Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ = كِتَابُ الطَّلَاقِ الجملة، واختار البخاري إيقاف الأهل أبدًا إلى الوفاة يقينًا أو التعمير، ونبه على أن الغنم إنما يتصرف فيها خشية الضياع بدليل التعليل في الإبل. والإبل في معنى الأهل؛ لأن بقاء العصمة ممكن كبقاء الإبل مملوكة له (١). فصل : واختلف العلماء في حكم المفقود إذا لم يعرف مكانه وعمي خبره، فقالت طائفة: إذا خرج من بيته وعمي خبره أنَّ أمرأته لا تُنكح أبدًا ولا يفرق بينه وبينها حتى يوقن بوفاته أو ينقضي تعميره، وسبيل زوجته سبيل ماله، روي هذا القول عن علي (٢)، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومحمد والشافعي(٣)، وإليه ذهب البخاري والله أعلم، لأنه بوب كما سلف، وذكر حديث اللقطة والضالة. ووجه الاستدلال من ذلك: أن الضالة إذا وُجدت ولم يعلم ربها فهي في معنى المفقود؛ لأنه لا يُعلم من هو ولا أين هو، فلم يزل الجهل به وبمكان ملكه عن ماله وبقي محبوسًا عليه، فكذلك يجب أن تكون عصمته باقية على زوجته، لا يحلها إلا بيقين موته أو أنقضاء تعميره. وهذه الزوجية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ولا تحل إلا بيقين قتله. وقالت طائفة: تتربص أمرأته أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم تحل للأزواج، روي هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وعطاء، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة، وبه قال (١) ((المتواري)) ص ٢٩٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٥١٣/٣ (١٦٧٠٣). (٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٢٩/٢، ((مختصر المزني)) ٤١/٥. ٣٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - أحمد وإسحاق(١). واحتج ابن المنذر لهم فقال: أتباع خمسة من الصحابة أولى. قال: وقد دفع أحمد ما روي عن علي من خلاف هذا القول وقال: أن رواه أبو عوانة ولم يتابع عليه(٢) قلت: ورواه عنه الحكم وهو منقطع، لكن قد صح عن أبي قلابة وإبراهيم والشعبي وجابر بن زيد وابن سيرين والحكم وحماد مثل قوله(٣) . قال ابن المنذر: وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة، وكما وجب تأجيل العنين تقليدًا لعمر وابن مسعود، كذلك وجب تأجيل أمرأة المفقود؛ لأن العدد الذين قالوا بالتأجيل أكثر وهم أربعة من الخلفاء، وقد قال الكليئة: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين من بعدي))(٤)(٥). فصل : واختلفوا إذا فُقد في الصف عند القتال، وقد أسلفنا عن ابن المسيب أنه تؤجل أمرأته سنة، وروى أشهب عن مالك أنه يضرب لامرأته أجل سنة بعد أن ينظر في أمرها، ولا يضرب لها من يوم فُقِد. (١) أنظر: ((المدونة)) ٩٢/٢-٩٣،، ((اختلاف الفقهاء)) ص ٢٦٩، ((الإشراف)) ٨٥/١-٨٦. (٢) ((الإشراف)) ٨٦/١. (٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٥١٣/٣. (٤) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وأحمد ١٢٦/٤ جميعًا عن العرباض بن سارية. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٧٣٥). (٥) ((الإشراف)) ٨٦/١. ٣٨٣ كِتَابُ الطَّلَاقِ = وسواء فُقِد في الصف بين المسلمين أو في قتال المشركين، فروى عيسى، عن ابن القاسم، عن مالك: إذا فقِد في المعترك أو في فتن المسلمين بينهم، أنه ينتظر بمقدار ما ينصرف المنهزم، ثم تعتد امرأته ويقسم ماله(١) . وروى ابن القاسم، عن مالك في المفقود في فتن المسلمين أنه (يضرب)(٢) لامرأته سنة، ثم تتزوج(٣). واحتج المهلب لهذا القول بحديث اللقطة؛ لأنه حكم القليلا بتعريف سنة. وقال الكوفيون والثوري والشافعي في الذي يُفقد بين الصفين كقولهم في المفقود: لا يفرق