Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
وذكر الشهرستاني أحمد بن محمد في كتابه «أنفس كتاب في أشرف
الأنساب)): إنه القلئلا تزوج أمية ابنة الضحاك بن سفيان، فلما أراد الدخول
بها وجد بكشحها بياضًا فطلقها، قال: وتزوج أيضًا فاطمة بنت الضحاك
الكلابية، فلما خير نساءه اختارت الدنيا، فكانت تلقظ البعر وتقول: أنا
الشقية(١) .
وفي ((طبقات ابن سعد)): تزوج رسول الله وَ ل سنا بنت سفيان
الكلابية، ولم يدخل بها (٢). وفي (الاستيعاب)): تزوج عمرة بنت يزيد
الكلابية، فبلغه أن بها بياضًا، فطلقها(٣). وقيل: إنها التي تعوذت منه.
وذكر الرشاطي أن أباها وصفها لرسول الله وَل فقال: وأزيدك أنها لم
تمرض قط. فقال: ((ما لهذِه عند الله خير قط)). فطلقها، ولم يبني عليها .
ولأبي عبيدة معمر: بعث التّ أبا أسيد الساعدي يخطب عليه هند
بنت يزيد بن البرصاء، فقدم بها عليه، فلما بنى بها، ولم يكن رآها، رأى
بها بياضًا فطلقها .
وقال أحمد بن صالح المصري: هي عمرة بنت يزيد(٤) يعني:
المتقدمة. وللإسماعيلي، قال الزهري: ويرى الحقي بأهلك، تطليقة
بائنة(٥) .
وفي ((الطب)): لأبي نعيم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه
(١) ذكر هذا الكلام ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٤٥٣/٤. ثم قال: وهذا عندنا غير
صحيح. اهـ
(٢) ((الطبقات الكبرى)) ١٤١/٨، وفيه: سبا، وكلاهما قد ذكر.
(٣) ((الاستيعاب)) ٤/ ٤٤٢ (٣٤٧٦).
(٤) أنظر: ((الاستيعاب)) ٤٧٥/٤.
(٥) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٣٢٣٦/٦-٣٢٣٧.

٢٠٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
العليّ تزوج أمرأة من غفار، فلما دخلت عليه رأى بكشحها بياضًا، فردها
إلى أهلها، وقال: ((دلستم عليَّ)). ذكره من حديث أبي بكر النخعي، عن
حميد بن يزيد، عنه(١).
وأعله ابن أبي حاتم في ((علله)) بقوله: رواية زيد بن كعب بن عجرة
تدخل في المسند (٢). فتحصلنا على عدة أقوال فيها.
الحديث الثاني :
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَسِيلٍ -بغين معجمة - عَنْ
حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيَّدٍ - بضم الهمزة- عَنْ أَبِي أَسَيْدٍ كذلك، واسمه
مالك بن البدن قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله وََّ حَتَّى أَنْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطِ
يُقَالُ لَهُ: الشَّوْطُ، حَتَّى أَنْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهَ: ((اجْلِسُوا هَا هُنَا)). وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ فِي
بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَتُهَا
حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ بِهِ قَالَ: ((هَبِي نَفْسَكِ لِي)). قَالَتْ
وَهَلْ تَهَبُ المَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ؟ قَالَ: فَأَهْوِىُ بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا
لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ باللهِ مِنْكَ. فَقَالَ: ((قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ». فَخَرجَ
عَلَيْنَا فَقَالَ: ((يَا أَبَا أُسَيْدٍ، أَكْسُهَا رَازِقِيَتَيْنِ، وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا)).
وَقَالَ الحُسَيْنُ بْنُ الوَلِيدِ النَّسَابُورِيُّ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ
سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي أُسَيْدٍ قَالَا: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ◌َهِ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ،
فَلَمَّاَ دْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ
أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا تَوْبَيْنِ رَازِقِتَيْنِ .
(١) ((الطب)) لأبي نعيم ٥١٤/٢-٥١٥.
(٢) ((علل ابن أبي حاتم)) ٤٢٣/١.
:

