Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
- ڪِتَابُ العِدَّةِ
وشبل المذكور في إسناده هو ابن عباد المكي انفرد به البخاري وابن
أبي نجيح وهو عبد الله بن يسار.
ثم ساق حديث زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة، وقد سلف قريبًا .
والنِعيّ - بكسر العين وتشديد الياء، وبفتح النون، وإسكان العين-
خبر الموت، واقتصر ابن التين على الأول، وما ذهب إليه مجاهد
غريب، وقد قال ابن الزبير لعثمان رضي الله عنهم: لِمَ أَثْبَتَّ هُذِه
الآية، وقد نسختها الآية الأخرى؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئًا
من مكانه(١). يريد: نسختها أربعة أشهر وعشرًا، وقول ابن عباس:
نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت. قال غيره:
لم تنسخ، وإنما خص الله تعالى الأزواج أن يوصوا بتمام السنة
لمن لا يرث من الزوجات. وقول عطاء: (ثم جاء الميراث فنسخ
السكنى، فتعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها)(٢). هو قول أبي حنيفة
أن المتوفى عنها لا سكنى لها، وهو أحد قولي الشافعي كالنفقة،
وأظهرهما الوجوب؛ بحديث فريعة في السنن، وصححه الترمذي،
وقد سلف(٣).
ومذهب مالك أن لها السكنى إذا كانت الدار ملكًا للميت أو نقد
كراءها (٤)، والذي قال ابن عباس في هذه الآية: نسخت بآية الميراث،
ونسخ أجل الحول بأن جعل لها أربعة أشهر وعشرًا، وفي حديث
الفريعة قال لها التليف: ((امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)).
(١) سلف برقم (٤٥٣٠).
(٢) سلف برقم (٤٥٣١).
(٣) أبو داود (٢٣٠٠)، الترمذي (١٢٠٤)، النسائي ١٩٩/٦ -٢٠٠.
(٤) أنظر: ((المنتقى)) ١٣٤/٤.

٥٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعن مالك: لها السكنى. وعنه مرة: لا. قال مالك: وزوجة الميت
أحق بالسكنى بعد كراه (١). أي: إذا أكراه مشاهرة ومسانهة، وإنما
لو أكرئ سنة معينة نقدًا ولم ينقد فهي أحق بالسكنى.
فرعان: عندهم طلقها بائنًا فلزمته السكنى، ثم مات أكرى لها من
ماله، بخلاف من توفي عنها ولم يطلقها، وقال ابن نافع: لا سكنى
لها ؛ والموت يسقطها(٢) .
فإن خرجت المتوفى عنها مسافرة مسافة اليومين ونحوها ردت، فإن
تباعدت تركت، وليس عليها من المبيت حيث تسكن مثل ما عليها في
بيت زوجها، قاله عبد الملك. وقال أصبغ: ترد من (الغد)(٣) إذا قدر
على ذلك من غير ضرورة.
وقال ابن بطال: ذهب مجاهد إلى أن الآية التي فيها ﴿يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] إنما نزلت قبل الآية التي
فيها ﴿وَصِيَّةُ لِأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] كما
هي قبلها في التلاوة، ولم يجعل آية الحول منسوخة بالأربعة أشهر
وعشرًا، وأشكل عليه المعنى؛ لأن المنسوخ لا يمكن استعماله مع
الناسخ، ورأى أن استعمال هاتين الآيتين ممكن؛ إذ حكمهما غير
متدافع، ويجوز أن يوجب الله تعالى على المعتدة التربص أربعة أشهر
وعشرًا، لا تُخْرج فيها من بيتها فرضًا عليها، يأمر أهلها أن تبقى
سبعة أشهر وعشرين ليلة، تمام الحول إن شاءت، أو تخرج إن شاءت
وصية لها؛ لقوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ
خَرَجْنَ﴾ الآية فحصل لها فائدتان في استعمال الآيتين، ورأى ألا يسقط
(١) ((المدونة)) ١١١/٢.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٤/٥.
(٣) كذا بالأصل.

