Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ
قال: وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ
زَيْدٍ مِثْلَهُ.
وهذا(١) أخرجه مسلم، عن محمد بن يحيى القطيعي، عنه، وأتى به
البخاري بشأن سماع قتادة فيه، فإنه مدلس صرح بسماعه. وسلف في
الشهادات.
الحديث الثالث :
حديث زينب بنت أم سلمة، عن أم حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: ((أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟)).
إلى أن قال: ((فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ)). إلى آخره.
وهُذِه القطعة سلفت، وتأتي في النفقات(٢).
وقولها: (انكح أختي) في رواية مسلم: أنها عزة -بفتح العين
وتشديد الزاي (٣)- قال القاضي: ولا نعلم هذِه في بنات أبي سفيان
إلا من هذا الحديث (٤).
وقيل: إنها حمنة وقيل: درة، حكاه المنذري(٥).
وقول بنت أبي سلمة هي درة. كذا ذكره بعد في باب الجمع بين
الأختين، وغيره (٦)، وهي بضم الدال المهملة.
(١) ورد بهامش الأصل: أي: التعليق، وقوله: عنه. أي: عن بشر بن عمر.
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٢) كتاب: النفقات، باب: المراضع من المواليات وغيرهن.
(٣) (صحيح مسلم)) (١٦/١٤٤٩) كتاب: الرضاع، باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٦٣٤/٤.
(٥) ((مختصر سنن أبي داود)) ١٠/٣.
(٦) سيأتي برقم (٥١٠٧) باب: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اُلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفََ﴾
ورقم (٥٣٧٢) باب: المراضع من المواليات وغيرهن.

٢٨٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وحكى عياض عن بعض رواة مسلم فتحها معجمة(١).
قال النووي: وهو تصحيف، ولا شك فيه(٢). ووقع في كتاب
((الصحابة)) لأبي موسى أنها حمنة، ثم قال: والأشهر غيره(٣).
وقوله: (أُرِيَّهُ بعضُ أهله) هو العباس، كما أفاده السهيلي (٤).
والحيبة- بكسر الحاء، وكذا الحوبة: الحزن والهم وسوء الحال.
وكذا للمستملي كالحموي، ولغيرهما بالخاء المعجمة، قاله
(٥)
عياض(٥).
قال غيره: والحيبة بضم أيضًا: الحاجة والمسكنة وأصل الياء في
حيبة الواو، فقلبت ياء لانكسار ما قبلها .
وكانت ثويبة أرضعته التّه، وعمه حمزة، وأبا سلمة عبد الله بن
عبد الأسد.
وكان الكَّ يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة
ويصلها من المدينة حتى ماتت بعد فتح خيبر -وكانت خديجة
تكرمها، وأعتقها أبو لهب بعد الهجرة إلى المدينة- فلما بلغه موت
ثويبة سأل عن ابنها مسروح، فقيل له: مات، فسأل عن قرابتها، فقيل
له: لم يبق منهم أحد.
قال أبو نعيم: ولا أعلم أحدًا ثبت إسلامها غير ابن منده(٦).
(١) ((إكمال المعلم)) ٤ / ٦٣٢.
(٢) ((شرح النووي)) ٢٥/١٠.
(٣) انظر: ((أسد الغابة)) ٧/ ٧١.
(٤) ((الروض الأنف)) ٣/ ٦٧.
(٥) أنظر ((مشارق الأنوار)) ٢١٩/١، وقال: بالخاء هو تصحيف.
(٦) (معرفة الصحابة)) ٣٢٨٤/٦، وانظر: ((الأسد)) ٤٦/٧، و((الإصابة)) ٢٥٧/٤.
٠