٢٠٣
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِيِ الوَزِيرِ، ثَّنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَمْزَةَ، عَنْ أَبِيهِ. وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ،
عَنْ أَبِيهِ بهذا .
وقال في موضع آخر: وقال عبد الرحمن.
وقال الحسين بن الوليد، عن عبد الرحمن، عن عباس بن سهل.
[و](١) عن عائشة رضي الله عنها أن عمرة بنت الجون تعوذت من
رسول الله وَ ﴾ حين أدخلت عليه فقال: ((لقد عذت بمعاذ)) فطلقها
وأمر أسامة وأنسًا فمتعها بثلاثة أثواب رازقية.
وهذا التعليق رواه ابن ماجه(٢).
وقال في آخر الأشربة: حدثنا سعيد ابن أبي مريم، عن أبي غسان
محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: ذكر للنبي وَل
أمرأة من العرب، فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل إليها، فقدمت
فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي ◌ّ حتى جاءها، فدخل
عليها، فإذا أمرأة منكسة رأسها، فلما كلمها النبي ◌َّ قالت: أعوذ
بالله منك. قال: ((قد أعذتك مني)) فقالوا لها: تدرين من هذا؟ قالت:
لا. قالوا: هذا رسول الله وَاله جاء ليخطبك. قالت: كنت أنا أشقى
من ذلك .. الحديث(٣).
وروى أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن إسحاق، عن حكيم بن
حكيم، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه قال: تزوج رسول الله
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) ابن ماجه (٢٠٣٧).
(٣) سيأتي برقم (٥٦٣٧) كتاب الأشربة، باب الشرب من قدح النبي وَل.

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وَله عمرة بنت معاوية الكندية. وفي حديث الشعبي أنه الليئا تزوج امرأة
من كندة فجيء بها بعد موته.
الحديث الثالث :
حديث ابن عمر رضي الله عنهما السالف في طلاقه زوجته وهي
حائض، وفيه: عَنْ أَبِي غَلَّابٍ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ
طَلَّقَ أمْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ. قَالَ: تَعْرِفُ ابن عُمَرَ؟ إِنَّ ابن عُمَرَ طَلَّقَ
امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ، فَأَتَىْ عُمَرُ النَّبِيَّ ◌َ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ
يُرَاجِعَهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا. قَالَ: فَهَلْ عَذَّ ذَلِكَ
طَلَاقًا؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ.
ويونس هذا باهلي، بصري، أحد بني معن بن مالك بن أعصر بن
سعد بن قيس، تابعي، ثقة صلى عليه أنس بن مالك بوصايتة، وليس
للبخاري عنده غيره، ومات بعد الثمانين فيما أفاده أبو أحمد الحاكم،
وأهمله ((التهذيب))(١) .
فصل :
أما ما ترجم له من المواجهة بالطلاق فهو موجود في حديث عائشة
دون حديث أبي أسيد وابن عمر صريحًا، ولا شك في جواز ذلك، لكن
تركه أولى؛ لأنه أرفق وألطف، وليس من مراعاة حقوق الزوجة من
المودة والرحمة، فإن الله تعالى لما خلق حواء من ضلع آدم جعل
بينهما المودة والرحمة.
(١) انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ١٥٣/٧، ((الثقات)) ٥٥٤/٥، ((تهذيب
الكمال)) ٤٩٨/٣٢-٥٠٠.

٢٠٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ
-
فصل :
ابنة الجون: هي أسماء بنت كعب الجونية، رواه يونس عن ابن
إسحاق(١).
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه تزوج أسماء بنت النعمان بن أبي
الجون بن شراحيل.
وقيل: أسماء بنت الأسود بن الحارث بن شراحيل بن النعمان،
الكندية .
قلت: في نقله الإجماع نظر لما أسلفناه، واختلفوا في سبب فراقها،
فقيل: لما دخلت عليه دعاها فقالت: تعال أنت، وأبت أن تجيء، وزعم
بعضهم أنها استعاذت منه، فطلقها .
وقيل: بل كان بها وضح كوضح العامرية، ففعل بها كفعله بها .
قال: والمستعيذة امرأة من بلعنبر (٢) من بني ذات الشقوق، كانت
جميلة، فخاف نساؤه أن تغلبهنّ عليه، فقلنّ لها: إنه يعجبه أن
تقولي: أعوذ بالله منك.
وقال أبو عبيدة: كلتاهما تعوذتا .
قال ابن عقيل(٣): نكح التي أمرأة من كندة- وهي الشقية - فسألته أن
يردها إلى أهلها، فردها مع أبي أسيد، فتزوجها المهاجر بن أبي أمية، ثم
خلف عليها قيس بن مكشوح.
:
(١) ((سيرة ابن اسحاق)) ص ٢٤٨.
(٢) كذا في الأصل: بلعنبر، وهي لغة صحيحة، قال السمعاني في ((الأنساب)) ٩/ ٦٧،
في باب العين والنون، العنبري نسبة إلى بني العنبر، ويخفف فيقال لهم: بَلعنبر، وهم
جماعة من بني تميم، ينسبون إلى بني العنبر بن عمرو بن تميم بن مُرّ بن أُدّ. اهـ
(٣) ورد بهامش الأصل: هو عبد الله بن محمد بن عقيل.

