Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = ومسلم والنسائي أيضًا (١)؟ وانفرد نافع بالكسر من (عسيتم)، والباقون على الفتح(٢)، وقد حكى عبد الله بن مغفل أنه سمع رسول الله وَي يقرأها بكسر السين. والرحم مشتقة من الرحمة، وهي عرض جعلت في جسم، ولذلك قامت وتكلمت، كما أسلفناه في الموت، ويجوز كما قال القاضي أن يكون المراد: قام ملك من الملائكة وتعلق بالعرش تكلم عن لسانها بهذا بأمر الله. قال: ويجوز أن يكون قيامها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك، والمراد تعظيم شأنها وفضلية واصلها وعظيم إثم قاطعها بعقوقهم، وبهذا سمي العقوق قطعًا، والعق: الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل. واختلف في الرحم التي يجب صلتها، كما قال القاضي، فقال بعضهم: هي كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، فعلى هذا لا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال؛ لجواز الجمع في النكاح دون المرأة وأختها وعمتها، وقيل: بل هذا في كل ذي رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث محرمًا كان أو غيره، وهذا هو الصواب؛ لقوله الَّ في أهل مصر: ((فإن لهم ذمة ورحمًا))(٣)، وقوله: ((إن أبر البر أن (١) (سنن النسائي الكبرى)) ٤٦١/٦ (١١٤٩٧). (٢) أنظر: (تفسير الطبري)) ٣٢٠/١١، (الحجة)) للفارسي ٣٤٩/٢، ((الكشف)) ٣٠٣/١. (٣) رواه مسلم (٢٥٤٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: وصية النبي ◌ّ بأهل مصر، من حديث أبي ذر. ٢٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يصل الرجل أهل ودِّ أبيه))(١) مع أنه لا محرمية، وفيه دلالة على أن قطعها كبيرة . والعائذ: المستعيذ وهو المعتصم بالشيء، الملتجئ إليه، المستجير به. وحقيقة الصلة العطف والرحمة، وصلة الله عباده لطفه لهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه أو صلتهم بأهل ملكوته وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته. ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطعها معصية كبيرة، والأحاديث في الباب تشهد له، ولكن الصلة درجات، بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة دون غايتها لا يسمى قاطعًا ولو قصر عما قدر عليه، وينبغي له أن يسمى واصلًا(٢). وفي حديث آخر: ((الرحم شجنة من الرحمن))(٣) وهي كما قال ابن سيده: الشعبة من الشيء وهي الرحم المشتبكة. والضم لغة فيه، وقيل: إنها الصهر (٤) . زاد صاحب ((الباهر)»: فيها فتح الشين وكسر الجيم وأنها الرحم والقرابة المشتبكة المشبهة بغصن الشجر. (١) رواه مسلم برقم (١٣/٢٥٥٢) كتاب: البر والصلة، باب: فضلة صلة أصدقاء الأب والأم، ونحوهما. من حديث ابن عمر. (٢) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ١٩/٨-٢١. (٣) سيأتي برقم (٥٩٨٨) كتاب الأدب: باب من وصل وصله الله، من حديث أبي هريرة. (٤) ((المحكم) ٧/ ١٧٧. ٢٤٣ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = وقوله: ( ((فأخذت بحقوي الرحمن)) ) في نسخة: بحقو، والحقو: معقد الإزار وجمعه أحق وأحقاء، وسمي الإزار (حقوًا)(١) للمجاورة، ولما جعل الله الرحم شجنة، أي: قرابة، شبه بذلك مجازًا واتساعًا، استعار لها الاستمساك به كما يستمسك القريب بقريبه، والنسيب نسيبه، والحقو فيه مجاز وتمثيل، ومنه قولهم: عذت بحقو فلان: إذا اعتصمت به أو استجرت. فائدة : صح أن صلة الرحم تنسأ في الأجل(٢)، والأصح أن الزيادة معنوية بالبركة في عمره، أو بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ ويجوز ذلك فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه، فإن وصلها زيد له أربعون، وقد علم الرب ما سيقع له من ذلك، وهو معنى قوله: ﴿يَمْحُواْ اللّهُ مَا يَشَآءُ وَيُتْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩] وأبعد من قال: المراد: بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت. (١) من هامش الأصل وفوقها: لعله سقط. (٢) سلف برقم (٢٠٦٧) كتاب: البيوع، باب: من أحب