٢٨٣
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
وقوله: (غير أني سقيت في هذِه) يعني النقير التي بين الإبهام والتي
تليها من الأصابع.
كذا رواه البيهقي في ((دلائله)) وقال في آخره: رواه البخاري في
(١)
الصحيح (١).
وكذا قال البغوي في ((شرح السنة)) مرادهما في أصل الحديث(٢).
قيل: أراد الوقبة التي بين الإبهام والسبابة.
وقال القرطبي في ((مفهمه)): سقي نطفة من ماء في جهنم بسبب
ذلك، قال: وذلك أنه جاء في ((الصحيح)): أنه رؤي في المنام فقيل
له: ما فعل بك؟ فقال: سقيت في مثل هذِه. وأشار إلى ظفر إبهامه(٣).
ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته
في الدنيا، بل يوسع عليه بها في دنياه، وهذا التخفيف خاص بهذا
وبمن ورد النص فيه أيضًا .
وقال ابن التين: كأنها إشارة إلى حفرة في إبهامه إذا نصبها ومدها .
قال: وكذلك بينه في بعض الروايات: سقيت في النقرة التي بين
الإبهام وبين السبابة.
وقال ابن بطال: روى علي بن المديني، عن عبد الرزاق، عن
معمر، عن الزهري.
وفيه: قال: ما وجدت بعدكم راحة غير أني سقيت في هذِه - وأشار
إلى النقرة التي تحت إبهامه- بعتقي ثويبة.
(١) ((دلائل النبوة)) ١٤٩/١.
(٢) ((شرح السنة)) ٩/ ٦٦.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ١٨٢.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال ابن بطال: فبان ههنا أنه سقط من رواية البخاري: راحة، بعد
قوله: (لم ألق بعدكم)؛ لأنه لا يتم الكلام على ما رواه البخاري.
وكذلك سقط منه: وأشار إلى النقرة .. إلى آخره، ولا يقوم يعني:
الحديث- إلا بذلك، ولا أعلم ممن جاء الوهم (١).
فصل :
قوله: ( ((ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب))) وقوله بعده:
( ((الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة))) هو إجماع لا خلاف فيه بين
الأمة، وقد قال تعالى: ﴿وَأُمَهَنُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ
اُلرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] فإذا كانت الأم والخالة هذِه محرمة فكذا
زوجها؛ لأنه والده؛ لأن اللبن منهما جميعًا، وانتشرت الحرمة إلى
أولاده، فأخوها صاحب اللبن عم، وأخوها خال، فيحرم من الرضاع
العمات والخالات والأعمام وبناتهن كالنسب.
قال ابن المنذر: إذا أرضعت أمرأة الرجل جارية حرمت على ابنه
وأبيه وجده وبني بنيه وبني بناته وكل ولد ذكر وولد ولده وعلى كل
جد له من قبل أبيه وأمه، وإذا كان المرضع غلامًا حرم عليه ولد
المرأة التي أرضعته، وأولاد الرجل الذي أرضع هذا الصبي بلبنه وهو
زوج المرضعة، ولا تحل له عمته من الرضاعة ولا خالته ولا بنت
أخيه من الرضاعة(٢).
(١) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ٧ /١٩٥.
(٢) ((الإشراف)) ٩١/١ - ٩٢.

٢٨٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
فصل :
سبب كون بنت حمزة بنت أخيه العليا قد أسلفناه، فإن ثويبة أرضعت
أولًا حمزة ثم رسول الله وَلّ، ثم أبا سلمة على ما قاله مصعب الزبيري،
فالثلاثة أخوة من الرضاعة.
وقال ابن إسحاق: كان حمزة أسن من النبي ◌ُّله بسنتين(١)، وقيل:
بأربع(٢).
فصل :
قول أم حبيبة (انكح أختي) وجهه أنها لم تعلم حرمة الجمع بين
الأختين، ولذلك قاله لها ولسائر أزواجه: ((لا تعرضن عليَّ بناتكن
ولا أخواتكن فإن بناتكن ربائب لي)) والربيبة حرام مثل الجمع بين
الأختین.
وقوله في بنت أبي سلمة: ((لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت
لي)) من أجل أن أبا سلمة أخ للنبيّ وَّ فكانت بنته حرامًا؛ لأنها ربيبة
لرسول الله وَ﴾، وأنها بنت أخيه من الرضاعة.
قال ابن المنذر: ولا بأس أن يتزوج الرجل التي أرضعت ابنه
وكذلك يتزوج المرأة التي هي رضيع ابنه، ولأخي هذا الصبي
المرضع أن يتزوج المرأة التي أرضعت أخاه ويتزوج ابنتها التي هي
رضيع أخيه، وما أراد من ولدها وولد ولدها، وإنما يحرم نكاحهن
على المرضع، وهذا مذهب مالك والكوفيين والشافعي وأبي ثور(٣).
(١) انظر ((عيون الأثر)) ١/ ٩٠.
(٢) أنظر ((الاستيعاب)) ٤٢٣/١-٤٢٤ (٥٥٩)، وقال ابن عبد البر: وهذا لا يصح
عندي.
(٣) ((الإشراف)) ١/ ٩٢.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
وفيه من الفقه: أن الكافر قد يعطى عوضًا عن أعماله التي يكون
مثلها قربة لأهل الإيمان بالله كما في حق أبي طالب وقد سلف(١)،
غير أن التخفيف عن أبي لهب أقل من التخفيف عن أبي طالب؛ لأن
أبا لهب كان مؤذيًا لرسول الله وَّر، فلم يحق له التخفيف بعتق ثويبة
إلا بمقدار ما تحمل النقرة التي تحت إبهامه من الماء، وخفف عن
أبي طالب أكثر من ذلك؛ لنصرته لرسول الله وي ليه وحياطته له، وقيل:
إنه من تفضل عليه .
قال ابن بطال: وصح قول من تأول في معنى الحديث الذي جاء عن
الله تعالى أن رحمته سبقت غضبه لا تقطع عن أهل النار المخلدين، إذ
في قدرته أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفًا،
بالإضافة إلى ذلك العذاب، فقد جاء في حديث أبي سعيد أن الكافر إذا
أسلم يكتب له ثواب الأعمال الصالحة، وقد قال التلبيئة: ((إذا أسلم الكافر
فحسن إسلامه كتب له كل حسنة عملها ومحي عنه كل سيئة عملها))،
وقال العليا لحكيم بن حزام في كتاب الزكاة: ((أسلمت على ما سلف
من خير)) وقد سلف حديث حكيم بن حزام في كتاب الرقاق في باب
من تصدق في الشرك ثم أسلم (٢)، وفي العتق في باب عتق المشرك(٣)،
وسلف حديث أبي سعيد الخدري في الإيمان، في باب: حسن إسلام
المرء (٤).
(١) سلف برقم (٣٨٨٣).
(٢) سلف برقم (١٤٣٦).
(٣) سلف برقم (٢٥٣٨).
(٤) سلف برقم (٤١).

٢٨٧
- كِتَابُ الرَّضَاعِ
ومر هناك من الكلام في معانيه ما فيه كفاية(١).
فصل :
أسلفنا أن الجمع بين أختين في عقد واحد حرام، وهو إجماع (٢)،
قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اُلْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وقد أسلم
فيروز الديلمي على أختين فقال العَها: ((اختر أيتهما شئت)) حسنه
(٣)
الترمذي(٣) .
واختلف في الأختين بملك اليمين، وكافة العلماء على التحريم
أيضًا، وشذ أهل الظاهر خلا ابن حزم فيه (٤)، قاسوه على الملك،
وحملوا الآية على المنكوحات، فإنه عطف ذلك عليهم، ولا يلزم
فقد يكون الأول خاصًا، والثاني عامًا، واحتجوا بما روي عن عثمان
رضي الله عنه: حرمتهما آية وأحلتهما آية(٥)، وحكاه الطحاوي عن
علي وابن عباس، والآية المحلة لهما: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ
[النساء: ٢٤] وقد روي المنع عن عمر وعلي أيضًا وابن مسعود وابن
عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير(٦)، وفي ((المصنف)) عن
ابن المسيب ومحمد بن الحنفية بإسناد جيد مثل قول عثمان(٧)، وأول
الآيات تحريم الأمهات والبنات واللتان لا يستقر الملكٍ عليهن
بالشراء فكذلك بين الأختين في النكاح والوطء بالملك.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) ((الإجماع)) لابن المنذر ص ١٠٦.
(٣) الترمذي (١١٣٠).
(٤) ((المحلى)) ٣/١٠.
(٥) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ٣٣٣، وعبد الرزاق ١٨٩/٧ (١٢٧٢٨)، وابن أبي
شيبة ٤٧١/٣ (١٦٢٥١).
(٦) أنظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣/ ٤٧٠-٤٧٢.
(٧) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣/ ٤٧٢.

