Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
واختلف في البتة، وحبلك على غاربك هل ينوي؟ على قولين لهم،
قال مالك في الأول: نعم. وخالف ابن القصار، وفي ((المدونة)) في
الثاني: لا(١). وفي كتاب محمد خلافه، وهذا إذا لم يكن دخول.
وقال أشهب في كتاب أبي الفرج: ينوي الخلية والبرية وإن كان بتًا .
وقال محمد بن عبد الحكم في حبلك على غاربك وشأنك: بها
واحدة(٢) .
وقال مالك عند ابن خويزمنداد في الحرام: إنها واحدة بائنة وإن
دخل بها. وقال أبو مصعب: هي واحدة إن لم يدخل بها(٣) .
(١) ((المدونة)) ٢٨٢/٢.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥١/٥، ١٥٢.
(٣) انظر: ((عقد الجواهر الثمينة)) ٥١١/٢.

٢٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٧- باب مَنْ قَالَ لإِمْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ
وَقَالَ الحَسَنُ: نِيَّتُهُ. وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ
حَرُمَتْ عَلَيْهِ. فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ، وَلَيْسَ هُذا
كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ؛ لأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِطَعَام الحِلِّ حَرَامٌ،
وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا: لَا تَحِلُّ لَهُ
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
٥٢٦٤- وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابن عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، قَالَ: لَوْ
طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرََّيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ نَّ أَمَرَنِي بِهذا، فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلاثَا حَرُمَتْ حَتَّى
تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ. [انظر: ٤٩٠٨- مسلم: ١٤٧١ - فتح ٩ / ٣٧١].
٥٢٦٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ آمْرَأَتَهُ، فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَطَلَّقَهَا، وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلُ
الهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا، فَأَتَّتِ النَّبِيِّ ◌َّ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي، وَإِّ تَزَوَّجْتُ زَوْجًّا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ
إِلَّ مِثْلُ الهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّ هَنَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ، فَأَحِلَّ لِزَوْجِي
الأَوَّلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَثَ: ((لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ
عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ)). [انظر: ٢٦٣٩- مسلم: ١٤٣٣ - فتح ٩ / ٣٧١].
(قال الحَسَنُ : نِيَُّهُ) هُذا ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو عنه
قال: إذا نوى طلاقًا فهو طلاق، وإلا فهو يمين(١)، وهو قول ابن
مسعود(٢) وابن عمر.
ثم قال: وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ. فَسَمَّوْهُ
(١) عبد الرزاق ٦/ ٤٠٢ (١١٣٧٣).
(٢) رواه سعيد في ((سننه)) ٣٨٩/١ (١٦٩٨).

٢٤٣
13
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ، وَلَيْسَ هُذا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ؛ لأَنَّهُ لَا يُقَالُ
لِطَعَامِ الحِلِّ حَرَامٌ، وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ، وسيأتي بيان ما ذكره وَقَالَ
تعالىُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا: ﴿فَلَ تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ .
وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابن عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا،
قَالَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَّيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَمَرَنِي بِهُذا، فَإِنْ طَلَّقْتَهَا
ثَلَاثًا حَرُمَتْ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ .
هذا التعليق أخرجه مسلم، عن يحيى وغيره، عن الليث(١).
وقوله: (إنه أمرني بهذا). إشارة إلى أمره بالمراجعة(٢)؛ لأجل
الحيض، وإن طلقت ثلاثًا لم تكن لك مراجعة إليها لأنها لا تحل لك
إلا بعد زوج، وكذا جاء في رواية أخرى، كما نبه عليه القرطبي(٣).
وأما رواية من روى عن ابن عمر: طلق ثلاثًا، فوهم. وكأن
البخاري أراد بإيراد هذا أن فيه لفظة: حرمت عليك. وإلا فلا مناسبة
له في الباب.
وفي قوله: (مرة أو مرتين). دلالة على أنه لا بدعة في ذلك.
ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها في ذوق العسيلة، ولعله أورده؛
لأنه فيه: ((لا تحلين لزوجك الأول)) وقد سلف.
وقولها: (لم يقربني إلا هنة واحدة) أي: لم يطأها إلا مرة، يقال:
هنئ، يعني: أتى، إذا غشى أمرأته، يقولون: أهنت فهنت، كناية عن
الجماع.
(١) مسلم (١/١٤٧١).
(٢) العبارة بها سقط، منشؤه سبق النظر وتتمة الكلام بعدها كما في ((المفهم)): فكأنه
قال للسائل: إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة ...
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٢٣١.

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقد أسلفنا مذاهب العلماء فيمن قال لامرأته: أنت علي حرام، في
سورة التحريم، ووصلناها إلى أربعة عشر مذهبًا، واقتصر ابن بطال منها
على ثمانية أقوال، سوى أختلاف قول مالك، قالت طائفة: (ثلاث)(١)،
ولا يسئل عن نيته. روي عن علي وزيد بن ثابت(٢) وابن عمر وبه قال
الحسن البصري في روايته والحكم بن عتيبة(٣) وابن أبي ليلى ومالك،
وروي عن مالك وأكثر أصحابه فيمن قال لامرأته قبل الدخول ذلك،
أنها ثلاث، إلا أن يقول: نويت واحدة (٤).
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: هي واحدة(٥) إلا أن يقول: أردت
ثلاثًا. وقال عبد الملك: لا ينوي فيها، وهي ثلاث على كل حال،
كالمدخول بها(٦).
وقال سفيان: إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة فهي بائنة، وإن
نوى يمينًا فهو يمين يكفرها، وإن لم ينو فُرقة ولا يمينًا فهي كذبة (٧)، وبه
قال أبو حنيفة وأصحابه، غير أنهم قالوا: إن نوى أثنتين فهي واحدة، فإن
لم ينو طلاقًا فهو يمين، وهو مولٍ(٨).
وقال ابن مسعود: إن نوى طلاقًا فهي تطليقة، وهو أملك بها، وإن
لم ينو طلاقًا فهي يمين يكفرها .
(١) في الأصل ثالثة، والمثبت من (غ).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٠٣/٦ (١١٣٨٢).
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ٦/ ٤٠٣ (١١٣٨٣).
(٤) أنظر: ((المدونة)) ٢٨١/٢، ((الإشراف)) ١٥٢/١.
(٥) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٣/٢.
(٦) أنظر: ((الاستذكار)) ٣٩/١٧.
(٧) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٠٥/٦ (١١٣٩١).
(٨) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٣/٢.

٢٤٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
وعن عمر مثله، وبه قال النخعي وطاوس(١).
وقال الشافعي: ليس قوله: أنت حرام بطلاق حتى ينويه، فإذا أراد
الطلاق فهو ما أراد من الطلاق، وإن قال: أردت تحریمًا بلا طلاق،
كان عليه كفارة يمين. قال: وليس بمولٍ (٢).
وقال ابن عباس: يلزمه كفارة ظهار، وهو قول أبي قلابة وسعيد بن
جبير(٣)، وبه قال أحمد(٤). واحتج ابن عباس بقوله: ﴿يَّأَتُهَا النَّبِىُّ لِمَ
تُحُرِّمُ﴾ [التحريم: ١] ثم قال: عليه أغلظ الكفارات، عتق رقبة. وقيل:
إنها یمین تُكفر.
روي عن الصديق وعمر وابن مسعود وعائشة وابن عباس وسعيد بن
المسيب وعطاء وطاوس وجماعة(٥)، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور (٦).
واحتج أبو ثور بأن الحرام ليس من ألفاظ الطلاق بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ﴾ ولم يوجب به طلاقًا، وكان حرم على نفسه مارية، ثم قال
تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقيل: لا شيء فيه،
ولا كفارة لتحريم (الماء)(٧)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ
لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] روي عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة، قال مسروق:
ما أبالي حرمت أمرأتي أو جفنة من ثريد(٨).
(١) انظر: ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٠١/٦.
(٢) انظر: ((مختصر المزني)) ٧٣/٤، ٧٤، ٧٦.
(٣) عبد الرزاق ٦/ ٤٠٤ (١١٣٨٥، ١١٣٨٧).
(٤) انظر: ((المغني)) ٣٩٦/١٠.
(٥) أُنظر هذِه الآثار في ((المصنف)) ٣٩٩/٦، ٤٠٠، ٤٠١، و((سنن سعيد)) ٣٨٩/١ (١٦٩٥).
(٦) أنظر: ((الإشراف)) ٤٥٢/١.
(٧) كذا بالأصل ولعلها (الإماء)، وكل له وجه. والله أعلم.
(٨) عبد الرزاق ٤٠٢/٦ (١١٣٧٥، ١١٣٧٧).

٢٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال (الشعبي)(١): أنت عليَّ حرام، أهون من نعلي (٢). وقال
أبو سلمة: ما أبالي، حرمتها أو حرمت الفرات(٣). وهو شذوذ، كما
قال ابن بطال.
وعليه بوَّب البخاري هذا الباب، وذهب إلى من حرم زوجته أنها
ثلاث، كإجماع العلماء على مثله في الطلاق الثلاث، وإليه أشار
البخاري في حديث رفاعة؛ لأنه بت طلاقها، فلم تحل له إلا بعد
زوج، فحرمت عليه مراجعتها، فكذلك من حرم.
ومن قال: تلزمه كفارة الظهار فليس بالبين؛ لأن الله تعالى إنما جعل
كفارة الظهار للمظاهر خاصة.
وقال الطحاوي: من قال: تلزمه كفارة الظهار، محمولا على أنه إن
أراد الظهار كان ظهارًا، وإن أراد اليمين كان يمينًا مغلظة، على ترتيب
كفارة الظهار: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين
مسكينًا .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يكون ظهارًا، وإن
أراده (٤) .
وأما قول الحسن: له نيته. فهي رواية أخرى، ذكرها عبد الرزاق(٥)
كما سلف.
(١) في الأصول: الشافعي، والمثبت هو الصواب كما في ((مصنف عبد الرزاق)).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٠٣/٦ (١١٣٧٨).
(٣) عبد الرزاق ٦/ ٤٠٢ (١١٢٧٦).
(٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٥/٢.
(٥) ((المصنف)) ٤٠٢/٦ (١١٣٧٣)، وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٠٢/٧-٤٠٣.

٢٤٧
=
كِتَابُ الطَّلَاقِ
13
٨- باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]
٥٢٦٦ - حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحِ، سَمِعَ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ
يَجْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابن
عَبَّاسِ يَقُولُ: إِذَا حَرَّمَ أَمْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَىءٍ. وَقَالَ: ﴿لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ
حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] [انظر: ٤٩١١ - مسلم: ١٤٧٣ - فتح ٩/ ٣٧٤].
٥٢٦٧ - حَدَّثَنِي الَحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ:
زَعَمَ عَطَاءُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَثْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ
وَِّ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ ابنةِ جَحْشِ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا
وَحَقْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ◌َ فَلْتَقُلْ: إِّ أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ
مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((لَا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلَا عِنْدَ
زَيْنَبَ ابنةِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ)). فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌ﴾.
إِلَى ﴿ إِن نُنُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ١-٤] لِعَائِشَةَ وَحَقْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ
أَزْوَجِهِ﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: ((بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا)). [انظر: ٤٩١٢- مسلم: ١٤٧٤ - فتح
٩/ ٣٧٤].
٥٢٦٨- حَدَّثَنَا فَزْوَةُ بْنُ أَبِي المغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيّ بْنُ مُشْهٍِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُحِبُّ العَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ،
وَكَانَ إِذَا أَنْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى
حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَاخْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَجْتَبِسُ، فَغِرْتُ فَسَأَلَّتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي:
أَهْدَتْ لَهَا أَمْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ، فَسَقَتِ النَّبِيَّ ◌َّهِ مِنْهُ شَرْبَةً. فَقُلْتُ: أَمَا
والله لَنَحْتَالَنَّ لَهُ. فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي:
أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا. فَقُولٍ لَهُ: مَا هَذِه الرِّيحُ التِي أَجِدُ مِنْكَ؟ فَإِنَّهُ
سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَقْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُزْقُطَ. وَسَأَقُولُ
ذَلِكَ، وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَاكِ. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّ أَنْ قَامَ عَلَى

٢٤٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
البَابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقَا مِنْكِ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ:
يَا رَسُولَ اللهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: ((لَا)). قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ التِي أَجِدُ مِنْكَ؟ قَالَ:
((سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَل)). فَقَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُزْقُطَ. فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ لَهُ
نَحْوَ ذَلِكَ، فَلَمَّ دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّ دَارَ إِلَى حَقْصَةَ قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: ((لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ)). قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: والله لَقَدْ
حَرَمْنَاهُ. قُلْتُ لَهَا: أَسْكُتِي. [انظر: ٤٩١٢- مسلم: ١٤٧٤ - فتح ٩ / ٣٧٤].
ذكر فيه أحاديث :
أحدها :
حديث معاوية بن سلام، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ
حَكِيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا
حَرَّمَ أَمْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَىءٍ. وَقَالَ: ﴿لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ .
وقد سلف في سورة التحريم.
ثانیھا :
حديث عائشة رضي الله عنها في قصة العسل. وقد سلفت هناك
أيضًا .
ثم ساقه من حديث عائشة أيضًا مطولًا وفيه أن قائل ذلك -أعني :
أكلت مغافير- عائشة وسودة وفي آخره: فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ
ذَلِكَ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَقْصَةَ قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ:
(لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ)). قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: والله لَقَدْ حَرَمْنَاهُ. قُلْتُ لَهَا:
أَسْكُتِي. وسلف في النكاح(١)، وأخرجه مسلم أيضًا(٢).
(١) سلف برقم (٥٢١٦).
(٢) مسلم (١٤٧٤).

٢٤٩
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
أما ما ذكره البخاري عن ابن عباس: إِذَا حَرَّمَ الرجل امْرَأَتَهُ لَيْسَ
بِشَىء. يعني: فليس مؤبدًا تحريما وعليه كفارة يمين. وروي عنه أن
فيه كفارة الظهار، وقد سلف.
وقال الطحاوي: روي في قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكِّ
[التحريم: ١] أنه الشّهر قال: ((لن أعود لشرب العسل)) ولم يذكر يمينًا،
فالقول هو الموجب للكفارة، إلا أنه يوجب أن يكون قد كان هناك
يمين لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فدل
هذا أنه حلف مع ذلك التحريم(١) .
وقال زيد بن أسلم في هذِه الآية: إنه حلف الَّها أن لا يطأ مارية أم
ولده، ثم قال بعد ذلك: ((هي حرام)) ثم أمره الله فكفر، فكانت كفارة
لیمینه لا لتحريمه.
قال ابن المنذر: والأخبار دالة على أنه القَّه كان حرم على نفسه
شربة من عسل، وحلف مع ذلك، فإنما لزمته الكفارة ليمينه لا لتحريمه
ما أحل الله له، فلا حجة لمن أوجب فيه كفارة يمين.
قال المهلب: وهُذِه الآية لم تحرم مالم يشرع فيه التحريم من
المطاعم وغيرها والإماء، وأما الزوجات فقد شرع الله التحريم فيهن
بالطلاق، وبألفاظ أخر مثل الظهار وغيره، فالتحريم فيهن بأي لفظ
فهم أو عبر عنه لازم؛ لأنه مشروع، وغير ذلك من الإماء والأطعمة
والأشربة وسائر ما يملك ليس فيه شرع على التحريم، بل التحريم فيه
منهي عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وهُذِه
نعمة أنعم الله بها على محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وأمته،
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٥/٢.

٢٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بخلاف ما كان في سائر الأديان، ألا ترى أن إسرائيل حرم على نفسه
أشياء، وكان نص القرآن (يعطي)(١) أن من حرم على نفسه شيئًا، أن
ذلك التحريم يلزمه، وقد أحل الله ذلك الوفاء إذا كان يمينًا بالكفارة،
فإن لم يكن بيمين لم يلزم ذلك التحريم، إنعامًا من الله علينا وتخفيفًا
عنا .
وكذلك ألزمنا كل طاعة جعلناها لله على أنفسنا، كالمشي إلى البيت
الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى، وجهاد الثغور، والصوم، وشبه
ذلك، (الوفاء)(٢) هذا لما فيه لنا من المنفعة، ولم يلزم ما حرمناه
على أنفسنا، ألا ترى قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ اللَّهُ لَكَّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ
أَزْوَجِكَ﴾ [التحريم: ١] فلم يجعل لنبيه أن يحرم إلا ما حرم الله ﴿وَاللَّهُ
غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] أي: قد غفر لك ذلك التحريم.
وفيه من الفقه: أن إفشاء السر وما تفعله المرأة مع زوجها ذنب
ومعصية يجب التوبة منه؛ لقوله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:
٤] ويحتمل: أن تتوبا إلى الله من هذا الذنب، ومن التظاهر عليه في
الغيرة والتواطؤ على منعه ما كان له من ذلك الشراب.
وفيه: دليل أن ترك أكل الطيبات لمعنى من معاني الدنيا لا يحل،
فإن كان ورعًا وتأخيرًا لها إلى الآخرة كان محمودًا.
والمغافير والعرفط سلفا في سورة التحريم.
وعبارة ابن بطال هنا: المغافير شبيه بالصمغ، يكون في الرمث، فيه
حلاوة تطيب نكهة آكله، يقال: أغفر الرمث: إذا ظهر فيه. واحدها :
(١) من (غ).
(٢) في (غ)، و((شرح ابن بطال)) ٤٠٥/٧: ألزمنا.

