولا قاله أحد من المتقدمین . ونقل ابن عبد الملك عن مالك أن هذه الآية منسوخة(٥)، وفسرها الشافعي بالكسوة والنفقة على الزوج، وتشتغل بولدها لئلا يظن الظان أنها تشتغل به عن الزوج. وقال الداودي: في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعَسَرْتُمْ﴾ أي: أن يعطيها أجرة مثلها وأبت على أن تأخذ أجرة مثلها، ودعا كل واحد إلى أكثر (١) أنظر ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٠٥/٣-٤٠٧ بتصرف. (٢) في الأصل: وكسوته. (٣) كذا بالأصل وفي ((تفسير الطبري)) ٥١٩/٢: (كانت). (٤) ((تفسير الطبري)) ٥١٨/٢-٥١٩. (٥) نقله ابن العربي في ((أحكام القرآن)) ٢٠٥/١ عن ابن القاسم عن مالك، ثم قال: وهذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين، وتحار فيه ألباب الشادين والأمر فيه قريب ؛ لأنا نقول : لو ثبتت ما نسخها إلا ما كان في مرتبتها، ولكن وجهه أن علماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخا، لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم ومسامحة، وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل على من بعدهم، وهذا يظهر عند من آرْتاض بكلام المتقدمین کثیرًا. اهـ. ٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = من ذَلِكَ أسترضع غيرها، وإن دعي أحدهما إلى القصد وأباه الآخر، حمل عليه الذي أباه، وما ذكره ليس مذهب مالك، إذا أبت المرأة منه فإنها لا تجبر كما مر. فصل : قوله: ﴿وَفِصَلُهُ﴾: فطامه، كما قال، وأصل الفصل في اللغة: التفريق، معنى الآية السالفة: عن تراضٍ من الأبوين ومشاورة؛ ليكون ذَلِكَ من غير إضرار منهما بالولد. ٣٧ = كِتَابُ النَّفَقَاتِ ٥- باب نَفَقَةِ المَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَنَفَقَةِ الوَلَدِ ٥٣٥٩- حَدَّثَنَا ابن مُقَاتِلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُثْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجْ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: (لَا، إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ)). [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٥٠٤/٩] ٥٣٦٠- حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَّسْبٍ زَوْجِهَا من غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ)). [انظر: ٢٠٦٦- مسلم: ١٠٢٦ - فتح: ٥٠٤/٩] ذكر فيه حديث هند السالف وليس مطابقًا لما ترجم له إلا في نفقة الولد فقط؛ لأنه كان حاضرًا في المدينة فلا ينبغي أن يستدل على القضاء على الغائب، وإن استدل به ابن بطال وغيره(١) . وحديث أبي هريرة السالف في البيوع وغيره: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبٍ زَوْجِهَا مِن غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ». وهو في صدقة التطوع، وحديث هند في الانتصاف من حق لها مُنِعته. فإن المعنى الجامع بينهما أنه كما جاز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها من غير أمره بما يشبه وتعلم أنه يسمح الزوج بمثله- وذلك غير واجب عليه ولا عليها أن تتصدق عنه بماله- كان أخذها من مال الزوج بغير علمه، ما يجب عليه ويلزمه غرمه أولى أن تأخذه ويقضى لها به. والحديث دال على وجوب نفقة الأهل والولد، وإلزام ذَلِكَ الزوج وإن كان غائبًا أي: عن مجلس الحاكم، إذا كان له مال حاضر. (١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٥٣٧. ٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح واختلف العلماء في ذَلِكَ، فقالت طائفة: نفقتها ثابتة عليه في غيبته . روي ذَلِكَ عن عمر والحسن البصري، وهو قول الأربعة، خلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: ليس لها نفقة عليه، إلا أن يفرضها السلطان، ولو استدانت عليه وهو غائب لم يفرض لها شيئًا. ووافق الأئمة: إسحاق وأبو ثور(١). وقال ابن المنذر: نفقة الزوجة فرض على زوجها، وقد وجب عليه فرض فلا يسقط عنه لغيبته إلا في حال واحد، وهي أن تعصي المرأة وتنشز عليه وتمتنع