بينهما، كما أسلفناه عنهم(1) واتفق مالك والكوفيون والشافعي في الأسير لا يستبين موته أنه لا يفرق بينه وبين امرأته ويوقف ماله وينفق منه عليها. وفرق الأبهري بين الأسير والمفقود أن الأسير غير مختار لترك الرجوع إلى زوجته ولا قاصد لإدخال الضرر عليها، فلم يجزْ رفع نكاحه، وهو كالذي لا يقدر على الوطء (لعلة عرضت له)(٥). والمفقود غير معذور بالتأخير عن زوجته إذ لا سبب له ظاهر منعه به من ذلك. حكم زوجة الأسير في النفقة عليها من مالهٍ كامرأة المفقود لأنا نقدر أن نوصلها إلى حقها من النفقة سواء غاب أو حضر. (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٤٣/٥-٢٤٧، و((المنتقى)) ٩١/٤-٩٣. (٢) في الأصل: يصرف ، والمثبت من (غ). (٣) كذا في ((ابن بطال)) ٤٤٩/٧، والذي في ((النوادر)) ٢٤٥/٥، ((المنتقي)) ٤/ ٩٢ أن المفقود في فتن المسلمين بينهم لا يضرب له أجل. (٤) أنظر: ((الإشراف)) ٨٧/١. (٥) في الأصول: عرضت له لعلة. والمثبت من ((ابن بطال)) ٤٤٩/٧. ٣٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ولا خلاف أنه لا يفرق بين الأسير وزوجته حتى يصح موته أو فراقه، ومالك يعمر الأسير إلى أن تعرف حياته وقتًا ثم ينقطع خبره فلا يعرف له موت، يعمره ما بين السبعين إلى الثمانين، وكذلك يعمر المفقود بين الصفين، والمفقود الذي فُقِد في غير الحرب يعمره كذلك أيضًا في ماله وميراثه . والكوفيون يقولون: لا يُقسّم ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش مثله، وهذا يشبه قول مالك، وقال الشافعي: لا يُقسم ماله حتى تعلم وفاته(١) . وروى محمد بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة يرفعه ((امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البیان)»(٢). قال أبو حاتم: حديث منكر، ومحمد يروي عن المغيرة أحاديث مناكير بواطيل(٣) . فصل : لم بين سعيد بن المسيب هل كان الصف في أرض الإسلام أو أرض العدو، وقد أسلفنا قول مالك فيه في المعركة بين المسلمين، وعنه أيضًا: ليس في ذلك أجل، وتعتد زوجته من يوم التقاء الصفين، قال: وكذلك كان في صفين والحرة وقديد فتبين كلهم عرف مصرعه، (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٧ /٤٤٩. (٢) رواه الدارقطني ٣١٢/٣، والبيهقي ٤٤٥/٧ من طريق سوار بن مصعب عن محمد بن شرحبيل عن المغيرة يرفعه. قال البيهقي : سوار ضعيف. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٧٣/٣: حديث ضعيف أ هـ. وقال عبد الحق في ((أحكامه الوسطى)) ٢٨٨/٣: محمد بن شرحبيل متروك الحديث أ هــ ووهاه ابن القطان في ((بيان الوهم)) ١٢٦/٣-١٢٧ بسوار بن مصعب إلى جانب محمد بن شرحبيل. (٣) ((العلل)) ١/ ٤٣١. ٣٨٥ = ڪِتَابُ الطَّلَاقِ وأسلفنا عن رواية ابن القاسم: تتربص سنة ثم تعتد. وقال أيضًا: العدة داخلة في السنة. وقال في ((العتبية)): فما قرب من الديار يتلوم السلطان لزوجته باجتهاده بقدر أنصراف من أنصرف وانهزام من أنهزم، ثم تعتد، ثم تتزوج. وفيما بَعُد مثل إفريقية تنتظر سنة. وقال محمد عنه فيما بعد: تتربص أربع سنين. وقال أصبغ: يضرب لها بقدر ما يستقصى أمره ويستبرأ خبره، وليس لذلك حد معلوم(١). وأما ماله فمنهم من قال: بعد يوم التقاء الصفين يُقْسَّم حينئذ. ومن قال: تعتد أربع سنين يعمر، ومن قال: سنة أختلف على قوله: هل يقسم حينئذٍ أو يوقف إلى التعمير؟ وأما فقيد (معترك)(٢) في أرض الشرك فقيل كالأسير أو تتربص سنة من يوم ينظر السلطان في أمره ثم تعتد، أو تتربص أربع سنين. ثلاثة أقوال: الأول في ((العتبية))، والثاني لأشهب، والثالث في كتاب (٣) محمد(٣) . وذكر عن بعض أصحاب مالك أن الناس أصابهم سعال بطريق مكة، وكان الرجل لا يسعل إلا يسيرًا فيموت، فمات في ذلك عالم كثير، ففقد مائتان من الخارجين إلى الحج ولم يَنْ لهم خبر، فرأى مالك قسمة أموالهم ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيره. وأما فقيد أرض الإسلام فاختلف فيه في عشرة مسائل: من يتولى الكشف عن خبره: أهو سلطان بلد أو الخليفة خاصة؟ قاله أبو مصعب. (١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٤٥/٥-٢٤٦، ٢٤٨. (٢) في الأصل: معتره، والمثبت هو الصواب. (٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٤٥/٥، ٢٤٧، ٢٤٨. ٣٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ورواية الأربع سنين: هل هو من يوم اليأس من خبره - كما قاله في ((المدونة))(١) أو من يوم الرفع - قاله في ((المختصر)) - وهل يكون أحق بها بعد أنقضاء عدتها - قاله في ((المدونة)) -(٢) أم لا؟ قاله ابن نافع. وإذا قلنا: هو أحق بها هل يفوت بعقد الثاني أو بدخوله؟ وأما علة الاقتصار على أربع: هل هي لأنها أقصى أمد الحمل، أو المدة التي تبلغها المكاتبة سيرًا ورجوعًا أو بناء على المولي جعل لكل شهر سنة، أو تعتد أتباعًا لعمر؟. وهل تحل ديونه بعد الأربع، -قاله مالك- أولا؟ قاله أصبغ والشافعي. وهل يعمر سبعين، أو مائة وعشرين، أو تسعين، أو ثمانين. قال الداودي، عن بعض الرواة: رواية سبعين وهمًا، وأحسبها: تسعين، والقول بمائة وعشرين، قاله ابن عبد الحكم، وهو قول النعمان(٣)، وقال الشافعي: يعمر أقصى ما لا يعيش إليه أحد، وقاله مالك مرة. ذكره الداودي. وإذا قامت امرأة المفقود ثانية بحقها: هل يضرب له أجل آخر أو يجزئ بالأول؟ قاله مالك. وإذا قضي بفراق زوجته بعد الأربع، ولم يكن دخول وموت بالتعمير، هل تأخذ نصف الصداق؟ قاله عبد الملك. أو جميعه؟ قاله مالك. وقال أبو حنيفة: لا يفرق حتى يبلغ التعمير (٤) . (١) ((المدونة)) ٩٢/٢. (٢) ((المدونة)) ٢ /٩٣. (٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٤٠٥. (٤) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٤٠٥. ٣٨٧ كِتَابُ الطَّلَاقِ = وهو أحد قولي الشافعي، وثانيهما كمالك. وقال قتادة وأحمد: يُقسم ماله عند انقضاء أربع سنين. فصل : قوله في حديث زيد بن خالد في الغنم: ((خذها)) يؤخذ منه أنه إذا أكل الشاة في فلاة أنه لا ضمان عليه، وهو أظهر الروايتين عن مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يضمنها، ورواه بعض المدنيين عن مالك، وهذا التعليل داٌّ على أنها في حكم المتلف فلا قيمة في إتلافها؛ ولأنه أضافها إلى واجدها كإضافتها إلى الذئب. فصل : والحذاء: خف البعير. والعفاص: الخرقة. والوكاء: الخيط، وقاله ابن القاسم أيضًا، وعكس ذلك أشهب فقال: العفاص: الخيط، والوكاء: الظرف. فصل : الحديث حجة على أبي حنيفة حيث قال بالتقاط الإبل. فصل : قوله: ( ((فإن جاء من يعرفها وإلا فاخلطها بمالك)) ) أخذ بظاهره داود على أنه يتملكها، وخالف فقهاء الأمصار، والمراد: خلطها به على جهة الضمان كالسلف، بدليل الرواية الأخرى، ((فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه)). فصل : قوله فيه: (قال سفيان: فلقيت ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سفيان -ولم أحفظ عنه شيئًا غير هذا -: أرأيت حديث يزيد مولى المنبعث في ٣٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == أمر الضالة عن زيد بن خالد؟ قال: نعم. قال يحيى -يعني: بن سعيد- ويقول ربيعة: عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد، قال سفيان: فلقيت ربيعة فقلت له) قال ابن التين: فقد حفظ عن الزهري وهو مات قبل ربيعة، مات الزهري سنة أربع وعشرين ومائة، ويقال: سنة (خمس ومائة)(١)، ومات ربيعة سنة ثلاثين ومائة وإنما قال ذلك؛ لأن أكثر مقاصد سفيان الحديث والغالب على ربيعة الفقه. (١) كذا في الأصل، (غ)، وصوابه: خمس وعشرين ومائة. ٣٨٩ كِتَابُ الطَّلَاقِ = ٢٣- باب الظَّهَارِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾. إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة ١-٤]. وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابن شِهَابٍ، عَنْ ظِهَارِ العَبْدِ، فَقَالَ: نَحْوَ ظِهَارِ الحُرِّ. وقَالَ مَالِكٌ: وَصِيَامُ العَبْدِ شَهْرَانِ. وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ (الْحُرِّ) (١): ظِهَارُ الحُرِّ وَالْعَبْدِ مِنَ الحُرَّةِ وَالأَمَةِ سَوَاءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا الظُّهَارُ مِنَ النِّسَاءِ، وَفِي العَرَبِيَّةِ لِمَا قَالُوا أَيْ فِيمَا قَالُوا، وَفِي بَعْضِ مَا قَالُوا، وهذا أَوْلَى؛ لأَنَّ اللهَ تعالىْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى المُنْكَرِ وَقَوْلِ الزُّورِ . الشرح: هُذِهِ المجادلة خولة عند أهل التفسير، وزوجها أويس بن الصامت، وقيل: هي بنت خويلد أو دليج، وقيل: بنت ثعلبة، أنصارية، وقيل: بنت الصامت، وقيل: كانت أمة لعبد الله بن أبي، وهي التي نزل فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى اَلْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]. وقوله: ﴿تَحَاوُرَّكُمَا﴾ قالت عائشة رضي الله عنها: كانت تحاور النبي ج وَسـ ـية وأنا بقربها لا أسمع. قال الشافعي: سمعت من يُرضى من أهل العلم بالقرآن يذكر أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بثلاث: الظهار، والإيلاء، والطلاق. فأقر الله (١) في الأصل: (حي) وفي اليونينية: (الحر) وعليها علامتان يشيران إلى أنها من روايتي أبي ذر والمستملي. ٣٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الطلاق طلاقًا، وحكم في الظهار والإيلاء بما بين(١). والظّهار - بكسر الظاء- مظاهرة الرجل من امرأته إذا قال: هي كظهر ذات رحم مُحرم، قاله صاحب ((العين))(٢). وعبارة صاحب ((المحكم)): ظاهر الرجل امرأته ومنها مظاهرة وظهارًا إذا قال: هي عليَّ كظهر ذات رحم محرم، وقد تظاهر منها وتظهر (٣) زاد المطرزي: واظَاهر، وفي ((جامع القزاز)): ظاهر الرجل من أمرأته إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي أو كذات محرم. وقوله: (وقال إسماعيل) إلى آخره، قد سلف قريبًا أنه أخذه مذاكرة، وعند ابن أبي شيبة: حدثنا أبو عصام عن الأوزاعي، عن الزهري نحوه. وفي ((الموطأ)): مالك أنه سأل ابن شهاب عن ظهار العبد فقال: نحو ظهار الحر. قال مالك: إنه يقع عليه كما يقع على الحرِّ(٤). (قال مالك: وصيام العبد في الظهار شهران) كما قاله البخاري. وأثر عكرمة ذكره ابن حزم، قال: وروي أيضًا مثله عن الشعبي ولم يصح عنهما، وصح عن مجاهد في أحد قوليه وابن أبي مليكة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم، إلا أن أحمد قال في الظهار من ملك (اليمين: كفارة)(٥) يمين. (١) ((الأم)) ٢٦٢/٥. (٢) ((العين)) ٣٨/٤. (٣) ((المحكم)) ٤/ ٢٠٧. (٤) ((الموطأ)» برواية يحيى ص٣٤٧. (٥) في الأصل: كفارة ككفارة يمين، والمثبت من (غ)، وهو الموافق لما في ((المحلى)). ٣٩١ كِتَابُ الطَّلَاقِ = وقال بعضهم: إن كان يطؤها فعليه كفارة الظهار، وإلا فلا كفارة ظهار عليه، صح هذا القول عن سعيد بن المسيب والحسن وسليمان بن يسار ومُرة الهمداني والنخعي وابن جبير والشعبي وعكرمة وطاوس والزهري وقتادة وعمرو بن دينار ومنصور بن المعتمر، وهو قول مالك والليث والحسن بن حي وسفيان الثوري وأبي سليمان وجميع أصحابنا(١). فصل : ما ذكره عن عكرمة قال به الشافعي وأبو حنيفة وأحمد، وقال علي وابن الزبير: يلزمه الظهار كالحرة، وبه قال سفيان الثوري ومالك(٢). فصل : ولم يذكر البخاري في الباب حديثًا؛ لأنه لم يجده على شرطه، وأما الحاكم فما خرجه على شرطه وشرط مسلم، كما سأذكره لك في الباب. وأما ابن العربي فقال: ليس في الظهار حديث صحيح يعول عليه (٣). فصل : قوله: (وفي العربية لما قالوا) إلى آخره. كأن البخاري أخذ من ((المعاني)) للفراء (٤)، وأما الأخفش فقال: المعنى على التقديم والتأخير. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فتحرير رقبة لما قالوا، وهو قول حسن كما قاله ابن بطال، وفيها وجهان آخران: (١) ((المحلى)) ٥٠/١٠. (٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٩١/٢، ((الإشراف)) ٢١٦/١-٢١٧. (٣) ((عارضة الأحوذي)) ١٧٥/٥. (٤) ((معاني القرآن)) ١٣٩/٣. ٣٩٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح أحدهما: أن (ما) بمعنى (مَنْ)، كأنه قال: ثم يعودون لمن قالوا فيهن أو لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا . ثانيهما: أن تكون (ما): مع. (قالوا بتقدير المصدر) (١)، فيكون التقدير: ثم يعودون للقول، فسمى القول فيهن باسم المصدر. وهذا القول، كما قالوا: ثوب نسج اليمن، ودرهم ضرب الأمير، وإنما هو منسوج اليمن ومضروب الأمير(٢). فصل : اختلف العلماء في كفارة الظهار بماذا تجب؟ فقال قوم: إنها تجب بمجرد الظهار، وليس من شرطها العود، روي هذا عن مجاهد، وبه قال سفيان الثوري(٣). وذهب جماعة من الفقهاء إلى أنها تجب بشرطين وهما الظهار والعَود، وقال أبو حنيفة: هي غير واجبة بالظهار ولا بالظهار والعود، لكنها تحرم عليه بالظهار، ولا يجوز وطؤها حتى يكفر. واختلف هؤلاء في العَوْد على مذاهب: أحدها: أنه العزم على الوطء، قاله مالك، وحكي عنه أنه الوطء بعينه، ولكن تقدم الكفارة عليه، وهذا قول ابن القاسم(٤). وأشار في ((الموطأ)) إلى أنه العزم على الإمساك والإصابة، وعليه أكثر أصحابه(٥)، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة، وبه قال أحمد وإسحاق. (١) عليها في الأصل: (لا .. إلى)، وقد ترمز إلى زيادة. (٢) ابن بطال ٧/ ٤٥٤. (٣) أنظر: ((المنتقى)) ٤٩/٤. (٥) ((الموطأ)) ص٣٤٦، ((المنتقى)) ٤٩/٤. (٤) انظر: ((المنتقى)) ٤٩/٤. ٣٩٣ كِتَابُ الطَّلَاقِ - وذهب الحسن البصري وطاوس والزهري إلى أنه الوطء نفسه(١)، ومعناه عند أبي حنيفة كما قال الطحاوي: أن لا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها (٢). وعند الشافعي: أن يمكنه طلاقها بعد الظهار ساعة فلا يطلقها، فإن أمسكها ساعة ولم يطلقها عاد لما قال، ووجب عليه الكفارة ماتت أو مات(٣). وعباراتهم وإن اختلفت في العَوْد فالمعنى متقارب. وقال أهل الظاهر: هو أن يقول لها: أنت عليَّ كظهر أمي ثانية. وروي هذا القول عن بكير بن الأشج، وهو الذي أنكره البخاري. قال ابن حزم: وهو قولنا: فمن قال من حر أو عبْد لامرأته أو أمته التي يحل له وطؤها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أو أنتِ مني كظهر أمي، أو مثل ظهر أمي، فلا شيء عليه، ولا يحرم بذلك وطؤها عليه حتى يكون القول بذلك مرة أخرى، فإذا قالها ثانية وجبت عليه كفارة الظهار، وهي عتق رقبة يُجزئ في ذلك المؤمن والكافر، والسَّالم والمعيب، والذكر والأنثى (٤) وصوب ابن المرابط أن لا يعود إلى اللفظ، فإذا أجمع على إصابتها فقد وجبت عليه الكفارة، لأن نيته وإجماعه على وطئها هو ما عقد من تحريمها، والرب جلَّ جلاله إنما قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ [المجادلة: ٣] ولم يقل: ما قالوا وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَا﴾ [المجادلة: ٣] فالتماس المذكور أنه ليس للمظاهر أن يُقبِّل ولا أن يتلذذ منها بشيء، وقاله مالك (١) انظر: ((المحلى)) ٥١/١٠. (٢) ((مختصر الطحاوي)) ص٢١٢-٢١٣. (٣) انظر: ((الإشراف)) ٢١٨/١. (٤) ((المحلى)) ٤٩/١٠ -٥٠. ٣٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == والزهري وغيرهما، وهو الصواب أن يكون ممنوعًا من كل ما وقع عليه أسم مسيس على ظاهر الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى لم يخص الوطء من غيره. قال ابن حزم: وقالت طائفة كقولنا، روي عن بكير بن الأشج ويحيى بن زياد الفراء، وروي نحوه عن عطاء، قال: وروينا من طريق سليمان بن حرب وعارم، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أن جميلة كانت أمرأة أوس بن الصامت، وكان به لمم، وكان إذا اشتد لممه ظاهر منها، فأنزل الله وَك فيه كفارة الظهار. قال ابن حزم: وهذا يقتضي التكرار، ولا يصح في الظهار إلا هذا الخبر وحده. وخبر آخر ذكره من طريق النسائي: أخبرنا الحسين بن حريث، أنا الفضل بن موسى، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أتى النبي وَله فقال: إني ظاهرت من امرأتي، فوقعت عليها قبل أن أُكفِّر. فقال له رسول الله وَلقال: ((لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله)). قال: وهذا خبر صحيح من رواية الثقات ولا يضره إرسال من أرسله، وكل ما عدا هذا فساقط، إما مرسل وإما من رواية من لا خیر فیه(١) . قلت: الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة (٢). (١) ((المحلى)) ٥٢/١٠، ٥٥. (٢) أبو داود (٢٢٢٣)، الترمذي (١١٩٩)، النسائي ١٦٧/٦-١٦٨، ابن ماجه (٢٠٦٥). ٣٩٥ = ڪِتَابُ الطَّلَاقِ وقال الترمذي فيه: حديث حسن غريب صحيح. وقال النسائي وأبو حاتم: مرسلًا أصوب من المسند(١) ولما رواه البزار من حديث إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بلفظ: فقال القَّ: ((ألم يقل الله: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَسَا﴾؟!))، قال: أعجبتني (قال)(٢): ((أمسك حتى تكفر)). قال: لا نعلمه ينتهي بإسنادٍ أحسن من هذا، على أن إسماعيل قد تُكلم فيه، وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم(٣). وقال أبو حاتم في ((علله)): رواه الوليد، عن ابن جريج، عن الحكم بن أبان خطأ، إنما هو عكرمة: أنه القليل. مرسل، وفي موضع آخر: سُئل عن حديث إسماعيل، عن عمرو، عن طاوس فقال: إنما هو طاوس أن رسول الله وَالر. ومنهم من يقول: عن عمرو عن عكرمة: أنه العَّه. قال: وإسماعيل هذا يختلط (٤). وروى الترمذي من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصاري أحد بني بياضة جعل أمرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلًا، فأتى رسول الله وَلا- فذكر ذلك له، فقال له رسول الله وَالجو: ((أعتق رقبة)) قال: لا أجدها. قال: ((صم شهرين متتابعين)) قال: لا أستطيع. قال: ((أطعم ستين مسكينًا)) قال: لا أجد. فقال رسول الله وَل لفروة بن عمرو: ((أعطه ذلك العرق)) (١) ((المجتبى)) ١٦٨/٦، ((علل ابن أبي حاتم)) ٤٣٠/١. في الأصل (إن) والمثبت من ((مسند البزار)) وهو الصحيح. (٣) ((البحر الزخار)) ١٣٣/١١-١١٤ (٤٨٣٣). (٤) ((العلل)) ١/ ٤٣٠، ٤٣٥. ٣٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا، أو ستة عشر صاعًا، ((أطعم ستين مسكينًا)). قال الترمذي: حديث حسن، يقال: سلمان بن صخر وسلمة بن صخر البياضي(١). وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)) -وقال: على شرط الشيخين(٢) - وأبو داود وابن ماجه(٣)، فروياه من حديث سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر، وهو