٢٥١
= ڪِتَابُ الطَّلَاقِ
مُغفور. وقال ((صاحب العين)): جرست النحل العسل، تجرسه جرسًا،
وهو: لحسها إياه(١).
والعرفط: شجر العضاه، والعضاه: كل شجر له شوك، وإذا استكت
به كانت له رائحة حسنة، تشبه رائحة طيب النبيذ(٢) وقد أسلفنا خلاف
ما ذكره، فإن رائحته كريهة، فراجعه.
فصل :
قوله في حديث عائشة رضي الله عنها: (كان يحب الحلواء
والعسل). والحلواء فيها المد والقصر، قال الأصمعي: هي مقصورة،
تكتب بالياء، وقال الفراء: ممدود تكتب بالألف. وقال ابن فارس:
(٣)
تمد وتقصر (٣).
وقولها: (أهدت لها عكة عسل) العكة : القربة الصغيرة.
(١) ((العين)) ٦/ ٥١.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٠٦.
(٣) ((المجمل)) ٢٤٧/١.

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٩- باب لَّ طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ
لقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾
الآية [الأحزاب: ٤٩] وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:
جَعَلَ اللهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ. وَيُرْوىُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ،
وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ،
وَعَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَشُرَيْحٍ، وَسَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْقَاسِم،
وَسَالِمِ، وَطَاؤُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَعَامِرِ بْنِ
سَعْدٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ،
وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
وَعَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهَا لَا تَظْلُقُ. [فتح ٣٨١/٩].
الشرح: هُذِه التعاليق أوردها بصيغة التمريض، وليس كذلك في
أكثرها كما ستعلمه، أخرج أكثرها ابن أبي شيبة(١).
وأما أثر ابن عباس فأخرجه عن عبد الله بن نمير، عن ابن جريج،
عن عطاء، عنه بلفظ: لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك.
قال: وثنا (وكيع)(٢) عن حسن بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عكرمة،
عنه بنحوه. وثنا قبيصة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن آدم مولى خالد،
عن سعيد بن جبير، عنه.
وأما أثر علي رضي الله عنه فأخرجه أيضًا عن محمد بن فضيل، عن
ليث، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال، عنه.
(١) ((المصنف)) ٦٤/٤-٦٦.
(٢) من (غ) وفي الأصل: ابن جريج.

٢٥٣
كِتَابُ الطلاقِ
=
وعند ابن حزم زيادة: وإن سماها فليس بطلاق(١).
وأخرجه أبو عبيد، عن هشيم، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عنه.
وأثر سعيد أخرجه أيضًا، عن عبدة بن سليمان، عن يحيى بن سعيد،
عنه، وهذا إسناد جيد.
وأثر عروة أخرجه أيضًا، عن الثقفي، عن يحيى بن سعيد قال:
بلغني عن عروة، فذكره.
وأثر علي بن حسين أخرجه أيضًا، عن وكيع، عن معرف بن
واصل(٢)، عن حبيب بن أبي ثابت، عنه.
وحدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عنه.
وأثر شريح أخرجه أيضًا عن أبي أسامة ووكيع، ثنا شعبة، عن أبي
بشر، عن سعيد بن جبير، عنه.
وأثر سعيد بن جبير رواه عن عبد الله بن نمير، عن عبد الملك بن أبي
سلیمان، عنه .
وأثر القاسم أخرجه أيضًا عن وكيع، عن معرف، عن عمرو، عنه.
وأثر طاوس أخرجه أيضًا عن معتمر، عن ليث، عن عطاء ،
وطاوس به، وأخرجه أيضًا عن وكيع، عن سفيان، عن محمد بن
المنكدر، عمن سمع طاوسًا يقول: قال رسول الله وَالَ: ((لا طلاق
إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك)).
وذكر أبو حاتم، عن يحيى بن معين أنه قال: لا يصح عن النبي وتسليم:
((لا طلاق قبل نكاح)). وأصح شيء فيه حديث الثوري عن ابن المنكدر،
(١) ((المحلى)) ٢٠٥/١٠.
(٢) هو معرف بن واصل السعدي، أبو بدل، ويقال أبو يزيد الكوفى. انظر ترجمته في:
(الطبقات)) لابن سعد ٣٥٦/٦، ((الثقات)) ٥١٥/٧، ((تهذيب الكمال)) ٢٦٠/٢٨.

