Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
(٧٢) سورة ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ؟
قَالَ ابنِ عَبَّاسِ ﴿لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]: أَعْوَانًا .
١- باب
٤٩٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ
ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: أَنْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَِّ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ
إِلَى سُوقِ عُكَاظِ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأَرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ
الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَرِ السَّمَاءِ
وَأُزْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالَ: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّ مَا حَدَثَ، فَاضْرِبُوا
مَشَارِقَ الأَرَضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هذا الأَمْرُ الذِي حَدَثَ. فَانْطَلَقُوا فَضَرَبُوا مَشَارِقَ
الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، يَنْظُرُونَ مَا هذا الأَمْرُ الذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. قَالَ:
فَانْطَلَقَ الذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةً إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهَ بِنَخْلَةَ، وَهُوَ عَامِدٌ إِلَى سُوقٍ
عُكَاظِ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَسَمَّعُوا لَهُ فَقَالُوا: هذا
الذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا
[الجن: ١-٢]. وَأَنْزَلَ اللهَ وَ عَلَى نَبِيِّهِ بَّ: ﴿قُلُ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾.
[الجن: ١] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ. [انظر: ٧٧٣ - مسلم: ٤٤٩ - فتح: ٦٦٩/٨]
وتسمى سورة الجن.
(ص) (قَالَ ابن عَبَّاسِ ﴿لِبَدًا﴾: أَعْوَانًا) أخرجه ابن أبي حاتم، عن
أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي عنه(١). وقيل: مجتمعون.
وقيل: هو جمع لبدة، وعاصم يقرؤها بكسر اللام، والتي في سورة البلد
(١) ذكره السيوطي في ((الدر)) ٦/ ٤٣٧ وعزاه لابن أبي حاتم.

٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بضمها، وفسرهما أبو بكر فقال: لُبدًا: كثيرًا، ولِبدًا: بعضها على
بعض(١)، وقرئ بضم اللام والباء، وهو جمع لبود، وقرئ: (لُبَّدًا)
بضم اللام وتشديد الباء، جمع لابد، كراكع وركع. (فهذا)(٢) أربع
قراءات (٣).
ثم ساق حديث أبي عَوَانَةَ - واسمه أبو صالح - عَنْ أَبِي بِشْرٍ - واسمه
جعفر - عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَّه فِي
طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظِ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ
خَبَرِ السَّمَاءِ .. ) الحديث وقد سلف في الصلاة، في باب: الجهر بقراءة
الفجر. وعكاظ موضع بقرب مكة كانوا في الجاهلية يقيمون به أيامًا .
(١) ذكره السيوطي في ((الدر)) ٦/ ٤٣٧-٤٣٨ وعزاه لعبد بن حميد.
(٢) فوقها في الأصل: كذا.
(٣) أنظر: ((الحجة)) للفارسي ٣٣٣/٦-٣٣٤، ((زاد المسير)) لابن الجوزي ٣٨٣/٨.

٤٦٣
= كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
(٧٣) سورة المُزَّمِّلِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَبَتَّلْ﴾ أَخْلِصْ. وَقَالَ الحَسَنُ ﴿أَنْكَالًا﴾
قُيُودًا. ﴿مُنْفَظِرٌ بٍِ﴾ مُثْقَلَةٌ بِهِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كَتِبًا
مَّهِيلًا﴾، الرَّمْلُ السَّائِلُ. ﴿وَبِيلًا﴾ شَدِيدًا .
وهي مكية، قال مقاتل: وفيها من المدني: ﴿وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ
اللهِ﴾ (١) والمزمل والمدثر والمتلفف والمشتمل بمعنى.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَبَتَّلْ﴾: أَخْلِصْ) أخرجه عبد بن حميد،
عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه بلفظ: أخلص له
المسألة والدعاء، وفي رواية: أخلص له إخلاصًا، وقال قتادة:
أخلص له الدعوة والعبادة. ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس
وجماعات(٢).
(ص) (وَقَالَ الحَسَنُ ﴿أَنْكَالًا﴾ قُيُودًا) أخرجه عبد بن حميد، عن
يحيى بن عبد الحميد، عن حفص، عن عمرو، عنه، وذكره عن مجاهد
وجماعات أيضًا(٣). واحدها نكل بكسر النون وسكون الكاف وفتحهما.
(ص) (﴿مُنْفَظِرٌ بِهٍ﴾: مُثْقَلَةٌ بِهِ) أخرجه عبد بن حميد بالسند
(٤)
السالف
(١) أنظر: ((زاد المسير)) ٣٨٧/٨.
(٢) أنظر هذِه الآثار في ((تفسير عبد الرزاق)) ٢٦١/٢، ((تفسير الطبري)) ٢٨٦/١٢ -
٢٨٧، ((الدر المنثور)) ٤٤٥/٦.
(٣) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٢٢٨/١٢-٢٢٩، ((الدر المنثور)) ٤٤٦/٦.
(٤) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٦/ ٤٤٧ لعبد بن حميد.

٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(ص) (﴿كَتِيَبًا مَهِيلًا﴾: الرَّمْلُ السَّائِلُ. ﴿وَبِلًا﴾: شَدِيدًا) أخرجه
ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي صالح، حدثني معاوية، عن عليٍّ،
عنه (١) .
(١) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٦/ ٤٤٦ لابن أبي حاتم.

٤٦٥
- كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
(٧٤) سورة المُدَّثِّرِ
١- باب
قَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿عَسِيرُ﴾ شَدِيدٌ. ﴿قَسْوَرَةِ﴾: رِكْزُ النَّاسِ
وَأَصْوَاتُهُمْ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الأَسَدُ وَكُلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ،
﴿مُسْتَنِفِرَةٌ﴾ نَافِرَةٌ مَذْعُورَةٌ.
٤٩٢٢- حَدَّثَنَا يَجْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ:
سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، قَالَ: ﴿ يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
: [العلق: ١] فَقَالَ
﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الَّذِى خَلَقَ
أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما عَنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الذِي
قُلْتَ، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ قَالَ: «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ،
فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا،
وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي
فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَفِّرُونِي وَصُبُّوا
عَلَيَّ مَاءَ بَارِدًّا - قَالَ :- فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءَ بَارِدًا قَالَ فَنَزَلَتْ ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ
[المدثر: ١-٣])). [انظر: ٤- مسلم: ١٦١ - فتح:
٣
قُرْ فَأَنْذِرْ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِرْ
٨/ ٦٧٦]
هي مكية، والجمهور على أنه المدثر بثيابه، وقال عكرمة: بالنبوة
وأعبائها حكاه الماوردي (١). وقال عطاء بن أبي مسلم نزلت: ﴿يَأَيُهَا
(٢)
الْمُزَّمِّلُ ﴾﴾ قبل: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ
(١) ((النكت والعيون)) ١٣٥/٦.
(٢) ذكره عنه السخاوي في ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص ٧.

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
(ص) (وقال ابن عباس ﴿عَسِيرُ﴾: شديد) أخرجه ابن أبي حاتم عن
أبيه كما سلف أيضًا .
(ص) (﴿فَسْوَرَةِ﴾: رِكْزُ النَّاسِ وَأَصْوَاتُهُمْ. وَكُلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ
وقسور) أخرجه أيضًا من حديث عطاء، عن ابن عباس(١)، يريد:
فرت من (ضبى)(٢) الناس وأصواتهم، وروى عبد بن حميد عن أبي
حمزة قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: ﴿فَرَّتْ مِن فَسْوَرَةٍ
أهو الأسد؟ قال: ما هي بلغة أحد من العرب - أو قال الناس- إنما
هي عصب الرجال. وفي رواية: الرماة.
(ص) (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قسورة: الأَسَدُ) -أخرجه عبد بن حميد من
حديث زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، عنه(٣) وقال سعيد بن جبير: هم
القناص(٤). ووزن قسورة: فعولة من القسر وهو القهر والغلبة.
ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا يَحْيَى، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ
القُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ ﴿ قُرْ فَأَذِرُ ﴾﴾ [المدثر: ١])) .. الحديث.
يحيى هذا وقع في بعض النسخ أنه ابن موسى الحداني، وقد أسلفنا
في أول الإيمان من هذا الشرح أن الجمهور على أن أول ما نزل من
القرآن ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم المدثر من جملة ما أنزل أولًا أيضًا.
(١) رواه الطبري في ((التفسير)) ١٢/ ٣٢٢ (٣٥٥١٠).
(٢) كذا في الأصل، وفوقها (كذا). ومقابلها في الهامش: لعله (حس).
(٣) ((الدر المنثور)) ٦/ ٤٦١.
(٤) رواه الطبري في ((التفسير)) ٣٢١/١٢ (٣٥٥٠٥).