منه(٢)، فتلك حال قد قام الإجماع على سقوطها فيها عنه إلا من شذ عنهم، وهو الحكم بن عتيبة وابن القاسم صاحب مالك، ولا التفات إلى من شذ عن الجماعة ولا يزيل وقوف الحاكم عن إنفاذ الحكم بما يجب فرضًا أوجبه الله، والسنة لا حاجة لها إلى حكم الحاكم تأكيدًا، والفرائض والديون التي يجب أداؤها، والوفاء بالنذور، وما يجب في الأموال من الجناية على الأبدان مثل ما يجب في الحج من الصوم، من كفارة وفدية، لا يزيله وقوف الحاكم عن الحكم به (٣) . فصل : وفيه: أن المرأة تقبض نفقة العيال، وأن من بخس حقه له أن يغتاب من بخسه . وقوله: ( ((إلا بالمعروف))): أي: لا حرج عليك ولا تنفقي إلا بالمعروف، وقيل: لا تسرف، وليكن بالمعروف. (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢/ ٣٧٠ ((الإشراف)) ١٢٣/١-١٢٤. (٢) ((الإشراف)) ١٢٤/١. (٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٥٣٧/٧-٥٣٨. ٣٩ = كِتَابُ النَّفَقَاتِ ٦- باب عَمَلِ المَرْأَةِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ٥٣٦١- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَجْيَى، عَنْ شُغْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الَحَكَمُ، عَنِ ابن أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا عَلِيّ، أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى في يَدِهَا مِنَ الرَّحَى - وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ - فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتَا نَقُومُ، فَقَالَ: ((عَلَى مَكَانِكُمَا)». فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَزْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: (أَلَا أَدُلَّكُمَا عَلَى خَيْرِ مِمَّا سَأَلْتُمَا، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا - أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا- فَسَبِّحَا ثَلاثًّا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرًا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمِ)). [انظر: ٣١١٣ - مسلم: ٢٧٢٧ - فتح: ٩/ ٥٠٦] ذكر فيه حديث فاطمة (١) أنها أَتَتِ النَّبِيَّ وَِّ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ .. الحديث. ثم ترجم عليه أيضًا: (١) ورد في هامش الأصل: صوابه: علي. ٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٧- باب خَادِمِ المَرْأَةِ ٥٣٦٢- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ تُجَاهِدًا: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َّه تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ، تُسَبِّحِينَ اللهَ عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ)) . - ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ: إِحْدَاهُنَّ أَزْبَعْ وَثَلَاثُونَ- فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ قِيلَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ. [انظر: ٣١١٣ - فتح: ٥٠٦/٩] وفي آخره قال علي: فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ. قِيلَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ. الشرح : هذا الحديث سلف في الخمس(١) ، وفي فضل علي رضي الله عنه(٢) ويأتي في الدعوات(٣)، وأخرجه مسلم أيضًا والنسائي(٤)، وهو ظاهر فيما ترجم له، ولم يذكر فيه أنه استأذن، فإما أن يكون قبل نزوله أو سكت عنه؛ لعلم السامع. وفيه: أنه آثر نساء المؤمنات على ابنته؛ لعلو شأنها . قال ابن حبيب: إذا كان الزوج معسرًا وكانت الزوجة ذات قدر وشرف، فإن عليها الخدمة الباطنة كالعجن والطبخ والكنس وما شاكله، وكذا قاله ابن الماجشون وأصبغ(٥). (٢) سلف برقم (٣٧٠٥). (١) سلف برقم (٣١١٣). (٣) سيأتي برقم (٦٣١٨)، باب: التكبير والتسبيح عند المنام. (٤) مسلم (٢٧٢٧)، كتاب الذكر والدعاء، باب: التسبيح أول النهار وعند النوم، والنسائي ٦/ ٢٠٣. (٥) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤/ ٦١١.