Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
وقال أبو بكر بن الطيب نحوه؛ قال: قرأ الشارع على أبي وهو أعلم
منه وأحفظ ليأخذ على نمط قراءته وسنته ويحتذي حذوه، وقد روي هذا
التأويل عن أبي وابنه(١) .
وفي قوله: (حسبك) جواز قطع القراءة على القارئ إذا حدث على
المقرئ عذر أو شغل؛ لأن القراءة على نشاط المقرئ أحرى لتدبر معاني
القرآن وتفهم عجائبه، ويحتمل أن يكون أمره بقطع القراءة تنبيهًا له على
الموعظة والاعتبار في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ﴾
الآية. ألا ترى أنه التليف بكى عندها، وبكاؤه إشارة منه إلى معنى
الموعظة؛ لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له
إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به، وسؤال الشفاعة لهم ليريحهم
من طول الموقف وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن.
(١) في هامش الأصل: كذا في أصله غير أنه ضبطه (وأبيه)، وقد علم عليه شيخنا
المؤلف بخطه حال المقابلة، والذي ظهر لي أنه وابنه يريد به الفضل بن أبي بن
كعب، وهو تابعي على الصحيح، وقيل: صحابي، ولد في عهده الثّة، له في
الترمذي وابن ما جه.

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٤- باب في كَمْ يُقْرَأُ القُرْآنُ؟
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقْرَءُواْ مَا تَنَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
٥٠٥١- حَدَّثَنَا عَلِيّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ لِي ابن شُبْرُمَةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ
مِنَ القُرآنِ، فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَقُلْتُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ
مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ.
قَالَ سُفْيَانُ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ
عَلْقَمَةُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: وَلَقِيتُهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَذَكَرَ النَّبِيَّ ◌َ: «أَنَّ مَنْ قَرَأَ
بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ)). [انظر: ٤٠٠٨- مسلم: ٨٠٧، ٨٠٨-
فتح: ٩/ ٩٤]
٥٠٥٢- حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَمْرِو قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي أَمْرَأَةَ ذَاتَ حَسَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا،
فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشَا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفَا مُذْ أَتَيْنَاهُ. فَلَمَّا
طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ بَّهِ، فَقَالَ: ((الْقَنِي بِه). فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: ((كَيْفَ
تَصُومُ؟)). قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: ((وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟)). قَالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ. قَالَ: ((صُمْ فِي كُلِّ
شَهْرِ ثَلَاثَةً، وَاقْرَإِ القُّرْآَنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ)). قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ:
(صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ فِي الجُمُعَةِ)). قُلْتُ: أَطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ
وَصُمْ يَوْمًّا)). قَأَلَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ
دَاوُدَ، صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأُ فِي كُلِّ سَبْعٍ لَيَالٍ مَرَّةً)). فَلَيْتَنِيَ قَبِلْتُ
رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِّ نَّهِ، وَذَاكَ أَّ كَبْتُ وَضَعُفْتُ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَغْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ
مِنَ القُرْآنِ بِالنَّهَارِ وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ، لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ
أَنْ يَتَقَوِى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ النَّبِيَّ ◌َِه
عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي ثَلَاثٍ وَفِي خَمْسٍ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبْعِ . ٦ /
٢٤٣ [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح ٩/ ٩٤].

