Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
=ِ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
وقد روي موقوفًا، وادعى بعض الحفاظ أنه أصح وكره جماعات
من الصحابة فمن بعدهم البول في المغتسل، منهم ابن مسعود، حتى
قال عمران(١): من بال في مغتسله لم يطهر، وعن ليث بن أبي سليم،
عن عطاء، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما طهر الله رجلًا يبول
في مغتسله(٢)، ورخص فيه ابن سيرين وغيره.
وروى ابن ماجه، عن علي بن محمد الطنافسي قال: إنما هذا في
الحفيرة، وأما اليوم فمغتسلاتهم بجص وصاروج -يعني: النورة،
وأخلاطها- والمقير، فإذا بال وأرسل عليها الماء فلا بأس(٣). وكذا
قال الخطابي عن مغتسل يكون جددًا صلبًا، ولم يكن له مسلك ينفذ
فيه البول(٤)، ويروى عن عطاء: إذا كان يسيل فلا بأس(٥). وعن
ابن المبارك: وقد وسع في البول فيه إذا جرى فيه الماء. وقال به
أحمد في رواية واختيرت(٦).
وروى الثورى، عمن سمع أنس بن مالك يقول: إنما كره مخافة
اللمم(٧)، وعن أفلح بن حميد قال: رأيت القاسم بن محمد يبول في
مغتسله، وأغرب ابن التين فقال: قوله في البول يريد نهيه القليّها عن
البول في الماء الدائم الذي يغتسل فيه.
(١) في الأصل تُشبه أن تكون (عمر إن) والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) أنظر هذِه الآثار في ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٥٥/١-٢٥٦، ((مصنف ابن أبي شيبة))
١٠٥/١-١٠٦.
(٣) ابن ماجه برقم (٣٠٤).
(٤)
((معالم السنن)) ٢٠/١.
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٠٥/١ (١١٩٤).
(٦) ((المغني)) ٥٦/١.
(٧) ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٥٥/١ (٩٧٩).

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وذكر عن ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ هِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ. وَهُذا
سلف هناك أيضًا .
ثم ذكر حديث ابن أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلِ أَسْأَلُهُ فَقَالَ: كُنَّا
بِصِفِّينَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يَدِعونَ إِلَى كِتَابِ اللهِ. فَقَالَ عَلِيٍّ :
نَعَمْ. فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: أَنَّهِمُوا رأيكم.
فذكره في المغازي والجزية والاعتصام(١)، وأخرجه مسلم
والنسائي(٢).
و(يَدْعون) -بفتح أوله- كذا الرواية. وكأن هذا الرجل لم يرد
التلاوة .
وقول سهل: (اتهموا رأيكم). يريد: أن الإنسان قد يرى رأيا،
والصواب غيره، والمعنى: لا تعلموا بآرائكم يعني: مضي الناس إلى
الصلح بين علي ومعاوية، وذلك لأن سهلًا ظهر له من أصحاب علي
كراهة التحكيم.
قوله: (فلم يصبر حتى جاء أبا بكر). قال الداودي: وليس
بمحفوظ، إنما كلَّم أبا بكر ثم كلَّم النبي ◌َّ.
(١) سلف برقم (٤١٨٩) في المغازي، وسيأتي برقم (٧٣٠٨) في الاعتصام.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٤٦٣/٦ (١١٥٠٤).