٤٦٧
ـ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
٢- (باب)(١) قَوْلُهُ:
﴿قُرْ فَأَذِرُ
* [المدثر: ٢]
٤٩٢٣ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ قَالاَ: حَدَّثَنَا
حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله
عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ)). مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ. [انظر: ٤- مسلم: ١٦١ - فتح: ٨ / ٦٧٧]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ قَالاَ: ثَنَا
حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ
ه، عَنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ)). مِثْلَ حَدِيثٍ عُثْمَانَ بْنِ
عُمَرَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ المُبَارَكِ.
لعل المراد بقوله: (وغيره) ما صرح به أبو نعيم الأصبهاني؛ حيث
قال: حدثنا أبو إسحاق بن حمزة، ثنا أبو عوانة، ثنا محمد بن بشار، ثنا
عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود قالا : ثنا حرب فذكره. وقوله: (مثل
حديث عثمان إلى آخره) يريد ما أخرجه مسلم عن ابن مثنى، عن
عثمان، عن علي بن المبارك(٢).
(١) في الأصل: (ص).
(٢) مسلم (٢٥٨/١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله وَلؤ.

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣- [باب] قَوْلِهِ:
﴿وَرَبَّكَ فَكِرْ
* [المدثر: ٣]
٤٩٢٤- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبُ، حَدَّثَنَا
﴾ [المدثر:
يَجْيَى قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
﴾ [العلق: ١]، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ:
١] فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أَنَّهُ: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ
سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿بَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴾﴾ [المدثر: ١]
فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أَنَّهُ: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ [العلق: ١] فَقَالَ: لَا أُخْبِرُكَ إِلَّ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَثَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((جَاوَرْتُ فِي حِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، هَبَطْتُ
فَاسْتَبْطَنْتُ الوَادِيَ فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي،
فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ:
دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءَ بَارِدًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴿ قُرْ فَذِرُ
وَرَبَّكَ فَكَتِزْ ﴾﴾ [المدثر: ١-٣])). [انظر: ٤- مسلم: ١٦١ - فتح: ٦٧٧/٨]
ساق فيه أيضًا حديث أبي سلمة عن جابر، وفي آخره: وأنزل :
٣
وَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴿﴿ قُرْ فَذِرْ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَِّرْ

٤٦٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
٤- [باب] قَوْلِهِ:
** [المدثر: ٤]
٤
﴿ وَثِيَكَ فَطَّهِرْ
٤٩٢٥- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَأَخْبَرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
وَلِّ وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحِي فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا
مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا المَلَُّكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى
كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي
زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيُّهَا الْمُدَّثُِّ ﴾﴾ إِلَى ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرُ
[المدثر: ١-٥] - قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاَةُ- وَهْيَ الأَوْثَانُ)). [انظر: ٤- مسلم:
(١٦- فتح: ٦٧٨/٨]
ساقه أيضا وفيه: ( ((فَجَئِثْتُ مِنْهُ)))(١) أي: فزعت، يقال: جُئث
الرجل، وجَئث: فزع، ووقع عند أبي الحسن: ((فجثيت)) من جثا
يجثو، قال ابن التين: ولا يستقيم؛ وذلك لأنه غير متعد، واللغتان
(١) في هامش الأصل: أعلم أن هذه اللفظة وقعت في ((صحيح مسلم)) من رواية ثلاثة
أشخاص: يونس ومعمر وعقيل، وهنا وقعت أولًا من رواية معمر وثانيًا من رواية
عقيل الثلاثة عن الزهري فقال النووي في رواية يونس عنه [((شرح مسلم)) ٢٠٦/٢ -
٢٠٧]: بجيم مضمومة، ثم همزة مكسورة، ثم ثاء مثلثة ثم تاء الضمير.
وقال في رواية عقيل: ومعمر التي وقعت هنا أولًا وثانيًا: بعد الجيم ثاءان مثلثتان،
هذا هو الصواب في رواية الثلاثة، ثم ذكر كلامًا للقاضي وتعقبه، ثم ذكر كلام
((المطالع)) فقال: وذكر أيضًا صاحب ((المطالع)) روايات أخرى باطلة مصحفة
تركت حكايتها لظهور بطلانها. انتهى فعلى ما قاله يجوز أن يكون لفظه هنا، في
الرواية الأولى بثائين مثلثتين كما وقعت هنا من رواية معمر وعقيل فاعلمه،
وما عداه فليس بصواب.

٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الصحيحتان جثثت بثاءين أو جئثت بهمزة قبل الثاء، وكذا ذكره
المتكلمون في هذا الحديث: أبو عبيدة وغيره، وقالوا: يقال: جَثَئْتُ
الرجل فهو مجثوث، أي: مرعوب. والطهارة على بابها. وقيل:
قَصِّر، وقيل: الثياب: النفس والمراد الأمة.

٤٧١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
٥- باب قَوْلِهِ:
﴿ وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ جَ﴾ [المدثر: ٥]
يُقَالُ: الرِّجْزُ والرِّجْسُ: العَذَابُ.
٤٩٢٦- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، قَالَ ابن شِهَابٍ:
سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَبِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَ لَ يُحَدِّثُ عَنْ
فَتْرَةِ الوَحْي: ((فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْنًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ
السَّمَاءِ، فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ:
زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَىْ ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾ [المدثر: ١-٥]
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَهْجُرْ﴾)) - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرِّجْزَ: الأَوْثَانَ - ((ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ
وَتَتَابَعَ)). [انظر: ٤- مسلم: ١٦١ - فتح: ٨/ ٦٧٩]
يقال: الرجز والرجس: العذاب. ساقه أيضًا وفي آخره: قَالَ أَبُو
سَلَمَةَ: وَالرِّجْزَ: الأَوْثَانَ، وكذا ذكره في باب: بدء الخلق، وقال في
الذي قبله: (قبل أن تفترض الصلاة وهي الأوثان) أي: لأنها سبب
العذاب، فإن الرجز: العذاب، وقيل: الذنب. وقيل: الظلم، والراء
تضم أيضًا لغتان بمعنى، قاله الفراء(١)، وقال بعض البصريين:
بالكسر: العذاب، ولا يضم، وهذا لا يبعد من قول أبي سلمة؛ لأن
عبادة الأوثان مؤدية إلى العذاب.
(١) ((معاني القرآن)) ٢٠٠/٣-٢٠١.

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(٧٥) سُورَةُ القِيَامَةِ
هي مكية.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿سُدى﴾: هَمَلًا) أخرجه ابن جرير عن
علي، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية عن علي، عنه، وقال مجاهد:
لا يؤمر ولا ينهى (١).
(ص) (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ سَوْفَ أَتُوبُ، سَوْفَ أَعْمَلُ) أي حتى يأتيه
الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله، قاله سعيد بن جبير. وعن
ابن عباس: يكذِّب ما أمامه من البعث والحساب(٢).
(ص) (﴿لَا وَزَرَ﴾: لَا حِصْنَ) أي: ولا حرز ولا ملجأ.
(١) أخرجهما الطبري في ((تفسيره)) ٣٥١/١٢، ٣٥٢.
(٢) أخرجهما الطبري في ((تفسيره)) ٣٣٠/١٢.

=
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
٤٧٣
١- [باب وَ] قَوْلُهُ:
﴿لَا تُحَرُِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.
[القيامة: ١٦]
وَقَالَ ابنِ عَبَّاسِ: ﴿سُدى﴾ [القيامة: ٣٦] هَمَلًا ﴿لِيَفْجُرَ
أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥] سَوْفَ أَتُوبُ، سَوْفَ أَعْمَلُ ﴿لَا وَزَرَ﴾
[القيامة: ١١]: لَا حِصْنَ.
٤٩٢٧- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ - وَكَانَ
ثِقَةً-، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا
نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ حَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ - يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ:
[القيامة: ١٦]. [انظر: ٥- مسلم: ٤٤٨- فتح:
﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.
٨ /٦٨٠]
ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما السالف في أول
الإيمان(١)، ويأتي في فضل القرآن (٢) والتوحيد (٣).
(١) ليس في الإيمان وإنما هو في كتاب بدء الوحي برقم (٥).
(٢) سيأتي برقم (٥٠٤٤) كتاب فضائل القرآن، باب: الترتيل في القراءة .
(٣) سيأتي برقم (٧٥٢٤) كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾
وفعل النبي ◌َّر حيث ينزل عليه الوحي.