١٦٣
= ڪِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
٥٠٥٣- حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َةَ: ((فِي كَمْ تَقْرَأْ
القُرْآنَ؟)). [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح ٩ /٩٥].
٥٠٥٤- حَذَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ -عَنْ أَبِي سَلَمَةَ - قَالَ: وَأَحْسِبُنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّا مِنْ
أَبِي سَلَمَةَ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍوٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((اقْرَ إِ القُرْآنَ فِي شَهْرٍ)).
قُلْتُ: إِّ أَجِدُ قُوَّةً، حَتَّى قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ)). [انظر: ١١٣١-
مسلم: ١١٥٩ - فتح ٩٥/٩].
حَدَّثَنَا عَلِيٍّ، ثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابن شُبْرُمَةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي
الرَّجُلَ مِنَ القُرْآنِ، فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَقُلْتُ: لَا
يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ .
قَالَ سُفْيَانُ: ثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ،
أَخْبَرَهُ عَلْقَمَةُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ -هو الأنصاري عقبة بن عمر -: وَلَقِيتُهُ
وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ وَ؟ قال: ((مَنْ قَرَأْ بِالآيَتَيْنِ مِنْ
آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». وقد سلف تأويله.
ثم ساق عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي أَمْرَأَةً
ذَاتَ حَسَبٍ، وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ
مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأُ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ. فَلَمَّا طَالَ
ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ وَلِّ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((الْقَنِي بِهِ)). فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ:
((كَيْفَ تَصُومُ؟)). قَالَ: كُلَّ يَوْمِ. قَالَ: ((وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟)). قَالَ: كُلَّ
لَيْلَةِ. قَالَ: ((صُمْ فِي كُلِّ شَهْرَ ثَلَاث، وَاقْرَإِ القُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ)).
قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ فِي الجُمُعَةِ)).
قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((أَفْطِرْ يَوْمَيْنٍ وَصُمَّ يَوْمًا)). قَالَ:

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ، صِيَامَ
يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعٍ لَيَالٍ مَرَّةً). فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولٍ
اللهِّ ◌ََّ؛ وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُّ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ
القُرْآنِ بِالنَّهَارِ وَالَّذِي يَعْرِضُهُ يَقْرَؤُهُ مِنَ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ،
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوِى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَىْ وَصَامَ مِثْلَهُنَّ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ
شَيْئًا فارق عليه رسول الله بَطِهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي
ثَلَاثٍ وَفِي خَمْسٍ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبْعٍ.
ثم ساق عن سَعْدِ بْنِ حَقْصٍ، ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ
وَالَ: ((فِي كَمْ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ ».
وحدثني إسحاق، أنا عبد الله بن شيبان، عن يحيى، عن محمد بن
عبد الرحمن -مولى بني زهرة- عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو
قال: قال لي النبي وَلّ: ((اقرأ القرآن في شهر)) قلت: إني أجد قوة.
قال: ((فأقرأه في سبع ولا تزد على ذلك)).
الشرح:
قول أبي شبرمة: (نظرت .. ) إلى آخره لعله يريد في قيام الليل أو في
الصلاة. ونقل ابن بطال عن أهل التفسير أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية
ثلاث آيات فصاعدا، ويقال: إنه أقصر سورة في القرآن كما قال ابن
شبرمة، وقد أسلفنا الخلاف في معنى: ((كفتاه))(١).
ونقل ابن التين عن قول الجماعة أنه يريد فيما ندب من صلاة الليل.
وقال ابن بطال: هو نص أن قارئ الآيتين داخل في: ﴿مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٨٠/١٠.

١٦٥
ـ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
وأغرب الحسن ومحمد بن سيرين حيث قالا : صلاة الليل فرض علي كل
مسلم، ولو قدر حلب شاة. يتأولان هذه الآية.
والكنَّة : -بفتح الكاف- أمرأة الابن.
وقولها: (ولم يفتش لنا كنفًا) أي لم يكشف لنا سترًا. عبرت بذلك
عن أمتناعه عن الجماع. وبخط الدمياطي: لم يدخل يده معها كما يدخل
الرجل يده مع زوجته في دواخل أمورها. قال: وأكثر ما يروى بفتح
الكاف والنون في الكنف، وهو الجانب. يعني أنه لم يقربها .
وقوله القيّفي: ( ((صم أفضل الصوم))) فيه دلالة على أن هذا أفضل
من صيام الدهر، وإن أسقط منه ما لا يجوز صومه من الأيام.
وقوله: ( ((صم ثلاثة أيام)) قلت: أطيق أكثر من ذلك؛ قال: ((أفطر
يومين وصم يومًا))). قال أبو عبد الملك والداودي: هذا وهم في
الرواية. يريد أن ثلاثة أيام في الجمعة أكثر من صيام يوم بعد يومين.
وهو إنما طلب من الشارع أن يزيده في العمل، وهذا تدريج إلى
النقص من العمل. قال الداودي: إلا أن يريد ثلاثة أيام من قوله:
((أفطر يومًا وصم يومًا)) وهذا خروج عن الظاهر. قال: واختلفت
الرواية: كيف كان لقي النبي وَلّ فقيل: إنه الَّ أتاه، وقيل: لقيه.
وقوله: (فلما طال عليه، ذكر ذلك للنبي ◌َ﴾) يحتمل أن يكون
سكوته عن ذكر ذلك أول ما ذكرت له ذلك؛ لأنه رآها راضية بذلك ،
فلما كرر عليها السؤال تخوف أن تتعلق بولده ولها عليه حق فذكره.
وقول البخاري: (وقال بعضهم: في ثلاث، وفي خمس، وأكثرهم
على سبع) يشبه أن يكون أراد بالثلاث والسبع ما رواه الإسماعيلي عن
البغوي، ثنا جدي، ثنا هشيم عن حصين ومغيرة، عن مجاهد، عن ابن

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عمرو والحسن ذكرها البزار(١). وفي ((مسند أحمد)) أنه العليئا نقله من
أربعين ليلة إلى سبع زاد ابن داود ولم ينزل عن سبع. وعنده أيضًا:
((لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث)) (٢). وأمره الكفيه أن يقرأه في
سبع ليالٍ؛ أخذ به جماعة من السلف. روي ذلك عن عثمان بن عفان،
وابن مسعود وتميم الداري وعن إبراهيم النخعي مثله. وذكر أبو عبيد
عن زيد بن ثابت أنه سئل عن قراءة القرآن في سبع، فقال: حسن،
ولأن أقرأه في عشرين أو في النصف أحب إلى من أن أقرأه في سبع،
وسلني لم ذلك؟ أردده وأقف عليه(٣). وكان أبي بن كعب يختمه في
ثمان، وكان الأسود يختمه في ست، وعلقمة في خمس (٤).
وروى الطيب بن سلمان، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله ولي كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث(٥).
وعن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو
قال: قال النبي رَّ: ((لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث))(٦).
(١) ((البحر الزخار)) ٣٣٨/٦ (٢٣٤٦).
(٢) ((المسند)) ١٦٥/٢، ١٨٩، وسيأتي له مزيد تخريج قريبًا.
(٣) ((فضائل القرآن)) ص١٥٨.
(٤) السابق ص ١٧٧ - ١٧٨ .
(٥) ((فضائل القرآن)) ص١٧٩. قال الحافظ ابن كثير في ((فضائل القرآن)) ص٢٥٤ :
حديث غريب جدًّا، وفيه ضعف؛ فإن الطيب بن سلمان هذا بصري، ضعفه
الدارقطني، وليس هو بذاك المشهور.
(٦) ((فضائل القرآن)) ص١٧٩. ورواه أيضًا أبو داود (١٣٩٠، ١٦٩٤)، والترمذي
(٢٩٤٩)، وابن ماجه (١٣٤٧)، وأحمد ١٦٤/٢، ١٦٥، ١٨٩، ١٩٥. صححه
ابن حبان ٣٥/٣ (٧٥٨). وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند))
(٦٥٣٥، ٦٥٤٦، ٦٧٧٥، ٦٨٤١): إسناده صحيح، وصححه الألباني في
((صحيح أبي داود)) (١٢٥٧)، وفي ((الصحيحة)) (١٥١٣).