٥٨٣
= ڪِتَابُ العِدَّةِ
حكمًا في كتاب الله يمكنه استعماله ولا يتبين له نسخه.
وهذا قول لم يقله أحدٌ من المفسرين غيره ولا تابعه عليه أحدٌ من
فقهاء الأمة، بل أتفق جماعة المفسرين وكافة الفقهاء أن قوله:
﴿وَمَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ منسوخ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَثْرًاً﴾ ويشهد لذلك الحديث السالف ((وقد كانت إحداكن
ترمي بالبعرة على رأس الحول)).
ومما يدل على خطئه أن الله تعالى إنما أوجب السكنى للمتوفى
عنهن أزواجهن عند من رأى إيجابه في العدة خاصة، وهي الأربعة
أشهر وعشر وما زاد عليها، فالأُمَّة متفقة أن المرأة فيها أجنبية من
زوجها لا سكنى لها ولا غيره شاءت أم لم تشأ، وكيف يجوز أن
تبقى في بيت زوجها بعد العدة إن شاءت وهي غير زوجة منه،
ولا حمل هناك [يوجب حبسها به] (١) ومنعها من الأزواج حتى تضعه.
وأيضا فإن السكنى إنما كان في الحول حين كانت العدة حولًا ،
والسكنى ترتبط بها، فلما نسخ آية الحول بالأربعة أشهر وعشرًا
أستحال أن يكون سكنى في غير عدة.
:
وأما ابن عباس فإنه دفع السكنى للمتوفى عنها زوجها، وقال: قوله
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية ولم يقل: يعتددن في بيوتهن، ولتعتد حيث
شاءت .
وذهب إلى قول ابن عباس أن المتوفى عنها تعتد حيث شاءت علي
وعائشة وجابر، ومن حجتهم: أن السكنى إنما وردت في المطلقة وبذلك
نطق القرآن، وإيجاب السكنى إيجاب حكم، والأحكام لا تجب إلا بنص
(١) ليست في الأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)).

٥٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كتاب أو سنة أو إجماع، وقد سلف خلاف أهل العلم فيه قريبًا .
وقال إسماعيل: أما قول ابن عباس في ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ولم يقل في
بيتها فمثل هذا يجوز ألا (يبين)(١) في ذلك الموضع، ويبين في غيره.
وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوْءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
ولم يقل في هذا الموضع: إنها تتربص في بيتها .
ثم قال في أمر المطلقة في موضع آخر ﴿لَا تُخْرِجُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا
يَخْرُجْنَ﴾ الآية [الطلاق: ١] وقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ٦].
فبين في هذا الموضع ما لم يذكر في ذلك الموضع. وقد بين أمر
المتوفى بما جاء في حديث الفريعة السالف، وعمل به جملة أهل
العلم، ورأينا المتوفى عنها أحتيط في أمرها في العدة، بأكثر ما أحتيط
في المطلقة؛ لأن المطلقة إن لم يدخل بها فلا عدة بخلافها ويمكن ذلك
والله أعلم؛ لأن الدخول قد يكون ولا يعلم به الناس، فإذا كان الزوج
حيًّا ذكر ذلك وطالب به، وأمكن أن يبين حجته فيه، والميت قد انقطع
عن ذلك وليس ينبغي في النظر إذا كانت المتوفى عنها قد جعلت عليها
العدة في الموضع الذي لم يجعل على المطلقة أن تكون السكنى على
المطلقة، ولا تكون على المتوفى عنها لما في السكنى من الأحتياط
في أمر المرأة وما يلحق من النسب.
وروى وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي
العالية أنه سئل: لمَ ضمت العشر إلى أربعة أشهر؟ قال: لأن الروح تنفخ
فيها في العاشر (٢). وهذا سلف، فأما إن كان المسكن بكراء قدمه الميت
(١) في الأصل (يتبين) والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٢) رواه الطبري ٢/ ٥٣٠ (٥٠٩٤) وفيه (العشر) بدل: العاشر.

٥٨٥
■ ڪِتَابُ العِدَّةِ
فلها أن تسكن في عدتها كما مر. وإن كان لم يقدمه وأخرجها رب الدار،
لم يكن لها سكنى في مال الزوج، هذا قول مالك، وعلى قول الكوفيين
والشافعي أنه لا سكنى للمتوفى عنها في مال زوجها إن لم يخلف
مسكنًا؛ لأن المال صار للورثة، حاملًا كانت أو غير حامل، ولا نفقة
لها . وأوجب مالك لها السكنى إن كانت حاملًا من مال الميت ونفقتها
من مالها؛ لقوله: ﴿يَرَبَّصْنَ﴾ الآية وكان الواجب على ظاهر الآية
أن تتربص المتوفى عنها زوجها هُذِه المدة، تفعل فيها ما كانت تفعل
قبل وفاته، فلما ثبت عن الشارع أنه قال: ((لا يحل لامرأة)) الحديث
في الإحداد وجب أتباعه؛ لتفسيره لما أجمل في الآية (١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٥١٥/٧-٥١٨.