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
عمن سمع طاوسًا، أنه التَّه قال: ((لا طلاق قبل نكاح))(١).
وأثر الحسن أخرجه، عن معتمر بن سليمان، عن يونس، عنه.
وأثر مجاهد وعطاء أخرجه أيضًا وكيع، عن معرف، عن الحسن
الضبي عنهما .
وأثر محمد بن كعب ونافع بن جبير أخرجهما، عن جعفر بن عون،
عن أسامة، عنهما .
وأثر عمرو بن هرم لم أره.
وذكره البيهقي عن كتاب عمرو بن حزم، في الكتاب الذي كتبه له
رسول الله وقيل﴾ (٢).
قال ابن حزم: وصح عن طاوس، وسعيد بن المسيب، وعطاء،
ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والحسن، ووهب بن منبه، وعليٍّ بن
الحسين، والقاسم بن عبد الرحمن، وشريح(٣).
وإنما أقتصر البخاري على هذه الآثار ولم يذكر فيه حديثًا؛ لأنها
متكلم فيها، نعم في السنن الأربعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده قال: قال رسول الله وَله: ((لا طلاق إلا فيما يملك)) (٤)
وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)) وقال: صحيح الإسناد(٥).
وأخرجه ابن الجارود في ((منتقاه))(٦).
(١) ((علل ابن أبي حاتم)) ٤٣٦/١.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٧/ ٣٢٠.
(٣) ((المحلى)) ٢٠٥/١٠.
(٤) أبو داود (١٢٩٠)، الترمذي (١١٨١)، ابن ماجه (٢٠٤٧) ورواه النسائي ٧/ ١٢،
بلفظ: ((لا نذر ولا يمين فيما لا تملك، ولا في معصية ولا قطيعة رحم)).
(٥) ((المستدرك)) ٢٠٤/٢ -٢٠٥، وليس فيه: صحيح الإسناد، بل قالها الحاكم بعد
الحديث التالي لحديث عمرو بن شعيب.
(٦) ((المنتقى)) ٦٢/٣ (٧٤٢).

٢٥٥
= كِتَابُ الطَّلَاقِ
وقال الترمذي: هو حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في الباب.
وقال أيضًا: سألت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- فقلت: أي شيء
صح في الطلاق قبل النكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده(١). قلت: فهذا أحسن شيء في الباب وأصحه.
وقال البيهقي: رواه حبيب المعلم وغيره، عن عمرو، عن أبيه، عن
عبد الله بن عمرو (٢). وقال مهنا وحرب عن أحمد: وسئل: أتعرفه من
وجه صحيح؟ قال: حديث عمرو بن شعيب(٣).
قال أحمد: وأنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب،
به. ثم قال: أخشى أن يكون ابن جريج أخذه عن المثنى بن الصباح،
عن عمرو، ومثنى منكر الحديث.
قلت: وفيه أحاديث أخر:
أحدها: حديث جابر مرفوعًا: ((لا طلاق قبل نكاح)). أخرجه
قاسم بن أصبغ، عن ابن وضاح، عن موسى بن معاوية، عن وكيع،
عن ابن أبي ذئب، عن عطاء وابن المنكدر، عنه به(٤). ورواه أبو قرة
في ((مسنده))، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر.
ثانيها: حديث معاذ مرفوعًا به، أخرجه الدارقطني، عن إسحاق بن
محمد بن الفضل، ثنا عليُّ بن شعيب، ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج،
عن عمرو بن شعيب، عن طاوس عن معاذ به(٥).
(١) ((علل الترمذي)) ٤٦٥/١.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٣١٨/٧.
(٣) ((مسائل أحمد وإسحاق)) برواية حرب ص١١١.
(٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢/ ٤٢٠ من طريق أحمد بن عبد الله بن الحاكم عن
و کیع به.
(٥) ((السنن)) ١٤/٤.