١٦٧
= كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
وروي عن معاذ بن جبل(١).
وكانت طائفة تقرأ القرآن كله في ليلة أو ركعة، روي ذلك عن
عثمان بن عفان وتميم الداري، وعن علقمة وسعيد بن جبير أنهما قرءا
القرآن في ليلة بمكة، وكان ثابت البناني يختم القرآن كل يوم وليلة في
شهر رمضان، وكان سليم يختم القرآن في ليلة ثلاث مرات. ذكر ذلك
أبو عبيد، وقال: الذي أختار من ذلك ألا يقرأ القرآن في أقل من
ثلاث؛ لما روي عن النبي ◌َّر وأصحابه من الكراهة لذلك(٢).
قلت: وأكثر ما بلغنا قراءة ثمان ختمات في اليوم والليلة. قال
السلمي: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: إن ابن المكاتب
يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات.
فائدة :
سعد بن حفص شيخ البخاري هو أبو محمد الطلحي الكوفي، يقال
له: الضخم، مولى آل طلحة، مات سنة خمس عشرة ومائتين، أنفرد به
عن الخمسة، وليس في شيوخ الستة من اسمه سعد سواه.
وقوله: (وأحسبني سمعت أنا من أبي سلمة) قائل ذلك هو يحيى بن
أبي كثير.
(١) رواه أبو عبيد في (الفضائل)) ص١٧٩، وصححه الحافظ ابن كثير في ((الفضائل))
ص٢٥٤.
(٢) ((فضائل القرآن)) ص١٨١ - ١٨٣.

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٥- باب البُكَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ
٥٠٥٥- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَخْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَالَ يَجْيَى: بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: قَالَ لِيِ النَّبِيُّ ◌َ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إِنْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ. قَالَ الأَغْمَشُ: وَبَغْضُ الحَدِيثِ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. وَعَنْ
أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((اقْرَأْ عَلَيَّ)). قَالَ:
قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أَنْزِلَ؟! قَالَ: ((إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)). قَالَ:
فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ
عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٨)﴾ [النساء: ٤١]. قَالَ لي ((كُفَّ)) أَوْ ((أَمْسِلْك)). فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ
تَذْرِفَانِ. [انظر: ٤٥٨٢ - مسلم: ٨٠٠ - فتح ٩ / ٩٨].
٥٠٥٦- حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ
((اقْرَأْ عَلَيَّ)). قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: ((إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ
غَيْرِي)). [انظر: ٤٥٨٢ - مسلم: ٨٠٠ - فتح ٩/ ٩٨].
ذكر فيه حديث عبد الله رضي الله عنه: ((اقْرَأْ عَلَيَّ)). السالف. ورواه
هنا من حديث سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن
عبد الله .
قال الأعمش: وبعض الحديث حدثني عمرو بن مرة، عن إبراهيم.
وعن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله.
سفيان هذا هو ابن سعيد بن مسروق الثوري.
وقوله: (وعن أبيه) أي: والد سفيان، وهو سعيد.
وأبو الضحى سلف غير مرة أنه مسلم بن صبيح، ولم يدرك أبو الضحى

١٦٩
- كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
ابن مسعود(١)، وقد روى عن مسروق، عن ابن مسعود.
ثم ساقه عن قيس(٢) بن حفص، ثنا عبد الواحد، ثنا الأعمش، عن
إبراهيم، عن عبيدة السلماني، عن ابن مسعود، فذكره، وقيس هذا هو
ابن حفص بن القعقاع أبو محمد البصري الدارمي مولاهم، من أفراده
عن الخمسة، وليس في شيوخ الستة من اسمه قيس غيره، فهو من
الأفراد.
قال البخاري: مات سنة تسع وعشرين ومائتين أو نحوها(٣). وقال
غيره: سنة سبع.
ولا شك في حسن البكاء عند قراءة القرآن، وقد فعله الشارع وكبار
الصحابة، وإنما بكى الشارع -والله أعلم- عند هذه الآية؛ لأنه مثل
لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية إلى شهادته لأمته
بتصديقه والإيمان به، وسؤال الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف
وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن كما سلف، ذكره
أبو عبيد، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، قال: أنتهيت
إلى رسول الله وَّ﴾ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
وعن الأعمش، عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن في زمن أبي
بكر رضي الله عنه سمعوا القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر رضي الله
عنه: هكذا كنا ثم قست القلوب.
(١) وقع بهامش الأصل: هذا قاله الدمياطي في ((حواشيه)) على البخاري في هذا
المكان، فاعلمه.
(٢) وقع بالأصل: بعدها: بن قيس، وقال بهامشها: حذف قيس الثاني هو الصواب.
(٣) ((التاريخ الكبير)) ١٥٦/٧ (٧٠٣)، وفيه: أنه مات سنة (سبع) وانظر ((تهذيب
الكمال)» ٢٣/٢٤ (٤٨٩٩).