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال أبو عمر: والاختلاف فيها وفي صواحباتها اللاتي لم يدخل بهن
عظيم (١).
وروى ابن أبي شيبة من حديث عمر بن الحكم أنه الذي تزوج امرأة
من بني الجون فطلقها، وهي التي استعاذت منه(٢).
وقال مجاهد: لم يكن يطلق ولكن يعتزل(٣).
فصل :
والرازقي -براء مهملة (٤) ثم ألف ثم زاي ثم قاف- ثياب من كتان
بیض طوال، قاله أبو عبيد.
وقال غيره: داخل بياضها زرقة. والرازقي: الضعيف.
فصل :
والسوقة من الناس: الرعية. ومن دون الملك، قال الجواليقي:
ليس كما يذهب إليه عوام الناس إلى أنهم أهل السوق، وسموا
سوقة؛ لأن الملك يسوقهم فيساقون له ويصرفهم على مراده، يقال
للواحد منهم والاثنين: سوقة، وربما جمع سوقًا، وأما أهل السوق
فالواحد منهم سوقي، والجماعة سوقيون.
فصل :
الأُجُم: في الحديث الذي أوردناه - بضم الهمزة والجيم- الحصن،
وجمعه: آجام بالمد، كعنق وأعناق. وقال أبو عبيد: وكذلك الأطم.
(١) ((الاستيعاب)) ٣٤٨/٤، ٣٤٩، ٣٥٠.
(٢) ابن أبي شيبة ٢٠١/٤ (١٩٢٤٨).
(٣) ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٠ (١٩٢٤٤).
(٤) ورد بهامش الأصل: لا تحتاج إلى تقييدها بالإهمال.

٢٠٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
فصل :
وأمره الَّ بكسوتها هي المتعة التي أمر الله بها للمطلقة غير
المدخول بها(١)، وكذا لها على الأظهر عندنا، وستعلم بعد مذاهب
العلماء فيه، نبه عليه المهلب.
قال ابن التين: ويحتمل أن يكون عقب نكاحها تعويضًا، فيكون لها
المتعة أو يكون سمى لها صداقًا يتفضل عليها بذلك، ومن عادته القَّة إذا
ترك شيئًا لم يعد فيه، فلما استعاذت منه مع سابق قوله: ((من استعاذكم
بالله فأعيذوه))(٢)، تركها ولم يعد إليها .
وأما ابن المرابط فقال: كان بعض أهلها أعلم رسول الله وله
بشأنها، ونزاهة نفسها، ورفع همتها، فأراد الوقوف على ذلك قبل
العقد عليها باختبارها، وأمره لها بالكسوة؛ تفضلًا منه عليها؛ لأن
ذلك لم يكن لازمًا له؛ لأنها لم تكن زوجة. وعليه توبيب النسائي.
فصل :
قوله للرجل: (أتعرف ابن عمر رضي الله عنهما؟) وهو يخاطبه، إنما
هو تقرير على أصل السنة، وعلى ناقلها؛ لأنه لازم للعامة الاقتداء
بمشاهير أهل العلم، فقرره على ما يلزمه من ذلك، لا أنه ظن أنه
يجهله، وقد قال مثل هذا لرجل سأله عن أم الولد، فقال: أتعرف
أبا حفص أو عمر؟ يريد إياه ولا خفاء به، ثم أخبره بقضيته في أم
الولد إلزامًا له حكمه فيها بأمانته في الإسلام، لا على أن السائل كان
يجهل عمر .
(١) ورد بهامش الأصل: إن لم يجب بها شطر مهر.
(٢) رواه أبو داود (٥١٠٩)، والنسائى ٨٢/٥، وأحمد ٩٩/٢.

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
اختلف في: الحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، ولا سبيل لي
عليك، ونحوها من كنايات الطلاق، كما قال ابن المنذر، فقالت
طائفة ينوي في ذلك، فإن نوى الطلاق وقع، وإلا فلا شيء عليه،
هذا قول الثوري وأبي حنيفة، قالا: إن واحدة أو ثلاثًا فهو ما نوى،
وإن نوى ثنتين فهي واحدة؛ لأنها كلمة واحدة ولا تقع على اثنتين.
وقال مالك في: الحقي بأهلك: أي أراد الطلاق، فهو ما نوى
واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، وإن لم يرد طلاقًا فليس بشيءٍ(١).
وقال الحسن والشعبي فيه، وفي لا سبيل لي عليك، والطريق
واسع: إن نوى طلاقًا فهي واحدة وهو أحق بها، وإن لم ينو طلاقًا
فليس بشيء.
وروي عن عمر وعلي في: حبلك على غاربك أنهما حلفاه عند
الركن على ما أراده وأمضياه(٢)، وهو قول أبي حنيفة، وكذلك كل
كلام يشبه الفرقة مما أراد به الطلاق فهو مثل ذلك، كقوله: قد خليت
سبيلك، ولا ملك لي عليك، واخرجي، واستبرئي، وتمتعي، واعتدي.
وقال مالك: لا ينوي أحد في حبلك على غاربك؛ لأنه لا يقوله
أحد، وقد بقي من الطلاق شيء، ولا يلتفت إلى نيته إن قال: لم أرد
طلاقًا(٣).
وهذا الحديث -كما قال الطحاوي- أصل في الكنايات عن
الطلاق؛ لأنه التليف قال لابنة الجون حين طلقها: ((الحقي بأهلك)).
(١) ((المدونة)) ٢٨٤/٢.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٦/ ٣٧٠ (١١٢٣٢، ١١٢٣٣).
(٣) ((المدونة)) ٢٨٢/٢.

٢٠٩
كِتَابُ الطَّلَاقِ
وقد قال كعب بن مالك لامرأته: الحقي بأهلك(١)، حين أمره
الشارع باعتزالها، فلم يكن ذلك طلاقًا، فدل خبر كعب على أن هذِه
اللفظة مفتقرة إلى النية، وأن من قال لامرأته ذلك نوى، فإن لم ينو
فلا شيء عليه، وهذا قول مالك والكوفيين والشافعي. قال غيره
وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره (٢) .
وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وابن الماجشون جملة منها، وقال:
لا شيء عليه بنى بها أو لم يبن، إلا أن ينوي طلاقًا فله ما نوى بعد أن
يحلف على ذلك، ولا شك أن العصمة قائمة ولا تزول إلا بقصد؛ لقوله
التَّ: ((إنما الأعمال بالنيات)).
وأما الألفاظ التي يكنى بها عن الطلاق، فأكثر العلماء لا يوقعون
بها طلاقًا وإن قصده القائل. وقال مالك: كل من أراد الطلاق بأي
لفظ كان لزمه حتى يقول: كلي، واشربي، وقومي، واقعدي،
ونحوه(٣). والحجة له أن الله تعالى جعل الرمز، وهو الإيماء بالكلام
في الكناية عن المراد بقوله: ﴿أَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾
[آل عمران: ٤١] وكما كان ما فعله المتلاعنان من تلاعنهما وتفرقهما
طلاقًا، وإن لم يتلفظ به، وكذلك روي في المختلعة لما ردت عليه
الحديقة، فأخذها وكان طلاقًا .
وقال الأثرم: قلت لأحمد إذا قال: الحقي بأهلك؟ قال: إن لم ينو
طلاقًا فلا شيء، وذلك أن الذين تخلفوا عن رسول الله وَّ قال أحدهم
(١) سبق برقم (٤٤١٨).
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٨٧/٧-٣٨٨، ((الإشراف على مذاهب أهل العلم))
١٤٨/١-١٤٩.
(٣) ((المدونة)) ٢٨٥/٢.

٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
لامرأته: الحقي بأهلك، ولم يرد الطلاق، فلم يكن طلاقًا. قلت: فإن
نوى طلاقًا؟ قال: أخاف أن يكون ثلاثًا .
قلت: إنهم يحتجون بحديث الجونية، ولم يكن طلاقًا، ولم يكن
يطلق ثلاثًا، فيكون غير طلاق السنة. قال: تلك غير مدخول بها.
قلت: فيجوز أن تطلق غير المدخول بها إلا واحدة؟ قال: فكيف
الحديث، فذكرته، أفتراه كان ينوي ثلاثًا بكلمة واحدة؟ قال: لا(١).
وفي مصنف ابن أبي شيبة عن الحسن في الحقي بأهلك نيته، وعن
عامر ليس بشيء إلا أن ينوي طلاقًا في غضب، وعن عكرمة: هي
واحدة. قال قتادة: ما أعدها شيئًا. وعن الحكم وحماد: إن نوى
الطلاق فهي واحدة، وهي أحق برجعتها(٢).
فصل :
ليس فيه تقديم الخطبة وتقديم وجوبها، قاله أكثر العلماء.
فصل :
معنى: أعوذ: ألتجئ. قالت ذلك؛ لأنها لم تعرفه ولا عرفت ما يراد
منها، وقد أسلفنا من قال علمها نساؤه، وقيل: إنهن قلن لها: تحظين
عنده بذلك.
وقوله: ( ((قد أعذتك))). فيما أوردناه جواب لقولها على وجه
الموافقة لقصدها؛ لأنه فهم منها الكراهية، وكأنها لم تعجبه أيضًا
خلقًا وخلقًا. وقوله: ((قد أعذتك)): تركتك.
(١) أنظر: ((المغني)) ٣٦٨/١٠.
(٢) أنظر هذِه الآثار في: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٨٧/٤ (١٨٠٤٧ - ١٨٠٥٠).