٥٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥١- باب مَهْرِ البَغِيّ وَالنِّكَاحِ الفَاسِدِ
وَقَالَ الحَسَنُ: إِذَا تَزَوَّجَ (مُحَرَّمَةً) (١) وَهْوَ لَا يَشْعُرُ فُرِّقَ
بَيْنَهُمَا، وَلَهَا مَا أَخَذَتْ، وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: لَهَا
صَدَاقُهَا .
٥٣٤٦- حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ،
وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ. [انظر: ٢٢٣٧ - مسلم: ١٥٦٧ - فتح: ٩/ ٤٩٤]
٥٣٤٧- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ:
لَعَنَ النَّبِيُّ ◌َِّ الوَاشِمَةَ، وَالمسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ،
وَكَسْبِ البَغِيّ، وَلَعَنَ المُصَوِّرِينَ. [انظر: ٢٠٨٦ - فتح: ٤٩٤/٩]
٥٣٤٨- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الَجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، عَنْ نُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ. [انظر: ٢٢٨٣ - فتح: ٤٩٤/٩]
ثم ساق أحاديث:
أحدها :
حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو: نَهَى النَّبِيُّ بِّهِ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ،
وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ.
ثانيها :
حديث عون بن أبي جحيفة عَنْ أَبِهِ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ وَِّ الوَاشِمَةَ،
وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبٍ
البَغِيِّ، وَلَعَنَ المُصَوِّرِينَ.
(١) في الأصل: (مُحْرِمَةً) فاعل من الإحرام، والمثبت من ((اليونينية)).

٥٨٧
كِتَابُ العِدَّةِ
==
ثالثها :
حديث أبي حازم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى النَّبِيُّ وَلَ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ.
وهذا سلف في الإجارة، والأولان في البيوع، والأول سلف في
الإجارة أيضًا. والتعليق أسنده ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن
سعيد، عن مطر، عنه باللفظ الثاني قال: وحَدَّثَنَا هشيم عن يونس عنه
باللفظ [الأول](١) قال: وعن حماد مثله وعن إبراهيم: لها الصداق،
وفي رواية: بطل النكاح، وإن دخل بها فلها الصداق، وإن لم يكن
دخل بها فرق بينهما ولا صداق. وقال الحكم وحماد: لها الصداق
كاملًا. وقال طاوس: ليس لها الصداق كله، لها بعضه(٢).
وقوله: (محرمة). ضبط الدمياطي بضم الميم وكسر الراء. وقال ابن
التين: قوله: محرمة، يريد: ذات محرم. قال: وهو بفتح الميم، كذا
ضبطه .
وقوله: (لها صداقها). هو الصحيح، وهو قول مالك المشهور؛
لأن الفاسد إذا كان في العقد قضى بالمسمى وإن كان في الصداق
قضى بصداق المثل. وعن مالك في نكاح الخيار يمضى بصداق
المثل(٣)، وهذا فساده في عقده، فعلى هذا يكون في هذِه المسألة
تمضي بصداق المثل.
والنهي عن ثمن الكلب. يشمل كل كلب، وقال ابن التين: هو
ضربان: كلاب الدور، والحرث والماشية، فالأول لا يحل أتخاذها؛
لأنها تروع الناس وتؤذيهم فثمنها حرام.
(١) ليست بالأصل، ويقتضيها السياق.
(٢) ابن أبي شيبة ١٦/٤-١٧.
(٣) الذي في ((المدونة)) ١٥٩/٢ خلاف هذا القول حيث يقول: لا يفسخ ويكون لها
الصداق الذي سمي لها ولا ترد إلى صداق مثلها اهـ

