Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كِتَابُ الطَّلَاقِ = النطفة، شبه اللذة بالذوق، واستعاره لها (١). فصل : في حديث رفاعة أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لمطلقها إلا بنكاح فيه جماع. وهو مفسر لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وهو من التفسير المسند، وذلك أن القرآن كله إذا ذكر فيه النكاح، أريد به العقد لا الوطء، إلا هنا، وإلا في قوله: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] على قول، والسنة بينته بقوله: ((حتى تذوقي عسيلته)). وهي الوطء. وانفرد ابن المسيب، فاكتفى بالعقد. كما أسند سعيد بن منصور في ((سننه)) قوله(٢). ولا نعلمُ أحدًا وافقه إلا طائفة من الخوارج، ولا التفات إليهم، ولعله لم يبلغه الحديث. وقيل: إنه رجع عنه، حكاه في ((القنية)) للزاهدي. قال: ولو قضى به قاضٍ لا ينفذ قضاؤه، فإن أفتى به أحد عزر. وإن كان المبرد حكى عن أهل الحجاز أنهم يرون النكاح العقد دون الفعل، ولا ينكرونه في الفعل، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] ويكون هو الجماع. وهو في الأصل كناية، وهي تقع عن هذا الباب کثیرًا، والأصل ما ذكرناه. قال العريفي: ((أنا من نكاح لا من سفاح))(٣) ويقابل قول سعيد في الغرابة قول الحسن البصري: لا تحل حتى يطأها الثاني وطًا فيه (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٣٧/٣. (٢) ((السنن)) ٤٩/٢ (١٩٨٩). (٣) رواه بنحوه الطبراني ٣٢٩/١٠ (١٠٨١٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٤٠٠/٣ من حديث ابن عباس. ٢٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح إنزال، وزعم أنه معنى العسيلة، وخالفه سائر الفقهاء، فاكتفوا بالإفضاء كما في سائر الأحكام(١). وأغرب ابن المنذر فقال: إذا أتاها نائمة أو مغمى عليها لا تشعر لا تحل للأول؛ حتى يذوقا جميعًا العسيلة، إذ غير جائز أن يسوي الشارع بينهما في ذوقهما. وتحل بأن يذوقها أحدهما، وهذا قول علي وابن عباس وجابر وعائشة وابن عمر، وهو قول جماعة العلماء(٢)، لا خلاف في ذلك إلا ما روي عن ابن المسيب، وهو قوله في هذا الحديث: أو ((يذوق عسيلتك))، لا يوجب ذوق أحدهما لها دون صاحبه . وأو هنا بمعنى: الواو، وذلك مشهور في اللغة، وقد بين ذلك رواية من روى: ((وتذوق)) بالواو. كما ذكره في الباب، في باب: من قال لامرأته: أنت علي حرام. كما سيأتي. فصل : واختلفوا في عقد نكاح المحلل، فقال مالك: لا يحلها إلا نكاح رغبة، فإن قصد التحليل لم يحلها، سواء علم بذلك الزوجان أو لم يعلما، ويفسخ قبل الدخول وبعده، وهو قول الليث وسفيان والأوزاعي وأحمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: النكاح جائز، وله أن يقيم على نكاحه أولا، وهو قول عطاء والحكم. (١) أنظر: ((الاستذكار)) ١٥٦/١٧-١٥٧. (٢) انظر: ((الإشراف)) ١٧٨/١. ٢٢٣ = كِتَابُ الطَّلَاقِ وقال القاسم وسالم وعروة والشعبي: لا بأس أن يتزوجها ليحلها، إذا لم يعلم بذلك الزوجان، وهو مأجور بذلك، وهو قول ربيعة ويحيى بن (١) سعيد(١). حجة مالك: الأحاديث الواردة في لعنه، منها حديث ابن مسعود: لعن رسول الله ولو المحلل والمحلل له. حديث صحيح، أخرجه النسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح (٢). قلت: وهو على شرط الشيخين. وقال ابن حزم بعد أن ساقه من طريق النسائي إليه: إنه خبر لا يصح في الباب سواه (٣). قلت: أعله ابن القطان بأبي قيس (٤). وفيه أيضًا: عقبة بن عامر وأبي هريرة وجابر وابن عباس رضي الله عنهم. أما حديث عقبة فمداره على مشرح بن هاعان، عنه مرفوعًا: ((لعن الله المحلل والمحلل له)). أخرجه الدارقطني(٥)، وقال عبد الحق: إسناده حسن (٦). واعترضه ابن القطان بأبي صالح كاتب الليث الذي في إسناده؛ لأن حاله مختلف فيها، رواه عنه إبراهيم بن الهيثم البلدي، وقد أنكر عليه حديث الثلاثة الذين في الغار (٧). (١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٢٢/٢-٣٢٤، ((الإشراف)) ١٧٩/١-١٨٠. (٢) الترمذي (١١٢٠)، النسائي ١٤٩/٦. (٣) ((المحلى)) ١٨٠/١٠. (٤) (بيان الوهم والإيهام)) ٤/ ٤٤٢ (٢٠١٥). (٥) ((السنن)) ٢٥١/٣. (٦) ((الأحكام الوسطى)) ١٥٧/٣. (٧) ((بيان الوهم والإيهام)) ٥٠٤/٣-٥٠٦ (١٢٧٧). ٢٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال أبو زرعة فيما حكاه ابن أبي حاتم: ذكرت هذا الحديث ليحيى بن بكير، وأخبرته برواية عبد الله بن صالح، وعثمان بن صالح له، عن الليث، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا وقال: لم يسمع الليث عن مشرح شيئًا، ولا روى عنه شيئًا، وإنما حدثني الليث بهذا الحديث عن سليمان بن عبد الرحمن، أن رسول الله وَله. قال أبو زرعة: والصواب عندي قول يحيى هذا(١). وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد عنه: لعن رسول الله ◌َّ المحلل والمحلل له (٢). وأما حديث جابر فأخرجه أيضًا، عن ابن نمير، عن مجالد، عن عامر، عن جابر، عن عليّ مثله سواء (٣)، قال الترمذي: ووهم فيه ابن نمير (٤). وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه من حديث زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام -وفيهما مقال، وقد وُثَّقَاَ - عن عكرمة، عن عبد الله: لعن رسول الله وَل المحلل والمحلل له(٥). قال ابن حزم: وذهب مالك أيضًا إلى آثار بمعناه، إلا أنها هالكة إما من طريق الحارث الأعور الكذاب، أو من طريق إسحاق الفروي، ولا خير فيه، روي عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس يرفعه: سئل عن المحلل فقال: ((لا نكاح إلا نكاح رغبة)) ثلاثًا. ومن طريق وكيع، عن الثوري، عن المسيب بن رافع، (١) ((علل ابن أبي حاتم)) ٤١١/١ (١٢٢٣). (٢) ((المصنف)) ٥٤٨/٣ (١٧٠٨٦) (٣) ابن أبي شيبة ٢٩١/٧ (٣٦١٨٢). (٤) الترمذي (١١١٩). (٥) ابن ماجه (١٩٣٤). ٢٢٥ كِتَابُ الطَّلَاقِ = عن قبيصة بن جابر: قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحل ولا بمحلل إلا رجمته(١). وحمل هذا الطحاوي على التشديد والتغليظ لنحو ما هم به الشارع من التحريق على من تخلف عن الجماعة بيوتهم، وكذا ما روي عن أبيه، وقد صح عنه أنه درأ الحد عن رجل وطئ غير امرأته وهو يظنها امرأته. وإذا بطل الحد بالجهالة فالتأويل أولى؛ لأن المتأول عند نفسه مصيب، وهو في معنى الجاهل(٢). قال ابن حزم: ومن طريق ابن وهب: أخبرني يزيد بن عياض بن جعدبة، سمع نافعًا يقول: إن رجلا سأل ابن عمر عن التحليل، فقال له عبد الله: عرفت عمر، لو رأى شيئًا من ذلك لرجم فيه. قال أبو محمد بن حزم: ابن جعدبة كذاب، مذكور بالوضع. وعن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الله بن شريك العامري: سمعت ابن عمر يسأل عمن طلق امرأته ثم ندم، فأراد رجل أن يتزوجها يحللها له. فقال ابن عمر: كلاهما زانٍ ولو مكثا عشرين سنة(٣). قلت: وعبد الله ذكره ابن حبان في ((ثقاته))، وكذا ابن شاهين، وابن خلفون. وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال أحمد: ما علمت به بأسًا. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، يميل إلى التشيع(٤). (١) ((المحلى)) ١٨٠/١٠، ١٨١، ١٨٤. (٢) أنظر ((الاستذكار)) ١٦٣/١٦. (٣) عبد الرزاق ٢٦٦/٦ (١٠٧٧٨) وانظر: ((المحلى)) ١٨١/١٠. (٤) أنظر: ((الثقات)) ٢٢/٥، ((المعرفة والتاريخ)) ٩٨/٣، ((تاريخ أسماء الثقات)) لابن شاهين ص١٣١ - ١٣٢ (٦٧٧، ٦٧٩). ٢٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ثم قال: وعن وكيع، عن أبي غسان المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أن رجلا سأل ابن عمر رضي الله عنهما عمن طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجها هذا السائل عن غير مؤامرة منه: أتحل لمطلقها؟ قال ابن عمر: لا، إلا بنكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله وَ له. قلت: رواته كلهم ثقات، ثم قال: ومن طريق ابن وهب: أخبرني الليث عن محمد بن عبد الرحمن المرادي أنه سمع أبا مروان التجيبي يقول: إن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، وكان له جار فأراد أن يحلل بينهما بغير علمهما، فسألت عن ذلك فقال: لا إلا نكاح رغبة في غير مداهنة. ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان ومعمر، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس: من يخادع الله يخدعه(١). قلت: وصح عن قتادة وإبراهيم والحسن أنهم قالوا: إن نوى واحد من الناكح أو المنكح والمرأة التحليل فلا يصلح، فإن طلقها فلا تحل للذي طلقها، ويفرق بينهما إذا كان نكاحه على وجه التحليل. وعن سعيد بن جبير وابن المسيب وطاوس: المحلل ملعون. قلت: وروى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن معن، عن إبراهيم، وعن يونس، عن الحسن قالا: إذا هم أحد الثلاثة فسد النكاح. وحدثنا غندر، عن شعبة: سألت حمادًا عن رجل تزوج أمرأة ليحلها لزوجها، فقال: أحب إليَّ أن يفارقها. وثنا أبو داود، عن حبيب، عن عمر، وعن جابر بن زيد في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، وهو لا يعلم، قال: لا يصلح ذلك إذا كان تزوجها ليحلها . (١) ((المحلى)) ١٨١/١٠. ٢٢٧ = كِتَابُ الطَّلَاقِ 13 ثنا عائد بن حبيب عن أشعث، عن ابن سيرين قال: لعن المحل والمحلل له. ثنا حميد بن عبد الرحمن، ثنا موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار أن رجلًا طلق امرأته، فأخرج رجل من ماله شيئًا يتزوجها به ليحلها، فقال: لا . ثم ذكر أن النبي ◌َّل سئل عن مثل ذلك فقال: لا، حتى ينكحها مرتغبًا لنفسه، حتى يتزوجها مرتغبًا لنفسه، وإذا فعل ذلك لم تحل له حتى تذوق العسيلة . ثنا معاذ، ثنا عباد بن منصور: جاء رجل إلى الحسن فقال: إن رجلاً من قومي طلق امرأته ثلاثًا، فندم وندمت، فأردت أن أنطلق فأتزوجها لتحل له. فقال له الحسن: أتق الله ولا (تكون)(١) له مسمارًا لحدود .(1)도입 ثم قال ابن حزم: أما أحتجاج المالكيين لما ذكرنا فهو كله عليهم لا لهم، أما عمر فلم يأت عنه بيان من هو المحلل الملعون (الذي يستحق)(٣) الرجم، فليسوا أولى بهم من غيرهم، ثم إنهم قد خالفوا عمر في ذلك، فلا يرون فيه الرجم، على أنا روينا عن عمر إجازة طلاق التحليل، فبطل تعلقهم به، وكذلك الرواية عن علي وابن مسعود ليس فيها عنهما أيّ المحلليين هو الملعون، ونحن نقول: إن الملعون الذي يعقد نكاحه (معلقًا)(٤) بذلك فقط. (١) كذا بالأصل، وكتب الناسخ فوقها: كذا. وفي ((المصنف)) تكونن. (٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٧-٥٤٨. (٣) طمس في الأصل والمثبت من (غ). (٤) كذا في الأصل وفي (المحلى)): معلنًا. ٢٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === وأما الحديث المرفوع: ((لعن المحلل(١) والمحلل له)) فهو حق إلا أنا وسائر خصومنا لا نختلف أن هذا اللفظ منه العَيْ ليس عامًا لكل محل، ولو كان كذلك -وأعوذ بالله-، لكان كل واهب وكل موهوب، وكل بائع وكل مبتاع، وكل ناكح وكل منكح، داخل في هذا؛ لأن هؤلاء كلهم محلون بشيء كان حرامًا وتحل لهم أشياء كانت حرامًا عليهم. هُذا ما لا شك فيه، فصح يقينًا أنه القَ أراد بعض المحلين وبعض المحلل لهم. والعجب في المخالفين لنا يقولون فيمن تزوج امرأة وفي نيته ألا يمسكها إلا شهرًا ثم يطلقها إلا أنه لم يذكر ذلك في نفس العقد، فإنه نكاح صحيح، وهو مخير، إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها، وأنه لو ذكر ذلك في نفس العقد لكان عقدًا فاسدًا مفسوخًا، فأي فرق بين ما أجازوه وبين ما منعوا منه؟ لاسيما وفي حديث رفاعة ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟)) فلم يجعل إرادتها الرجوع إلى الذي طلقها ثلاثًا مانعًا من رجوعها إذا وطئها الثاني، فصح أن المحل الملعون هو الذي تزوجها ليحلها ثم يطلقها، يعقدان النكاح على هذا، فهو حرام مفسوخ أبدًا؛ لأنهما تشارطا شرطًا يلتزمانه، ليس في كتاب الله إباحة التزامه، فلو أخذ كذلك أجرة فهي أجرة حرام وفرض ردها(٢). قال: وروينا عن الشعبي أنه قال: لا بأس بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج(٣) . قلت: وعند ابن أبي حاتم من حديث موسى بن مُطير، عن أبيه عن رجل من الصحابة، أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا ثم تزوجت زوجًا غيره (١) في الأصول: (المحل)، والمثبت من ((المحلى)) ١٨٣/١٠. (٢) ((المحلى)) ١٨٣/١٠، ١٨٤. (٣) ((المحلى)) ١٠/ ٨٢. ٢٢٩ كِتَابُ الطَّلَاق = ليحلها، فدخل بها الزوج الثاني وطلقها، فلما انقضت عدتها ذكروا ذلك لرسول الله ◌َيّر، لما أراد زوجها الأول أن يتزوجها، فقال: ((أليس سمى لها صداقً؟» قالوا: بلى. قال: ((أليس تزوجها بولي؟)) قالوا: بلى. قال: ((أليس تزوجها بشهود؟)) قالوا: بلى. قال: ((أليس دخل بها حتى ذاق عسيلتها وذاقت عسيلته؟» قالوا: بلى. فقال: ((ذهب الخداع ذهب الخداع)». قال أبو زرعة: هذا حديث واهٍ، ضعيف، باطل، غير ثابت ولا صحيح، ولا أعلم خلافًا بين أهل العلم بالحديث أنه حدیث واهٍ ضعيف، ولا يقوم بمثله حجة(١). قال ابن حزم: وإلى قول الشعبي ذهب الشافعي وأبو ثور، وقال: المحل الذي يفسد نكاحه هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه إنما تزوجها لتحل ثم يطلقها. وأما من لم يشترط ذلك في العقد فهو صحيح لا داخلة فيه، سواء أشترط عليه ذلك قبل العقد أو لم يشترط، نوئ ذلك في نفسه أو لم ينو. قال أبو ثور: وهو مأجور بذلك. وأما أبو حنيفة وأصحابه، فروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي سواء، وروي أيضًا، عن محمد، عن يعقوب، عن أبي حنيفة: إذا نوى الثاني تحلیلھا للأول لم تحل بذلك، وهو قول أبي يوسف ومحمد. وروى الحسن بن زياد، عن زفر، عن أبي حنيفة أنه وإن اشترط عليه في العقد أنه إنما تزوجها ليحلها للأول، فإنه نكاح صحيح ويحصنان به ويبطل الشرط، وله أن يمسكها، فإن طلقها حلت للأول(٢). (١) ((علل ابن أبي حاتم)) ١/ ٤٢٧. (٢) ((المحلى)) ١٨٢/١٠. ٢٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح صيد وفي ((القنية)): إذا أتاها الزوج الثاني في دبرها لا تحل للأول، وإن أولج في مكان البكارة حلت للأول، والموت لا يقوم مقام التحليل، وكذا الخلوة. فصل : تعلق بحديث تميمة بنت وهب زوج رفاعة -كما قال أبو عمر - قوم شذوا عن طريق السلف والخلف من العلماء في تأجيل العنين فأبطلوه، منهم: ابن عليه وداود، وقالوا: قد شكت لرسول الله وَليل أن زوجها ليس معه إلا مثل هدية الثوب -وهي طرفه وحاشيته- فلم يؤجله، ولا حال بينه وبينها . قالوا: وهو مرض من الأمراض لا قيام للمرأة به. فخالفوا جماعة الفقهاء والصحابة برأي متوهم، وتركوا النظر المؤدي إلى المعرفة بأن البُغية من النكاح الوطء، وابتغاء النسل، وأن حكمها في ذلك [كحكمه](١) لو وجدها رتقاء وإذا صح طلاق عبد الرحمن لتميمة بطلت النكتة التي