=
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
٢٦٣
(٤٩) ومن سُورَة الحُجُرَاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ﴾: لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴾
حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ عَلَىْ لِسَانِهِ. ﴿أَمْتَحَنَ﴾: أَخْلَصَ. ﴿تَنَبُرُوا﴾:
يُدْعَى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ. ﴿يَلِتَّكُ﴾: يَنْقُضْكُمْ، أَلَتْنَا نَقَصْنَا
(ص) (وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله وَل حتى يقضي الله
على لسانه) هُذِه السورة مدنية، ونزلت بعد المجادلة، وقبل التحريم كما
قاله السخاوي(١) والحجرات بضم الجيم وفتحها، ويجوز إسكانها ولم
يقرأ به كما قاله الزجاج.
وهذا الأثر رواه ابن المنذر من حديث ابن جريح(٢). وقال
ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة(٣). وقال الضحاك:
لا تقضوا الله ورسوله من شرائع دينكم(٤). وقراءة العامة بضم التاء
وكسر الدال، وقرأ يعقوب بفتحها من التقدم، والأول من التقديم،
ولا يؤخذ من هذا امتناع تعجيل الزكاة على الوجوب؛ لثبوته بالنص،
ولا يحسن تأويله على الخصوصية بالقياس على سد الحاجة. وقال
الحسن: ذبح قوم قبل صلاة يوم النحر فأمرهم أن يعيدوا، ونزلت
(١) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص٩.
(٢) رواه ابن المنذر كما في ((الدر المنثور)) ٨٦/٦، ورواه أيضًا البيهقي في ((الشعب))
١٩٥/٢ (١٥١٦) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
(٣) رواه الطبري في ((التفسير)) ٣٧٧/١١ (٣١٦٥٧)، وأبو نعيم في ((الحلية))
٣٩٨/١٠.
(٤) رواه الطبري بنحوه في ((التفسير)) ٣٧٨/١١ (٣١٦٦٢)، والبغوي في ((تفسيره))
٧/ ٣٣٤ بلفظ: يعني في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله.

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
هُذِهِ الآية (١) وذكر قول البخاري بعدُ: أنها نزلت في أبي بكر وعمر لما
تماريا حتى أرتفعت أصواتهما .
(ص) (﴿أَمْتَحَنَ﴾: أَخْلَصَ) أي: امتحن قلوبكم فوجدها خالصة،
يقال: امتحنت الذهب والفضة: خلصتهما. وقيل: اختبر.
(ص) (﴿تَنَبَرُواْ﴾): يُدْعَى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَم) قلت: وكذلك إذا
تداعوا بالألقاب.
(ص) (﴿يَلِتَّكُمْ﴾: يَنْقُصْكُمْ) أي: من أعمالكم شيئًا. (ألتناهم):
نقصناهم، وقرأه أبو عمرو بالألف والباقون بحذفها من لات يليت
ليتًا(٢).
(١) انظر: ((تفسير الطبري)) ٣٧٨/١١.
(٢) أنظر: ((الحجة)) للفارسي ٢١٠/٦، ((الكشف)) ٢٨٤/٢.

٢٦٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
[باب] قوله:
﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ الآيَةَ
﴿وَتَشْعُرُونَ﴾: تَعْلَمُونَ، وَمِنْهُ الشَّاعِرُ.
٤٨٤٥- حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلِ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ
ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَادَ الْخَيَِّانِ أَنْ يَهْلِكَا- أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما رَفَعَا
أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ نََّ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ
حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ - قَالَّ نَافِعْ: لَا أَحْفَظُ أَسْمَهُ - فَقَالَ
أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّ خِلاَفِيٍ. قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا في
ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ الآيَةَ. قَالَ ابن الزُّبَيْرِ فَمَا
كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللهِ وَ لَهَ بَعْدَ هذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. وَلَمْ يَذْكُزْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ،
یغِي: أَبًا بَكْرٍ.
٤٨٤٦- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَغدٍ، أَخْبَرَنَا ابن عَوْنٍ قَالَ:
أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَفْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا
رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرِّ. كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَّ فَقَدْ
حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ رَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ مُوسَى: فَرَجَعَ إِلَيْهِ الَّةَ الآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: ((اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ:
إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ).
ثم ساق فيه حدیثین :
أحدهما :
حديث نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَادَ الخَيِّرَانِ أَنْ
يَهْلِكًا: أبو بكر وعمرُ، رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ رسول اللهِ وَّهِ حِينَ قَدِمَ

