Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ - كِتَابُ العِدَّةِ ولا من ذوات الأقراء، فاستأنفي ثلاثة أشهر، كما قال تعالى فيمن ليست من ذوات الأقراء، قياسًا على أن العدة بالشهور لصغر إذا حاضت قبل تمام الثالثة علم أنها من ذوات الأقراء فقيل لها: استأنفي الأقراء. فصل : وقول مجاهد إلى آخره، أخرجه عبد بن حميد عن شبانة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح عنه. وعن مالك بن إسماعيل، عن زهير: ثَنَا خالد، عن عطاء ومجاهد بنحوه. وقال ابن المرابط: لعل مجاهدًا يعرف أمرها فهُذِه أيضًا نحكم فيها بثلاثة أشهر من أجل ما يلحقها من الريبة التي قال تعالى: ﴿إِنْ أَرْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤]. وحكى ابن التين بعد قول مجاهد أنه قيل ﴿إِن آرْتَبْتُمْ﴾ أي: نسيتم، وقيل: شككتم في الحكم، قاله ابن عبد الملك. وروي عن عمر أن هذا فيمن اعتدت حيضة أو حيضتين، ثم استقرأت فتنتظر سبعة أيام، ثم ثلاثة أشهر عدة. ٥٠٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣٩- باب ﴿ وَأُؤْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤] ٥٣١٨- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُزْمُزَ الأَغْرَجِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ ابنةَ(١) أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَتْهُ، عَنْ أُمَّهَا أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّ أَمْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا: سُبَيْعَةُ كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا، تُؤُنَّ عَنْهَا وَهْيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو السََّابِلِ بْنُّ بَعْكَكِ، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: والله مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ. فَمَكْثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ، ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ وَجَ، فَقَالَ: ((انْكِحِي)). [انظر: ٤٩٠٩- مسلم: ١٤٨٥- فتح: ٩/ ٤٦٩] ٥٣١٩- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ، أَنَّ ابن شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابن الأَزَقَمِ أَنْ يَسْأَلَ سُبَيْعَةً الأَسْلَمِيَّةَ كَيْفَ أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ◌َلَّ؟ فَقَالَتْ: أَفْتَانِي إِذَا وَضَعْتُ أَنْ أَنْكِحَ. [انظر: ٣٩٩١- مسلم: ١٤٨٤ - فتح: ٤٦٩/٩] ٥٣٢٠- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالٌِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَغْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﴿ لَّ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَتَكَحَتْ. [فتح: ٩/ ٤٧٠] ذكر فيه حديث أم سلمة رضي الله عنها أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا : سُبَيْعَةُ كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا، تُؤُفِّيَ عَنْهَا وَهْيَ حُبْلَىْ، فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكِ، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: والله مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ. فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرٍ لَيَالٍ، ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ: ((انْكِچِي)). (١) في الأصل بدون ألف. ٥٠٣ = ڪِتَابُ العِدَّةِ وحديث الليث عَنْ يَزِيدَ، أَنَّ ابن شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابن الأَرْقَمْ أَنْ يَسْأَلَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ كَيْفَ أَفْتَاهَا النَّبِيُّ بََّ؟ فَقَالَتْ: أَقْتَانِي إِذَا وَضَعْتُ أَنْ أَنْكِحَ. وحديث المسور بن مخرمة أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةٍ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ◌ََّ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ. حديث سبيعة سلف في التفسير. وقول الليث: حدثني يزيد، عن ابن شهاب. وهو يزيد بن أبي حبيب، كما ذكره ابن مسعود في ((أطرافه)) وغيره، وصرح به أبو نعيم والطبراني(١)، ورواه النسائي من حديث يزيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن مسلم به(٢) . وأما الدمياطي فقال: يزيد هذا هو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد، فينظر . ولحديث سبيعة طريق آخر أخرجه أحمد في ((مسنده)) عن إسحاق بن عيسى. حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن بكير، عن بسر، عن أبي بن كعب: أن أمرأته أم الطفيل قالت لعمر رضي الله عنه: قد أمر رسول الله عَ ليه سبيعة أن تنكح إذا وضعت(٣). فصل : الذي عليه أكثر العلماء كما قاله القاضي إسماعيل، والذي مضى عليه العمل أنها إذا وضعت حملها فقد أنقضت عدتها، وذهبوا إلى أن (١) ((المعجم الكبير)) ٢٩٤/٢٤ (٧٤٨). (٢) ((النسائي)) ١٩٥/٦. (٣) ((المسند)) ٣٧٥/٦. ٥٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الآية قد عمت كل معتدة من طلاق أو وفاة؛ إذ جاءت مجملة، فلم يذكر فيها أنها للمطلقة خاصة، ولا للمتوفي عنها خاصة، فكانت عامة في كل معتدة فوجب أن تكون الأقراء والشهور الثلاثة للمطلقة إذا لم تكن حاملًا؛ على ما جاء فيه من النص، فوجب أن تكون الأربعة أشهر والعشر للمتوفى عنها إذا لم تكن حاملًا، ووجب أن تكون كل ذات حمل مات عنها زوجها أو طلقها فأجلها أن تضع حملها . وحديث الباب شاهد له، وعليه علماء الحجاز والعراق والشام منهم: عُمر، وابنه، وابن مسعود، وأبو هريرة، ولا أعلم فيه مخالفًا من السلف إلا ابن عباس (١)، ورواية عن علي فإنهما قالا: عدتها آخر الأجلين: الأشهر أو الوضع. وروي أيضًا عن سحنون، وروي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك، وتصحيح ذلك أن أصحابه: عطاء وعكرمة وجابر بن زيد قالوا كقول الجماعة، وقال حماد بن أبي سليمان: لا تخرج من العدة حتى ينقضي نفاسها وتغتسل منه. وروي أيضًا عن الحسن وإبراهيم (٢) والشعبي(٢). قال ابن القصار: هو قياس قول أبي حنيفة؛ لأنه يقول: الأقراء هي الحيض، فإذا مضت ثلاث حيض لم تخرج من العدة حتى تغتسل. وقال ابن مسعود [في] (٣) قول عليٍّ (في ذلك)(٤): من شاء لا عنته أن هُذِهِ الآية التي في سورة النساء القصرى ﴿وَأُوْلَتُ اَلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ (١) قول ابن عباس سلف في التفسير (٤٩٠٩). (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٥/٥، ((الاستذكار)) ١٧٧/١٨-١٧٨. (٣) زيادة يقتضيها السياق وإلا لأصبح القول قول علي. (٤) من (غ). ٥٠٥ = ڪِتَابُ العِدَّةِ حَمْلَهُنَّ﴾ نزلت بعد التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية. ولولا حديث سبيعة وهذا البيان من رسول الله وَل﴾ في هاتين الآيتين لكان القول ما قاله علي وابن عباس؛ لأنهما عدتان مجتمعان فلا تخرج منهما إلا بيقين، واليقين في ذلك آخر الأجلين، ألا ترى إلى قول فقهاء الحجاز والعراق في أم الولد يموت عنها زوجها، ويموت سيدها، ولا تدري أيهما مات أولًا أن عليها عدتين أربعة أشهر وعشرًا، فيها حيضة عند الشافعي، وذلك لها آخر الأجلين. وعند أبي حنيفة لا حيضة فيها . وعند أبي يوسف ومحمد فيها ثلاث حيض (١)، إلا أن السنة وردت من ذلك في الحامل المتوفى عنها في سبيعة، ولو بلغت السنةُ عليًّا ما تركها. وأما ابن عباس فقد روي عنه أنه رجع إلى حديث سبيعة بعد المنازعة منه كما سلف. فصل : سبيعة هذِه: بنت الحارث الأسلمية، وزوجها سعد بن خولة، مولى بني عامر بن لؤي، كان من اليمن، وقيل: من عجم الفرس، هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرًا وما بعدها، وتوفي بمكة في حجة الوداع، ورثى له رسول الله ( أن مات بمكة، ووضعت زَوجُه سبیعة