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢- [باب] قوله:
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ، وَقُرْءَانَهُ
[القيامة: ١٧]
٤٩٢٨- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ أَنَّهُ
سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحِرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: وَقَالَ
ابن عَبَّاسِ: كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لَا تُحِزَّْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾.
[القيامة: ١٧] :
[القيامة: ١٦]- يَخْشَى أَنْ يَنْفَلِتَ مِنْهُ- ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ
أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]: أَنْ تَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]
يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ [القيامة: ١٨-١٩]: أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ. [انظر: ٥- مسلم: ٤٤٨-
فتح: ٦٨١/٨]
ساقه أيضًا .

٤٧٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
٣- [باب] قَوْلِهِ:
﴿ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَانَعْ قُرْءَانَهُ
١٨
[القيامة: ١٨]
حلاله وحرامه، ﴿جَمْعَهُ﴾: تأليفه
قَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿قَرَأْنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]: بَيَّنَّاهُ ﴿فَاتَّبِعْ﴾
[القيامة: ١٨]: أَعْمَلْ بِهِ.
٤٩٢٩- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍْ، عَنِ ابن عَبَّاسِ فِي قَوْلِهِ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ:
١٦
[القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْي، وَكَانَ بِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ
لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُغْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ التِي فِي ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ
) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ
[القيامة: ١] ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ=(
اُلْقِيَمَةِ
[القيامة: ١٦-١٧] قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]
[القيامة: ١٨] فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
١٨
﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَعْ قُرْءَانَهُ, (
سفرو
١٩
[القيامة: ١٩] عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ - قَالَ :- فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ،
[القيامة: ٣٤]: تَوَعُّدٌ. [انظر: ٥-
فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللهُ. ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى
مسلم: ٤٤٨- فتح: ٨ /٦٨٢]
ثم ساق حديث ابن عباس المذكور أيضًا .
(ص) (﴿أَوْلَ لَكَ﴾: تَوَتُدٌ) أي: من الله على وعيد لأبي جهل، وهي
كلمة موضوعة للتهديد والوعيد، أي: ويل لك يوم تموت، ثم في القبر،
ثم في البعث، ثم في النار.

٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
(٧٦) سورة ﴿هَلْ أَنتَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾
يُقَالُ مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ، وَ﴿هَلْ﴾ تَكُونُ جَحْدًا
وَتَكُونُ خَبَرًا، وهُذا مِنَ الخَبَرِ، يَقُولُ كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ
مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ
الرُّوحُ، ﴿أَمْشَاجِ﴾ الأَخْلاَطُ مَاءُ المَرْأَةِ، وَمَاءُ الرَّجُلِ الدَّمُ
وَالْعَلَقَةُ. وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ مَشِيجٌ كَقَوْلِكَ: خَلِيطٌ. وَمَمْشُوجٌ
مِثْلُ مَخْلُوطِ، وَيُقَالُ ﴿سَلَسِلَاْ وَأَغْلَلًا﴾ وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ
◌ِمُسْتَطِيرًا﴾ مُمْتَدًّا، البَلاَءُ وَالْقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ، يُقَالَ: يَوْمٌ
قَمْطَرِيرٌ وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ، وَالْعَبُوسُ وَالْقَمْطَرِيرُ وَالْقُمَاطِرُ
وَالْعَصِيبُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ فِي البَلاَءِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ
﴿أَسْرَهُمِّ﴾ شِدَّةُ الخَلْقِ، وَكُلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبِ فَهْوَ
مَأْسُورٌ.
هو آدم أو الكل، وهي مكية كما جزم به الثعلبي، ونقل ابن النقيب
عن الجمهور أنها مدنية، قلت: وقال قتادة وآخرون: مكية، وعن
الكلبي: إلا آيات ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ إلى ﴿فَطَرِيرًا﴾ وعن الحسن إلا:
﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، وجاءت آثار أنها نزلت بالمدينة في شأن
علي وفاطمة وابنيهما وهي مضطربة لا تثبت. وأنكر أن يكون لفاطمة
(شعرًا)(١)، وقال مقاتل: نزل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ في أبي الدحداح
الأنصاري، وهو نقض لقوله: إنها كلها مكية. قال السخاوي: ونزلت
(١) كذا في الأصل، والجادة: (شعر) بالرفع.

٤٧٧
= كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
بعد سورة الرحمن وقبل الطلاق(١).
(ص) (قال يحيى: مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ، وَ﴿هَلْ﴾ تَكُونُ جَحْدًا
وَتَكُونُ خَبَرًا، وهُذا مِنَ الخَبَرِ، يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ
مِنْ حِينٍ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ نفخ فِيهِ الرُّوحِ) (٢).
يحيى هذا هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منصور الفراء،
صاحب ((معاني القرآن)) وقوله أنها (تكون جحدًا) فيه تجوز، وإنما
الاستفهام في الحقيقة استعلام للفائدة واستطلابها ضمن فعلها، وقال
سيبويه والكسائي والفراء (٣): (هل) بمعنى قد، وقال ابن كيسان:
يجوز أن تكون على بابها أي: كما يقال: كفيت في أمرك.
وقوله: (يقول: كان شيئًا ولم يكن مذكورًا) إلى آخره. هو رد على
المعتزلة حيث قالوا: كان شيئًا ولم يكن مذكورًا. فعندهم يطلق الشيء
على المعدوم.
(ص) (﴿أَمْشَاجٍ﴾ أخلاط، مَاءُ المَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ.
وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ مَشِيجٌ كَقَوْلِكَ خَلِيطٌ. وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ) قلت:
وقال ابن مسعود: أمشاج نطفة دم علقة مضغة قيل: وهو اختلاط
بالدم، وواحد الأمشاج، مشيج، أي: بفتح الميم وكسرها، ومشيج
ذكره ابن منده فقال: والمشيج كل لونين اختلطا، وقيل: هو ما اختلط
من حمرة وبياض، وقيل: كل شيئين مختلطين.
(١) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص ٨.
(٢) ((معاني القرآن)) ٢١٣/٣.
(٣) ((معاني القرآن)) ٢١٣/٣، ((تفسير الماوردي)) ١٥١/٦.

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(ص) (وَيُقْرَأُ: ﴿سَلَسِلَاْ وَأَغْلَلًا﴾ وَلَمْ يُجْرِ (١) بَعْضُهُمْ) أي: فقرأ
سلاسل(٢).
(ص) (﴿مُسْتَطِيرًا﴾: مُمْتَد البَلاَء) أي: فاشيًا، يقال: أستطار الصدع
في الزجاجة، واستطال إذا امتد.
(ص) (وَالْقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ، يُقَالَ يَوْمٌ قَمْطَرِيْرٌ وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ، وَالْعَبُوسُ
وَالْقَمْطَرِيرُ وَالْقُمَاطِرُ وَالْعَصِيبُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ فِي البَلاَءِ) زاد
غيره: عصبصب وقماطر بضم القاف.
(ص) (وَقَالَ مَعْمَرٌ ﴿أَسْرَهُمِّ﴾ شِدَّهُ الخَلْقِ) أخرجه عبد بن حميد عن
عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة وذكره عن مجاهد وغيره بنحوه(٣).
ثم قال البخاري: (وكل شيء شددته من قتب أو غبيط فهو مأسور)
والغبيط أي: بالغين المعجمة: شيء تركبه النساء شبه المحفة قلت: ومنه
قول امرئ القيس :
تقول وقد مال الغبيط بنا معًا عقرت بعيري يا أمرأ القيس فانزلٍ
وهو الموضع الذي يوطأ للمرأة على البعير كالهودج(٤).
(١) أي لم يصرفها، قال الحافظ: وهذا اصطلاح قديم يقولون للاسم المصروف
مجرى. ((الفتح)) ٦٨٤/٨.
(٢) قرأها هكذا بغير تنوين: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة. أنظر:
((الحجة)) ٣٤٨/٦، ((الكشف)) ٣٥٢/٢.
(٣) انظر: ((الدر المنثور)) ٦/ ٤٩٠.
(٤) أنظر: ((النهاية في غريب الأثر)) ٣/ ٣٤٠، و(اللسان)) مادة: (غبط).