٥٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
واختلف في بيع كلب الصيد والماشية وفي أخذ قيمته إن قتل.
وحلوان الكاهن: هو ما يعطى على الكهانة، يقال حلوته: أي
أعطيته حلوان، والحلوان: الرشوة. وقيل: أصله من الحلاوة شبه
بالشيء الحلو. ويقال: حلوت فلانًا إذا أطعمته الحلوى كما يقال:
عسلته وتمرته .
ومهر البغي: ثمن الزنا، والبغي: بفتح الباء وكسر الغين وتشديد
الياء، واحتج به من قال: لا صداق لكُرهِهِ على الزنا، قال الداودي:
وليس كذلك؛ لأنه الَّ نهى عن قتل النفس بغير الحق، وأجمعوا أن
من قتل عبدًا فعليه قيمته، ومن قتل حرًّا فعليه ديته- إن أصطلحوا
عليها وفي الخطأ.
وجمع بين ثمن الكلب وهو مكروه، وبين مهر البغي وحلوان الكاهن
وهما حرام؛ لأن الجمع بينهما لا يوجب المساواة في الحكم لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠] فالعدل واجب
فعله والإحسان مندوب إليه، وقام الإجماع على حرمة مهر البغي،
ولا يلحق فيه نسب.
وأما النكاح الفاسد فإما في العقد وإما في الصداق، فما فسد في
العقد لا ينعقد عند أكثر الأمة، ومنه ما ينعقد عند بعضهم، فما فسخ
قبل البناء مما فسد لعقدٍ، فلا صداق فيه ويرد ما أخذت، وما فسخ
بعده ففيه المسمى، وما فسد لصداقه كالبيع في فساد ثمنه أنه يفسخ
قبل الدخول ويمضي إذا فات بالدخول، ويرد إلى قيمته.
وآخر قول ابن القاسم أن كل ما نص الله ورسوله على تحريمه
ولا يُختلف فيه، فإنه يفسخ بغير طلاق وإن طلق فيه لا يلزم
ولا يتوارثان كمتزوج الخامسة، وأختًا من الرضاعة، والمرأة على

٥٨٩
- كِتَابُ العِدَّةِ
عمتها وخالتها، ومن تزوج بامرأة فلم يبن حتى تزوج ابنتها، أو نكح في
العدة، قال: وكل ما اختلف الناس في إجازته أو فسخه فالفسخ فيه
بطلاق وتقع فيه الموارثة والطلاق والخلع بما أخذ، ما لم يفسخ،
كالمرأة تزوج نفسها أو تنكح بغير ولي أو أمة بغير إذن السيد أو بغرر
في صداق، إذ لو قضى به قاضٍ لم أَنقْضُه. وكذلك نكاح المحرم
والشغار للاختلاف فيها .
وأما من تزوج محرمة وهما لا يعلمان التحريم يفرق بينهما فلا حد
عليهما، واختلف العلماء في صداقها على قولين بحسب اختلاف قول
الحسن البصري، فقوله: لها ما أخذت. يعني: صداقها المسمى.
وقوله بعد ذلك: (لها صداقها). يريد: صداق مثلها، وسائر الفقهاء
على هذين القولين، طائفة تقول بصداق المثل، وأخرى تقول
المسمى. قلت: وقد أسلفنا قول من قال: لها بعض الصداق.
وأما من تزوج محرمة وهو عالم بالتحريم، فقال مالك وأبو يوسف
ومحمد(١) والشافعي: عليه الحد ولا صداق في ذلك. وقال الثوري
وأبو حنيفة: لا حد عليه، وإن علم عذر (٢). قال أبو حنيفة: ولا يبلغ
به أربعین.
وفرق ابن القاسم بين الشراء والنكاح فأوجب في نكاحه محرمة إذا
علم تحريمها الحد، ولا حد عليه إذا اشتراها ووطئها وهو عالم
بتحريمها، وسائر الفقهاء غير الكوفيين لا يفرقون بين النكاح والملك
في ذلك ويوجبون (الحد)(٣) في كلا الوجهين. وحجة أبي حنيفة أن
(١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٤٩/٣.
(٢) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٤٩/٣.
(٣) زيادة يقتضيها السياق من ((شرح ابن بطال)) ٥٢٠/٧.

٥٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
العقد شبهة وإن كان فاسدًا كما لو وطئ جارية بينه وبين شريكه. فالوطء
محرم باتفاق، ولا حد عليه للشبهة.
وكذلك الأنكحة الفاسدة كنكاح المتعة وبلا ولي ولا شهود ووطء
الحائض والمعتكفة والمحرمة، وهذا كله وطء محرم لا حد فيه،
وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وَأَلَّتِى يَأْتِينَ اُلْفَاحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ﴾
الآية [النساء: ١٥] وهذِه فاحشة، وقد بين القَيّ السبيل ما هي بالرجم،
وقام الإجماع على أن العقد على أمه وأخته لا يجوز فلا شبهة،
وإنما هو زان [قاصد إلى الزنا](١) وإسقاط الحد عن نفسه بالنكاح.
(١) زيادة من ((شرح ابن بطال)) يقتضيها السياق، وليست في الأصول.