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال الطحاوي: والقياس أن يكون أيضًا محرمين وأن يكون حكمهما
كحكمهما في النكاح، وأما ابن حزم فوافق الجماعة في التحريم، قال:
إن أجتمع في ملك أختان فهما جميعًا عليه حرام حتى تخرج إحداهما من
ملكه بموت أو بيع أو هبة أو شبهه(١).
فصل :
وقام الإجماع أيضًا على ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع والمرضعة(٢)،
وأنه يصير بمنزلة ابنها من الولادة، يحرم عليه نكاحها أبدًا، ويحل له
النظر إليها والخلوة بها والمسافرة، ولا يترتب عليه أحكام الأمومة من
كل وجه ولا يورث ولا نفقة ولا عتق بالملك ولا ترد شهادته لها،
ولا يعقل عنها، ولا يسقط عنه القصاص بقتله فيهما كالأجنبي في
هُذِه الأحكام، وقام الإجماع أيضًا على أنتشار الحرمة بين المرضعة
وأولاد الرضيع وبين الرضيع وأولاد المرضعة(٣)، وأن ذلك لولدها
من النسب للأحاديث المذكورة هنا وفي الشهادات.
وأما الرجل المنسوب ذلك اللبن إليه لكونه زوج المرضعة أو وطئها
بملك أو شبهه، فمذهب العلماء كافة ثبوت حرمة الرضاعة بينه وبين
الرضيع ويصير ولدًا له، وأولاد الرجل إخوة الرضيع، وإخوة الرجل
أعمام الرضيع، وأخواته عماته، ويكون أولاد الرضيع أولادًا للرجل،
ولم يخالف في ذلك إلا أهل الظاهر وابن علية، فقالوا: لا تثبت
حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع (٤)، كذا نقله الخطابي وعياض
(١) ((المحلى)) ٩/ ٥٢١.
(٢) ((الإقناع في مسائل الإجماع)) ١١٨٤/٣-١١٨٥.
(٣) المصدر السابق ١١٨٦/٣.
(٤) انظر: ((المحلى)) ٢/١٠ وما بعدها.

٢٨٩
= ڪِتَابُ الرَّضَاعِ
عنهما، زاد: وابن المسيب(١)، وقد نقله ابن المنذر مع سعيد عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء أخيه والنخعي وأبي
قلابة والقاسم (٢) .
قال ابن بطال: وروي أيضًا عن عائشة وابن عمر وابن الزبير،
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ
الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يذكر البنت والعمة كما ذكرهما في
النسب(٣)، حجة الجمهور الأحاديث الواردة في عم عائشة وحفصة
المذكورين قبلُ، وحديث الباب: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من
الولادة)) والحديث عن الآية بأنه ليس نص على إباحة البنت والعمة
ونحوهما؛ لأن ذكر الشيء لا يدل على سقوط الحكم عما سواه لو لم
يعارضه دليل آخر، كيف وقد جاءت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة،
ولما ذكر الترمذي حديث علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن علي رفعه :
((إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب)) قال: والعمل على هذا عند
عامة أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ولا نعلم بينهم في ذلك
اختلافًا(٤)، وقال في حديث عائشة رضي الله عنها: ((إنه عمك فليلج
عليك)): العمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة، كرهوا
لبن الفحل، والأصل في هذا حديث عائشة، وقد رخص بعض أهل
العلم في لبن الفحل، والقول الأول أصح(٥).
(١) ((معالم السنن)) ١٥٨/٣، ((إكمال المعلم)) ٦٢٩/٤.
(٢) ((الإشراف)) ٩٥/١.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٢٠٠.
(٤) الترمذي (١١٤٦).
(٥) السابق (١١٤٨).

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قال ابن المرابط: حديث عم حفصة قبل حديث عم عائشة، وهما
متعارضا الظاهر وغير متعارضين في المعنى، عم حفصة أرضعته المرأة
مع عمر بن الخطاب فالرضاعة فيهما من قبل المرأة، وعم عائشة إنما هو
من قبل الفحل، كانت أمرأة أبي القعيس أرضعتهما فجاء أخو أبي
القعيس فاستأذن، فأبت ... الحديث(١). فأخبرها الشارع أن
الرضاعة من قبل الفحل تحرم كما حرم من قبل المرأة التي أخبرها
في حديث حفصة فصح أن حديث أخي أبي القعيس بعد حديث
حفصة صحيح إلا أن قوله: (أخي) أن عم عائشة مثل عم حفصة
رضع مع أبيها عمر وعم عائشة لم يرضع مع أبي بكر كما رضع عم
حفصة مع عمر، وأما مع عائشة فسبب عمومته غير سبب عمومة عم
حفصة؛ لأنه إنما أستحق العمومة من أجل أنه أخو فحل المرأة
وبعلها التي أرضعت عائشة فكانت عمومته من قبل الفحل وعم حفصة
من قبل الرضاع نفسه فبينهما اختلاف في الأسباب ودرجات في معنى
العمومة؛ لأن عمومة عم عائشة الذي هو سبب لبن الفحل إنما هو
قطع الذرائع بأبعد أسبابها فلذلك رفعه من لم ير لبن الفحل محرمًا
لما دخلت على الناس داخلة الحرج على الأصل في سلم قطع
الذرائع إذا دخل الحرج رفع، ولكن في هذا الموضع لا يجوز هذا؛
لأنه القَّ لما رفع بهذا الحكم منه في لبن الفحل الحجاب الذي
افترضه الله تعالى على أمهات المؤمنين علمنا أنه حكم لازم خارج
عن الأحكام التي هي لقطع الذرائع؛ لأنه لا يرفع الفرائض إلا فريضة
(١) سلف برقم (٢٦٤٤).