بعد وفاته بليال، قيل: خمس وعشرين ليلة، وقيل: أقل من ذلك(٢). (١) أنظر: ((الإشراف)) ٢٦٥/١-٢٦٦. (٢) أنظر: ((الاستيعاب)) ١١٤/٤، ((أسد الغابة)) ١٣٧/٧، ((تهذيب الكمال)) ٣٥/ ١٩٣. ٥٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : وأبو السنابل بن بعكك: هو ابن الحارث بن السباق بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة، قيل: أسمه حبة، وقيل غير ذلك كما سلف، أسلم يوم الفتح، وكان شاعرًا، ومات بمكة، وكان أسر يوم بدر(١). فصل : ابن الأرقم هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، أسلم عام الفتح، وكتب لرسول الله وَليل، ثم لأبي بكر، ثم لعمر، واستعمله على بيت المال عثمانُ سنتين، ثم استعفاه فأعفاه، قال عمر: ما رأيت أخشى الله منه (٢). فصل : قولها: (فمكثت قريبًا من عشر ليالٍ). تريد بعد أن ولدت، وفي ((الموطأ)» ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فخطبها رجلان: أحدهما شاب، والآخر كهل، فمالت إلى الشاب فقال الكهل: لم تحلي. وكان أهلها غيبًا، فرجا أن يؤثره أهلها إذا جاءوا، فجاءت إلى رسول الله وَطل فقال: ((انكحي من شئت))(٣). فصل : وقوله: (وقال: والله ما يصلح أن تنكجي حتى تعتدي آخر الأجلين). هذا هو الصواب. (١) أنظر: ((الاستيعاب)) ٢٤٦/٤، ((أسد الغابة)) ١٥٦/٦، ((تهذيب الكمال)) ٣٨٥/٣٣ (٧٤١٦)، ((الإصابة)) ٩٥/٤ (٥٧٠). (٢) أنظر: ((الاستيعاب)) ٣/٣ (١٤٧٧)، ((أسد الغابة)) ١٧٢/٣، ((تهذيب الكمال)) ٣٠١/١٤ (٣١٦٠)، ((سيبر أعلام النبلاء)) ٢/ ٤٨٢ (٩٨) (٣) ((الموطأ)) برواية يحيى ص (٣٦٤). ٥٠٧ = كِتَابُ العِدَّةِ ووقع عند الشيخ أبي الحسن: فقالت، وهو تحريف؛ لأن أبا السنابل خاطبها بذلك. وقوله: (نُفست)، هو بضم النون وفتحها، وإن كان الهروي قال: نفست بهما: إذا ولدت، فإذا حاضت فالفتح لا غير. فصل : فيه: جواز المكاتبة بالعلم، وبه أخذ من جوزها . ٥٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٤٠- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: [البقرة: ٢٢٨] ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوْءٍ﴾ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ، وحَاضَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَ حِيَض: بَانَتْ مِنَ الأَوَّلِ، وَلَا تَحْتَسِبُ بِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَحْتَسِبُ. وهذا أَحَبُّ إِلَى سُفْيَانَ، يَعْنِي: قَوْلَ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَقْرَأَتِ المَرْأَةُ إِذَا دَنَا حَيْضُهَا، وَأَقْرَأَتْ إِذَا دَنَا طُهْرُهَا، وَيُقَالُ: مَا قَرَأَتْ بِسَلَّى قَظْ. إِذَا لَمْ تَجْمَعْ وَلَدًا فِي بَطْنِهَا . الشرح : أثر إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، عن عبدة بن أبي سليمان، عن إسماعيل بن أبي خالد عنه (١). يعني: بالحيض لا تكون عدة للثاني؛ لأن العلماء مجمعون على أن الناكح في العدة يفسخ نكاحه ويفرق بينهما، كما قاله ابن بطال. قال: وهذِه مسألة أجتماع العدتين واختلف العلماء فيها، فروى المدنيون عن مالك: إن كانت حاضت حيضة أو حيضتين من الأول أنها تتم بقية عدتها منه، ثم تستأنف عدة أخرى من الآخر على ما روي عن عمر وعلي، وهو قول الليث والشافعي وأحمد وإسحاق. وروى ابن القاسم عن مالك أن عدة واحدة تكون لهما جميعًا، سواء كانت العدة بالحمل أو الحيض أو الشهور، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه(٢). (١) ((المصنف)) ٤/ ١٥٣ (١٨٧٨٧) (٢) أنظر ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٠٠/٢، ((الاستذكار)) ٢١٩/١٧. ٥ ٠٩ - كِتَابُ العِدّةِ والحجة لهُذِه إجماعهم أن الأول لا ينكحها في بقية العدة من الثاني؛ فدل على أنها في عدة من الثاني، فلولا ذلك لنكحها في عدتها منه، ووجه الأولى أنهما حقان قد وجبا عليها لزوجين، كسائر الحقوق لا يدخل أحدهما في صاحبه(٦). وقوله: (وقال