٥٩١
كِتَابُ العِدَّةِ
=
٥٢- باب المَهْرِ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهَا،
وَكَيْفَ الدُّخُولُ، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَسِيسِ
٥٣٤٩- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ أَمْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ نَّهُ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي
العَجْلَانِ وَقَالَ: ((اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). فَأَبَيَا، فَقَالَ:
((اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). فَأَبَيَّا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ
أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِي الحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ:
مَالٍ؟ قَالَ: ((لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهْوَ
أَبْعَدُ مِنَْكَ)). [انظر: ٥٣١١- مسلم: ١٤٩٣ - فتح: ٩/ ٤٩٥]
زاد ابن بطال في أوله: إرخاء الستور (١).
ساق حديث سعيد بن جُبَيْرٍ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ أَمْرَأَتَهُ،
فَقَالَ: فَرَّقَ النبي ◌َّهُ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ وَقَالَ: «اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ
أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). فَأَبَيَا، فَقَالَ: ((اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ
أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَيُّوبُ:
فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِي الحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ
الرَّجُلُ: مَالِي؟ قَالَ: ((لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ
كُنْتَ کَاذِبًا فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ)».
سلف في اللعان، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي(٢)، وهو ظاهر
أن المهر يجب بالدخول، وهو دخول الحشفة بالقبل. وقوله في
الترجمة: (وكيف الدخول، أو طلقها قبل الدخول). تقديره: أو كيف
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٥٢٠.
(٢) مسلم (١٤٩٣)، أبو داود (٢٢٥٨)، النسائي ٦/ ١٧٧.

٥٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
طلاقها، فاكتفى بذكر الفعل عن ذكر المصدر؛ لدلالته عليه، كقوله
تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الصف: ١٠] [فأقام
تؤمنون] (١) وهو فعل مقام الإيمان، وهو مصدر.
وقال أبو حنيفة، يجب بمجرد الخلوة، بينه قوله: ((بما استحللتم من
فرجها)» لكنه حجة عليه.
واختلفوا في الوطء في الدبر، وإذا أذهب العذرة بالإصبع، فقال ابن
القاسم: يكمل لها الصداق؛ لأنه فعله على وجه الافتضاض. وقال
أصبغ: عليه ما شانها(٢). وعندنا إن أزالها مستحقها لا شيء عليه
أو غيره فالحكومة
واختلف في المجبوب والحصور وشبههما، فقال المغيرة: إذا
طالت المدة أستحقت الصداق. وقيل: كمل لها وإن لم تطل؛ بدليل
قول عمر رضي الله عنه: ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم(٣).
واختلف في المعوض على ثلاثة أقوال: فقال مالك: إذا طال مكثه
لها الصداق. وأباه غيره (٤)، وقال بعضهم: إذا أغلق عليها فقد وجب لها
الصداق. كقول أبي حنيفة .
والحاصل أن العلماء اختلفوا في الدخول وبما يثبت.
فقالت طائفة: إذا أغلق بابًا أو أرخى سترًا على المرأة فقد وجب
الصداق والعدة.
(١) يقتضيها السياق، وليست في الأصول، وأثبتناها من ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٥٢٢.
(٢) القولان لابن القاسم كما في ((النوادر والزيادات)) ٥٤٣/٤.
(٣) رواه عبد الرزاق ٢٨٨/٦ (١٠٨٧٣).
(٤) ((المدونة)) ٢٢٢/٢.