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال الحسن: قرأ عمر: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ جَ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ
[الطور: ٧ - ٨] فربا ربوة عِيدَ (١) منها عشرين يومًا .
وقال عبيد بن عمير: صلى بنا عمر صلاة الفجر فقرأ سورة يوسف،
حتى إذا بلغ: ﴿وَأَنْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]
بكى حتى أنقطع فركع.
وفي حديث آخر: لما قرأ: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَئِِّ وَحُزْنِ إِلَى اَللَّهِ﴾.
[يوسف: ٨٦] بكى حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف.
وعن ابن المبارك، عن مسعر، عن عبد الأعلى التيمي قال: من
أوتي من العلم ما لا يبكيه فليس بخليق أن يكون (علما ينفعه)(٢)؛
لأن الله نعت العلماء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
يَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧].
وقرأ عبد الرحمن بن أبي ليلى سورة مريم، فلما أتى إلى قوله:
وَخَرُواْ سُجَّدًا وَئِكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فسجد بها، فلما رفع رأسه قال: هذِه
السجدة فأين البكاء (٣)؟
فصل :
وكره السلف الصعق والغشي عند قراءة القرآن، ذكر أبو عبيد بإسناده
عن أبي حازم قال: مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس
حوله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن أو سمع تذكر
وخر من خشية الله. فقال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله وما نسقط.
(١) ورد بهامش الأصل: من العيادة، أي: مرض فعاده الناس عشرين يومًا.
(٢) في الأصل: (علمًا لا ينفعه) والمثبت من ((فضائل القرآن)).
(٣) أنظر الآثار السابقة في ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد ص١٣٥ - ١٤٠.

١٧١
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآنِ
=
وعن عكرمة قال: سئلت أسماء: هل كان أحد من السلف يغشى
عليه من القراءة؟
فقالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون. وقال هشام بن حسان: سُئلت
عائشة رضي الله عنها عمن صعق عند قراءة القرآن، فقالت: القرآن
أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال، ولكنه كما قال الله تعالى:
﴿َنَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُدُهُمْ﴾ الآية [الزمر:
٢٣].
وسئل ابن سيرين عن ذلك فقال: ميعاد بيننا وبينه أن يجلس بحائط
ثم يقرأ عليه القرآن كله، فإن وقع فهو كما قال(١).
(١) أنظر الآثار السابقة في ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد ص٢١٤-٢١٥ .

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٦- باب مَنْ راءى بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ
أَوْ تَأَكَّلَ بِهِ أَوْ فَخَرَ بِهِ
هو بالخاء المعجمة، ويروى بالجيم.
٥٠٥٧- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ
سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ عَلَّ رضي الله عنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((يَأْتِي فِي آخِرِ
الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ،
يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ
حَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَّهُمْ يَوْمَ
القِيَامَةِ)). [انظر: ٣٦١١ - مسلم: ١٠٦٦ - فتح ٩/ ٩٩].
٥٠٥٨- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ
رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وََّ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ
صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ
القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينَ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ،
يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرىُ شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلَا يَرِى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّیشِ
فَلَا يَرِى شَيْئًا، وَيَتَمَارِىُّ فِي الفُوقِ)). [انظر: ٣٣٤٤ - مسلم: ١٠٦٤ - فتح ٩/ ٩٩]
٥٠٥٩- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَجْيَى، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ
كَالأَثْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالْمُؤْمِنُ الذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ
بِهِ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ
كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرِّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ
كَالْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرّ - أَوْ خَبِيثٌ - وَرِيحُهَا مُرٌّ)). [انظر: ٥٠٢٠- مسلم: ٧٩٧ - فتح
١٠٠/٩]