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال أبو حاتم: ولم يسمع منه. قلت: وعبد المجيد من رجال مسلم
والأربعة، ووثقه ابن معين وغيره، وقال أبو داود: ثقة داعية للإرجاء(١).
وأما ابن حبان فترکه.
وفي لفظ: (وإن سميت المرأة بعينها))(٢).
ولما رواه أبو قرة أخرج منه عبد المجيد، فقال: ذكر ابن جريج،
عن عمرو بن شعيب، عن طاوس.
ثالثها: حديث أبي ثعلبة، قال الدارقطني: وحدثنا جعفر بن محمد بن
نصير، ثنا (أحمد)(٣) بن يحيى الحلواني، ثنا عليُّ بن قرين، ثنا بقية، ثنا
ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال
(لي) (٤) عَمُّ: أعمل لي عملًا حتى أزوجك ابنتي. فقلت: إن تزوجتها
فهي طالق ثلاثًا، ثم بدا لي أن أتزوجها، فقال لي: ((تزوجها، فإنه
لا طلاق إلا بعد نكاح)»(٥) .
قلت: آفته علي بن قرين، فإنه كذاب(٦)، وخالد عن أبي ثعلبة
مرسل، قاله ابن معين(٧).
رابعها: حديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه أيضًا من حديث
الوليد بن سلمة -وهو كذاب كما قال دحيم- ثنا يونس، عن الزهري،
(١) انظر ترجمته في (تهذيب الكمال)) ٢٧١/١٨ -٢٧٦.
(٢) ((السنن)) ٤ /١٧.
(٣) في الأصل: أيوب، والمثبت من ((سنن الدارقطني)) وهو الصواب.
(٤) من (غ).
(٥) ((السنن)) ٣٦/٤.
(٦) انظر: ((الجرح والتعديل)) ٢٠١/٦، (الضعفاء)) للعقيلي ٢٤٩/٣-٢٥٠.
(٧) انظر: ((التعديل والتجريح)) للباجي ٥٥٣/٢.

٢٥٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: بعث رسول الله والده
أبا سفيان بن حرب على نجران باليمن، وكان فيما عهد إليه أن
لا يطلق الرجل ما لم يتزوج(١).
وأخرجه ابن أبي شيبة، عن حماد بن خالد، عن هشام بن سعد، عن
الزهري، عن عروة، عنها، موقوفًا: لا طلاق إلا بعد نكاح(٢).
وقال الترمذي في ((علله)): سألت محمدًا: أي حديث أصح في
الطلاق قبل النكاح؟
قال: حديث عمرو بن شعيب، وحديث هشام بن سعد، عن الزهري،
عن عروة عن عائشة رضي الله عنها .
فقلت: إن بشر بن السري وغيره قالوا: (عن هشام بن سعد، عن
الزهري، عن عروة، عنها، عن رسول الله وَ﴾. مسندًا)(٣)، فقال: إن
حماد بن خالد روى عن هشام، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة،
عن رسول الله ولي (٤).
(١) («السنن)) ١٥/٤.
(٢) ابن أبي شيبة ٦٥/٤ (١٧٨١٢).
(٣) كذا في الأصول وهو خطأ في النقل وصوابه: عن هشام بن سعد، عن الزهري،
عن عروة مرسلًا. كذا وقع في ((الفتح)) ٣٨٢/٩، أضف إلى هذا أنه إذا كان عن
عائشة عن رسول الله وَر مسندًا فما فائدة قول البخاري أن حمادًا رواه عنها عن
رسول الله ﴾.
تنبيه: وقع في المطبوع من ((العلل)) عن هشام بن سعد عن الزهري، عن عروة، عن
عائشة، عن النبي ◌َّ مرسلًا. وهذا لا يستقيم في نفسه بذكر عائشة مع كونه
مرسلًا، ولا مع ما يأتي من كون حماد بن خالد قد وصله، فالصواب ما قلناه
أولًا، والله أعلم.
(٤) ((علل الترمذي)) ٤٦٥/١ - ٤٦٦.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
خامسها: حديث ابن عباس مرفوعًا: ((لا طلاق فيما لا يملك))
أخرجه الدارقطني أيضًا من حديث عمرو بن يونس، عن سليمان بن
أبي سليمان الزهري، عن يحيى بن أبي كثير، عن طاوس، عن ابن
عباس، يرفعه(١). وسليمان هذا ضعفوه.
سادسها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: سئل رسول الله وَ له عن
رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق. قال: ((طلق ما لا يملك)) أخرجه
الدارقطني من حديث خالد بن يزيد (القرني)(٢)، أنبا عبد الرحمن بن
مسهر، ثنا أبو خالد الواسطي، عن أبي هاشم الرماني، عن ابن
جبير، عن ابن عمر، به(٣).
وأخرجه أيضًا من حديث عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه
بنحوه، مرفوعًا (٤).
أخرجه ابن ماجه من حديث علي بن الحسين بن واقد، عن هشام بن
سعد، عن الزهري، [عن عروة](٥) عن المسور بن مخرمة، أن النبي وَل
قال: ((لا طلاق قبل نكاح))(٦).
ومن حديث ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عكرمة،
عن ابن عباس، يرفعه: ((إنما الطلاق لمن أخذ بالساق))(٧).
(١) ((السنن)) ١٦/٤.
(٢) في الأصل: المقبري، والمثبت من ((سنن الدارقطني)) وهو الصواب، وخالد بن
يزيد القرني له ترجمة في ((الجرح والتعديل)) ٣٦١/٣ (١٦٣٤).
(٣) ((السنن)) ١٦/٤.
(٤) ((السنن)) ٢٠/٤.
(٥) ساقط من الأصل، والمثبت من ((سنن ابن ماجه)).
(٦) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٤٨).
(٧) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٨١).