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمِ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي
مُجَاشِع، وَأَشَارَ الآخِّرُ بِرَجُلٍ آخَرَ - قَالَ نَافِعُ: لَا أَحْفَظُ أَسْمَهُ- فَقَالَ
أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلاَفِي. قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ،
فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُوْ
أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ الآيَةَ. قَالَ ابن الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعْدَ هُذِه الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ،
يَعْنِي : أَبَا بَكْرٍ .
الكلام عليه من وجوه، وقد أخرجه في المغازي والاعتصام(١)،
وأخرجه الترمذي والنسائي(٢):
أحدها :
قوله آخرًا : (قال ابن الزبير) يعلمك أن ابن أبي مليكة يرويه عنه، وبه
ظهر اتصاله، فإنه لم يسمعهما -أعني: الخيرين- لصغر سنه عنه. وفي
رواية أخرى - ذكرها بعد- من طريق ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة
أن عبد الله بن الزبير أخبرهم، فذكره(٣).
ثانیھا :
(الخيران): بالخاء المعجمة، وتجوز بالمهملة(٤) أيضًا. و(يهلكا)
قد أسلفناه بإثبات أن.
(١) سلف في المغازي برقم (٤٣٦٧)، باب: وفد بني تميم، وسيأتي في الاعتصام
برقم (٧٣٠٢)، باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم.
(٢) الترمذي (٣٢٦٦)، والنسائي ٢٢٦/٨.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (٤٨٤٧).
(٤) قلت: نقل العيني ذلك عن المصنف ثم قال معقبًا: أراد (الحبر) بفتح الحاء
المهملة وسكون الباء الموحدة وهو العالم. ((عمدة القاري)) ٢٧/١٦.

٢٦٧
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
وقال ابن التين: وقع بغير نون، ونصبه بتقدير أن، قال: وهي ثابتة
عند أبي ذر.
وقوله: (ولم يذكر ذلك عن أبيه - يعني: أبا بكر) فيه أن الجد للأم
يسمى أبًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ◌َبَؤُكُم مِّنَ الْنِسَآءِ﴾
[النساء: ٢٢] والجد للأم داخل في ذلك. وأغرب بعض الشراح فقال:
يحتمل أنه أراد أبا بكر عبد الله بن الزبير بن العوام، أو أبا بكر
عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، فإن أبا مليكة له ذكر في الصحابة(١)
عند أبي عمر وأبي نعيم، وقال أبو عمر: فيه نظر(٢).
ثالثها :
الرجل الآخر هو القعقاع، وهو الذي أشار به الصديق- كما صرح به
بعد في الرواية الأخرى، فقال أبو بكر: أمر القعقاع، وقال عمر: بل أمر
الأقرع بن حابس. وهو: ابن معبد بن زرارة بن عديس بن زيد بن
عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم. وقال
الكلبي في ((جامعه)) ((أنساب العرب)): كان يقال له لسخائه: تيار
الفرات. قال ابن التين: وكان أرق من الأقرع؛ فلهذا أشار به الصديق.
رابعها :
جاء في رواية أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: والله لا أكلمك
(١) قلت: عقب على ذلك الحافظ قائلًا: وهذا بعيد عن الصواب؛ بل قرينة ذكر عمر
ترشد إلى أن مراده أبو بكر الصديق. ثم ساق روايات دالة على ذلك، أنظر:
((الفتح) ٥٩١/٨-٥٩٢.
(٢) ((الاستيعاب)) ٣٢٤/٤-٣٢٥ (٣٢١٦) وأبو مليكة هو زهير بن عبد الله بن جدعان
القرشي، ولم يذكره أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) إنما ذكر أثنين: أبو مليكة
الذماري، وأبو مليكة الكندي. انظر: (معرفة الصحابة)) ٣٠٢١/٦.