٥٩٣
كِتَابُ العِذَّةِ
-
روي ذلك عن عمر وعلي وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وابن
عمر (١)، وهو قول الكوفيين والثوري والليث والأوزاعي وأحمد(٢).
حجتهم حديث الباب: ((إن كنت صادقًا فقد دخلت بها)).
فجعل الدخول بها دليلًا على الجماع، وإن كان قد لا يقع مع
الدخول، لكن حمله على ما يقع في الأكثر وهو الجماع؛ لما ركب
الله سبحانه في نفوس عباده من شهوة النساء.
قال الكوفيون: الخلوة الصحيحة يجب معها المهر كله بعد الطلاق،
وطيء وإن لم يطأ، أدعته أو لم تدعه، إلا أن يكون أحدهما محرمًا
أو مريضًا أو صائمًا أو كانت حائضًا، فإن كانت الخلوة في مثل هذِه
الحال ثم طلق لم يجب إلا نصف المهر، وعليها العدة عندهم في
جميع هذِه الوجوه(٣).
وقالت طائفة: لا يجب المهر إلا بالمسيس، روي ذلك عن ابن
مسعود وابن عباس(٤)، وبه قال شريح والشعبي وابن سيرين، وإليه
ذهب الشافعي وأبو ثور(٥)، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ
قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ
مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فأخبر تعالى أنها تستحق بالطلاق
(١) انظر: هُذِه الآثار في ((الموطآت)) ص٣٢٧، ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٨٥/٦،
٢٨٦، ((السنن الكبرى)) ٢٥٥/٧.
(٢) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٢٩١/٢، ((الاستذكار)) ١٣٠/١٦-١٣٣، ((الإشراف))
٥٠/١.
(٣) أنظر: ((الاستذكار)) ١٣٠/١٦-١٣١.
(٤) قال ابن المنذر: ولا يصح ذلك عن أحد منها، ((الإشراف)) ٥٠/١-٥١ .
(٥) أنظر ((الاستذكار)) ١٣٣/١٦-١٣٤، ((الإشراف)) ٥٠/١.

٥٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قبل المسيس نصف ما فرضه لها، وأوجب العدة بالمسيس ولا تعرف
الخلوة دون وطء مسيسًا ومن حجة هذا القول رواية من روى هذا
الحديث: ((إن كنت صدقت عليها فبما أستحللت من فرجها)) وقد سبق
في اللعان، ويأتي بعد.
وفيها قول ثالث: قال سعيد بن المسيب إذا دخل بالمرأة بيتها صدق
عليها، وإن دخلت عليه في بيته صدقت. وهو قول مالك(١)، وأحتج
أصحابه وقالوا [تفسير](٢) قول سعيد بن المسيب أنها تصدق عليه في
بيته؛ لأن البيت في البناء بيت الرجل وعليه الإسكان، ودخولها في
بیته هو دخول بناء.
ومعنى قوله: في بيتها : إذا زارها في بيتها عند أهلها أو وجدها ولم
يدخل عليها دخول بناء فادعت أنه مسها وأنكر فالقول قوله؛ لأنها تدعي
عليه، وهذا أصله في المتداعيين أن القول قول من شبهته قوية كاليد
وشبهها(٣).
قال مالك: وإذا دخل بها وقبلها وكشفها، واتفقا أنه لم يمسها، فلها
نصف الصداق إن كان قريبًا، وإن تطاول مكثه معها ثم طلقها فلها المهر
كاملًا وعليها العدة أبدًا(٤). وروى ابن وهب عنه أنه رجع عن قوله في
((الموطأ))(٥) وقال: إذا خلا بها حيث كان فالقول قولها(٦).
(١) ((المدونة)) ٢٢٢/٢.
(٢) ليست في الأصل، وأثبتناها من ((شرح ابن بطال)).
(٣) أنظر: ((الاستذكار)) ١٢٩/١٦.
(٤) ((المدونة)) ٢٢٢/٢.
(٥) ((الموطأ)) ص ٣٢٧.
(٦) انظر: ((الاستذكار)) ١٢٦/١٦.

٥٩٥
كِتَابُ العِدَّةِ
=
وذكر ابن القصار عن الشافعي أنه إذا دخل بها فقال: لم أطأ.
وقالت: وطئني. فالقول قول الزوج؛ لأن الخلوة غير المسيس الذي
یوجب المهر.
وروى ابن علية عن عوف عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء
الراشدون المهديون: من أغلق بابًا وأرخى سترًا فقد وجبت العدة
والمهر(١). وبهذا احتج الكوفيون بأنه معلوم أنه لا يرخى الستر غالبًا
إلا للوطء؛ فهي دلالة عليه.
(١) ابن أبي شيبة ٥١٢/٣ (١٦٦٨٩).