البسط في الرزق، ورواه مسلم (٢٥٥٧) كتاب: البر والصلة، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها. ٢٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = (٤٨) ومن سورة الفَتْحِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِمْ﴾: السَّحْنَةُ. وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: التَّوَاضُعُ. ﴿شَطَهُ﴾: فِرَاخَهُ ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾: غَلُظَ. ﴿سُوقِ﴾: السَّاقُ حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ. وَيُقَالُ: ﴿دَآبِرَةُ السَّوْءٍ﴾، كَقَوْلِكَ: رَجُلُ السَّوْءِ. وَدَائِرَةُ السَّوْءِ: العَذَابُ. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: تَنْصُرُوهُ. ﴿شَطْئَهُ﴾: شَطْءُ السُّنْبُلِ، تُنْبِتُ الحَبَّةُ عَشْرًا أَوْ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا، فَيَقْوىُ بَعْضُهُ بِبَعْضِ فَذَاكَ قوله تعالى: (فَازَرَهُ): قَوَّاهُ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلنَّبِيِّ ◌ََّ إِذْ خَرَجَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِأَصْحَابِهِ، كَمَا قَوى الحَبَّةَ بِمَا يَنْبُتُ مِنْهَا. هي مدنية، وقيل نزلت بين الحديبية والمدينة منصرفه من الحديبية أو بكراع الغميم. والفتح صلح الحديبية (أي)(١): فتح مكة. (ص) ([وقال] مجاهد: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِمْ﴾: السَّحْنَةُ) أخرجه إسماعيل القاضي، عن نصر بن علي بن بشر بن عمر، عن الحكم، عنه. وفي النسخ الصحيحة قبل هذا: وقال مجاهد: (بورًا: هالكين) (٢) ﴿سيماهم﴾ ... إلى آخره. والسحناء بالمد، كذلك السحنة بالتحريك، وقد تسكن: الهيئة. (١) كذا بالأصل، ولعلها (أو). (٢) وقع بالأصل: بوارها لكن. غير منقوطة، والصواب ما أثبتناه وهي رواية أبي ذر كما في هامش ((اليونينية))، و((الفتح)) ٥٨١/٨. ٢٤٥ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = (ص) (وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ : التَّوَاضُعُ) رواه ابن أبي حاتم من طريق حميد، عن قيس عنه بزيادة: الخشوع والتواضع. ومن طريق منصور عنه: الخشوع(١). قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون. ورواه أيضًا عبد، عن منصور عنه: الخشوع. وعن عكرمة: هو أثر التراب، وعن الحسن: هو بياض في وجوهم يوم القيامة. وعن ابن جبير: بلل الوضوء وأثر الأرض. وقيل: من كثرة الصلاة. وقيل: أثر السهر وصفرة الوجه(٢). وقال مقاتل: السمت الحسن(٣) والهدي. (ص) ((شَطْأَهُ): فِرَاخَهُ. ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾: غَلُظَ. [﴿سُوقِهِ ﴾]: السَّاقُ حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ) ما ذكره في أن شطأه: فراخه، هو كذلك، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا استفرخ. وقوله: (غلظ) في ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ هو كذلك، أي: غلظ وقوي، وسوقه: أصوله، كما ذكر. وقيل: في تفسير الآية من قوله: ﴿مُحَمَّدُ ج رَّسُولُ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوَنَا﴾ في العشرة ﴿ه. (ص) (﴿دَابِرَةُ السَّوْءٍ﴾) أي: العذاب والهلاك والدمار، وقرئ بفتح السين أيضًا (٤). (ص) (﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: تَنْصُرُوهُ) قال عكرمة: يقاتلون معه بالسيف(٥)، (١) عزاه لابن أبي حاتم ابن كثير في ((تفسيره)) ١٣٣١/١٣. (٢) انظر هذِه الآثار في ((تفسير الطبري)) ٣٧٠/١١-٣٧٢. (٣) رواه الطبري لكن عن ابن عباس ٣٧٠/١١ (٣١٦٢١). (٤) قرأها ابن كثير وأبو عمرو بضم السين، وباقي السبعة بالفتح. انظر: ((الحجة)) للفارسي ٦/ ٢٠٠. (٥) رواه الطبري ٣٣٧/١١ (٣١٤٧٢). ٢٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقرئ بالزايين. (ص) (شَطْأَهُ﴾: شَطْءُ السُّنْبُل، تُنْبِتُ الحَبَّةُ عَشْرًا وثَمَانِيًا وَسَبْعًا، فَيَقْوىُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فذلك