٢٩١
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
مثلها لا دونها فإذا صح هذا أن لا يحكم في الشيئين حكمًا واحدًا، وإنما
هي على حسب ما بلغت عليه من الشدة واللين.
فصل :
قد عرفت مذهب أهل الظاهر ومن معهم أن الرضاع لا تثبت حرمته
بين الرجل والرضيع، واحتجوا بأن عائشة رضي الله عنها كان تدخل
عليها من أرضعته أخواتها وبنات أختها ولا تدخل عليها من أرضعته
نساء إخوتها(١).
وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) أن رافع بن خديج زوج ابنته ابن أخيه
رفاعة بن خديج وقد أرضعتهما أم ولد له سوى أم ابنه الذي أنكحها إياه،
وعن الشعبي أنه كان لا يرى لبن الفحل شيئًا، ثنا ابن علية عن أيوب
قال: أول ما سمعت لبن الفحل ونحن بمكة، فجعل إياس ابن معاوية
يقول: وما بأس بهذا يكره هذا، وعن مكحول أنه كان لا يرى بلبن
الفحل بأسًا(٢).
وذكره أبو عمر في ((استذكاره)) عن سالم بن عبد الله ومكحول
والحسن على اختلاف عنه، وجابر بن عبد الله قال: وقضى به
عبد الملك بن مروان، وقال: ليس الرجل من الرضاعة في شيء،
وقال ابن سيرين: نبئت أن ناسًا من أهل [المدينة](٣) اختلفوا فيه،
فمنهم من کرهه، ومنهم من لم یکرهه.
(١) أنظر: ((المحلى)) ٢/١٠-٣.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٩/٤ (١٧٣٥٥ - ١٧٣٦٠).
(٣) ساقطة من الأصل، وفي هامشه: (سقط شيء) اهـ. وقد أثبتناها من ((الاستذكار)).

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعن مالك: اختلف في أمر الرضاعة من قبل الأب، ونزل
[برجال](١) من أهل المدينة في أزواجهم منهم محمد بن المنكدر
وابن أبي حبيبة فأما هذان ففارقا نساءهما(٢).
وروى البيهقي في ((المعرفة)) بإسناد جيد عن زينب بنت أم سلمة أنها
سألت عن هذا، والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: إنما
الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئًا فعملت بقولهم. وذكره ربيعة
عن ابن عباس. قال عبد العزيز بن محمد: وذلك رأي ربيعة ورأي
فقهائنا، وأنكر حديث عمرو بن الشريد عن ابن عباس: في اللقاح
واحد، قال: حديث رجلٍ من أهل الطائف، وما رأيت من فقهاء أهل
المدينة أحدًا شك في هذا إلا أنه روي عن الزهري (خلافهم فما)(٣)
التفتوا إليه وهؤلاء أكثر وأعلم. قال الشافعي: فقلت له -يعني:
لبعض أصحاب مالك أتجد بالمدينة من علم الخاصة شيئًا أولى أن
يكون عامًا ظاهرًا عند أكثرهم من ترك تحريم لبن الفحل فقد تركناه
وتركته، ومن يحتج لقوله [إذ] (٤) كنا نجد في الخبر عن رسول الله وَالـ
كالدلالة على ما يقول.
قال البيهقي: وهذا إنما أورده على طريق الإلزام فيمن يحتج في
بعض المواضع بخبر الواحد؛ لقول بعض أهل المدينة وترجيحهم
ما قال الأكثرون من المدنيين أن لبن الفحل لا يحرم بما ثبت عن
(١) في الأصل: (رجال) والمثبت من ((مصنف ابن أبي شيبة)) و((الاستذكار)).
(٢) ((الاستذكار)) ٢٥١/١٨-٢٥٣ بتصرف، وأثر ابن سيرين رواه ابن أبي شيبة في
((مصنفه)) ١٨/٤ (١٧٣٤٩).
(٣) في الأصل تشبه: (فلان ثم ما). ولعله تصحيف لتشابه الرسم.
(٤) غير موجودة بالأصل والمثبت من ((المعرفة)).