٢٥٩
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
ولفظه عند الدار قطني: ((إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق))(١). وذكره
حرب عن أبي عبد الله، ثنا ابن مهدي، ثنا هشام، عن قتادة، عن
عكرمة، عن عبد الله، موقوفًا: الطلاق بعد النكاح. وقال: إسناد جيد.
وقال أبو الحكم: خطب رجل منا أمرأة، فاجتمعا في الإملاك،
فخالفهم في شيء، فقال: هي طالق إن تزوجتها حتى آكل
الغضيض(٢) -يعني: الطلع الذكر- قال: فسألت ابن المسيب وعروة
وعبيد الله بن عتبة وأبا سلمة وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، فقالوا کلهم: زوجوه، ليس به بأس.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أرى أن يتزوجها حتى يأكل الغضيض (٣).
ووافقه القاسم، وسالم، وابن شهاب، وسليمان بن يسار.
وقال مهنا: قلت لأحمد: حدثوني عن الوليد بن مسلم قال: قال
مالك: عن عمر بن الخطاب، وأبي مسعود(٤)، والقاسم، وسليمان بن
يسار، وسالم، وابن شهاب، في الذي يقول: إن تزوجت فلانة فهي
طالق.
قال: إن تزوجها فهي طالق. فقال لي أحمد: ليس فيهم عمر، هذا
خطأ من قول مالك.
فقلت: لعل هذا من قبل الوليد غلط على مالك. قال: لا، هذا من
قول مالك، ذهب إلى حديث عن سعيد بن عمرو بن سليم، عن القاسم بن
محمد، عن عمر.
(١) ((السنن)) ٤/ ٣٧.
(٢) ورد بهامش الأصل: الغضيض: الطلع إذا بدا، كذا قاله الجوهري.
(٣) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٢١/٧.
(٤) ورد في هامش الأصل: في الأصل: وأبو مسعود، وأنا أظنه ابن مسعود والله أعلم.

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وسئل عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي عليَّ كظهر أمي. فقال:
إن تزوجها فلا يطأها حتى يكفر. ذهب إلى هذا، ظن أنه مثله.
وقال سفيان بن وكيع: أحفظ منذ أربعين سنة أنه سئل عن الطلاق
قبل النكاح، فقال: يروى عن النبي ◌َّ، وعن عليّ، وابن عباس،
وعليّ بن الحسين، وسعيد بن المسيب، ونيف وعشرين من التابعين،
أنهم لم يروا به بأسًا .
قال عبد الله: فسألت أبي وأخبرته بقول سفيان، فقال: صدق، أنا
قلت ذلك(١)
وقال ابن جريج فيما حكاه في ((المحلى)): بلغ ابن عباس أن ابن
مسعود يقول: إن طلق الرجل مالم ينكح فهو جائز. فقال ابن (عباس)(٢):
أخطأ في هذا، إن الله يقول: ﴿إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾
[الأحزاب: ٤٩] ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن.
قال ابن حزم: وهو قول ابن عيينة، وابن مهدي، والشافعي،
وأحمد، وأصحابهما، وإسحاق، وأبي سليمان، وأصحابهما، وجمهور
أصحاب الحديث، قال: وأما من كره ذلك ولم يفسخه، كما روينا
من طريق حجاج بن منهال، ثنا جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد
الأنصاري، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، فيمن قال: كل أمرأة
أتزوجها فهي طالق فكرهه، وهو قول الأوزاعي والثوري. قيل لنا:
حرام هو؟ قال: ومن يقول: إنه حرام؟ من رخص فيه أكثر ممن
شدد، وبه يقول أبو عبيد.
(١) أنظر: ((طبقات الحنابلة)) ٤٥٣/١- ٤٥٤.
(٢) في الأصل أعلى هذِه الكلمة كلمة: (سقط). وورد في الحاشية تعليقًا عليها:
عباس ليس في الأصل، فألحقته ويحتمل أن يكون الساقط (مسعود) والله أعلم.