قَوْلُهُ. (فَازَرَهُ): قَوَّاهُ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ إِذْ خَرَجَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِأَصْحَابِهِ، كَمَا قَوى الحَبََّ بِمَا يَنْبُتُ مِنْهَا). قد أسلف قبله الكلام على شطئه وقرئ (شطأه) بفتح الطاء، قال مالك في قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَارُ﴾: ليس لمن سبَّ الصحابة في الفيء نصيب، أي لمن يبغضهم، وأما ما شجر بينهم، فكل متأول. ٢٤٧ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = [باب] قوله: ﴾ ﴾ [الفتح: ١] ﴿إِنَا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ٤٨٣٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ مََّ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يُحِبْهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فُلَمْ يُحِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الَطَّابِ: ثَكِلَتْ أُّ عُمَرَ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِ ◌َله ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِبِي، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِي القُرْآنُ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُُ بِي فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِي قُرْآنٌ. فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ◌ََّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)). ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا [الفتح: ١]. [انظر: ٤١٧٧ - فتح: ٨ /٥٨٢] مُبِينًا ﴾﴾ ٤٨٣٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرْ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ [الفتح: ١] قَالَ: الْحَدَيْبِيَةُ. [انظر: ٤١٧٢- ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا أَنَس فتح: ٥٨٣/٨] ٤٨٣٥- حَدَّثَنَا مُسلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ◌َ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الفَتْحِ فَرَجَّعَ فِيهَا. قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَحْكِيَ لَكُمْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ نََّ لَفَعَلْتُ. [انظر: ٤٢٨١ - مسلم: ٧٩٤ - فتح: ٥٨٣/٨] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ كان يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يُحِبْهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ، ثُمَّ سَأَلَّهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ رسول الله وََّ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فُلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ: ثكلتك أمك عُمَرَ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِ وَِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: ٢٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيّ قُرْآنُ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ. فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: ((أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)). ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّا ﴾. فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا الكلام عليه من وجوه - بعد أن تعلم أنه أخرجه في المغازي وفضائل القرآن(١)، وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي (٢): أحدها : قال الدارقطني: رواه عن مالك، عن زيد، عن أبيه، عن عمر متصلًا محمد بن خالد بن عثمة، وأبو نوح عبد الرحمن بن غزوان وإسحاق الحُنَيني، ويزيد بن أبي حكيم، ومحمد بن حرب المكي، وأما أصحاب ((الموطأ)) فرووه عن مالك مرسلًا(٣). وقال القابسي: قوله: (قال عمر: فحركت بعيري) إلى آخره يبين أن أسلم عن عمر رواه، ولما رواه البزار، عن محمد بن المثنى، عن ابن عثمة بلفظ قال: سمعت عمر يقول، ثم قال: وثنا الفضل بن سهل، ثنا ابن غزوان، ثنا مالك، عن