٢٩٣
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
رسول الله ◌َة أنه حرم من الرضاع ما يحرم من النسب(١).
وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول بتحريم لبن الفحل ويذهب
إليه، قلت له: أبو القعيس هو لبن الفحل؟ قال: هو لبن الفحل، قال:
وسمعت أبا عبد الله يكلم رجلًا وأرسله إلى ( ... )(٢) فقال له: قل له:
أنت تذهب إلى خبر الواحد وتحتج به وترد لبن الفحل وهو عن رسول الله
وَآله وأصحابه، فقال الرجل: ليس نرده يا أبا عبد الله إلا من كلام القاسم
فيه، قال أبو عبد الله: وكذا إذا صح الخبر عن رسول الله وَّ وتكلم فيه
القاسم ومن أشبهه تركناه، يعني كأنه يريد بكلام القاسم ما ذكره
أبو القاسم البلخي في كتاب ((الضعفاء ومعرفة الرجال)) عن محمد بن
إسماعيل، ثنا أبو قتادة، عن الحسن بن عمارة، عن عبد الرحمن بن
القاسم عن أبيه قال: أتهم الناس حديث عروة بن الزبير في حديث
أفلح في الرضاع، وفي حديث أبي بكر إنما هو مال الوارث.
فصل :
قولها -أعني: عائشة رضي الله عنها - (لو كان فلان حيا -لعمها من
الرضاعة- دخل علي). سئل أبو الحسن(٣) عنه: هل هو من الحديث
التي ذكرت فيه: أبت أن تأذن له؟ فالأول ذكرت أنه ميت والثاني أنه
حي. فأجاب بأنهما عمان من الرضاعة أحدهما رضع مع أبي بكر
امرأة واحدة وهو الذي في حديث مالك: لو كان فلان حيًا، والآخر:
أخو أبيها من الرضاعة من قبل الفحل فإن أباها رضع بلبن ذلك
(١) ((معرفة السنن والآثار)) ٢٥١/١١-٢٥٣.
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٣) هو القابسي، كذا ذكره النووي في ((شرح مسلم)) ١٠/ ٢٠، ونقل هذه العبارة عن
أبي الحسن.

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الفحل، وكان لذلك الفحل ابن من غير تلك المرأة.
وقال ابن أبي حازم: نرى أن المرأة التي أرضعت عائشة أمرأة أخي
الذي استأذن عليها وهذا هو الصحيح بدليل قولها: (إنما أرضعتني
المرأة) وأبين من ذلك ما سلف من أن أفلح أستأذن عليها، فلم تأذن
له .. الحدیث.
فالعمومة من الرضاعة أربع :
أحدها: أن ترضع جدها .
ثانيها: أن يرضع أبوها مع أمرأة.
ثالثها: إن يرضع أبوها أمرأة لها زوج وله ولد من غير تلك المرأة.
رابعها: أن ترضع جدتها هي أمرأة ولها زوج له أخ ومع هذا كان لبن
الفحل ضعيفًا عند عائشة.
فصل :
في حديث أم حبيبة حب المرء لغيره ما يحب لنفسه.
وفيه: تحريم الجمع بين الأختين، وتحريم الربيبة كما سلف،
وتحريم ابنة الأخ من الرضاعة.