منقطع، سليمان لم يسمع من سلمة، قاله البخاري(٤)، وفي إسنادهما مع ذلك عنعنة ابن إسحاق. وأما الحاكم فأخرجهما وقال: صحيح على شرط مسلم، وله شاهد(٥)، فذكر الأول. وأخرجه ابن الجارود في ((منتقاه))(٦). وأخرج ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام -وله صحبة- عن خولة بنت مالك بن ثعلبة أنها قالت: فيَّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، وذلك أن أوسًا ظاهر مني. الحديث وفيه: إني سأعينه بعرق من تمر. قال: ((قد أحسنت اذهبي فأطعمي عنه، واذهبي إلى ابن عمك))(٧). وأخرجه ابن الجارود في ((منتقاه))(٨). (١) الترمذي (١٢٠٠). (٢) ((المستدرك)) ٢٠٤/٢. (٣) أبو داود (٢٢١٣)، ابن ماجه (٢٠٦٢). (٤) انظر: ((علل الترمذي)) ٤٧٣/١. (٥) ((المستدرك)) ٢٠٣/٢-٢٠٤. (٦) ((المنتقى)) (٧٤٥). (٧) ابن حبان ١٠/ ١٠٧ (٤٢٧٩). (٨) ((المنتقى)) (٧٤٦). ٣٩٧ = كِتَابُ الطَّلَاقِ 19 ولما رواه أبو داود قال في هذا: أنها كفرت عنه من غير أن تستأمره(١) . ورواه أيضًا من حديث عطاء عن أوس وقال: عطاء لم يدرك أوسًا؛ لأنه من أهل بدر قديم الموت(٢) والحديث مرسل، واختلفت ألفاظه فروي فيه: خمسة عشر صاعًا. وروي: مكتل يسع ثلاثين صاعًا. وروي: ستين صاعًا . وروى عبد الغني بن سعيد في ((مبهماته)) من حديث الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن محمد بن جعفر، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أن ذلك كان نهارًا، وهو أصح من رواية ابن إسحاق: ليلًا. ورواه ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن سلمة. وروى البيهقي من حديث سلمان، عن سلمة بن صخر مرفوعًا في المظاهر يواقع قبل أن يُكفِّر، قال: ((كفارة واحدة))، خرجه أيضًا من حديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن سلمة بن صخر قال: الحديث. وفيه: فأتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر فقال: ((تصدق بهذا على ستين مسكينًا))(٣). وفي رواية: ((اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فليعطك وسقًا منها، فأطعم ستين مسكينًا وكل بقيتها أنت وعيالك)) (١) أبو داود (٢٢١٤). (٢) أبو داود (٢٢١٨). (٣) ((السنن الكبرى)) ٣٨٦/٧، ٣٩٠. ٣٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قال البيهقي: وهذا يدل على أنه يطعم من الوسق ستين مسكينًا ثم يأكل هو وعياله بقية الوسق، وهذا يشبه أن يكون محفوظًا، فقد روى بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار هذا الخبر وقال فيه: فأتي رسول الله وَل بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعًا، قال: ((فتصدق بهذا)) فقال: يا رسول الله: أعلى أفقر مني ومن أهلي؟ فقال: ((كله أنت وأهلك)) وهذا أولى لموافقة رواية (سلمة)(١) وابن ثوبان. قال: وروينا عن الأوزاعي- يعني: المذكور عند البخاري- حدثني الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المجامع في رمضان قال: ((أطعم ستين مسكينًا)) قال: ما أجد، فأتي رسول الله وَّ بعرق فيه تمر؛ خمسة عشر صاعًا قال: ((خذه وتصدق به))(٢) وفي رواية الإسماعيلي: فقال: يا رسول الله، أعلى غير أهلي؟ فوالذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة أحد أحوج مني. فضحك وقال: «خذه واستغفر ربك)). فصل : ولما ذكر ابن عبد الحق(٣) فيما رده على ابن حزم في ((محلاه) الحديث السالف الذي صححه ابن حزم قال: أورده حجة له، ولم (١) كذا في الأصول والصحيح: أبو سلمة. (٢) ((السنن الكبرى)) ٣٩١/٧، ٣٩٣. (٣) هو العلامة قاضي تلمسان أبو عبد الله، محمد بن عبد الحق بن سليمان الكوفي البربري المالكي، كان إمامًا معظمًا، كثير التصانيف من ذلك: ((غريب الموطأ)) وكتاب ((المختار في الجمع بين المنتقى والاستذكار)) مات في سنة خمس وعشرين وستمائة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) ٢٦١/٢٢، و ((غاية النهاية)) ١٩٥/٢. ٣٩٩ كِتَابُ الطَّلَاقِ = ينتبه إلى أنه حجة عليه لأنَّا نقول له: إذا عجز عن الصوم هل يكون الإطعام عليه فاحشًا قبل التماس أم لا؟ فإن قال: أن يتماس قبل أن يطعم؛ لأن الله تعالى لم يقيد وجوب الإطعام بأن يكون قبل التماس. قال: يقال له: متى وجب عليه الإطعام عند عجزه عن الصوم أو بعده بمهلة؛ فإن أنصف قال: عند عجزه عن الصوم، وعجزه عن الصوم لا يكون إلا قبل التماس إن امتثل ما أمر به، فقد أمر بالإطعام ووجوبه قبل التماس، والأمر على الفور، فوجب أن يطعم قبل التماس، فالحديث نص في مسألتنا. فصل : واحتج من قال: إن الكفارة تجب بمجرد الظهار بأن الله جل جلاله ذكرها وعلل وجوبها فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِّنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًا﴾. [المجادلة: ٢] فدل أنها وجبت بمجرد القول. قالوا: لأن العَوْد الذي هو إمساكها والعزم على وطئها مباح، والمباح لا تجب فيه كفارة. وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] فأوجبها بالظهار والعَوْد جميعًا. فمن زعم أنها تجب بشرط واحد فقد خالف الظاهر، وهذا بمنزلة قول القائل: من دخل الدار ثم صلى فله دينار. فإنه لا يستحقه إلا من فعل ذلك كله؛ لأنهما شرطان لاستحقاق الدينار، فلا يجوز أن يستحق الدینار بأحدهما . وأجاب المخالف عما ذكره الشافعي بأن قال: لا شك أن الذي كان مباحًا بالعقد هو الوطء، فإذا حرمه بالظهار كانت الكفارة له دون ما سواه؛ لأن الأنكحة إنما وضعت له فقط، وكما ثبت أنه لا يجوز ٤٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = له أن يطأ حتى يُكفِّر وجب أن يكون العَوْد هو العزم على الإمساك وعلى الوطء جميعًا، ولو كان الظهار يحرم الإمساك حتى يكون العود إليه راجعًا لكان طلاقًا؛ لأن الإمساك إذا حرم ارتفع العقد، وما يرفع النكاح إنما هو الطلاق، ولو كان الظهار كذلك لكانت الكفارة لا تدخله ولا تصلحه؛ لأن الفراق (لا يرتفع)(١) بالكفارة. ولما صح ذلك ثبت أن الكفارة تبيح العَوْد إلى ما حرمه الظهار من الوطء والعزم عليه، ألا ترى أنه إذا حلف ألا يطأها فقد حرم وطؤها دون إمساكها . فإذا فعل الوطء فقد خالف ما حرمته اليمين، فكذلك الظهار. ومن ظاهر فإنما أراد الإمساك دون الطلاق؛ فكذلك لم يكن العود هو الإمساك. واحتج أهل الظاهر بأن قالوا: كل موضع ذكر الله فيه العود للشيء فالمراد به العود نفسه، ألا ترى أنه أخبر عن الكفار أنهم لو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال تعالى: ﴿أَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُوُدُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] فكذلك العود هنا، فيقال لهم : العود في الشيء يكون في اللغة بمعنى المصير إليه كما تأولتم، ويكون أيضًا بمعنى (الرجوع)(١) كما قال التَّهي: ((العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)) أراد به: الناقض لهبته، وهذا تفسير الفراء في العود المذكور في الآية أنه الرجوع في قولهم، وعن قولهم(٢). قال إسماعيل: ولو كان معنى العود أن يلفظوا به مرة أخرى لما وقع بعده ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَا﴾ [المجادلة: ٣] لأنه لم يذكر للمسيس سبب فيقال من أجله: ﴿قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَا﴾ وإنما ذكر التظاهر وهو ضد المسيس والمظاهر إنما حرم على نفسه المسيس، فكيف يقال له: إذا (١) من (غ). (٢) ((معاني القرآن)) ١٣٩/٣.