معمر .. ) إلى آخره. معمر هذا: هو أبو عبيدة اللغوي الإمام، وقد ذكره كذلك في ((مجازه))، وهو بضم (٢) القاف وفتحها، قال ابن فارس: يقال أقرأت المرأة: إذا خرجت من طهر إلى حيض، أو من حيض إلى طهر (٣). والأقراء جمع قرء، والقروء: أوقات، وقت يكون للطهر مرة، وللحيض مرة. ويقال: القرء هو الطهر، وكذلك المرأة الطاهر [إن] (٤) كان الدم أجتمع فامتسك في بدنها، فهو من قريت الماء، وقرى الآكل الطعام في شدقه. وقد يختلف اللفظان فيهمز أحدهما ولا يهمز الآخر. واختلف العلماء في الأقراء التي تجب على المرأة إذا طلقت ما هي، والوقت الذي تبين فيه المطلقة من زوجها حتى لا تكون عليها رجعة. فقالت طائفة: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. هذا قول (ابن عمر)(٥) وعلي وابن مسعود. (١) ((ابن بطال)) ٤٨٩/٧. (٢) ورد بهامش الأصل: هذا الكلام في القرء. (٣) ((مجمل اللغة)) ٢ / ٧٥٠. (٤) زيادة يقتضيها السياق. (٥) كذا في الأصول، وفي عبد الرزاق ٣١٥،٣١٦/٦، و((الاستذكار)) ٣٤/١٨: عمر. ٥١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وروي أيضًا عن الصديق وعثمان وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء، وإليه ذهب الثوري(١) وإسحاق وأبو عبيد. وفيها قول ثان: أنه أحق بها ما كانت في الدم، روي عن طاوس وسعيد بن جبير، وهذا على مذهب من يقول الأقراء: الحيض، ومن قال الأقراء: الأطهار، (يرى)(٢) له الرجعة ما لم يراق الدم من الحيض الثالث إذا طلقها وهي طاهر، هذا قول مالك والشافعي وأبي ثور. وممن قال الأقراء: الأطهار من السلف: زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة والقاسم وسالم والشافعي ومالك(٣). وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركت أحد من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة. ولم يختلف أهل اللغة أن العرب تسمي كلا منهما قرءًا وتسمي الوقت الذي يجمعهما قرءًا، فلما أحتمل اللفظ هُذِه الوجوه في اللغة، وجب أن نطلب الدليل على المراد في الآية، فوجدناه حديث ابن عمر في أمره بطلاقها في الطهر وجعل العدة بقوله: ((فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)) (٤)، ونهاه أن يطلق في الحيض، وأخرجه من أن يكون عدة فثبت أنها الأطهار. فإن استدل المخالف بقوله: ((دعي الصلاة أيام إقرائك)). أي: حيضك؛ لأنه لا يأمر بتركها أيام الطهر، فيجاب بأنه ليس في هذا (١) انظر هذه الآثار في مصنف عبد الرزاق ٣١٥/٦-٣٢٠. (٢) في الأصل (لا يرى) والصواب الإثبات لا النفي حيث من المعلوم أن للزوج الرجعة في العدة بلا خلاف. (٣) أنظر هذه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٨٥/٢-٣٨٦، ((الاستذكار)) ٣٢/١٨-٣٧. (٤) سلف برقم (٤٩٠٨). ٥١١ - كِتَابُ العِدَّةِ أكثر من إطلاقه على الحيض ونحن لا نمنع منه. والحديث خطاب للمستحاضة أن تترك الصلاة عند إقبال دم حيضتها، ولا خلاف فيه، وحديث ابن عمر دال على أن الأقراء فيه الأطهار، وهي المعتد بها، وأن إقراءها إقبال الدم. فالمسألتان مختلفتان عدة وصلاة. فإن قلت: إطلاق اسم القرء يطلق على الحيض؛ لأنها إنما تسمى من ذوات الأقراء إذا حاضت. قلت: أسم القروء للطهر الذي ينتقل إلى الحيض، ولا نقول: إنه أسم للطهر من الحيض، فإنما لم تقل هي من ذوات الأقراء إذا لم تحض؛ لأنه طهر لم يتعقبه حيض فإذا حاضت فقد وجد طهر يتعقبه حیض. وقد اختلف (أصحابه)(١) في هذِه المسألة: فقال أحد عشر صاحبًا منهم الأربعة وابن عباس ومعاذ: إنه الحيض، وقال به جماعة من التابعين . وينبغي أن يتقدم قول عائشة وابن عمر؛ لأن عائشة أعرف بحال الحيض لما تختص به من حال النساء وقربها من رسول الله ◌َالقدس، وكذلك ابن عمر؛ لأنه قد عرف الطلاق في الحيض وما أصابه فيه، فهو أعلم به من غيره، وحكي أن الطريق إلى ما ذكره عن الصحابة غير ثابت(٢). 