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يا رسول الله إلا كأخي السرار (١)، فكان بعد لا يبين كلامه له حتى
یستفهمه .
ولا شك أن رفع الصوت عليه فوق صوته حرام لهُذِه الآية، وما ثبت
في ((الصحيح)) أن عمر أستأذن على رسول الله وَل وعنده نساء من قريش
يكلمنه عالية أصواتهن(٢)، فيحتمل أن يكون قبل النهي، أو أن يكون علو
الصوت بالهيئة الاجتماعية لا بانفراد كل منهن. ومعنى قوله: ﴿وَلَا
تَّجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوّلِ﴾ لا تخاطبوه: يا محمد، يا أحمد، ولكن يا نبي
الله، يا رسول الله؛ تكريمًا له وتوقيرًا، وقيل: ﴿له﴾، أي: عليه.
﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الكاف كاف التشبيه في محل النصب، أي:
لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض.
وفيه دلالة أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا حتى لا يشرع لهم أن
يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد
بصفة، وكره بعضهم رفع الصوت عند قبره، وبعضهم رفع الصوت في
مجالس العلماء؛ تشريفًا لهم، إذ هم ورثة الأنبياء.
الحديث الثاني :
حديث ابن عَوْنٍ أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ أنه العَيْهِ افْتَقَدَ ثَابِتَ
ابْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَّا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ
جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ. كَانَ يَرْفَعُ
صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ رسول الله وَّ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
(١) رواها البيهقي في ((الشعب)) ٢/ ١٩٧ (١٥٢١)، والحاكم في ((المستدرك)) ٢/ ٤٦٢،
وستأتي في البخاري (٧٣٠٢)، بلفظ مقارب.
(٢) سلف برقم (٣٢٩٤) كتاب: بدء الوحي، باب: صفة إبليس وجنوده، ورواه مسلم
(٢٣٩٦) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر ﴾.

٢٦٩
- كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
فَأَتَى الرَّجُلُ رسول اللهِ وَّةِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ مُوسَى:
فَرَجَعَ إِلَيْهِ المَرَّةَ الآخِرَةَ بِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: ((اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ
لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وإنك مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ)».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها :
كذا هو عند البخاري عن علي بن عبد الله، ثنا أزهر بن سعد، أنا
ابن عون. وكذا أخرجه في المغازي(١)، وأخرجه مسلم والنسائي من
حديث حماد بن سلمة وجعفر بن سليمان وسليمان بن المغيرة، عن
ثابت، عن أنس ﴾(٢). ورواه أبو نعيم، عن سليمان بن أحمد، عن
عبد الله بن أحمد، عن يحيى بن معين، عن أزهر بن سعد، أنا
ابن عون، عن ثمامة بن أنس، ثم قال: لا أدري من الواهم؟ وعند
مسلم: فكنا نراه -يعني: ثابتًا - يمشي بين أظهرنا رجلاً من أهل
الجنة(٣).
ثانيها :
جاء في غير هذا الموضع: نهانا الله أن نرفع أصواتنا وأنا جهير
الصوت، ونهينا عن الخيلاء وأنا أحب الجمال، ونهينا عن الحسد،
وما أحب أن يفوتني (٤) أحد بشسع نعلي، فقال له التَّة: ((أما ترضى
(١) سلف برقم (٣٦١٣) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
(٢) مسلم (١١٩) كتاب: الإيمان، باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله، والنسائي في
((الكبرى)) ٦٣/٥-٦٤ (٨٢٢٧)، ٤٦٥/٦ (١١٥١٣) من طريق سليمان بن
المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
(٣) مسلم (١٨٨/١١٩).
(٤) كذا في الأصل، وعلم فوقها: كذا، وكتب بهامشها: لعله: يفوقني.

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أن تعيش حميدًا وتموت شهيدًا وتدخل الجنة؟)) فقتل فيمن خرجوا إلى
مسيلمة(١)، فكان هو على الأنصار، وخالد بن الوليد على الجيش
كله(٢) .
ثالثها :
البشارة - بكسر الباء- إذا أطلقت تكون للخير بخلاف النذارة. وفقهه
سلف في الحدیث قبله.
رابعها :
جاء في مسلم: أنه لما نزلت هذه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته
فقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن رسول وَله، فسأل رسول الله وَ ل
سعد بن معاذ وساق الحديث، وينبغي أن تعلم أن هذه الآية نزلت في بني
تميم في المحرم سنة تسع، وقتل سعد في الخندق سنة خمس. قلنا كل
ذلك.
(١) رواه الطبراني ٦٧/٢ (١٣١٣)، والحاكم في ((المستدرك)) ٢٣٤/٣، وابن حبان
١٢٥/١١-١٢٦ (٧١٦٧) كلهم من طريق محمد بن ثابت الأنصاري.
(٢) رواه البيقهي في ((السنن)) ٣٣٤/٨ من حديث عروة بن الزبير.