٢٩٥
ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ
٢١ - باب مَنْ قَالَ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ
ج
٢٣٣]. وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ.
لِقَوْلِهِ وَّ: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:
٥١٠٢- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَكَأَنَّهُ تَغَيِّرَ وَجْهُهُ،
كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخِي. فَقَالَ: ((انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ
المَجَاعَةِ)). [انظر: ٢٦٤٧ - مسلم: ١٤٥٥ - فتح ١٤٦/٩].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا
رَجُلٌ، فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخِي. فَقَالَ:
((انْظُرْنَ من إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ)). قد سلف في آخر
باب: الأكفاء في الدين الكلام على ذلك واضحًا وهو ظاهر لما
ترجم له، وأخذ أيضًا منه أن المصة تحرم وهو قول مالك(١)، واحتج
بعضهم له بقوله لعائشة: ((ائذني له)) وهذا رضاع لا توقيت فيه،
واحتج له بعضهم بحديث المرأة السوداء الآتية(٢) قريبًا .
وقولها: (قد أرضعتكما). واعتبر الشافعي خمس رضعات
متفرقات، وحكي عن إسحاق أيضًا(٣) وقيل: عشر، وقيل: تسع،
وحجة الجمهور ما ذكر في الآية ظاهر، أعني: في اعتبار الحولين أنه
تعالى أخبر أن تمام الرضاعة حولان فعلم أن ما بعدهما ليس
برضاع، إذ لو كان ما بعد رضاعًا لم يكن كمال الرضاع حولين،
(١) ((المدونة)) ٦٩/٢.
(٢) في هامش الأصل: ينبغي أن يقال أو الأحسن: الآتي.
(٣) ((الأم)) ٢٥/٥، ((مسائل أحمد برواية الكوسج)) ٣٤٠/١ (١١١٩).

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح حسد
ويشهد لهذا قوله: ((إنما الرضاعة من المجاعة)) وهذا المعنى لا يقع
برضاع الكبير.
وقوله: (((انظرن من إخوانكن))) أي: حققوا صحة الرضاعة ووقتها
فإن الحرمة إنما تثبت إذا وقعت على شرطها وفي وقتها .
قال المهلب: أي: ما سبب أخوته؟ فإن حرمة الرضاع إنما هو في
الصغر حتى يشب، الرضاعة من المجاعة لا حين يكون الغذاء بغير
الرضاع في حال الكبر(١)، قال ابن بطال: والقول قول من قال
بالحولين بشهادة الكتاب والسنة(٢).
وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس مرفوعًا:
((لا رضاع إلا ما كان في الحولين))(٣)، وقد سلف من رواية ابن عدي
أيضًا (٤)، وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]
فعلم أن ما جاء بعدهما خلافهما، قال ابن المنذر: والذي يعتمد عليه
في ذلك الآية السالفة وليس لما بعد التمام حكم.
فصل :
اختلف في مقدار الرضاع الذي تثبت به الحرمة، كما ذكرناه قريبًا .
قال ابن المنذر: قالت طائفة: يحرم قليله وكثيره، وهو قول علي
وابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وروي عن سعيد بن المسيب
والحسن وعطاء ومكحول وطاوس والحكم، وهو قول مالك والليث
والأوزاعي والثوري والكوفيين لإطلاق الآية، وقالت طائفة: إنما
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٩٨/٧.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤٦٥/٧ (١٣٩٠٣).
(٤) (الكامل في الضعفاء)) ٣٩٩/٨.

٢٩٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
يحرم ثلاث، روي عن عائشة وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق،
وأبو ثور وأبو عبيد، واحتجوا بالحديث السالف: ((لا تحرم الإملاجة
ولا الإملاجتان))(١)(٢).
وقالت طائفة: لا يقع إلا بخمس متفرقات؛ احتجاجًا بقول عائشة:
كان فيما نزل في القرآن: (عشر رضعات يحرمن) ثم نسخن بخمس
معلومات، فتوفي رسول الله صل﴿ وهن فيما نقرأ في القرآن(٣)، وروي
عنها أيضًا أنه لا يحرم إلا بسبع (٤)، وروي: بعشر، أمرت أختها أم
كلثوم أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات ليدخل عليها(٥)،
وروي مثله عن حفصة أم المؤمنين(٦).
وقيل: إن أحاديثها في الرضاع اضطربت فوجب تركها والرجوع إلى
الإطلاق، نقله ابن بطال عن العلماء(٧)، قال الطحاوي: فكيف يجوز أن
تأمر عائشة بعشر وهي منسوخة وتركت أن تأخذ بالخمس الناسخة،
وحديث الإملاجة لا يثبت؛ لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن رسول الله
وَالر، ومرة عن أبيه، ومرة عن عائشة رضي الله عنها، ومثل هذا
الاضطراب يسقطه. قلت: لا .
قال الطحاوي: وأكثر في ذلك أنَّا رأينا الذي يحرم لا عدد فيه،
ويحرم قليله وكثيره، ألا ترى لو أن رجلًا جامع امرأته بنكاح أو ملك
(١) رواه مسلم (١٤٥١) كتاب: الرضاع، باب: المصة والمتين.
(٢) ((الإشراف)) ٩٣/١، وانظر: ((المغني)) ٣١١/١١.
(٣) رواه مسلم (١٤٥٢) كتاب: الرضاع، باب: التحريم بخمس رضعات.
(٤) (مصنف عبد الرزاق)) ٤٦٦/٧ (١٣٩١١)، (١٣٩٢١)، الدار قطني ١٨٣/٤.
(٥) ((ابن أبي شيبة)) ٣/ ٥٤٢ (١٧٠٢٥).
(٦) ((الموطأ)) ص ٣٧٣.
(٧) ((شرح ابن بطال)) ١٩٨/٧-١٩٩.