٥٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥٣- باب المُتْعَةِ لِلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا
لِقَوْلِهِ الله وَّ: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن ◌َلَّقْتُمُ الْنِسَاءَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَحٌ
بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١-٢٤٢]، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ وَّ فِي
المُلَاعَنَةِ مُتْعَةً حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا .
٥٣٥٠- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ نََّ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: ((حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ،
لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالٍ؟ قَالَ: (لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ
صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهْوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاَ
أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا)). [انظر: ٥٣١١ - مسلم: ١٤٩٣ - فتح: ٩ / ٤٩٦]
ثم ساق حديث ابن عمر رضي الله عنهما السالف.
اختلف العلماء في المتعة، فقالت طائفة: هي واجبة للمطلقة التي لم
يدخل بها ولم يسم لها صداقًا، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر،
وهو قول عطاء والشعبي والنخعي والزهري(١)، وبه قال الكوفيون،
ولا يجمع مهر مع المتعة(٢).
قال ابن عبد البر: وبه قال شريح وعبد الله بن معقل أيضًا(٣). قال
الحنفيون: فإن دخل بها ثم طلقها فإنه يمتعها ولا يجبر عليها هنا، وهو
قول الثوري، وابن حي، والأوزاعي، قال: فإن كان أحد الزوجين
مملوكًا لم تجب، وإن طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرًا (٤).
(١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١٤٥/٤.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٥/٢.
(٣) (الاستذكار)) ٢٨٠/١٧-٢٨١.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٥/٢-٢٦٦.

٥٩٧
كِتَابُ العِدَّةِ
=
قال أبو عمر: وقد روي عن الشافعي مثل قول أبي حنيفة بعد ذلك.
وقالت طائفة: لكل مطلقة متعة، مدخولًا بها كانت أو غير مدخول
بها، إذا وقع الفراق من قبله أولم يتم إلا به، إلا للتي سمى لها وطلقها
قبل الدخول، فكذلك أمرأة العنين، وهو قول الشافعي وأبي ثور. وروي
عن علي، لكل مطلقة متعة. ومثله عن الحسن وسعيد بن جبير وأبي قلابة
وطائفة، حجتهم عموم ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولم
(١)
يخص(١).
وقالت طائفة: المتعة ليست بواجبة في موضع من المواضع. وهو
قول ابن أبي ليلى وربيعة، وهو قول مالك والليث وابن أبي سلمة،
وحجة الشافعي ما رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما
أنه قال: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها مهر وقد طلقت ولم
يدخل بها فحسبها نصف المهر (٢).
قال الشافعي: وأحسب ابن عمر استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِن
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] فاستدل
بالقرآن على أنها مخرجة من جميع المطلقات، ولعله رأى أنه إنما
أريد أن تكون المطلقة تأخذ بما أستمتع به زوجها منها عند طلاقه
شيئًا. فلما كانت المدخول بها تأخذ شيئًا وغير المدخول بها تأخذ
أيضًا إذا لم يفرض لها وكانت التي لم يدخل بها وقد فرض لها تأخذ
بحكم الله نصف المهر، وهو أكثر من المتعة ولم يستمتع منها بشيء،
فلم تجب لها متعة(٣) .
(١) ((الاستذكار)) ٢٨٠/١٧، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٥.
(٢) ((الموطأ)) ص٣٥٤.
(٣) ((الأم)) ٢٨/٧.

٥٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
حجة أهل الكوفة ما ذكره أبو عبيد: إنا وجدنا النساء في المتعة على
ثلاثة ضروب، فكانت الآية التي فيها ذكر المتعين لصنفين منهم، وهن
المطلقات بعد الدخول إن كان فرض لهن صداق أو لم يفرض،
والمطلقات قبل الدخول مع تسمية صدقاتهن فلأولئك المهور كوامل
بالمسيس ولهؤلاء الشطور منها بالتسمية، فلما صار هذان الحقان
واجبين، كانت المتعة حينئذٍ تقوى من الله تعالى غير واجبة، ووجدنا
الآية فيها ذكر الموسع والمقتر هي للصنف الثالث وهن المطلقات من
غير دخول بهن ولا فرض لهن، وذلك قوله ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ
الْنِسَآءَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] فصارت المتعة لهن حتما واجبًا، ولولا
هذِه المتعة لصار عقد النكاح إذًا يذهب باطلًا من أجل أنهن لم
يمسسن فيستحققن الصدقات، ولم يفرض لهن فيستحققن أيضًا فيها،
فلا بد من المتعة على كل حال.
واحتج من لم يوجبها أصلًا فقال: قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وإن كان
ظاهره الوجوب، فقد قرن به ما يدل على الاستحباب، وذلك أنه
تعالى قرن بين المعسر والموسر، والواجبات في النكاح ضربان: إما
أن يكون على حسب حال المنكوحات، كالصداق الذي يرجع فيه
إلى صداق مثلها أو يكون على حسب حالهما جميعًا كالنفقات،
والمتعة خارجة من هذين المعنيين؛ لأنه اعتبر فيها حالة الرجل وحده
بأن يكون على الموسر أكثر مما على المعسر.
وأيضًا فإن المتعة لو كانت فرضًا كانت مقدرة معلومة كسائر
الفرائض في الأموال، ولم نَرَ فرضًا واجبًا في المال غير معلوم، فلما
لم تكن كذلك خرجت عن حد الفرض إلى الندب والإرشاد والإخبار
وصارت كالصلة والهدية.