٢٧١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
[باب] قوله:
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَتِ﴾ الآية
٤٨٤٧- حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابن جُرَنِجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي
ابن أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ
وٍَّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ. وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ. فَقَالَ
أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى - أَوْ: إِلَّ- خِلاَفِيٍ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلافَكَ. فَتَمَارَيَا حَتَّى
ازْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
حَتَّى أَنْقَضَتِ الآيَةُ. [انظر: ٤٣٦٧ - فتح: ٨ / ٥٩٢].
ذكر فيه حديث ابن أبي مليكة السالف.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(٥٠) ومن سورة ق
﴿َجْعُ بَعِيدٌ﴾: رَدٌّ. ﴿فُرُوجِ﴾: فُتُوقٍ، وَاحِدُهَا: فَرْجُ،
وَرِيدٌ فِي حَلْقِهِ، الحَبْلُ: حَبْلُ العَاتِقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا
نَنَقُصُ اٌلْأَرْضُ﴾: مِنْ عِظَامِهِمْ. ﴿َصْرَةً﴾: بَصِيرَةً ﴿وَحَبَّ
الْحَصِيدِ﴾: الحِنْطَةُ. ﴿بَاسِقَتٍ﴾: الطِّوَالُ ﴿أَفَعِينَا﴾: أَفَأَعْيَا
عَلَيْنَا. ﴿وَقَالَ فَرِئُهُ﴾: الشَّيْطَانُ الذِي قُيِّضَ لَهُ. ﴿فَقَّبُواْ﴾:
ضَرَبُوا. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ حِينَ
أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ. ﴿رَقِبُ عَنِدٌ﴾: رَصَدٌ. ﴿سَآِقٌ
وَشَهِيدٌ﴾: المَلَكَانِ كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ. ﴿شَهِيدٌ﴾: شَاهِدٌ
بِالْقَلْبِ. ﴿لُغُوبٌ﴾: النَّصَبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿نَضِيدٌ﴾:
الكُفُرىْ مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ، وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى
بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. فِي أَدْبَارِ
النُّجُومِ وَأَذْبَارِ السُّجُودِ، كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ التِي فِي ق
وَيَكْسِرُ التِي فِي الظُورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ. وَقَالَ
ابن عَبَّاسٍ: يَوْمَ الُرُوجِ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ.
هي مكية، قال الكلبي: إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ﴾ الآية. وقال ابن النقيب: إلا قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ﴾.
إلى قوله: ﴿لُغُوبٌ﴾(١).
وهو قسم، وقيل: جبل من زبرجدة خضراء محيط بالعالم، وخضرة
(١) ذكر عن ابن عباس وقتادة أنظر ((النكت والعيون)) ٣٣٩/٥، ((زاد المسير)) ٣/٨.

٢٧٣
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
السماء منه، ليس من الخلق على خلقه شيء، والجبال تنبت منه، فإذا
أراد زلزلة أوحى إلى الملك الذي عنده أن يحرك عرقًا من الجبل
فتتحرك الأرض الذي يريد، وهو أول جبل خلق، وبعده أبو قبيس،
ومن دون ق مسيرة سنة، جبل يقال له: الحجاب، وما بينهما ظلمة،
وفيه تغرب الشمس قال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يعني: الجبل،
وهو من وراء الحجاب، وله وجه كوجه الإنسان، وقلب كقلوب
الملائكة في الخشية(١).
قال السخاوي: ونزلت بعد المرسلات وقبل البلد(٢).
(ص) (﴿رَجْعُ بَعِيدٌ﴾: رَدِّ) أي: إلى الحياة بعد الموت.
(ص) (﴿فُرُوجِ﴾: فُتُوقٍ، وَاحِدُهَا: فَرْجُ) قلت: قال الكسائي: ليس
فيها تفاوت ولا اختلاف.
(ص) (وريداه فِي حبله، الحَبْلُ حَبْلُ العَاتِقِ) قلت: حبل الوريد،
المراد به: عرق الوريد، وهو عرق الحلق.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا نَقُصُ الْأَرْضُ﴾: مِنْ عِظَامِهِمْ) إلى قوله:
﴿لُغُوبٌ﴾ أسنده ابن المنذر من طريق ابن جريج، عنه(٣).
(١) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره)) ١٣/ ١٨٠: وقد روي عن بعض السلف أنهم
قالوا: ﴿قَّ﴾: جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف. وكأن هذا - والله
أعلم -: من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من
جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب.
وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبسون به على الناس
أمر دينهم .. اهـ
(٢) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص ٧.
(٣) انظر: ((تفسير مجاهد)) ٦٠٩/٢-٦١٣ من طريق ابن أبي نجيح.