٢١١
= كِتَابُ الطَّلَاقِ
وقوله: (منكسة). يقال: نكس رأسه -بالتخفيف- فهو ناکس،
ونكّس -بالتشديد- فهو منكَّس، إذا طأطأه. وفيه: جواز نظر الخاطب
إلى من يريد نكاحها .
وأما حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: قال رسول الله وَلخلقه :
(من كشف خمار أمرأة ونظر إليها فقد وجب صداقها، دخل بها أو لم
يدخل بها)). أخرجه الدارقطني(١). فضُعِّفَ؛ لأجل ابن لهيعة،
ومرسل، أو يحمل على أنه بعد العقد، ويراد به الخلوة على من
جعلها مقررة للمهر.
6
(١) ((السنن)) ٣٠٧/٣.

٢١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤- باب مَنْ أَجَازَ طَلَاقَ الثَّلاثِ
لقوله تَعَالَى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ،
[البقرة: ٢٢٩]. وَقَالَ ابن الزُّبَيْرِ فِي مَرِيضِ طَلَّقَ: لَا أَرِى أَنْ
تَرِثَ مَبْتُوتَتُهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَرِثُهُ. وَقَالَ ابن شُبْرُمَةَ: تَزَوَّجُ
إِذَا أَنْقَضَتِ العِدَّةُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ
الآخَرُ؟ فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ.
٥٢٥٩- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ
سَعْدِ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُوَيْمِرَا العَجْلَانِّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ الأَنَّصَارِيِّ، فَقَالَ
لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ أَمْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟
سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَِّ. فَسَأَلَ عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَثَّه
فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ المَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِم مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ
وَ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرْ فَقَالَ: يَا عَاصِمٌ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ الهِ
مَ؟ فَقَالَ عَاصِمُ: لَمْ تَأْتِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ المَسْأَلَةَ التِي سَأَلَّتُهُ عَنْهَا. قَالَ
عُوَيْمِرٌ: والله لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرْ حَتَّى أَتَّى رَسُولَ اللهِ وَيُّهَ وَسَطَ
النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَنْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ
كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيَكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ
بِهَا)). قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ يَّةِ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ:
كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الهِ، إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ ٧/ ٥٥ رَسُولُ اللهِ
وَلّ. قَالَ ابن شِهَابٍ: فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. [انظر: ٤٢٣- مسلم: ١٤٩٢ - فتح
٩/ ٣٦١].
٥٢٦٠- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن
شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أَمْرَأَةَ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ جَاءَتْ
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَثَّ طَلَاقِي، وَإِّ نَكَحْتُ

٢١٣
13
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ القُرَظِيَّ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ يَّةٍ:
(لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي
عُسَيْلَتَهُ)). [انظر: ٢٦٣٩ - مسلم: ١٤٣٣ - فتح ٩ / ٣٦١].
٥٢٦١- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي
القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ أَمْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَتْ، فَطَلَّقَ، فَسُئِلَ
النَّبِيُّ ◌َ: أَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟ قَالَ: ((لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأَوَّلُ)). [انظر:
٢٦٣٩ - مسلم: ١٤٣٣ - فتح ٩/ ٣٦٢].
كأن البخاري رحمه الله أراد بأن الطلقة الثالثة قوله تعالى: ﴿أَوْ
تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقد جاء كذلك مفسرًا في حديث أنس:
قال رجل للنبي وَّةٍ: إني أسمع الله يقول: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة:
٢٢٩] فأين الثالثة؟ قال: ﴿فَإِمْسَاءٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:
٢٢٩] رواه الدارقطني، وصوب إرساله(١).
وقال ابن القطان: هما عندي صحيحين. ثم برهن(٢).
وقد طلق عويمر العجلاني بحضرته ثلاثًا ولم ينكر عليه صدور هذا
اللفظ، كما أورده في الباب، وإن كان وقع بعد اللعان وبانت.
ثم قال البخاري: وَقَالَ ابن الزُّبَيْرِ فِي مَرِيضٍ طَلَّقَ: لَا أَرَى أَنْ تَرِثَ
مَبْتُوتَتُهُ.
وهذا أخرجه أبو عبيد، عن يحيى القطان، حدثنا ابن جريج، عن
ابن أبي مليكة أنه سأل الزبير عن المبتوتة في المرض، فقال: طلق
عبد الرحمن بن عوف ابنة الأصبغ الكلبية فبتها، ثم مات وهي في
عدتها، فورثها عثمان.
(١) ((السنن)) ٤/٤.
(٢) ((بيان الوهم والإيهام)) ٣١٦/٢ (٣٠٩).