٥٩٩
- كِتَابُ العِدَّةِ
وأيضًا فإن الله تعالى لما علقها بقوم دل على أنها غير واجبة؛ لأن
الواجبات ما لزمت الناس عمومًا كالصلاة والصيام والحج والزكاة، فلما
قال تعالى ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] و﴿عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة:
٢٤١] سقط وجوبها عن غيرهم، وكذلك تأول شريح فقال الرجل: متع
إن كنت محسنًا متع إن كنت متقيًا. وعنه هي واجبة في قوله ﴿عَلَى
الْمُثَّقِينَ﴾، وندب في ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [٢ البقرة: ٢٣٦]
قال أبو عمر: هذا التفسير احتج به أصحابه له، ويجاب عنه بأنه
ليس في ترك تحديدها ما يسقط وجوبها، كنفقات البنين والزوجات.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِلْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ولم
نجد شيئًا مقدرًا فيما أوجب من ذلك، وقال: ﴿لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَنِةٍ﴾
الآية [الطلاق: ٧]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى
اٌلْمُقْتِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقال الشَّيْ لهند: ((خذي ما يكفيك وولدك
بالمعروف»(١). ولم يقدر.
قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء أن المتعة المذكورة في القرآن
غير مقدرة ولا محدودة ولا معلوم مبلغها ولا يوجَب قدرها، بل هي كما
قال تعالى: ﴿عَلَى الْوُسِيعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وإنما اختلفوا في
وجوبها :
فروى مالك أنه بلغه أن عبد الرحمن بن عوف طلق أمرأة ومتعها
بوليدة (٢)، وكان ابن سيرين يُمَّتعُ بالخادم أو النفقة أو الكسوة، ومتع
الحسن بن علي زوجته بعشرة آلاف فقالت: متاعٌ قليلٌ من حبیبٍ
(١) سلف برقم (٢٢١١).
(٢) ((الموطأ)) ص٣٥٤.

٦٠٠
-
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
مفارقٍ. ومتع شريح بخمسمائة درهم، والأسود بن يزيد بثلاثمائة،
وعروة بخادم، وقال قتادة: المتعة جلباب ودرع وخمار (١). وإليه
ذهب أبو حنيفة وقال: هذا لكل حرة أو أمة وكتابية إذا وقع الطلاق
من جهته. وقال الزهري: بلغني أن المطلق كان يمتع بالخادم والحلة
أو النفقة. وعن ابن عمر رضي الله عنه ثلاثون درهمًا (٢)، وفي رواية
أنه متع بوليدة (٣) .
فصل :
وقول البخاري: (ولم يذكر النبي
للملاعنة متعة حين طلقها
صَلىالله
وسلم
زوجها) حجة لمن قال: لكل مطلقة متعة، والملاعنة غير داخلة في
جملة المطلقات، فلا متعة لها عند مالك والشافعي. قال ابن
القاسم: لا متعة في كل نكاح مفسوخ.
والملاعنة عندهم كالفسخ؛ لأنهما لا يقران على النكاح فأشبه
الردة، وكل فرقة من قبل المرأة قبل البناء وبعده فلا متعة فيها،
وأوجب الشافعي للمختلعة والمبارية متعة. وقال أصحاب مالك:
كيف يكون للمفتدية متعة، وهي تعطي؟ فكيف تأخذ متاعًا؟
فصل :
قال ابن المنذر: وقوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] دليل
على إباحة نكاح المرأة ولا يفرض لها صداقًا ثم يفرض لها إن مات
أو دخل عليها مهر مثلها .
(١) روى بهذه الآثار عبد الرزاق ٧٣/٧-٧٥، وسعيد بن منصور في ((سننه)) ٣/٢-٥.
(٢) روىْ هُذِه الآثار عبد الرزاق ٧٣/٧، ٧٤.
(٣) ابن أبي شيبة ١٤٦/٤ (١٨٧٠٧)، وانظر ما سبق في ((الاستذكار)) ٢٧٥/١٧ -
٢٧٨.