6 (١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): الصحابة. (٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٨٧-٤٨٩. ٥١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤١- باب قِصَّةٍ فَاطِمَةً بِنْتِ فَيْسٍ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦-٧]. ٥٣٢١، ٥٣٢٢- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ، أَنَّ يَخْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الَحَكَمِ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَزْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ إِلَى مَزْوَانَ - وَهْوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ -: آَتَّقِ اللهَ وَازْدُدُهَا إِلَى بَيْتِهَا. قَالَ مَزْوَانُ في حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الَحَكَمِ غَلَبَنِي. وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ. فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ. [٥٣٢٣، ٥٣٢٤، ٥٣٢٥، ٥٣٢٦، ٥٣٢٧، ٥٣٢٨- مسلم: ١٤٨١ - فتح: ٩ / ٤٧٧] ٥٣٢٤،٥٣٢٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ، أَلَا تَتَّقِي الله؟! يَغْنِي: فِي قَوْلِهِ: ((لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ)). [انظر: ٥٣٢١، ٥٣٢٢ - مسلم: ١٤٨١ - فتح: ٩/ ٤٧٧] ٥٣٢٥، ٥٣٢٦- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسِ، حَدَّثَنَا ابن مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ: أَمْ تَرَيْنَ إِلَىْ فُلَانَةَ بِئْتِ الحَكَمْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا البَتَّةَ فَخَرَجَتْ؟ فَقَالَتْ بِنْسَ مَا صَنَعَتْ. قَالَ: أَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلٍ فَاطِمَةَ؟ قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هذا الحَدِيثِ. وَزَادَ ابن أَبِ الزَّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ العَيْبِ وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحِشِ فَخِيَفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَزْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َ. [انظر: ٥٣٢١، ٥٣٢٢- مسلم: ١٤٨١ - فتح: ٩/ ٤٧٧] وذكر بإسناده عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ بْنِ العَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ ٥١٣ كِتَابُ العِدَّةِ = الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَم، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ إِلَى مَرْوَانَ -وَهْوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ -: أَتَّقِ اللهَ وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا. قَالَ مَرْوَانٌ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي. وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ. فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنْ كَانَّ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ. ثم روى حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ، أَلَا تَتَّقِي اللهَ؟! يَعْنِي: فِي قَوْلِهِا: ((لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ)). ثم روي من حديث عبد الرحمن بن القاسم، عَنْ أَبِهِ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرىُ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الحَكَمْ طَلَّفَهَا زَوْجُهَا البَثَّةَ فَخَرَجَتْ؟ فَقَالَتْ بِئْسَ مَا صَنَعَتْ. قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلٍ فَاطِمَةَ؟ قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هُذا الحَدِيثِ. الشرح : قال ابن عبد البر: حديث فاطمة هذا مروي من وجوه صحاح متواترة عنها (١). واختلف العلماء كما قال ابن المنذر في خروج المبتوتة بالطلاق من بيتها في عدتها، فمنعت من ذلك طائفة، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وعائشة، ورأى سعيد بن المسيب والقاسم وسالم وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار أن تعتد في بيت زوجها حيث طلقها، وحكى أبو عبيد هذا القول عن مالك والثوري والكوفيين أنهم كانوا يرون ألا تبيت المبتوتة والمتوفى عنها إلا في بيتها . (١) ((التمهيد)) ١٥٥/١٩. ٥١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وفيها قول آخر أن المبتوتة تعتد حيث شاءت، روي ذلك عن ابن عباس وجابر وعطاء وطاوس والحسن وعكرمة، وقال أحمد وإسحاق: تخرج المطلقة ثلاثًا - على حديث فاطمة- ولا سكنى لها ولا نفقة. قال ابن المنذر: وإنما اختلف أهل العلم في خروج المطلقة ثلاثًا من بيتها، أو مطلقة لا رجعة للزوج عليها. فأما من له عليها الرجعة فتلك في معاني الأزواج، وكل من أحفظ عنه العلم يرى لزوجها منعها من الخروج، حتى تنقضي عدتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (١) [الطلاق: ١] الآية. وكان مالك يقول: المتوفى عنها زوجها تزور وتقيم إلى قدر ما يهدأ الناس بعد العشاء، ثم تنقلب إلى بيتها (٢). وهو قول الليث والشافعي وأحمد(٣). وقال أبو حنيفة: تخرج المتوفى عنها نهارًا، ولا تبيت عن بيتها، ولا تخرج المطلقة لا ليلًا ولا نهارًا (٤)، وفرقوا بينهما. فقالوا: المطلقة لها السكنى عندنا، والنفقة في عدتها على زوجها، فذلك يغنيها عن الخروج، والمتوفى عنها لا نفقة لها، فلها أن تخرج في بیاض النهار وتبتغي من فضل ربها (٥). (١) ((الإشراف)) ٢٥٢/١. (٢) ((المدونة)) ١٠٥/٢، ١٠٤. (٣) انظر: ((الاستذكار)) ١٨١/١٨. (٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٩٤/٢-٣٩٥. (٥) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٨١/٣، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٩٤/٢-٣٩٥. ٥١٥ - كِتَابُ وقال محمد: لا تخرج المطلقة ولا المتوفى عنها ليلًا ولا نهارًا في العدة(١). وقالت طائفة: المتوفى عنها تعتد حيث شاءت. روي هذا عن علي وابن عباس وجابر وعائشة وعن عطاء والحسن. قال ابن عباس: إنما قال الله تعالى: تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يقل تعتد في بيتها، فتعتد حيث شاءت(٢). وقام الإجماع على أن الرجعية تستحق السكنى والنفقة؛ إذ حكمها حكم الزوجات في جميع أمورها . واختلف في وجوب السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثًا إذا لم تكن حاملًا، فقالت طائفة: لا فيهما على نص حديث الباب. وروي عن علي وابن عباس وجابر، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وممن قال لا نفقة للمبتوتة إبراهيم في رواية، والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة فيما ذكره ابن أبي شيبة بأسانيد جيدة (٣) وخالف ذلك جابر بن عبد الله والحسن وعطاء والشعبي وشريح القاضي والحكم وحماد وإبراهيم والإسناد إليهم جيد (٤). وقالت أخرى: للمبتوتة السكنى دون النفقة. روي عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء والشعبي، وهو قول مالك وابن أبي ليلى والليث والأوزاعي والشافعي. (١) كذا في الأصول، والذي وقفت عليه أن قول محمد بن الحسن كقول أبي حنيفة أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ٨١/٣، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٩٤/٢-٣٩٥، المبسوط ٦/ ٣٢. (٢) روى هذه الآثار عبد الرزاق ٧/ ٣٠، ٢٩. (٣) ((المصنف)) ٤/ ١٤٢ (١٨٦٦١-١٨٦٦٤). (٤) أنظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٤١/٤. ٥١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقالت طائفة ثالثة: لكل مطلقة السكنى والنفقة ما دامت في العدة حاملًا كانت أو غير حامل، مبتوتة كانت أو رجعية. هذا قول الثوري والكوفيين (١)، وروي عن عمر وابن مسعود (٢). احتج الكوفيون بأن عمر وعائشة وأسامة بن زيد ردوا حديث فاطمة بنت قيس، وأنكروه عليها، وأخذوا في ذلك بما رواه الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول أمرأة وهمت أو نسيت. وكان عمر رضي الله عنه يجعل لها النفقة والسكنى(٣) وقال ابن حزم: ما كنا لنعتد في ديننا بشهادة أمرأة (٤)، ووصل هذا أبو يوسف، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر (٥). وفي الدارقطني أن عمر قال لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعا عن رسول الله وَله وإلا لم نترك كتاب الله لقول أمرأة ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾. ولم يقل فيه وسنة نبينا، وهذا أصح؛ لأنه لا يثبت(٦). والحديث عند النسائي بدونها(٧) قالوا: ما أحتج به عمر في دفع حديث فاطمة حجة صحيحة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ثم قال: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ (١) أنظر ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٩٩/٢: ((الاستذكار)) ٥٣/١٨-٥٤. (٢) ((ابن أبي شيبة)) ١٤٢/٤. (٣) رواه مسلم (١٤٨٠) كتاب الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها. (٤) هُذا من قول عمر لا ابن حزم كما في ((المحلى)) بل رد هذا الخبر عن عمر ابن حزم فقال هذا باطل بلا شك؛ لأنه منقطع. (٥) ((المحلى)) ٢٩٥/١٠. (٦) ((السنن)) ٢٦/٤. (٧) النسائي ٢٠٩/٦. ٥١٧ كِتَابُ العِدَّةِ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وأجمعوا أن الأمر إنما هو الرجعة ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآية. ثم قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] يريد في العدة، فكانت المرأة إذا طلقها زوجها اثنتين للسنة ثم راجعها كما أمر الله ثم طلقها أخرى للسنة حرمت عليه ووجبت عليها العدة التي جعل الله لها فيها السكنى وأمرها فيها ألا تخرج، وأمر الزوج ألا يخرجها، ولم يفرق بين مطلقة ومطلقة، فلما جاءت فاطمة هذِه فروت عن النبي وَلّى: ((إنما السكنى والنفقة لمن كانت عليها الرجعة))، خالفت بذلك كتاب الله؛ لأن الله تعالى جعل السكنى لمن لا رجعة عليها، وخالفت السنة؛ لأن عمر رضي الله عنه خالف ما روت، فخرج المعنى الذي منه أنكر عمر عليها ما أنكر خروجًا صحيحًا، وبطل حديث فاطمة فلم يجب العمل به أصلًا؛ لما بينا. وقال الكوفيون: إن السكنى تتبع النفقة فتجب بوجوبها وتسقط بسقوطها فقال لهم أصحاب مالك: السكنى التي في حالة الزوجية هي تبع النفقة من أجل التمكين من الأستمتاع، فلا يجوز أن تسقط إحداهما وتجب الأخرى، والسكنى بعد البينونة حق الله فلا تتبعها النفقة، ألا ترى أنهما لو أتفقا على سقوطها لم يجز أن تعتد في غير منزل الزوج الذي طلق فيه، وفي الزوجية يجوز أن ينقلها إلى حيث شاء، وبعد الطلاق ليس كذلك. وقال من منعها وأخذوا بحديث فاطمة: إن عمر إنما أنكر عليها؛ لأنها خالفت عنده كتاب الله، يريد قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وهذا إنما هو في الرجعية، وفاطمة كانت مبتوتة لا رجعة لزوجها عليها، وقد قالت أنه التليف قال لها: ((إنما النفقة والسكنى لمن كانت عليها الرجعة)) ٥١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفاطمة لم يكن لزوجها عليها الرجعة، فما روت من ذلك لا يدفعه كتاب الله ولا سنة نبيه، [فإن كان عمر وعائشة وأسامة أنكروا على فاطمة ما روت عن النبي ◌َير](١) وقالوا بخلافه، فقد تابع فاطمة على ذلك علي وابن عباس وجابر. وحديث الشعبي بين في ذلك، روى هشيم: ثنا مغيرة وحصين وإسماعيل بن أبي خالد ومجالد، عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله وير في السكنى والنفقة، فقالت: طلقني زوجي البتة فخاصمته إلى رسول الله وَّل في السكنى والنفقة، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم(٢) وقال مجالد في حديثه: إنما السكنى والنفقة لمن كانت له الرجعة(٣). وأعله ابن القطان بمجالد(٤)، ورواها أيضًا عن الشعبي سعيد بن يزيد الأحمسي، وهو ضعيف(٥). واحتج من قال بالسكنى دون النفقة بأن حديث الشعبي غلط؛ لأنه قد روي عنه