فرعوا عليها. وقد قضى بتأجيل العنين عمر، وعثمان، والمغيرة بن شعبة (٢). فصل : سواء في زواج المرأة بالثاني قويّ النكاح وضعيفه - كما قال أبو عمر- والصبي الذي يطأ مثله، والمراهق، والمجنون، والخصي الذي بقي معه ما يغيبه في الفرج، يحلون المطلقة لزوجها، وتحل الذمية لمسلم بوطء زوج ذمي لها بنكاح، وكذا لو أصابها محرمة أو حائضًا أو صائمة، ولكنه يعصى. (١) زيادة يقتضيها السياق من ((الاستذكار)) ١٥٣/١٧. (٢) ((الاستذكار)) ١٥٣/١٦-١٥٤. ٢٣١ كِتَابُ الطَّلَاقِ = وذهب ابن الماجشون وطائفة من أهل المدينة من أصحاب مالك وغيرهم إلى قول أبي حنيفة، فإن تزوجها وشرط التحليل، فالشافعي يرى أنه ضرب من المتعة، فإن تزوجها تزويجًا مطلقًا إلا أنه نواه، فله قولان : أحدهما: كقول مالك. والآخر: كقول أبي حنيفة، ولم يختلف قوله في الجديد أن النكاح صحيح إذا لم يشترط في العقد (١). فصل : منعطف على ما مضى، ذكر ابن المنذر في ((الإجماع)) أنهم أجمعوا أن من طلق زوجته المدخول بها طلاقًا يملك رجعتها، وهو مريض أو صحيح، فمات أو ماتت قبل أن تنقضي عدتها، أنهما يتوارثان، وأن من طلق زوجته وهو صحيح كل قرء طلقة، ثم مات أحدهما، ألا ميراث للحي منهما من الميت(٢). قال ابن المرابط: لم يختلف أحد أن طلاق المريض جائز ونافذ عليه، وإنما ورثت منه؛ لهربه بالميراث عنها في العلة، وكذا حكم كل هارب من الشرائع والأحكام. تنبيهات : تقدمت لا بأس بذكرها: لا بدعة عندنا في جمع الثلاث خلافًا له كما سلف(٣). (١) ((الاستذكار)) ١٥٨/١٦- ١٦٠. (٢) ((الإجماع)) ص ١١٣ (٤٤٨ -٤٤٩). (٣) انظر: ((البيان)) ١٠/ ٨٠. ٢٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأجاز ابن مسعود تفريقها على الأقراء، وبه أخذ أبو حنيفة وأشهب، وإذا أوقع الثلاث بكلمة وقعت، خلافًا لداود ولبعضهم حيث قال: تقع واحدة. وعند مالك في طلاق الفار في مرض الموت: ترث وإن تزوجت أزواجًا، وولدت أولادًا خلافًا للشافعي(١). فصل : وقول عويمر: (أرأيت رجلًا وجد مع امرأته)، إلى آخره. دال على وجوب قتل من قتل رجلا وادعى أنه وجده مع امرأته، وبه قال عامة فقهاء الأمصار وقوله: ( ((قد أنزل فيك وفي صاحبتك)) ) دال على أنه أول لعان نزل فيه ذلك، وقد سلف الخلاف فيه وفي لعان هلال بن أمية. (١) انظر: ((المدونة)) ١٣٢/٢، ((الوسيط)) ٢٧٩/٣. ٢٣٣ كِتَابُ الطَّلَاقِ = ٥- باب مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨]. ٥٢٦٢- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَيََّنَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَاخْتَزْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا. [٥٢٦٣ - مسلم: ١٤٧٧ - فتح ٩/ ٣٦٧]. ٥٢٦٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَامِرُ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْخِيَرَةِ، فَقَالَتْ: خَيََّنَا النَّبِيُّ ◌َ، أَفَكَانَ طَلَاقًا؟ قَالَ مَشْرُوقٌ: لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي. [انظر: ٥٢٦٢- مسلم: ١٤٤٧ - فتح ٩/ ٣٦٧] . ثم ساق حديث مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَاخْتَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا. وعنه أيضا سألها عن الخيرة فَقَالَتْ: خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ◌َهِ، أَفَكَانَ طَلَاقًا؟ قَالَ مَسْرُوقٌ: لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي. قد روي مثل قول مسروق عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، ومن التابعين عطاء، وسليمان بن يسار، وربيعة، والزهري، كلهم قالوا: إذا اختارت زوجها فليس بشيء، وهو قول أئمة الفتوى(١). وروي عن علي وزيد بن ثابت: إن أختارت (زوجها)(٢) فواحدة، (١) أنظر: هُذِه الآثار في (مصنف عبد الرزاق)) ٨/٧- ١٠ وابن أبي شيبة ٩١/٤، ((الاستذكار)) ١٧/ ١٦٧. (٢) في الأصل: نفسها، والمثبت هو الصواب وهو الموافق لما قبله. ٢٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وهو قول الحسن البصري(١)، والأول هو الصحيح لحديث عائشة رضي الله عنها، وقد أوضحنا ذلك في تفسير سورة الأحزاب بزيادة. والتخيير -كما سلف- هو أن يجعل الطلاق إلى المرأة، فإن لم تمتثل فلا شيء عليه كغيرها. والفرق بين التخيير والتمليك عند مالك أن قول الرجل: قد ملكتك. أي: قد ملكتك ما جعل الله لي من الطلاق واحدة، أو اثنتين أو ثلاثًا، فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك كان القول قوله مع یمینه. وقال في الخيار: إذا اختارت نفسها المدخول بها فهو الطلاق كله، وإن أنكر زوجها فلا (تكن)(٢) وإن اختارت واحدة فليس بشيء، وإنما الخيار البتات وإما أخذته، وإما تركته(٣)؛ لأن معنى التخيير: التسريح، قال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] فمعنى التسريح: البتات؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الطَّلَقُ مَرَتَانِ فَإِمِسَاءٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَسْرِيحٌ ◌ِإِحْسَنٍ﴾ والتسريح بإحسان هي الثالثة، كما سلف. وقال جماعة: أمرك بيدك، واختاري سواء. قال الشعبي: هو في قول عمر وعلي وزيد بن ثابت سواء(٤)، وهو قول النخعي وحماد والزهري وسفيان والشافعي وأبي عبيد(٥). فصل : اختلفت المالكية: هل له أن يناكرها في التخيير؟ فقال مالك وأكثر (١) أنظر هذِه الآثار في ((مصنف عبد الرزاق)) ٩/٧، ١٠. (٢) كذا في الأصل، والذي في ((الاستذكار)) ١٦٧/١٧: (تكره له). (٣) أنظر: ((الاستذكار)) ١٧/ ١٦٧. (٤) أنظر هذِه الآثار في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٩٢. (٥) انظر: ((الإشراف)) ١/ ١٥٧. ٢٣٥ كِتَابُ الطَّلَاقِ = أصحابه: لا مناكرة له إذا طلقت ثلاثًا . وقال ابن الجهم وسحنون: له أن يناكرها. واختلفا ما الذي يكون عليه، فقال سحنون: واحدة رجعية كالتمليك، وقال ابن الجهم: بائنة. قال ابن سحنون: وأكثر أصحابنا يقولون به. ومثله حكى ابن خويز منداد في الخيار عن مالك أن يحمله على ذلك(١). فرع: فإن خيرها فاختارت دون الثلاث، فقال مالك: ليس بشيء، وذلك إبطال لحقها، وقال عبد الملك: إنه أختيار الثلاث. وقال في كتاب محمد نحوه: إذا قضت بواحدة كانت البتة، فإن أرادت بعد ذلك أن تقضي على قول من أسقط ما اختارته، فالجماعة على أن ليس لها ذلك، إلا أشهب قال: لها أن ترجع تقضي. فالثلاث يحصل من هذا؛ لأن التخيير عند مالك ثلاث، فلا يناكرها، والتمليك له أن يناكرها ويحلف إذا أراد رجعتها عدا الصحيح. وقال محمد: يحلف مكانه. وقال ابن سحنون: هما سواء يناكرها فيها (٢). وقال الداودي: قال قوم في التخيير هما سواء؛ لقول مالك في التمليك. وقالوا في التمليك كقوله في التخيير. فصل : وقول مسروق: لا أبالي، إلى آخره. فيه تقديم وتأخير، وذلك أنه قال: لا أبالي بعد أن تختاري أكنت خيرتها واحدة أو مائة، ذكره ابن التين . فائدة: الخيرة: بكسر الخاء وفتح الياء، وهو من الخيار. (١) أنظر: ((عقد الجواهر الثمينة)) ٥١٥/٢-٥١٦. (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١٣/٥-٢١٤، ((عقد الجواهر الثمينة)) ٥١٦/٢. ٢٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٦- باب إِذَا قَالَ: فَارَقْتُكِ أَوْ سَرَّحْتُكِ أَوِ الخَلِيَّةُ أَوِ البَرِيَّةُ أَوْ مَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ، فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ قَوْلُ اللهِ وَى: ﴿وَسَرِّجُوهُنَ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] وَقَالَ: ﴿ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاهَا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَقَالَ: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ بَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانٍ بِفِرَاقِهِ. افتح ٩/ ٣٦٩]. هذا التعليق تقدم عنده مسندًا، واختلف قول مالك فيمن قال لامرأته: قد فارقتك، أو سرحتك، أو خليت سبيلك. فروى عيسى عن ابن القاسم أنها كلها ثلاث في التي بنى بها، إلا أن ينوي أقل فله نيته ويحلف، وفي التي لم يبن بها حتى ينوي أقل(١). قال ابن المواز: وأصح قوليه في ذلك في التي لم يبن بها واحدة، إلا أن يريد أكثر. وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم(٢). وقال أبو يوسف في قوله: فارقتك، أو خلعتك، أو خليت سبيلك، أو لا ملك لي عليك: إنها ثلاثًا ثلاثًا(٣). (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٣/٥ وفيه: وفي التي لم يبن بها حتى ينوي أكثر. (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٢/٥. (٣) أنظر: ((الاستذكار)) ٤٨/١٧. ٢٣٧ كِتَابُ الطَّلَاقِ === واختلفوا في الخلية والبرية والبائن، فروي عن عليّ أنها ثلاث، وبه قال الحسن البصري (١)، وروي عن (ابن عمر)(٢) في الخيلة والبرية والبتة: هي ثلاث(٣). وعن زيد بن ثابت في البرية: ثلاث. وقال ابن أبي ليلى في الخلية والبرية والبائن: ثلاث في المدخول بها(٤). وقال مالك أيضًا كذلك(٥)، قال (زيد بن أرقم)(٦) في التي لم يدخل بها: تطليقة واحدة أراد أم ثلاثًا؟ فإن قال: واحدة كان خاطبًا من الخطاب، وقاله ربيعة (٧) . وقال الثوري وأبو حنيفة نيته في ذلك، فإن نوى ثلاثًا أو واحدة فواحدة بائنة، وهي أحق بنفسها، وإن نوى ثنتين فهي واحدة(٨). وقال الشافعي: هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول: أردت بمخرج الكلام مني طلاقًا فيكون ما نواه، فإن نوى دون الثلاث كان رجعيًا، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية (٩). (١) رواهما عبد الرزاق ٣٥٦/٦، ٣٥٩. (٢) في الأصل: عمر والمثبت هو الصواب كما في ((مصنف عبد الرزاق))، و((شرح ابن بطال)) ٣٩٨/٧، أما عمر فقد وري عنه أنه قال: هي واحدة ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٥٦/٦ (١١١٧٣). (٣) رواه عبد الرزاق ٦/ ٣٥٧ (١١١٧٨). (٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٢٢/٢. (٥) انظر: ((الاستذكار)) ١٧ /٤٨. (٦) كذا في الأصل وهو خطأ ظاهر، فإن باقي الكلام هو لمالك كما في ((الموطأ)) ص٣٤١ باستثناء لفظة: (يُدين) فقد حرفت إلى (زيد) وأصل الكلام: يدين في التي لم يدخل بها، .. إلى آخره. (٧) انظر: ((الموطأ)) ص ٣٤١، ((الإشراف)) ١٤٧/١. (٨) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٤١/٢. (٩) ((الأم)) ٢٤١/٥. ٢٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال إسحاق: هو إلى نيته يدين(١). وقال أبو ثور: هي تطليقة رجعية، ولا يسأل عن نيته في ذلك(٢). ويشبه أن تكون كما قال ابن بطال: أن يكون البخاري أشار إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله: أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته. والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقًا وغير طلاق، فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق، إلا أن يقر المتكلم أنه أراد بها الطلاق، فيلزمه ذلك بإقراره، ولا يجوز إبطال النكاح؛ لأنهم قد أجمعوا على صحته بیقین. وقوله: (برئت مني، أو برئت منك). هو