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن الزبير: وأما أنا فلا أرى أن تورث المبتوتة(١).
ولا بن أبي شيبة، عن عمر رضي الله عنه في المطلق ثلاثًا في مرضه:
ترثه ما دامت في العدة، ولا يرثها .
وورث علي أم البنين من عثمان لما طلقها لما حُضر. وقال إبراهيم:
ترثه ما دامت في العدة. وقال طاوس وعروة بن الزبير وعائشة وابن
سيرين بقوله، كانوا يقولون: من فرَّ من كتاب الله رُدَّ إليه يعني: في
الرجل يطلق امرأته وهو مريض (٢).
وقال عكرمة: لو لم يبق من عدتها إلا يوم واحد ثم مات، ورثت
واستأنفت عدة المتوفى عنها زوجها. وقال شريح فيما رواه عنه
الشعبي: يريد ما دامت في العدة (٣)، ونقل البخاري عن الشعبي أنها
تر ثه .
وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن زكريا، عن عامر قال: باب في
الطلاق جسيم إذا ورثت أعتدت (٤).
ومن حديث رجل من قريش، عن أبي بن كعب: إذا طلقها وهو
مريض وَرَّثْتُها منه، ولو مضى سنة لم يبرأ أو يموت.
وعن الحسن بن أبي الحسن في رجل طلق امرأته ثلاثًا في مرضه
فمات، وقد أنقضت عدتها قال: ترثه(٥).
(١) رواه عبد الرزاق ٧/ ٦٢ (١٢١٩٢) من طريق ابن جريح، وابن أبي شيبة ٤ /١٧٦
(١٩٠٢٨) من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن جريح، عن ابن أبي مليكة به.
(٢) أنظر: هُذِه الآثار في ((المصنف)) ٤/ ١٧٧.
(٣) انظر: ابن أبي شيبة ١٨١/٤ (١٩٠٧١، ١٩٠٧٢).
(٤) ((المصنف)) ٤/ ١٨١ (١٩٠٧٠).
(٥) ((المصنف)) ١٧٦/٤ (١٩٠٢٧-١٩٠٢٩).

٢١٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
وقال عطاء: لو مرض سنة ورثتها منه(١). والذي أجاب به الشافعي
في الحديث: أنه لا إرث.
ثم نقل البخاري عن ابن شبرمة: تزوج إذا انقضت العدة؟ قال:
نعم. قال: قلت: أرأيت إن مات الزوج الآخر؟ فرجع عن ذلك.
ثم ساق البخاري في الباب حديث سهل بن سعد الساعدي.
وموضع الشاهد منه ما قدمته، ويأتي في بابه .
وحديث عائشة في أمرأة رفاعة القرظي.
وسلف في الشهادات(٢)، والمقصود منه هنا: فطلقني فبت طلاقي.
وحديثها أيضًا: أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَتْ، فَطَلَّقَ، فَسُئِل
وَلَّهِ: أَتَحِلُّ لِلأَوَّلِ؟ قَالَ: ((لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأَوَّلُ)).
وهو مفسر لقوله: وبت طلاقي.
فصل :
ساق البخاري هُذِه الأحاديث عقب هذِه الترجمة؛ للرد على
المخالف، وفي الأول: إرسال الثلاث دفعة، وفي الثاني: إرسال
البتات، وفي الثالث: إرسال الثلاث من غير بيان لذكر الكيفية، هل
هي مجتمعات أو متفرقات؟
ولما قام عنده الدليل على تساوي الصور كفاه الدليل في بعضها
دليلًا على الجمع، كما نبه عليه ابن التين، وكأنه أثبت حكم الأصل
بالنص، وألحق الفرع به بقياس نفي الفارق.
قلت: لكن في البخاري في باب التبسم والضحك من كتاب
(١) الذي في ((المصنف)) ١٧٦/٤ (١٩٠٣٠) عن عثمان بن الأسود وليس عن عطاء.
(٢) سلف برقم (٢٦٣٩).

٢١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الأدب: أن رفاعة طلقني آخر ثلاث(١). فبان به أنها كانت متفرقات، ولم
يكن في كلمة، فلا حجة فيه هنا.
وكذلك ما ذكره عن ابن الزبير، فمحتمل؛ لأن يكون في كلمة
أو أكثر، أو أن يكون خلعًا .
فصل :
اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع طلاق الثلاث في كلمة واحدة،
وهو قول جمهور السلف، ومن خالف فهو شاذ مخالف لأهل السنة،
وإنما تعلق به أهل البدع ومن لا يلتفت إليه؛ لشذوذه عن الجماعة
التي لا يجوز عليها التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة، وإنما يُروى
الخلاف في ذلك عن السلف: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق،
وقد أسلفنا ذلك واضحًا، والجواب عما ظاهره التخالف.
قال أبو يوسف القاضي: كان الحجاج بن أرطاة يقول: ليس طلاق
الثلاث بشيء. وكان ابن إسحاق يقول: يرد الثلاث إلى واحدة (٢).
وقد أسلفنا عن الطحاوي نكارة حديث ركانة وابن عباس، وأنه
خالفهما ما هو أولى منهما .
روی سعید بن جبير ومجاهد ومالك بن الحارث(٣) ومحمد بن إياس
ابن البكير والنعمان بن عياش، كلهم عن ابن عباس، فيمن طلق امرأته
ثلاثًا أنه عصى ربه، وبانت منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج(٤).
(١) سيأتي برقم (٦٠٨٤).
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٦٢/٢.
(٣) في الأصل: الحويرث، والمثبت هو الصواب كما في ((مختصر اختلاف العلماء))
٤٦٣/٢، ((شرح ابن بطال)) ٣٩١/٧.
(٤) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢/ ٤٦٣.

٢١٧
13
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
وروي هذا عن ابن عمر وأبيه وعلي وابن مسعود وأبي هريرة
وعمران بن حصين، كما أسنده الطحاوي عنهم(١).
وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن مرة، عن
سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني طلقت أمرأتي
ألفًا -أو قال: مائة- قال: بانت منك بثلاث، وسائرها أتخذت بها آيات
الله هزوا(٢).
وأما رواية الأئمة عن ابن عباس مما يوافق الجماعة يدل على وَهَنِ
رواية طاوس عنه، وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه،
وقد روى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: كان ابن عباس إذا سئل
عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قال: لو أتقيت الله جعل لك مخرجًا(٣) .
وهُذِه الرواية لطاوس عن ابن عباس تعارض رواية ابن جريج، عن
ابن طاوس، عن أبيه؛ لأن من لا مخرج له، قَدْ لزمه من الطلاق ما أوقعه
فسقطت رواية ابن جريج وأيضًا فإن أبا الصهباء (هو)(٤) الذي سأل ابن
عباس عن ذلك، لا يعرف في موالي ابن عباس، لكن في هذا نظر كما
سلف هناك، وليس تعارض رواية ابن جريج، عن ابن عباس رواية من
ذكرنا عن ابن عباس فصار في هذا إجماعًا. وحديث ابن إسحاق
خطأ منكر.
وأما طلاق ركانة زوجته البتة لا ثلاثًا، كذلك رواة الثقات من أهل
بيت ركانة، رواه أبو داود، عن أبي ثور وغيره، عن الشافعي، حدثني
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٥٧/٣-٥٩.
(٢) ((المصنف)) ٦٣/٤ (١٧٧٩٨).
(٣) رواه عبد الرزاق ٣٩٦/٦ (١١٣٤٦).
(٤) كذا في الأصل، والمعنى يستقيم بدونها.

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن على بن السائب، عن
نافع بن عجير، عن عبد الله بن يزيد بن ركانة أن ركانة طلق امرأته
سُهَيْمَة البتة، فأخبر رسول الله وَّل بذلك فقال: والله ما أردت
إلا واحدة، فردها عليه رسول الله، فطلقها الثانية في زمن عمر،
والثالثة في زمن عثمان(١) .
قال أبو داود: وهذا أصح ما روي في حديث ركانة(٢).
وحجة الفقهاء حديث الباب أنه طلقها ثلاثًا قبل أن يأمر الشارع
بذلك، وقبل أن يخبره أنها تطلق عليه باللعان، ولو كان ذلك محظورًا
عليه لنهاه عنه، كما سلف، وأعلمه أن إيقاع الثلاث محرم ومعصية،
فصح أن إيقاع الثلاث مباح، ولولا ذلك لم يقره (٣).
فصل :
اختلف العلماء في قول الرجل: أنت طالق البتة. فذكر ابن المنذر
عن عمر وسعيد بن جبير أنها واحدة.
وقال عطاء والنخعي: يُدَيَّن، فإن أراد واحدة فهي واحدة، وإن أراد
ثلاثًا فهي ثلاث. وهو قول أبي حنيفة والشافعي وقالت طائفة في البتة:
هي ثلاث.
وروي ذلك عن علي وابن عمر وسعيد بن المسيب وعروة والزهري
وابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي وأبي عبيد، واحتج الشافعي بحديث
ركانة السالف، واحتج مالك بحديث ابن عمر: أبت الطلاق طلاق
السنة.
(١) أبو داود (٢٢٠٦).
(٢) بعد حديث (٢٢٠٨) في السنن.
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٩٠/٧-٣٩٣.
:

٢١٩
كِتَابُ الطَّلَاقِ
قال ابن المنذر: وقد دفع بعض العلماء حديث ركانة. وقال:
عبد الله بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده لا يعرف سماع بعضهم
من بعض(١).
فصل :
وقد اختلف في طلاق المريض يموت في مرضه -وقد أسلفناه-
وحاصل الخلاف فيه أن فرقة قالت: ترثه ما دامت في العدة، روي
عن عثمان بن عفان أنه وَرّث أمرأة عبد الرحمن بن عوف منه، وكانت
في العدة، وبه قال النخعي والشعبي وابن شبرمة وابن سيرين وعروة،
وهو قول الثوري والكوفيين والأوزاعي، وأحد قولي الشافعي.
وأن فرقة قالت: ترثه بعد العدة ما لم تزوج، روي عن عطاء
والحسن وابن أبي ليلي، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد.
وأن فرقة قالت: ترثه وإن تزوجت، هذا قول ربيعة ومالك والليث
-وهو الصحيح- عن عثمان رواه مالك في ((الموطأ))، عن ابن
شهاب(٢) .
وأن فرقة قالت: لا ترث مبتوتة بحال، وإن مات في العدة، كقول
ابن الزبير، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو ثور وأهل الظاهر(٣).
واحتجوا لقول ابن الزبير بالإجماع على أن الزوج لا يرثها، وإن
ماتت في العدة، ولا بعد أنقضائها، إذا طلقها ثلاثًا وهو صحيح
أو مريض، فكذلك هي لا ترثه.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٩٣/٧-٣٩٤، و((الإشراف)) ١٤٧/١-١٤٨.
(٢) ((الموطأ)) برواية يحيى ص٣٥٣.
(٣) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٩٤، ((الإشراف)) ١٦٦/١ -١٦٧.

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومن قال: لا ترثه إلا في العدة استحال عنده أن ترث مبتوتة في حال
لا ترث فيه الرجعية؛ لأنه لا خلاف بين المسلمين أن من طلق امرأته
صحيحًا طلقة يملك فيها رجعتها، ثم أنقضت عدتها قبل موته، أنها
لا ترثه؛ لأنها أجنبية ليست منه، ولا هو منها، فلا تكون المبتوتة
المختلف في ميراثها في العدة أقوى من الرجعية المجمع على توريثها
في العدة.
وأما من قال: ترثه بعدها ما لم تنكح، فإنهم أعتبروا إجماع
المسلمين أنه لا ترث أمرأة زوجين في حال واحد.
وقولهم غير صحيح؛ لأنه لا يخلو أن تكون له زوجة بعد أنقضاء
العدة، أو لا تكون، فإن كانت فلا يحل لها نكاح غيره، وإلا فمحال
أن ترثه وهي زوجة لغيره، وبمثل هذه العلة يلزم من قال: ترثه بعدها
وإن تزوجت.
وأهل هذِه المقالة أتهمت المريض بالفرار من ميراث الزوجة،
والمريض محجور عليه في الحكم في ثلثي ماله بأن ينقص ورثته، بأن
يدخل عليهم وارثًا، فكذلك هو ممنوع من أن يخرج عنهم وارثًا. كما
منع الشارع الذي قتل وليه ميراثه؛ بسبب ما أحدث من القتل.
فكذلك لا ينبغي أن يكون المريض مانعًا زوجته الميراث بسبب
ما أحدثه من الطلاق؛ لأن الميراث حق ثبت لها بمرضه.
فصل :
قيل: العسل، يؤنث ويذكر فمن صغره (مؤنثًا)(١) قال: عسيلة،
كهنيدة في هند، وقيل: أراد قطعة من العسل، وقيل: على معنى
(١) من (غ).