١٧٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
ذكر فيه ثلاثة أحاديث :
أحدها: حديث سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قال عَلِيٍّ رضي الله عنه: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ وَّهُ يَقُولُ: ((يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ)) .. الحديث.
ثانيها: حديث أَبِي سَعِيدٍ: ((يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ
صَلَاتِهِمْ .. )) الحديث. ويأتي في استتابة المرتدين(١).
ثالثها: حديث أبي موسى: ((الْمُؤْمِنُ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ
كَالأُثْرُجَّةِ . .)) إلى آخره، سلف قريبًا .
ومعنى ((لا يجاوز حناجرهم)): لا يرتفع إلى الله، ولا يؤجرون عليه؛
لعدم خلوص النية بقراءة ذلك، ولذلك شبه النبي عليه قراءة المنافق لما
كانت رياء وسمعة بطعم الريحانة المرة الذي لا يلتذ به آكله، كما لا يلتذ
المنافق والمرائي بأجر قراءته وثوابها .
وقال حذيفة: أقرأ الناس بالقرآن منافق يقرؤه لا يترك ألفًا ولا واوًا،
ولا يجاوز ترقوته(٢).
وقال ابن مسعود: أعربوا القرآن فإنه عربي، فسيأتي قوم يثقفونه لیس
بخياركم(٣). وروى أبو عبيد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
مرفوعًا: ((تعلموا القرآن، واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به
الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به،
ورجل يقرؤه لله)).
وذكر أيضًا عن زاذان قال: من قرأ القرآن ليستأكل به الناس جاء يوم
(١) يأتي برقم (٦٩٣١) كتاب: استتابة المرتدين، باب: قتل الخوارج والملحدين بعد
إقامة الحجة عليهم.
(٢) ((مصنف ابن أبى شيبة)) ٢/ ٢٥٧ (٨٧٣٦).
(٣) ((المعجم الكبير)) ١٣٩/٩.

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم وقال ابن مسعود: سيجيء على الناس
زمان يسأل فيه بالقرآن، فإذا سألوكم فلا تعطوهم(١) .
وقوله: ( ((ينظر في النصل)) ) هو حديدة السهم. و((القدح)): عوده
و((الفُوق)) منه موضع الوتر وجمعه: أفواق ووفوق وفقا .
فائدة :
قوله: (عن سويد بن غفلة قال: قال علي) وذكره الداودي عن سويد
قال: سمعت النبي وَّ، ثم قال: اختلف في صحبة سويد، والصحيح
ما هنا أنه سمع النبي وسلم، وهذا وهم، فالذي هنا أنه سمعه من علي
رضي الله عنه.
قال الداودي: وفي قوله: ((لا يجاوز إيمانهم حناجرهم)) أنهم تعلقوا
بشيء من الإيمان. وخالفه غيره؛ لأن الإيمان مكانه القلب، وإذا لم
يصل إليه لم يكن له إيمان. والحنجرة: أسفل الحلقوم.
وقوله: ( ((فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم
القيامة))) اختلف في تأويله، فقال مالك: من قدر عليه منهم أستتيب، فإن
تاب وإلا قتل(٢).
وقال سحنون: من كان منهم يقرؤه ودعا إلى بدعته قوتل حتى يؤتى
عليه أو يرجع إلى الله، ومن لم يتق منهم بداره ولم يدع إلى بدعته، صنع
به ما صنع عمر بضبيع (٣)(٤) يسجن ويكرر عليه الضرب حتى يموت.
(١) ((فضائل القرآن)) (٢٠٦-٢٠٩).
(٢) ((المدونة)) ٤٩٧/١، وقارن ((المنتقى)) ٢٠٥/٧.
(٣) في الأصل: (بصبيغ) والصواب ما أثبتناه.
(٤) ((المنتقى)) ٢٠٦/٧.