٤٧٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
(٧٧) سورة وَالْمُرْسَلاَتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حِمَالاَتٌ﴾: حِبَالٌ. ﴿أَرْكَعُواْ﴾: صَلُّوا
﴿لَا يَزْكَعُونَ﴾: لَا يُصَلُّونَ. وَسُئِلَ ابن عَبَّاسِ ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾
﴿وَاللَّهِ رَبَِّ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ﴾ فَقَالَ: إِنَّهُ ذُو
أَلْوَانٍ مَرَّةً يَنْطِقُونَ، وَمَرَّةً يُخْتَمُ عَلَيْهِمْ.
١- باب
٤٩٣٠- حَدَّثَنِي ◌َحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ وَأَنْزِلَتْ عَلَيْهِ
﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ [المرسلات: ١٠]، وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ، فَابْتَدَزْنَاهَا،
فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ إِلّهِ: ((وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كَمَا وُقِيْتُمْ
شَرَّهَا)). [انظر: ١٨٣٠ - مسلم: ٢٢٣٤ - فتح: ٦٨٥/٨]
٤٩٣١- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا يَجْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ
بهذا. وَعَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مِثْلَهُ.
وَتَابَعَهُ أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ. وَقَالَ حَقْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةً وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، عَنِ
الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ.
قَالَ يَخْيَى بْنُ حَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ. وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ
عَبْدُ اللهِ: بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌َّهِ فِي غَارٍ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿ وَالْمُرْسَلَتِ﴾ [المرسلات:
١] فَتَلَقَّيْنَاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
(عَلَيْكُمُ اقْتُلُوهَا)). قَالَ فَابْتَدَزْنَاهَا فَسَبَقَتْنَا، قَالَ: فَقَالَ: ((وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كَمَا وُقِتُمْ

٤٨٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
شَرَّهَا)). [انظر: ١٨٣٠ - مسلم: ٢٢٣٤ - فتح: ٦٨٥/٨]
هي مكية، قال مقاتل: وفيها من المدني: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُهُ أُرَكَعُواْ لَا
يَرَّكَعُونَ ﴿٨﴾ ونزلت بعد الهمزة، وقبل ﴿قَ﴾، قاله السخاوي(١).
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حِمَالاَتٌ﴾ حِبَالُ السفن) أخرجه عبد بن
حميد عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه(٢)، وقاله أيضًا
عكرمة، وقال قبلهما ابن عباس بزيادة: تجمع بعضها إلى بعض حتى
تكون كأوساط الرجال في الأصل، و(جمالات) بكسر الجيم، وقيل:
بالضم: إبل سود واحدها جمالة، وجمالة جمع جمل. وقرئ (جمالة)
على التوحيد، وقرئ بضمهما أيضًا(٣).
قال الهروي: ومن قرأ (جمالات) ذهب به إلى الحبال الغلاظ.
وقال مجاهد في قوله: ﴿حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾ [الأعراف: ٤٠] هو
حبل السفينة (٤)، وذكر الفراء -فيما حكاه ابن فارس- أن الجُمالات
ما جمع من الحبال(٥)، فعلى هذا يقرأ بالضم فيما ذكره مجاهد.
(ص) (﴿ أَرْكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾: لَايُصَلُّونَ) قلت: هو الركوع نفسه،
يقال: عليك بحسن الركوع.
(ص) (وَسُئِلَ ابنِ عَبَّاسِ ﴿لَا يَنَطِقُونَ﴾ ﴿وَلَّهِ رَبَِّ مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾.
﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ﴾ فَقَالَ: إِنَّهُ ذُو أَلْوَانٍ مَرَّةً يَنْطِقُونَ، وَمَرَّةً
(١) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص٨.
(٢) ((تفسير مجاهد)) ٧١٦/٢ من طريق عبد الرحمن عن إبراهيم، عن آدم، عن ورقاء
به، بلفظ: الجمالات الصفر: حبال الجسور.
(٣) أنظر: ((الحجة)) ٣٦٥/٦، و((الكشف)) ٣٥٨/٢.
(٤) ((تفسير مجاهد)) ٢٣٦/١.
(٥) ((مجمل اللغة)) ١٩٨/١.