أنه جعل للمبتوتة السكنى وقال بعضهم: السكنى والنفقة. وقال إسماعيل بن إسحاق: حَدَّثَنَا ابن أبي شيبة ثَنَا حميد، عن حسن بن صالح، عن السدي، عن إبراهيم والشعبي في المطلقة ثلاثًا قال: لها السكنى والنفقة (٦). (١) ساقط من الأصل وأثبتناه من ((شرح ابن بطال)) لا حتياج السياق إليه. (٢) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٤٢) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها. (٣) رواه أحمد ٤١٦/٦، الطبراني في ((الكبير)) ٣٧٩/٢٤ (٩٣٧). (٤) ((بيان الوهم)) ٤/ ٤٧٢-٤٧٨ (٥) رواه النسائي في ((المجتبي)) ١٤٤/٦. (٦). ((المصنف)) ١٤١/٤ (١٨٦٤٩). ٥١٩ - كِتَابُ العِدَّةِ وهذا يوهن رواية الشعبي قال (أبو إسحاق)(١) كنت مع الأسود بن يزيد في المسجد الجامع ومعنا الشعبي يحدث بحديث فاطمة أنه التفّها لم يجعل لها سكنى ولا نفقة فأخذ الأسود كفّا من حصى فحصبه، وقال: ويحك أتحدث بهذا أين عمر بن الخطاب(٢)؟ قال إسماعيل: فلعله أفتى بخلاف ما روى عن فاطمة لما (روي)(٣) من إنكار الناس عليه. وروى أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم قال في المطلقة ثلاثًا : لها السكنى والنفقة ولا يجبر على النفقة. قال إسماعيل: فلخص منصور في روايته شيئًا يدل على ضبطه، وبين أن إبراهيم إنما أراد إثبات السكنى دون النفقة، وإسقاط السكنى هو الذي أنكر على فاطمة، وكذلك أنكرت عليها عائشة إطلاق اللفظ (٤)، وكتمان السبب الذي من أجله أباح العليّ خروجها من المنزل فقالت: أتق الله ولا تكتمي السر الذي من أجله نقلك. وذلك أنها كانت في لسانها ذرابة فاستطالت على أحمائها -أهل زوجها- فلذلك نقلها، لا أنه لا سكنى لها، والمرأة عندنا إذا آذت أهل زوجها جاز نقلها من ذلك الموضع، فدل أن عائشة رضي الله عنها علمت معنى ما أمر به رسول الله وَيا فاطمة، ولم يكن قولها شيئًا قالته برأيها، ألا ترى (١) في الأصول: (ابن إسحاق) والصحيح ما أثبتناه كما في ((صحيح مسلم)) (١٤٨٠) وهو أبو إسحاق السبيعي وفيه في آخره: ثم أخذ الأسود كفّا من حصى فحصبه به فقال: ويلك! تحدث بمثل هذا، قال عمر: لا نترك كتاب الله ... إلخ. (٢) رواه مسلم (١٤٨٠) كتاب: الطلاق، باب: المطلق ثلاثًا لا نفقة لها. (٣) كذا بالأصل، وصوبه محقق ((ابن بطال)) (رأى) لاقتضاء السياق. وقال: في الأصل: روي. (٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٩٤. ٥٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قولها لمروان: دع عنك حديث فاطمة فإن لها شأنًا وقالت: ألا تتقي الله فاطمةُ، علمت يقينًا أنها عرفت قصتها كيف كانت. وقول مروان لعائشة: إن كان بك من الشر فحسبك ما بين هذين من الشر. يدل أن فاطمة إنما أمرت بالتحويل إلى الموضع الذي أمرت به لشر كان بينها وبينهم. وإذا كان الشر والشقاق واقعًا بين الزوجين جاز للحاكم أن يبعث إليها حكمين يكون لهما الجمع بينهما أو الفرقة. فكان تحويل المعتدة من مسكن إلى مسكن إذا وقع الشر أحرى أن يجوز . وقد روي في قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِنَةٍ﴾ أحاديث: فمنهم من ذهب إلى أن الفاحشة البذاء وسوء الخلق، وهذا يشبه قول مروان السالف. وقد روي غير ذلك على ما يأتي ذكره في الباب بعد. قال المهلب: في إنكار عائشة على فاطمة فتياها بما أباح لها الشارع من الانفصال وترك السكنى ولم تخبر بالعلة فيه: أن العالم لا يجب أن يفتي في المسألة إذا لم يعرف معناها كما لم تعرف فاطمة الوجه الذي أباح الشارع إخراجها من أجله من مسكنها، فتوهمت أنه ليس لها بهذا سكنى(١) . واحتج من قال بوجوب السكنى دون النفقة بقوله تعالى : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿حَمْلَهُنَّ﴾ فلو كانت النفقة تجب كما تجب السكنى لما كان لاختصاص النفقة للحامل معنى، فلما وقع الاختصاص وجب أن لا نفقة للمرأة إذا لم تكن حاملًا، ووجب أيضًا (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٧ /٤٩٦.