٢٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وادعى ابن التين أنه وقع: (من أعظامهم) وأن صوابه: (من
عظامهم). وكذا هو عند أبي ذر؛ لأن فعلا -بفتح الفاء وسكون
العين- لا يجمع على أفعال إلا خمسة أحرف نوادر، وقيل: من
أجسامهم.
(ص) (﴿تَبْصِرَةً﴾: بَصِيرَةً) أي: جعلنا ذلك تبصرة.
(ص) (﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: الحِنْطَةُ) أي: والشعير وسائر الحبوب التي
تحصد، وهُذِه الإضافة من باب: مسجد الجامع، وحبل الوريد، وربيع
الأول، وحق اليقين ونحوها.
(ص) (﴿بَاسِقَتِ﴾: الطّوَالُ) قلت: وقيل: في استقامة.
(ص) (﴿أَفَعِينَا﴾: أفعيا عَلَيْنَا) أي: يعجزنا عنه وتعذر علينا.
(ص) (﴿رَقِبُ عِدٌ﴾: رَصَدٌ) أي: حافظ حاضر وهو بمعنى المعد،
من قوله: أعتدنا، والعرب تعاقب بين الياء والدال؛ لقرب مخرجيهما .
(ص) (﴿سَبِقُ وَشَهِيدٌ﴾: المَلَكَانِ كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ) أي: يشهد عليها بما
عملت ويكتب، وقيل: سائق يسوقها إلى المحشر، وقيل: السائق من
الملائكة، وقيل: شيطانها الذي يكون معها؛ والشاهد من أنفسهم:
الأيدي، والأرجل وقيل: العمل. والصواب أنهما جميعًا من الملائكة
والأنبياء.
(ص) (﴿وَقَالَ فَرِيُهُ﴾: الشَّيْطَانُ الذِي قُيِّصَ لَهُ) قلت: وقال قتادة:
الملك الموكل به(١)، وبه جزم الثعلبي.
﴾: محضر.
﴿وَقَالَ فَرِئُ هَذَا مَا لَدَىَّ عِيدُ
(١) رواه الطبراي في ((التفسير)) ٤٢١/١١ (٣١٨٩٢).

٢٧٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
حسد
(ص) (﴿فَنَقَبُواْ﴾: ضَرَبُوا) هو قول مجاهد (١)، وهو ظاهر إيراد
البخاري، وقال ابن عباس: أثروا(٢). وقرئ: (نقبوا) مخففًا،
وكسرها مشددًا .
(ص) (﴿أَوْ أَلْغَى السَّمْعَ﴾: لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ) قلت: وقيل: استمع
القرآن، تقول العرب: ألق سمعك. أي: استمع.
(ص) (﴿لُغُوبٌ﴾: النَّصَبُ) أي: والإعياء والتعب، نزلت في اليهود(٣).
(ص) (﴿شَهِيدٌ﴾: شَاهِدٌ بِالْقَلْبِ) أي: خاصة، وقال قتادة: وهو
شاهد على ما يقرأ ويسمع في كتاب الله من نعت نبيه وذكره(٤).
(ص) (وقال غيره): أي، غير مجاهد: (﴿نَّضِيدٌ﴾: الكفرى - أي:
بفتح الفاء وضمها - مادام في أكمامه، ومعناه: منضود بعضه على بعض،
فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد). قلت: قال مسروق: ونخل الجنة
نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها منضد أمثال القلال والدلاء،
كلما قطعت منه نبتت مكانها أخرى، وأنهارها تجري في غير أخدود(٥).
(ص) (﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ و﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ التِي
فِي ق وَيَكْسِرُ التِي فِي الْطُورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا ويفتحان) قلت: وافق
عاصمًا أبو عمرو بن العلاء وابن عامر والكسائي، وخالفه نافع وابن
كثير وحمزة فكسروها (٦).
(١) انظر: ((تفسير مجاهد)) ٢/ ٦١٢.
(٢) رواه عنه الطبري في ((التفسير)) ٤٣٢/١١ (٣١٩٤٣).
(٣) ((أسباب نزول القرآن)) الواحدي ص٤١٤.
(٤) رواه عنه الطبري في ((التفسير)) ٤٣٣/١١-٤٣٤ (٣١٩٥٥، ٣١٩٥٦).
(٥) رواه الطبري في ((التفسير)) ٢٠٥/١ -٢٠٦ (٥٠٩).
(٦) أنظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ٢١٣/٦.