١٧٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
٣٧- باب اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا انْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ
٥٠٦٠- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَبِي ◌ِمْرَانَ الْجَوْنِّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ بِّهِ قَالَ: ((اقْرَؤْوا القُرْآنَ مَا أَتْتَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَقْتُمْ
فَقُومُوا عَنْهُ)). [٥٠٦١، ٧٣٦٤، ٧٣٦٥ - مسلم: ٢٢٦٧ - فتح ٩/ ١٠١]
٥٠٦١- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي
مُطِيعٍ، عَنْ أَبِ عِمْرَانَ الَجَوْنِّ، عَنْ جُنْدَبٍ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((اقْرَءُوا القُرْآنَ
مَا أَتْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا أَخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ)). [انظر: ٥٠٦٠- مسلم: ٢٦٦٧ -
فتح ٩ / ١٠١] تَابَعَهُ الَحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِ عِمْرَانَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ حَمّادُ بْنُ
سَلَمَةَ وَأَبَانُ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَوْلَهُ. وَقَالَ ابن
عَوْنٍ: عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُمَرَ قَوْلَهُ. وَجُنْدَبٌ أَصَحُ وَأَكْثَرُ.
٥٠٦٢- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ
النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َ خِلَافَهَا،
فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: ((كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فَاقْرَآ)) أَكْبَرُ عِلْمِي
قَالَ: ((فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ أُخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ)). ٦ / ٢٤٦ [انظر: ٢٤١٠ - فتح ٩/ ١٠١].
ذكر فيه حديث جرير، أخرجه من حديث حماد بن زيد وسلامة بن
أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني - واسمه عبد الملك بن حبيب الأزدي
البصري- عن جندب بن عبد الله أنه التعليم: قَالَ: ((اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا أُنْتَلَفَتْ
قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا أَخْتَلَفْتُمْ قُومُوا عَنْهُ)).
تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران. ولم يرفعه
حماد بن سلمة وأبان. وقال غندر عن شعبة، عن أبي عمران: سمعت
جندبًا قوله.
وقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت ، عن عمر
قوله. وجندب أصح وأكثر.
:

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال في كتاب الاعتصام: قال یزید بن هارون، عن هارون الأعور.
وهُذا أخرجه النسائي عن عبد الله بن الهيثم، عن مسلم بن إبراهيم، عن
هارون بن موسى النحوي.
وقول ابن عون أخرجه النسائي أيضًا عن محمد بن إسماعيل بن
إبراهيم، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الله بن عون به (١).
وأخرجه الإسماعيلي عن عبد الكريم، ثنا بندار، ثنا معاذ، ثنا ابن
عون به. قال الإسماعيلي: وعن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر مثله.
وقول غندر أخرجه الإسماعيلي عن ابن عبد الكريم، ثنا بندار، ثنا
شعبة به .
وقوله: ( ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم)) ) فيه الحض على
الألفة والتحذير من الفرقة في الدين، فكأنه قال الكليه أقرءوا القرآن
والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا اختلفتم فقوموا
عنه، أي: فإذا عرض عارض شبهة توجب المنازعة الداعية إلى الفرقة
فقوموا عنه. أي: فاتركوا تلك الشبهة الداعية إلى الفرقة، وارجعوا
إلى التحكم الموجب للألفة، وقوموا عن الاختلاف وعن ما أدى إليه
[وقاد إليه لا أنه] (٢) أمرهم بترك قراءة القرآن باختلاف القراءات التي
أباحها لهم؛ لأنه قال لابن مسعود الآتي، وللرجل الذي أنكر عليه
مخالفته له في القراءة: ((كلاكما محسن)) فدل أنه لم ينهه التَيْه عما
جعله فيه محسنًا، وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدي إلى الهلاك
بالفرقة في الدين.
(١) ((السنن الكبرى)) ٣٣/٥، ٣٤.
(٢) في الأصل: (وعلى ذي الهيئة لأنه) وهو مشكل والمثبت من شرح ابن بطال.

١٧٧
ــ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
وحديث النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأْ آيَةً سَمِعَ
النَّبِيَّ ◌َه يقرأ خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رسول الله وَيُّ
فَقَالَ: ((كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فَاقْرَآ» أكثر عِلْمِي قَالَ: ((فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ
أُخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ الله)).
وقد سلف في أول الخصومات(١).
قال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات
واللغات، فأمروا بالقيام عند الاختلاف؛ لئلا يجحد أحدهم ما يقرؤه
الآخر فيكون جاحدًا لما أنزل الله.
آخر فضائل القرآن ولله الحمد والمنَّة.
(١) سلف برقم (٢٤١٠).

٠
*
٦٧
كَتَابُ النَّكار