زيد، عن أبيه، عن عمر فذكره. قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالكًا، ولا عن مالك إلا ابن عثمة وابن غزوان (٤). (١) سيأتي برقم (٥٠١٢) كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل سورة الفتح. (٢) ((سنن الترمذي)) (٣٢٦٢)، ((سنن النسائي الكبرى)) ٤٦١/٦ (١١٤٩٩). (٣) ((علل الدارقطني)) ١٤٦/٢، وانظر: ((الموطأ)) ص١٤٤. (٤) ((مسند البزار)) ٣٨٨/١-٣٨٩ (٢٦٤، ٢٦٥). ٢٤٩ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = قلت: قد سلف عنه غيرهما، ورواه أحمد في ((مسنده)) عن (أبي نوح قراد بن نوح)(١)، عن مالك، عن زيد، عن أبيه، عن عمر به(٢). ثانيها : هذا السفر كان ليلا كما سلف، وكان منصرفه القليل من الحديبية لا خلاف فيه كما سلف في موضعه، فإن البخاري ساقه أيضًا هناك(٣). والثكل: فقد الولد، يقال: ثكلت وأثكلت، كأنه دعا على نفسه بالموت؛ لسوء فعل أو قول توهم أنه وقع منه، ويجوز أن يكون ذلك مما جرى على لسانهم من غير قصد حقيقته. ونزرت بنون مفتوحة، ثم زاي مخففة مفتوحة أيضًا، وقيل: مشددة، ثم راء ساكنة ومعنى التخفيف: ألححت عليه. قاله ابن فارس (2) والخطابي(٥)، وقال مالك: راجعت. وقال ابن وهب: أكرهته(٦)، أي: أتيته ما يكره من سؤالي، فأراد المبالغة. والنزر: القلة، ومنه: أكثر النزور هطلة الماء. قال أبو ذر: سألت من لقيت من العلماء أربعين سنة فما أجابوا إلا بالتخفيف، وكذا ذكره ثعلب وأهل اللغة (٧). وبالتشديد ضبطه الأصيلي وكأنه على المبالغة، وقال الداودي: نزرت، قللت كلامه إذ سألته فيما لا يحب أن يجيب فيه. (١) هكذا بالأصل، وإنما هو أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان، المعروف بقُرَاد. أنظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٣٣٥/١٧ (٣٩٢٧). (٢) (مسند أحمد)) ٣١/١. (٣) سلف برقم (٤١٧٧) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية. (٤) ((مجمل اللغة)) ٨٦٤/٣ مادة: (نزر). (٥) ((أعلام الحديث)) ١٧٣٢/٣. (٦) ((التمهيد)) ٢٦٩/٣. (٧) انظر: ((تهذيب اللغة)) ٣٥٤٩/٤، ((المحكم)) ٢٤/٩. ٢٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفيه: أن الجواب ليس لكل الكلام بل السكوت جواب لبعضه، ولعل عمر كرر السؤال لشيء أهمه، والشارع أعلم بما يسكت عنه ويجيب فيه، لكنه إنما سكت لاستغنائه بما أنزل عليه من الوحي. وقوله: (فما نشبت) هو بكسر الشين أي: لبثت. ثالثها : قوله: ( ((لهي أحب)) ) إلى آخره؛ بسبب ما بشرته من المغفرة والفتح وفاضل بين المنزلة التي أعطيها وبين ما طلعت عليه الشمس وليس بينهما في الحقيقة مفاضلة، نعم هو مثل قوله: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] و﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وفي الحديث في وصف الحور: ((ولنصيفها خير من الدنيا))(١)، وقد يجاب أيضًا أنه إنما جاء على ما أستقر في النفوس من قصد الدنيا، لكن الآخرة هي المقصودة حقيقة، وقال ابن بطال: معناه أن تكون هي أحبُ إلي من كل شيء؛ لأن لا شيء إلا الدنيا والأخرى، فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا، إذ لا شيء سواها إلا الآخرة(٢). ثم ساق البخاري حديث أَنَسِ عَّ: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُِينًا [الفتح: ١] قَالَ: الحُدَيْنِيَةُ. قد طوله هناك، وسلف الخلاف فيه، وعلى قول أنس أهل التفسير. وادعى الداودي أن الأكثر على أنه فتح مكة. ثم ساق أيضًا حديث عبد الله بن مغفل - بالغين المعجمة- قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ◌ََّ يَوْمَ فَتْحِ مَّةَ سُورَةَ الفَتْحِ فَرَجَّعَ فِيهَا. قَالَ مُعَاوِيَةُ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَحْكِيَ لَكُمْ قِرَاءَةً رسول الله ◌َيِّ لَفَعَلْتُ. (١) سلف برقم (٢٧٩٦) كتاب: الجهاد والسير، باب: الحور العين وصفتها من حديث أنس. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٥٠/١٠. ٢٥١ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = معنى رجَّع: ردد القراءة، وقيل: تقارب ضروب الحركات في الصوت، وقد بينه في موضع آخر، وقيل: كان ترجيعه قال: آآ آا ا](١). زاد في ((الإكليل)»: لولا أن يجتمع الناس لقرأتُ بذلك اللحن الذي قرأ به رسول الله وَل﴾ (٢). وزعم بعضهم أن هذا إنما كان منه لأنه كان راكبًا فجعلت الناقة تحركه فحصل له الترجيع، وهو محمول على إشباع المد، وكان الطبيعي حسن الصوت إذا قرأ مدَّ ووقف على الحروف، ويقال: ما بعث نبي إلا حسن الصوت، وقام الإجماع على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها كما نقله القاضي(٣). قال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك محمولة علي التحزين والتشويق(٤). واختلف في القراءة بالألحان، فكرهها مالك والجمهور (٥)؛ لخروجها عما جاء به القرآن من الخشوع والتفهم، وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف للأحاديث؛ ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية، وإقبال النفوس على استماعه(٦). وقال الشافعي(٧): أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع آخر: لا أكرهها، فجمع أصحابه بينهما، فالأول: إذا شطط وأخرج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص، أو مد (١) سيأتي برقم (٧٥٤٠) كتاب: التوحيد، باب: ذكر النبي وَّلَه وروايته عن ربه. (٢) رواه أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) وَيد- ١٥٩. (٣) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ١٦١/٣، وانظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٠٢/٢. (٤) ((فضائل القرآن)) ص١٦٤. (٥) ((المدونة)) ٣٧٩/٣. (٦) أنظر: ((تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق)) ٩١/١. (٧) انظر: ((روضة الطالبين)) ٢٢٧/١١. ٢٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = غير ممدود، أو أدغم ما لا يجوز إدغامه ونحو ذلك، والثاني: إذا لم يكن فيها تغيير لموضع الكلام. قال مالك: ينبغي أن تنزه أذكار الله وقراءة القرآن العظيم عن التشبيه. بأحوال المجون والباطل، فإنها حق وجد وصدق، والغناء هزو ولهو ولعب. وصححه القرطبي؛ لأن كيفية القراءة قد بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ إلى الشارع وليس فيها تطريب ولا تلحين مع كثرة المتعمقين والمتنطعين في مخارج الحروف، وفي المد والإدغام والإظهار وغير ذلك، وهذا قاطع، ولأن التطريب والترجيع يؤدي إلى الزيادة في القرآن أو النقص منه، وهما ممنوعان، والمؤدي إليهما ممنوع، وبيانه أن التطريب والتلحين من ضرورته المد في موضعه والنقص مراعاة للوزن، كما هو معلوم عند أهله، ولأنه أيضًا يؤدي إلى تشبيه القرآن بالشعر، وقد نزهه الله عنه كما قال ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١](١). (١) ((المفهم)) ٤٢١/٢ -٤٢٢. ٢٥٣ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = [باب] قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ! الآية [الفتح: ٢] ٤٨٣٦- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابن عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَنَّهُ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ◌َلَهِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! قَالَ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا))؟ [انظر: ١١٣٠ - مسلم: ٢٨١٩ - فتح: ٨/ ٥٨٤] ٤٨٣٧- حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ، عَنْ أَبِيِ الأَسْوَدِ سَمِعَ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَِّ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطََّ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لمَ تَصْنَعُ هذا يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: ((أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟)). فَلَمَّا كَثُرَ ◌ْحَمُهُ صَلَّى جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَزْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ. [انظر: ١١١٨ - مسلم: ٧٣١ ، ٢٨٢٠ - فتح: ٥٨٤/٨] ذكر فيه حديث زياد -هو ابن علاقة- أَنَّهُ سَمِعَ المُغِيرَةَ بن شعبة يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ بَّهِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: قد غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ !! قَالَ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا))؟ وحديث أبي الأسود - وهو محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة- سَمِعَ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنه التَّْهُ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَفَظَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هُذا يَا رَسُولَ اللهِ .. الحديث، وقال: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟)). فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ. سلفا في قيام الليل، وتورمت نحو تتفطر في الباب، يقال: ورم يرم ٢٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إذا ربا، وهو فعل يفعل، نادر، شاذ، وأنكر الداودي قوله: (فلما كثر لحمه صلى جالسًا)، وقال إنما في الحديث: فلما بدن(١)، يعني: كبر، وهذا في رسم الخط يقع على أخذ اللحم وعلى الكبر، فرواه بعضهم على ما يحتمل من التأويل، ونقل غيره: لما كبر وسمن مثل ما هنا ومن صفاته أنه لما كبر سمن. وقال ابن الجوزي: لم يصفه أحد بالسمن أصلًا، ولقد مات وما شبع من خبز الخمير في يوم مرتين، وأحسب أن بعض الرواة روى قولها: (بدن) ظنه كثر لحمه، وأن قومًا ظنوا ذلك، وليس كذلك. فإن أبا عبيد قال: بدن الرجل يبدن: إذا أسن، فيحتمل أن يكون المعنى: لما ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلاً طعن في السن(٢). فائدة : صلاته وَّر جالسًا كصلاته قائمًا - كما ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث عبد الله بن عمرو (٣). وفي الحديث: الأخذ بالشدة في العبادة وإن أضر ذلك بدنه، وذلك له حلال مع جواز أخذه بالرخصة، ألا ترى إلى قوله: ((أفلا أكون عبداً شكورًا)) نبه على ذلك المهلب (٤). وفيه أيضًا أن لمطيق القيام أن يجلس، فإنه يجلس في بعض الركعة (١) رواه مسلم برقم (١١٧/٧٣٢) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٢) ((غريب الحديث)) ٩٦/١. (٣) رواه مسلم برقم (٧٣٥) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا .. (٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٢١/٣ .. ٢٥٥ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ ويقوم في بعضها، ومذهب ابن القاسم أن من أبتدأ قائمًا له الجلوس(١)، وخالفه أشهب(٢). وفي الآية المذكورة أقوال للمفسرين: منها : أن المراد بذلك أمته، أو لو وقع ذلك لغفر. ومنها: قول مجاهد: ما قبل الرسالة وما بعدها(٣). ومنها: قول الطبري: المتقدم: قوله يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدًا))(٤). فأوحي إليه: من أين تعلم ذلك، والمتأخر: رميه بالحصى يوم حنين وقال: ((لو لم أرمهم لم ينهزموا)). فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧](٥). (١) (المدونة)) ١/ ٧٧. (٢) ((النوادر والزيادات)) ٢٥٩/١. (٣) ذكره الماوردي بنحوه في ((تفسيره)) ولم يسنده لأحد ٣١٠/٥. (٤) رواه مسلم برقم (١٧٦٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم. (٥) انظر ((تفسير القرطبي)) ٢٦٣/١٦. ٢٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = [باب] قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨] ٤٨٣٨- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ هَذِه الآيَةَ التِي فِي القُرْآنِ ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ٢٤٥ [الفتح: ٨] قَالَ: فِي التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَزْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِزْزًا لِلْأَمَّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكَّلَ لَيْسَ بِفَظّ وَلَ غَلِيظِ وَلَا سَخَّابٍ بِالأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ ولكن يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الِلَّةَ العَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّ اللهُ. فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنَا عُمْيَا وَآذَانًا صُمَّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. [انظر: ٢١٢٥ - فتح: ٨ / ٥٨٥] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصي رضي الله عنهما أَنَّ هُذِه الآيَةَ التِي فِي القُرْآنِ ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٤٥ [الفتح: ٨] قَالَ: فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا ونذيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظّ وَلَا غَلِيظِ وَلَا سَخَابٍ بِالأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيَِّةِ ولكن يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِله إِلَّ اللهُ. فَيَفْتَحَ به أَعْيُنَا عُمْيًا وَآذَانًا صُمَّا وَقُلُوبًا غُلْفًا . الشرح : الشاهد هو المبين؛ لأنه يبين الحكم، فسمي شاهدًا لمشاهدته المآل والحقيقة، فكأنه الناصر بما شاهد، ويشهد عليهم أيضًا بالتبليغ وبأعمالهم من طاعة ومعصية، وبين ما أرسل إليهم، وأصلها الإخبار ٢٥٧ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = بما شوهد. وعن قتادة: شاهدًا على أمته وعلى الأنبياء، ومبشرًا بالجنة لمن أطاعه(١). ونذيرًا أي: من النار، أصله الإنذار، وهو التحذير. والمتوكل: هو الذي يكل أمره إلى الله. فصل : هذا الحديث أخرجه هنا عن عبد الله، وهو ابن مسلم كما صرح به ابن السكن. وأخرجه في البيوع عن محمد بن سنان، وقال أبو مسعود: عبد الله الذي لم ينسبه، يقال: إنه ابن رجاء، وقال بعضهم: هو ابن صالح. والحديث عندهما عن الماجشون، ونقل ما أسلفنا عن ابن السكن الجيانيُّ وقال: إنه ضعيف. والذي عندي أنه عبد الله بن صالح كاتب الليث، على أن الحاكم قطع أن البخاري لم يخرج في ((صحيحه)) عنه شيئًا(٢). (١) رواه الطبري ١١/ ٣٣٧ (٣١٤٦٧). (٢) ((تقييد المهمل)) ٩٩٣/٣-٩٩٤، هذا وقد ورد بهامش الأصل: ذكر المزي في ((التهذيب)) هذا المكان، وذكر الاختلاف في عبد الله هذا ثم قال: وأولى هذِه الأقوال بالصواب قول من قال: إنه كاتب الليث، ثم علله، والله أعلم. ٢٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - [باب] قوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ اُلسَّكِينَةَ﴾ [الفتح: ٤] ٤٨٣٩- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نََّ يَقْرَأُ، وَفَرَسٌ لَهُ مَرْبُوطٌ فِي الدَّارِ، فَجَعَلَ يَنْفِرُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَجَعَلَ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَلِّ فَقَالَ: (تِلْكِ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ)). [انظر: ٣٦١٤ - مسلم: ٧٩٥ - فتح: ٥٨٦/٨] ذكر فيه حديث البَرَاءِ عُ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله وَله يَقْرَأُ ولِه فَرَسٌ مَرْبُوطُ فِي الدَّارِ، فَجَعَلَ يَنْفِرُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَجَعَلَ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لرسول الله وَلَ فَقَالَ: (تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ)). ويأتي في فضائل القرآن، في فضل سورة الكهف(١)، وأخرجه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي(٢)، وهذا الرجل هو أسيد بن حضير - كما جاء في رواية أخرى- وأنها سورة الكهف(٣) . وفيه: أنها جسم، وعلقه البخاري من حديث أبي سعيد أيضًا، وأنه قرأ البقرة وفي آخره: فقال التَّه: ((وتدري ما ذاك؟ تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها)) وأسنده النسائي(٤)، وزعم بعضهم تعدد الواقعة، ويحتمل أنه قرأهما كلتيهما، أو أن الراوي ذكر المهم وهو نزول الملائكة، وهي السكينة. (١) سيأتي برقم (٥٠١١). (٢) (سنن الترمذي)) (٢٨٨٥)، ((السنن الكبرى)) للنسائي ٤٦٢/٦-٤٦٣ (١١٥٠٣). (٣) سيأتي برقم (٥٠١١). (٤) سيأتي برقم (٥٠١٨) باب: نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن، ووصله النسائي في ((الكبرى)) ١٣/٥ (٨٠١٦). = كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ ٢٥٩ ٥- [باب] قوله: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ٨] ٤٨٤٠- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحَدَيْبِيَةِ أَلَّفَا وَأَزْبَعَمِائَةٍ. [انظر: ٣٥٧٦ - مسلم: ١٨٥٦ - فتح: ٨ / ٥٨٧] ٤٨٤١- حَدَّثَنَا عَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلِ المُزَنِّ: إِنِي مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ، نَهَى النَّبِيُّ ◌ََّ عَنِ الَخَذْفِ. [٥٤٧٩، ٦٢٢٠ - مسلم: ١٩٥٤ - فتح: ٨ /٥٨٧] ٤٨٤٢- وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُغَفَّلِ الْمُزَنِّ فِي البَوْلِ فِي المُغْتَسَلِ. [فتح: ٨/ ٥٨٧] ٤٨٤٣- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ خَالِدِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ. [انظر: ١٣٦٣ - مسلم: ١١٠ - فتح: ٥٨٧/٨] ٤٨٤٤- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ سِيَاهِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ فَقَالَ: كُنَّ بِصِفِّيْنَ فَقَالَ رَجُلٌ أَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ. فَقَالَ عَلِيَّ: نَعَمْ. فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: صَلىالله آَتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - يَغْنِي الصُّلْحَ الذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ وستـ وَالْمُشْرِكِينَ- وَلَوْ نَرِىُ قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَسْنَا عَلَى الَحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الَجَنَّةِ وَقَتْلَهُمْ فِي النَّارِ؟! قَالَ: ((بَلَى)). قَالَ: فَفِيمَ أُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَا يَحْكُم اللهُ بَيْنَنَا. فَقَالَ: ((يَا ابن الخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًّا)). فَرَجَعَ مُتَغَيّظًا، فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى الَحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابن الَخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِوَّهِ وَلَنْ ٢٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا. فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ. [انظر: ٣١٨١ - مسلم: ١٧٨٥ - فتح: ٨/ ٥٨٧]. ذكر فيه حديث جابر كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. وقد سلف، وقيل: وخمسمائة، وقيل: وثلاثمائة كما سلف هناك أيضًا. ثم ذكر عن عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، أي: بالغين المعجمة، المُزَنِيِّ: فيمن شَهِدَ الشَّجَرَةَ، نَهَى النَّبِيُّ وَّهَ عَنِ الخَذْفِ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ: فِي البَوْلِ فِي المُغْتَسَلِ يأخذ منه الوسواس. أما حديث نهيه عن الخذف فسيأتي في الأدب أيضًا. قال الليث: الخذف: رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك أو بين إبهامك والسبابة، وعبارة ابن فارس: خذفت الحصاة إذا رميتها بين إصبيعك(١). وأما حديث نهيه عن البول في مستحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه، قال الترمذي: حديث غريب(٢)، واستدركه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وذكر له شاهدًا(٣)، وأعله عبد الحق كما بين ابن القطان وهمه فيه (٤). قلت: وفي سنده أشعث بن عبد الله الحداني، وثقه النسائي وغيره(٥)، وأورده العقيلي في ((الضعفاء))، وقال: وفي حديثه وهَم، ثم ذكر له هذا الحديث(٦). (١) ((مجمل اللغة)) ١/ ٢٨١. (٢) الترمذي برقم (٢١). (٣) ((المستدرك)) ١٦٧/١. (٤) ((بيان الوهم والإيهام)) ٥٧١/٢ (٥٨٢). (٥) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٢٧٣/٣. (٦) ((الضعفاء)) ٢٩/١.