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
مرة واحدة أن ذلك يوجب حرمتها على أبيه وابنه وحرمة أمها وابنتها
عليه، فكذلك الرضاع(١).
قلت: لا؛ فالعدد هنا ثابت.
(١) انظر: ((شرح مشكل الآثار)) ١١/ ٤٨٠-٤٩٤ بمعناه.

٢٩٩
= ڪِتَابُ الرَّضَاعِ
٢٢ - باب لَبَنِ الفَحْلِ
٥١٠٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا - وَهْوَ عَمُّهَا مِنَ
الرَّضَاعَةِ - بَعْدَ أَنْ نَزَّلَ الِحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَ أَخْبَرْتُهُ
بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ. [انظر: ٢٦٤٤ - مسلم: ١٤٤٥ - فتح ٩/ ١٥٠].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ جَاءَ
يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا - وَهْوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ
آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ
لَهُ. سلف في الشهادات وهو في تفسير سورة الأحزاب(١)، وسلف أيضًا
قريبًا باختلاف العلماء فيه وأن الذي عليه الكافة أنه يحرم.
وممن روي عنه ذلك علي وابن عباس وعطاء وطاوس، وإليه ذهب
الأربعة والأوزاعي والكوفيون وإسحاق وأبو ثور (٢)، وحديث الباب
حجة لهم؛ لأن عائشة كانت رضعت [من](٣) أمرأة أبي القعيس بلبنه
فصار أبو القعيس أبًا لعائشة، وصار أخوه عمَّا لعائشة، فأشكل هذا على
عائشة إذ لا رضاعة حقيقة إلا من أمرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ
الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، فلم تر للرجل حكمًا في الرضاع،
فقالت: يا رسول الله، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل،
فأخبرها الَّئ أن لبن الفحل يحرم بقوله: ((إنه عمك فائذني له))(٤).
(١) سلف برقم (٢٦٤٤)، (٤٧٩٦).
(٢) ((الإشراف)) ٩٥/١، وأنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣١٨/٢، ((النوادر
والزيادات)) ٧٦/٥، ((الأم)) ٢٥/٥، ((المغني)) ٥٢٠/٩.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) سلف برقم (٤٧٩٦).

٣٠٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال ابن المنذر: والسنة مستغنى بها عما سواها، ومن جهة النظر أن
سبب اللبن هو ماء المرأة والرجل، فوجب أن يكون الرضاع منهما كما
كان الولد لهما، وإن اختلف سببهما على أن الجد لما كان سببًا في الولد
تعلق ولد الولد به كتعلقه بولده، كذلك حكم الرجل والمرأة، وقد سئل
ابن عباس عن رجل له أمرأتان، فأرضعت إحداهما غلامًا والأخرى
جارية، فقال: لا يجوز للغلام أن يتزوج الجارية (١)؛ لأن النكاح
واحد، أي: الأمهات، وإن أفترقن فإن الأب واحد الذي هو سبب
اللبن للمرأتين والغلام والجارية أخوات لأب من الرضاعة، وقد
سلف أيضًا .
(١) الترمذي (١١٤٩)، عبد الرزاق ٤٧٣/٧-٤٧٤ (١٣٩٤٢)، ابن شيبة ١٨/٤
(١٧٣٤٢).