٢٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الداودي: من قرأ ﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ بالكسر يقول: عند قفل
النجوم ومن قرأ بالفتح يقول: ذهابها .
فائدة :
﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فقيل: النوافل أدبار المكتوبات. وقيل:
الفرائض، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يعني: الصبح، ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾
يعني: العصر. وقيل: والظهر، وقيل: وركعتين قبل المغرب.
﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يعني: صلاة العشائين، وقيل: صلاة الليل،
﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد صلاة المغرب، ﴿وَإِدْبَرَ النَّجُومِ﴾ الركعتان
بعد الفجر، وفيه حديث مرفوع عن ابن عباس(١).
(ص) (قَالَ ابن عَبَّاسِ: يَوْمَ الخُرُوجِ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ) هذا
أخرجه ابن المنذر من حديث عطاء عنه (٢).
(١) رواه الترمذي (٣٢٧٥)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٢٠/١.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.
(٢) رواه ابن المنذر كما في ((الدر المنثور)) ١٣٢/٦.

٢٧٧
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
١- [باب] قوله:
﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]
٤٨٤٨- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَذَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسِ رِثُ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى
يَضَعَ قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ)). [٦٦٦١، ٧٣٨٤ - مسلم: ٢٨٤٨ - فتح: ٥٩٤/٨]
٤٨٤٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى القَطَّنُ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الِحِمْبَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ
يَجْيَى بْنِ مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ - وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ
أَبُو سُفْيَانَ - ((يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ آمْتَلَأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيَضَعُ الرَّبُّ
تَبَارََ وَتَعَالَى قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ)). [٤٨٥٠، ٧٤٤٩ - مسلم: ٢٨٤٦ - فتح: ٨/
٥٩٥] .
٤٨٥٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَثُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: («تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ:
أُوْثِرْتُ بِالْمُتَكَبِرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ
النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟! قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ
أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي.
وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلاَتَمْتَلِىُّ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطِ
قَطٍ قَطٍ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوىُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللهُ رَكٌ مِنْ خَلْقِهِ
أَحَدًا، وَأَمَّا الَجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ رَكَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا)). [انظر: ٤٨٤٩- مسلم: ٢٨٤٦ - فتح:
٥٩٥/٨]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها :
حديث أَنَسٍ ◌َُ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ
مَزِيدٍ. حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فيها، فَتَقُولُ: قَطِ قَطٍ)).

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ويأتي في التوحيد، وأخرجه الترمذي والنسائي(١).
ثانيها :
حديث عوف -هو الأعرابي- عن محمد - هو ابن سيرين- عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ﴾ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ (٢) يعني: شيخ شيخه سعيد بن
يحيى الحذاء ((يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ أَمْتَلأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيَضَعُ
الرَّبُّ عليها قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ)).
ثالثها :
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رسول اللهِ وَّةِ: (تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ
وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوْثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا
لِي لَايَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟! قَالَ اللهُ رَّ وجل
لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا
أَنْتِ عَذَابٌ أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ منهما
مِلْؤُهَا؛ فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطِ. فَهُنَالِكَ
تَمْتَلِئُ وَيُزْوِى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا
الجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا)).
الشرح :
الكلام على ذلك من وجوه:
أحدها :
(قط) فيها ثلاث روايات: فتح القاف وسكون الطاء، وفتح القاف
مع كسر الطاء من غير تنوين وبه، هُذِه ثلاث مع فتح القاف، ورابعة
(١) الترمذي (٣٢٧٢)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤٠٩/٤ (٧٧١٩).
(٢) وقع في هامش الأصل: أبو سفيان الحميدي هو سعيد بن يحيى فاعلمه.

٢٧٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
بكسرها وسكون الطاء، ومدلول (قط): حسب، وقيل: إن قط صوت
جهنم، وقيل: مثل قوله: امتلأ الحوض [وقال:](١) قطني. أي: مثل
ليس يتكلم حقيقة، وهذا السؤال من الله فيه معنى التوبيخ لمن دخلها
وإلا فهو عالم بذلك وجعل الله لها عقوبة، وقولها: ﴿هَلْ مِنْ مَّزِيدٍ﴾
تغيظًا على العصاة.
ثانيها :
هذا من الأحاديث المشكل ظاهرها وللعلماء فيها مسالك:
أحدها: أبعدها: إنكارها جملة وتكذيبها، وهذا إفراط وطعن في
الثقات. وأقربها: قبولها وإمرارها على ما جاءت من غير خوض فيها هو
مذهب السلف، ومنهم من روى بعضها وأنكر أن يتحدث ببعضها وهو
مالك روى حديث النزول وأوله، وأنكر أن يتحدث باهتزاز العرش
لموت سعد بن معاذ كما سلف(٢)، ومنهم من تأولها تأويلًا يكاد أن
يفضي فيه إلى القول بالتشبيه كقول ابن قتيبة في حديث الصور (٣)(٤):
لله صورة لا كالصور(٥)، تعالى الله عن ذلك ومذهب الخلف التأويل،
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) أنظر: ((المنتقى)) ٣٥٧/١.
(٣) أنظر: ((تأويل مختلف الحديث)) ص ٣١٧-٣٢٢.
(٤) قال أبو محمد ابن قتيبة بعد شرحه للحديث: والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن
الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع، والعين، وإنما وقع الألف لتلك،
لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذِه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن
بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد. اهـ ((تأويل مختلف الحديث)) ص
٣٢٢.
(٥) هُذِه الجملة من كتاب ((مشكل الحديث وبيانه)) لابن فورك ص ٦٧ في رده على
ابن قتيبة.

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
واعلم قبل ذلك أنه لا يجوز أن تظن بالقدم هنا الجارحة، تعالى الله عن
ذلك قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ فإذا ملأها
بغيرهم، ففيه مخالفة خبره، ولا يقع فيتعين ما ذكرناه وقد أول أن
المراد به الموضع، وعليه مشى ابن حبان في ((صحيحه)) حيث قال:
هذا من الأخبار التي أطلقت بتمثيل المجاورة. وذلك أن يوم القيامة
يلقى في النار من الأمم والأمكنة التي عصي الله عليها، فلا تزال
تستزيد حتى يضع الرب تعالى موضعًا من الكفار والأمكنة في النار
فتهدأ، لأن العرب تطلق في لغتها أسم القَدَم على الموضع، قال
تعالى: ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يريد موضع صدق (١)، وكذا قال الحسن
البصري أن القدم قوم يعذبهم الله من شرار خلقه إلى النار.
وقال الإسماعيلي: الروايتان جميعًا ليس فيها من الذي يضع قدمه
فيها، ونقول: إن شك من شك في الرواية فهو على توهمه أن القدم
لا تكون إلا رجلًا والرجل قدم، وقال مجاهد: قول النار: ﴿هَلْ مِنْ
مَزِيدٍ﴾ أي: قد امتلأت وانتهيت بلا موضع فيَّ لمزيد (٢)، وقيل: إنما
تقول تغيظًا .
قال الإسماعيلي: هذا وجه من وجوه التأويل محتمل في اللغة
فيكون خروج الحديث على ذلك أنها قد تزاد، وهي عند نفسها
لا موضع فيها للمزيد، وقال: وأما القدم فقد تكون لما قدم من شيء
كما سمي ما خبط من الورق خبطًا، ثم ذكر الآية السالفة ﴿أَنَّ لَهُمْ
قَدَمَ صِدْقٍ﴾ والمعنى ما قدموا من حسن، قال: فعلى هذا من لم يقدم
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١/ ٥٠٢.
(٢) ((تفسير مجاهد)) ٦١٢/٢، ولفظه فيه: هل من مسلك.