من البرية، وكان بعض أصحاب مالك يرى المباراة من البرية، ويجعلها ثلاثًا وتحصيل (مذهب)(٣) [مالك](٤) أن المباراة من باب الصلح والفدية والخلع، وذلك كله واحدة عندهم بائنة(٥) . والحجة لمالك في قوله: فارقتك، وسرحتك، وخلية، وبرية، وبائن، أنها ثلاث في المدخول بها، أن هذِه الألفاظ في لغة العرب مستعملة في عرفهم للإبانة وقطع العصمة كالثلاث، بل هذِه الألفاظ أشهر عندهم وأكثر أستعمالًا من قولهم: أنت طالق. ولم يرد الشرع بخلافها، وإنما ورد أن يفرق عدد الطلاق، فإن ترك ذلك وأوقع الأصل وقع(٦) ، ولا يسلم لهم ذلك. (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٩٩. (٢) أنظر: ((الإشراف)) ١٤٧/١. (٣) ورد فوق كلمة (مذهب) كلمة (كذا)؛ أي أن الناسخ قد وجدها هكذا. (٤) زيادة يقتضيها السياق، من ((الاستذكار)) ٥٠/١٧. (٥) أنظر: ((الاستذكار)) ٥٠/١٧. (٦) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٩٩/٧. ٢٣٩ كِتَابُ الطَّلَاقِ = فصل : قول عائشة السالف فيه حجة لمن قال: إنه إذا خير الرجل امرأته أو ملكها، أن لها أن تقضي في ذلك وإن افترقا من مجلسهما. روي هذا عن الحسن والزهري، وقاله مالك. وروي عن مالك أيضًا أن لها أن تقضي ما لم يوقعها السلطان. وكان قول مالك الأول أن أختيارها على المجلس، وهو اختيار ابن القاسم، وهو قول الكوفيين والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور. قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا أتباع السنة في عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث، حين جعل لها التأخير إلى أن تستأمر أبويها، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجًا من الأمر. وقال المروزي(١): هذا أصح الأقاويل عندي، وقاله ابن المنذر والطحاوي(٢)، وبهذا نقول؛ لأنه الفئه قد جعل لها الخيار في المجلس وبعده، حتى تستأمر أبويها، ولم يقل: فلا تستعجلي حتى تستأمري أبويك في مجلس. فرع : الصريح لا حاجة فيه إلى النية، وهو ثلاثة: الطلاق، والفراق، والسراح. وفيهما قول. وخالف أبو حنيفة في قوله: أنا منك طالق(٣). (١) هو: محمد بن نصر المروزي. (٢) أنظر هذِه المسألة: في ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٢٢/٢-٤٢٣، ((الاستذكار)) ١٦٧/١٧-١٦٨، ((الإشراف)) ١٥٧/١. (٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٢٧/٢-٤٢٨. ٢٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ودليلنا عليه قوله: أنا منك حرام وبائن. وعند المالكية خلاف في أن الفراق ثلاث أو واحدة أو ثلاث، فيمن دخل بها(١). فرع : عند المالكية تقسم الكناية إلى ظاهرة ومحتملة، فالظاهرة: ما جرى العرف بأن يطلق بها في اللغة والشرع، مثل: أنت خلية وبرية، وبائن، وبتلة، وحبلك على غاربك، وأنت عليَّ حرام. وهُذِه الألفاظ في المدخول بها ثلاث، ولا تقبل منه إن لم يرد الطلاق، ولا أنه أراد دون الثلاث، هذا قول القاضي في ((معونته))(٢). وقال ابن القصار: هُذِه الألفاظ من صريح الطلاق، غير أن بعضها آكد من بعض . وأما المحتملة: كقوله: اذهبي، أنصرفي، واخرجي، أغربي. فهذا يقبل منه ما يدعي أنه أراد، من طلاق وغيره، من قليل العدد وكثيره. وضرب ثالث: هو ما ليس من ألفاظ الطلاق مما يستثنى وشبهه، فإن: أراد به الطلاق، فقيل: يكون طلاقًا. وقيل: لا(٣). وخالف الشافعي في الكنايات الظاهرة إذا قال: أردت بها الطلاق، أو أردت دون الثلاث. فقال: يقبل قوله في دينك. ودليل المالكية ما سلف أن هذه الألفاظ تتضمن إيقاع الطلاق بهذه الصفات، كأنه قال: أنت طالق تحرمين به، وتبينين به . (١) انظر: ((جامع الأمهات)) ص ١٧٠. (٢) ((المعونة)) ١/ ٥٧٠. (٣) ((المعونة)) ١/ ٥٧٠